القضية الإرترية (1)
11/10/1424هـ
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: إن الصراع بين الإسلام والنصرانية صراع قديم، والأمة تعيش في هذه المرحلة
أشد أنواع الصراع ضراوة وشراسة، وقد تنوعت خطط النصرانية وأساليبهم في محاربة دين
الله وأوليائه، ولم يتورعوا عن استخدام أبشع ما يمكن من الأساليب، ولم يسجل التاريخ
في جميع أدواره أحلك من الصفحات التي تضمنت سرداً لأحداث الحروب الصليبية القذرة،
ولم تُصَب الإنسانية في صميمها بمثل ما أصيبت به في تلك الحروب. ويكفي أن نعلم أن
الحروب الصليبية أسقطت في بغداد وحدها مليوناً وثمانمائة ألف قتيل من المسلمين، وفي
سوريا نصف هذا العدد. ومع كل هذا فقد خابت الحروب الصليبية فيما كانت تسعى إليه من
تدمير الإسلام، وكانت عاملاً محركاً للمسلمين إذ أيقظتهم من مرقدهم وغفوتهم وأعادت
لهم عزم المؤمنين على الدفاع عن دين الله.
ولا بد من فتح ملفات قديمة لهذا الصراع لمعرفة ما يجري على الساحة اليوم، وإن من
الملفات المهمة وهو -صراع قديم جديد- صراع الإسلام والنصرانية في منطقة القرن
الإفريقي خاصة وقارة أفريقيا عامة.
لقد اهتمت النصرانية اهتماماً بالغاً بالقارة الإفريقية، وبذلوا جهوداً مضنية في
سبيل تنصيرها، بل إنهم رفعوا شعار: إفريقيا نصرانية عام 2000م، كما زعموا، ومن أجل
ذلك فقد عقدوا المؤتمرات، وقدموا الأموال الطائلة، ووظّفوا المنصرين، وهيؤوا السبل،
وأجلبوا بخيلهم ورجلهم لتحقيق مآربهم، ولكن مثلهم كما قال تعالى:
{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
المَاكِرِينَ} [(30)
سورة الأنفال]، فإن دين الله باقٍ،
والنصر والتمكين والاستخلاف في الأرض لأوليائه الصادقين، مهما تطاول الباطل، ومهما
نما زرعه {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}
[(55) سورة النور].
لقد اتخذ الصراع في القرن الإفريقي أشكالاً متعددة، وشعارات كثيرة، فهناك صراعات
قبلية وقومية وإقليمية ودولية، ولكن الأبرز والأهم كان الصراع العقدي، صراع بين
الحق والباطل، صراع بين الإسلام والنصرانية على وجه الخصوص. ومن بين القضايا المهمة
والساخنة والمنسية هناك "قضية إريتريا".
وإن مما يؤسف له أن نجد أكثر المسلمين في العالم لا يعرفون شيئاً عن قضية الشعب
الإريتري، وجهاده؛ لأنهم أصبحوا أسرى وسائل الإعلام الغربي الموجه، وإن الإعلام
الإسلامي أصبح أيضاً رهينة لوكالات الأنباء الغربية والتي تتبنى، ولا تثير من
القضايا إلا ما يخدم سياسات الغرب الصليبي واستراتيجياته، فأنّى للمسلم أن يتعرف
على قضاياه.
ومحاولة في الخروج من ظلمة التعتيم الإعلامي، فهذه محاولة متواضعة للتعريف بهذه
القضية وأبعاد المؤامرة.
إريتريا: مشتق من الاسم اليوناني القديم للبحر الأحمر وهو "سينوس إرتريوس" تقع
إريتريا في أقصى الساحل الغربي للبحر الأحمر جنوباً، وتعتبر بوابته الرئيسية،
ويحدها من الشمال الغربي السودان، ومن الشرق والشمال الشرقي البحر الأحمر، ومن
الجنوب إثيوبيا، ومن الجنوب الشرقي جيبوتي، ولهذا الموقع أهمية بالغة؛ لأنها تعتبر
جزءاً من القرن الإفريقي، وبوابة شرق إفريقيا، فضلاً عن قربها من المقدسات
الإسلامية ومنابع البترول. وقد تنبهت الدولة الأموية مبكراً لأهمية هذا الموقع
فبسطت نفوذها في جزيرة "دهلك" وأقاموا القلاع والحصون التي لا تزال آثارها باقية.
تمتلك إريتريا مائة وستة وعشرين جزيرة على البحر الأحمر أهمها جزيرة "دهلك" وتتمتع
بساحل طويل على البحر الأحمر طوله ألفٌ وثمانون كيلومتر. عدد سكانها قرابة خمسة
ملايين نسمة يشكل المسلمون نسبة سبعين بالمائة والباقي نصارى.
وكثير من قبائلهم يرجعون إلى أصول عربية، ولهذا فاللغة العربية هي اللغة الأكثر
انتشاراً، وهي جزء من مملكة الحبشة المشهورة التي كان ملكها فيما قبل الإسلام يسمى
النجاشي، وكانت هذه المملكة تضم إلى جانب إريتريا، إثيوبيا وجيبوتي وجزءاً من
الصومال وكينيا والسودان، وقد دخل الإسلام إلى مملكة الحبشة عموماً وإريتريا جزءٌ
منها منذ سنوات الدعوة الأولى، حيث حمله المهاجرون الأوائل من الصحابة، ثم توالت
هجرات التجار المسلمين والدعاة الذين جاؤوا بدين الفطرة، ودخل الإريتريون في دين
الله أفواجاً.
وأصبحت بعد ذلك منطلقاً لنشر الإسلام في
إفريقيا. وتعتبر جزيرة "دهلك" مصدر إشعاع لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية،
ونشر الدعوة الإسلامية في دول شرق إفريقيا، كما كانت هذه الجزيرة أحد الثغور للجيش
الإسلامي في عهد عبد الملك بن مروان.
إن امتلاك إريتريا لساحل طويل، ومجموعة الجزر المهمة على البحر الأحمر باعتباره ذا
قيمة استراتيجية، جعلها تتعرض لأطماع دولية وإقليمية مستمرة، وذلك بهدف إقامة قواعد
عسكرية بها، حتى تتحقق من خلالها: السيطرة على حركة الملاحة البحرية في البحر
الأحمر، والاقتراب من مصادر الطاقة النفطية والتحكم فيها، والقرب من أهم المقدسات
الإسلامية، وهذا يشكل أحد أهم الأهداف الرئيسة للدول المعادية، وعلى رأسها العدو
الصهيوني، فقد أقامت إسرائيل قواعد عسكرية بعد أن سمحت الحكومة الإثيوبية لها ببناء
قواعد في الجزء الغربي في إريتريا، وتقع هذه القواعد بالقرب من الحدود الإريترية
السودانية، وتقوم الطائرات الإسرائيلية بالطيران المباشر من هذه القواعد إلى تل
أبيب، كما أن إثيوبيا قد سمحت لإسرائيل ببناء قاعدة بحرية في جزيرتين إريتريتين عند
مضيق باب المندب، وتبعد هاتان الجزيرتان حوالي خمسين ميلاً عن مضيق باب المندب. كما
أن إسرائيل تعتبر أسمرة مركزاً إفريقيّاً مهمّاً لمخابراتها، حيث تنطلق توجيهاتها
لكل الذين يتعاملون معها في المنطقة، وبخاصة الدول المطلة على البحر الأحمر.
ومن أجل موقع إريتريا المهم احتلت البرتغال في القرن السادس عشر الميلادي جزءاً من
إريتريا، ولكن إدراك العثمانيين لخطورة هذا الاحتلال، وتهديده للأماكن المقدسة في
الجزيرة العربية جعلهم ينازلون البرتغاليين حتى أجلوهم عن المنطقة، ونصبوا أحد
أبناء الأسرة الحاكمة نائباً عنهم.
وظلت هذه المنطقة تحت الخلافة العثمانية ثلاثة قرون من عام 1557م حتى 1865م ثم
أصبحت بعدها تحت الحكم الخديوي المصري إلى أن جاء الاستعمار الإيطالي.
احتل الإيطاليون إريتريا عام 1869م وأطلقوا عليها اسمها الذي تعرف به اليوم وتعني
البقعة الحمراء.
استغلت إيطاليا خيرات إريتريا وسخرت إنسانها لأهدافها، من خلال التجنيد الإجباري،
والخوض بهم في حروبهم الاستعمارية ضد ليبيا والصومال وغيرها. كما سخرت إيطاليا
الإنسان الإريتري لشق الطرق، وتكسير الجبال، إضافة إلى سعيها الحثيث لتجهيل الشعب
الإريتري حتى تتحكم فيه، وقد فرضت على الطالب الإريتري ألاّ يتخطى الابتدائية،
وفرضت التعليم باللغة الإيطالية، ومنعت اللغة العربية.
دخلت إيطاليا الحرب ضد بريطانيا عام 1940م فانهزمت إيطاليا، ومن جرّاء ذلك استولت
بريطانيا على إريتريا لينتهي العهد الإيطالي الذي استمر إحدى وخمسين عاماً، ليبدأ
العهد الثاني في عام 1941م وهو الاستعمار البريطاني.
احتلت بريطانيا إريتريا بانتداب من دول الحلفاء: أمريكا وبريطانيا والسوفيت باسم
الحماية والوصاية الدولية على المستعمرات الإيطالية في أفريقيا، والتي من ضمنها
إريتريا وذلك لفترة عشر سنوات.
وهذه الفترة القليلة التي مكثتها بريطانيا مقارنة بالفترة الإيطالية إلا أنها تعد
من أشد الفترات خطورة على إريتريا وشعبها نظراً للأدوار السيئة التي قامت بها
بريطانيا من تخريب للاقتصاد ومحاولاتها الدؤوبة لأن تكون إريتريا جزءاً من إثيوبيا
النصرانية.
وهناك تعميم متداول لدى الإريتريين في تقييم حقب الاستعمار يتلخص في السياسة
التالية: فيقولون:
العهد الإيطالي كان شعاره: اِشبَع واسْكُت.
والعهد البريطاني: تَكلَّم وجُع.
والعهد الأثيوبي: جُع واسْكُت.
وكانت كلها تآمر على حق الشعب الإريتري في تقرير مصيره، حيث سَلّمت بريطانيا
إريتريا إلى إثيوبيا عبر الاتحاد الفيدرالي المشؤوم عام 1952م رغماً عن إرادة الشعب
الإريتري، وتطلعاته في الحرية والاستقلال كما سيأتي.
ولقيت دولتي الاحتلال إيطاليا وبريطانيا من أهالي إريتريا مقاومة شديدة منذ اليوم
الأول الذي وطأت فيه أقدامهم أرضها، ولم يتمكنا طيلة فترة تواجدهما هناك من إحكام
السيطرة عليها.
وإبان فترة الاحتلال تلك، نشأت بين الإريتريين عدة فئات سعت إلى إجلاء القوات
الغازية عن بلادهم، وكان من بين تلك الفئات فئة أطلق عليها في حينها الرابطة
الإسلامية، اتخذت من عرب إريتريا قاعدة انطلاق لها، تطالب باستقلال إريتريا
بالكامل.
ذكرنا بأن بريطانيا احتلت إريتريا بانتداب من دول الحلفاء، وقد مهّد هذا الانتداب
الطريق لطاغية إثيوبيا هيلاسيلاسي كي يحقق حلم النصارى الأثيوبيين في احتلال
إريتريا، ووقفت كل القوى الصليبية على مستوى المنطقة والعالم خلف النصارى
الإريتريين في صراعهم ضد المسلمين، وكان في مقدمة ذلك النظام الكهنوتي الصليبي
أمريكا وبريطانيا.
وفي إطار التآمر الصليبي صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1950م يقضي
بربط إريتريا فيدرالياً مع إثيوبيا. وينص القرار على دخول إريتريا في اتحاد
كونفدرالي مع إثيوبيا، على أن يكفل ذلك الاتحاد حقوق إريتريا كاملة بما في ذلك حق
إنشاء حكومة محلية تتولى الإشراف على إدارة كافة شؤون البلاد؛ باستثناء شؤون الدفاع
التي نص القرار على إبقائها بيد حكومة أديس أبابا، إلا أنه ما أن دخل عام 1955م حتى
كان الدستور الأثيوبي قد شهد تغيرات جذرية لم تدع معها إلا جزءاً ضئيلاً جداً من
الحقوق التي نص عليها قرار الأمم المتحدة المذكور؛ فلم تعد الحكومة الإريترية قادرة
على اتخاذ أبسط القرارات المحلية إلا بإذن مسبق من حكومة أديس أبابا.
وفي شهر أيار من عام 1960م صوت مجلس الشعب
الإريتري وبالإجماع على إعادة تسمية الحكومة الإريترية باسم الإدارة الإريترية،
ويعلم الإريتريون جيداً أن قراراً كهذا ما كان ليتخذ لولا الضغوط الشديدة التي
مارستها الحكومة الإثيوبية. وجاء عام 1962م ليشهد قطف ثمار تلك الضغوط، وذلك بضم
إريتريا رسمياً إلى إثيوبيا وإعلانها الإقليم الرابع عشر فيها .
وظل الإمبراطور هيلاسيلاسي يتحين فرصة ضم إريتريا إلى إثيوبيا من خلال الاتحاد
الفيدرالي، حيث تدخل مباشرة في الشؤون الإريترية، وصادر كل ممتلكات إريتريا من
السلطات البريطانية، وحل الاتحادات والنقابات العمالية، وأوقف جميع الصحف الإريترية
وسجن محرريها، وفي نفس الوقت جرّد المحاكم من سلطاتها المستقلة إيذاناً بإلغاء
الاتحاد الفيدرالي، وضم إريتريا إلى إثيوبيا رسمياً، وفي عام 1955م أعلن عدم وجود
شيء اسمه شأن إريتري خاص، وفي 56م طرد جميع القضاة التابعين للمحكمة العليا، وفي
58م أنزل العلم الإريتري ورفع بدله العلم الإثيوبي، وفي عام 1960م سحب الأختام
الرسمية للحكومة، ونزع جميع الضمانات، وفي 62م أصدر المرسوم الامبرطوري بإنهاء
الاتحاد، وجعل إريتريا المحافظة الرابعة عشرة لإثيوبيا الكبرى.
وقد كافأت إثيوبيا أمريكا وإسرائيل
تقديراً لدورهما في ضم إريتريا إليها بمنح أمريكا قاعدة "كانيو استشن" التجسسية قرب
مدينة أسمرا، ولإسرائيل حقوق سيأتي تفصيلاتها بعد قليل.
ولا تخلو ألاعيب سياسية واستهتار بحقوق الشعوب كهذا من دور بريطاني في العادة، فقد
كان المندوب البريطاني في إريتريا، وكان يهودياً في الفترة التي سبقت قيام إسرائيل
وراء إقناع هيلاسيلاسي آنئذٍ بضم إريتريا إلى ملكه، وجعلها منفذاً مستقبلياً وحيداً
للدولة اليهودية التي كانت تهم بريطانيا بإقامتها في فلسطين على قارة أفريقيا؛ ومن
هنا تتضح حوافز بريطانيا في الأمم المتحدة وراء ضم إريتريا.
ولا أصرح وأوضح من كلام وزير الخارجية الأمريكي وقتها عندما قال: "من وجهة نظر
العدالة يجب أخذ آراء الشعب الإريتري بعين الاعتبار، إلاّ أن مصلحتنا في البحر
الأحمر، واعتبارات السلام والأمن يمليان علينا إلحاق إريتريا بإثيوبيا التي هي
صديقتنا" وأظن بأن الكلام صريح وواضح لا يحتاج إلى شرح أو تعليق.
بارك الله لي ولكم...
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: حصل الضم ومارس الطاغية هيلاسيلاسي وأوباشه أشد أنواع التعذيب والاعتداء
على شعب إريتريا المسلم، وزج بالكثير منهم في السجون، ومارس معهم أبشع أنواع
التعذيب، وارتكب جنوده جرائم تتنافى مع أبسط قواعد الأخلاق والإنسانية، وقتل الناس
أفراداً وجماعات، وانتهكت الأعراض، وعلقت الجثث، واستخدمت السموم بالطائرات من أجل
الإبادة الجماعية، وفي عام 67م شنت قوات الطغيان الهيلاسيلاسية حملة إبادة دُمرت
فيها أكثر من 62 قرية، وقتل المصلون وأحرقوا في مساجدهم أثناء الصلاة بعد إحكام
إغلاق المساجد عليهم، وحصلت عمليات الإبادة الوحشية بالآلاف، ناهيك عن نهب خيرات
البلاد، فقد نُهب من حصة إريتريا في الجمارك وحدها حوالي 300 مليون دولار، الأمر
الذي أدى إلى تدهور الاقتصاد وغلاء المعيشة. إضافة إلى تدمير نصف مليون رأس من
الماشية بالطائرات. حصل بعدها مشكلة المشاكل وهو لجوء 700.000 لاجئ إلى السودان حيث
الاغتراب والبؤس والموت، يضاف إلى ذلك الخراب والدمار العام الذي حل بإريتريا من
ترك مدن ومزارع وتجارة والشتات نحو المجهول.
ويعد الاستعمار الإثيوبي لإريتريا من أسوأ أنواع الاستعمار الذي تعاقب عليها، فمن
بداية الفيدرالية وإلى إعلان الضم استخدم سياسة التجويع والإفقار، وتهجير الشعب من
قراه، وسجن وقتل المواطنين.
هذه الأفاعيل جعلت الشعب الإريتري يتنامى حسه السياسي، فبدأ يتمسك بأرضه وثقافته
ودينه، وشكل أحزابه ليخوض الصراع بطرق سلمية، لكن مكائد الكبار كانت أكبر من طاقة
الشعب، فاندلعت ثورة هذا الشعب، وخرج فيها شباب كثير، وكانت السمة الغالبة عليها
سمة إسلامية، وإن كانت تختلط بالروح الوطنية أحياناً، وقد كانت قوية في بدايتها،
ولفتت أنظار العالم إليها بما أحرزته من انتصارات، وشعر النصارى من الإريتريين
الذين كانوا يؤيدون إثيوبيا في استعمارها، شعروا بأن الثورة قد تحقق انتصاراً يؤدي
بالفعل إلى الاستقلال، فرأوا أن من مصلحتهم الدخول في الثورة، فدخلوا فيها، هذا من
جانب، ومن جانب آخر فإن عدداً من الشباب الإريتري الذي ينتمي إلى الإسلام اسماً
دخلوا في صفوف الثورة بأفكار منحرفة، فدخلوا وكل منهم يحمل معولاً للهدم داخل
الثورة، وما هي إلا سنوات قلائل حتى خرجت رؤوس الفتنة، فهذا شيوعي ماركسي، وذاك
بعثي اشتراكي، وآخر قومي عربي، فكان أول انشقاق على الثورة هو ذاك الذي قام به أحمد
ناصر الشيوعي مع مجموعة من حزب العمل الشيوعي، فانشقوا بجبهة أسموها "جبهة التحرير
الإريتري" ثم قام المدعو عبد الله إدريس بانقلاب عسكري، وأسر كل الشيوعيين بمن فيهم
رئيسهم أحمد ناصر، وأصبح هو رئيسها.
وللحديث بقية...
اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء....