خدمة rss
بناء الشخصية

   

 بناء الشخصية

د. ناصر بن محمد الأحمد

إن الحمد لله..

يعيش العالم الإسلامي اليوم في مركز إعصار العولمة، حيث وُضع العالم فيما يشبه الخلاطة الكبيرة، ولم يعد هناك شيء مغلق أو بعيد، والعزلة التي كانت تحمي الأمم الضعيفة خصوصيتها الثقافية وشخصيتها من خلالها صارت الآن على مستويات عدة مستحيلة، وصارت السمكة الصغيرة أمام السمكة الكبيرة وجهاً لوجه فماذا عساها أن تفعل؟.

إن لأمة الإسلام طريقها الخاص في الحياة، ونظرتها للفرص والمخاطر نظرة متفردة تنبع من خصوصية عقيدتها ومنهجها. إننا أمة ذات شخصية متميزة خاصة تشكلت هذه الشخصية من مجموع مبادئ الأمة الكبرى ورُؤاها الكلية، وهذه الشخصية تتعرض للمخاطر أكثر فأكثر كلما زادت الحياة تعقيداً.

إن للمسلم شخصيه متميزة ميزه الله بها عن الناس، حيث إنه رجل عقيدة، فالمسلم يؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً ورسولا، ويؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ينطلق المسلم في نظرته إلى الحياة على أساس هذا الإيمان الذي يحدد له منطلقاته وأهدافه وسلوكه ونظرته إلى هذا الكون والحياة وتعامله فيها، وعلى هذا تقوم حياته وتتحدد نظراته وتسير أموره بوضوح وجلاء، فلا تخبط ولا تيه ولا تغيير ولا تبديل، ولقد ركز الإسلام على هذا المعنى الكبير لأنه هو الذي يحدد بداية مسار الإنسان في هذه الحياة ومنطلقه منها، يقول الله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك).

ومن مميزات الشخصية المسلمة أن المسلم رجل عبادة، فحياته عبادة لله سبحانه وتعالى، تسير بنظام واتساق وتوازن، وهو ملتزم بهذه العبادة الجليلة التي تشمل جميع جوانب الحياة، يقول الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون)، وعليه فالمسلم يقوم بهذه العبادة مخلصا فيها لله عز وجل، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء).

ومن مميزات الشخصية المسلمة أن المسلم رجل أخلاق يتميز بخلقه الكريم وتعامله الحسن وسلوكه الحميد مقتدياً في ذلك كله بقدوته الأولى محمد  الذي أثنى الله تعالى عليه في هذا الجانب فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم)، وسئلت عائشة رضي الله عنها عنه فقالت: "كان خلقه القرآن".

ومن مميزات الشخصية الإسلامية أن المسلم رجل علم وتعامل ودعوة، يسير في الحياة على علم وبصيرة، ويتعامل مع الآخرين بما يحب أن يعاملوه به، فينطلق في تعامله من محبته لهم وتمني الخير لهم والدعاء لهم بكل ما يصلح حالهم ويسعدهم في دنياهم وأخراهم، فالمسلم ليس أنانياً لا يريد الخير إلا لنفسه، وليس حسوداً يتمنى زوال النعمة عن غيره، وليس حقوداً يتمنى الشر للآخرين، وهكذا كان رسول الله  ودعوته قائمة على ذلك، والمسلم الحق من يكون كذلك، فيوصل أعظم الخير إلى الناس من هدايتهم وإرشادهم وتوجيههم، وخيرية هذه الأمة قائمة على أساس هذا المبدأ العظيم، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه).

الشخصية الإسلامية هي الشخصية الإنسانية الوحيدة التي توسم بأنها سوية، سوية في صفاتها وخصائصها، سوية في آمالها وطبائعها، سوية في مقاييسها وموازينها، هي الشخصية السوية التي لم تمسخ فطرتها، ولم تشوه جبلتها، هي الشخصية الإنسانية السوية التي تسعى في هذا الكون لتكون الإنسان الذي شاءه خالق الكون ومبدع الحياة وفاطر الإنسان.

لقد تعرضت الشخصية الإسلامية عبر القرون إلى حملات آثمة غادرة، استهدفت إزالتها وتدميرها، كما استهدفت – إذ عجزت عن الإزالة والمحو – تشويهها ومسخها، وقاد هذه الحملة أعداء الإسلام بما ألقوه من شبهات، وبما جاءوا به من فلسفات وثقافات، أرادوا أن يزاحموا بها الإسلام في نفوس المسلمين.

هناك اعتقاد عام على المستوى العالمي بأن الأجيال الجديدة تعاني من نقص كبير في القيم والمثُل والتسامي، ولذا فإن دولاً عديدة في الغرب تفكر جدياً في إعادة التربية الدينية والخلقية إلى المدارس بعد أن كانت تظن أن المبادئ العلمانية التي تدعو إليها تغني عن التربية الدينية. فإذا كان هذا حال الأمم الكافرة، فإن أمة الإسلام أولى ثم أولى أن تُعنى بهذا الجانب، لذا فإن الحديث عن بناء الشخصية الإسلامية يجب أن ينطلق من هذه القاعدة.

فنحن في زمانٍ صعب، صعبٍ بحياته الاجتماعية، صعب بنظمه وسلوكياته، صعب بتقلب معاييره، صعب بالانفتاح الذي يلف حياة الناس كلهم، ونتيجة لذلك كله أصبحنا نعاني من جفاف ماديٍ رهيب يحكم طوقه على مساحات واسعة من حياتنا. ولذا لا بد من استعمال كل طريق مشروع في الوصول بهذه النفس إلى ما يرضي خالقها قبل أن تقدم عليه.

إن بناء الشخصية الإسلامية أشق وأصعب من بناء الأبراج العالية والناطحات الشاهقة، إنها ليست بناء آلياً ونسخة يمكن أن نكررها عند آلاف الأشخاص بنفس الطريقة، لأن الناس يختلفون فيما بينهم من حيث المشاعر والاستجابة وردود الأفعال. ثم إن بناء الشخصية الإسلامية بناء متكامل ومتشعب من جوانب كثيرة، وبناء عليه فهذه عدد من النقاط الأساسية التي يجب أن يراعيها كل من له عناية بالتربية وبناء الشخصية:

أولى هذه الأسس: الإيمان بالله جل وعلا:

هذه أول قضية ينبغي أن يهتم بها كل من له عناية ببناء الشخصية، فهو القاعدة العظمى التي من غيرها لن يجد المسلم أي إطار مرجعي ذي قيمة لكل الأخلاق والقيم الأخرى. نحن نريد ترسيخ الإيمان ليس بوصفه قناعات عقلية فحسب، ولكن بوصفه مشاعر وأحاسيس بمراقبة الله تعالى والخضوع والاستسلام له والاغتباط بفضله وإحسانه. إن الإيمان الحي يدفع المسلم دفعاً إلى مناجاة الله تعالى في السراء والضراء، والاعتصام به عند الكروب والأهوال. وحين يصبح الإيمان على هذه الصورة يكون مصدراً لابتهاج الروح وراحة الفؤاد واطمئنان النفس، وبذلك يستطيع الشباب مقاومة تيار الشهوات الجارف الذي اجتاحت أمواجه كثيراً من الفتية اليوم. وليس أمامنا لتوليد تلك الأحاسيس والمشاعر المباركة الندية سوى طريق واحد هو كثرة التعبد لله تعالى بأداء الفرائض واجتناب المعاصي وكثرة النوافل والقربات، ويجب أن يكون هذا واضحاً لدى الصغار والكبار.

ثانياً: المطامَنة من كبرياء النفس وإيقافها على عثراتها المستورة:

من لطف الله سبحانه بالعبد أنه سترَ هذه العيوب عن الناس. وتشتد الحاجة إلى هذا المطلب حين ترنو النفس إلى الزهو والعُجْب، وخاصة حينما يسمع المرء ثناء الناس عليه. قال ابن القيم رحمه الله: "ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيّ شيء. وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: أنا المكدِّي وابنُ المكدي وهكذا كان أبي وجدي. وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجددُ إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعدُ إسلاماً جيداً". تصور أخي الكريم حجم شخصية شيخ الإسلام وتاريخه الجهادي، وما حصل له من مناظرات ومشاهد كثيرة، وكلها ينتصر فيها على أعدائه وكائديه، وأضف إلى ذلك ثناء الناس عليه في عصره من علماء وعامة، واحتفاءهم به، ثم تأمل قدر نفسِه عنده من خلال كلامه السابق لترى ترويضاً للنفس ومطامنة لكبريائها وزهوها، وعندها ستكتشف السر في القوة العلمية والعملية لهذا الأنموذج اللامع والشخصية العظيمة. ولما كان من المعلوم بداهة أنك أيها المسلم أعلم بنفسك من غيرك، وجب أن تعي أن الناس قد يمدحونك في يوم من الأيام، بل قد يُفرطون في رفعك على ملأ من الناس، وفي المقابل قد ينتقصونك يوماً أو أياماً، ويخفِضون من قدرك، ولكن اعلم أن كل هذا لا يُثقِّل ميزانك يوم القيامة. وما تعلمه من جنوح نفسك، وعثراتها المستورة وخبايا السوء فيها، هو الذي سيحاسبك الله عليه يوم القيامة. فإذن لا تقْدُر نفسك كما يقدرها الآخرون، ولا تحسن الظن بها وإن تكاثر وتتابع مدح الناس لك. ومن جميل ما يذكر في هذا الباب قول ابن حزم رحمه الله حينما أراد أن يُعدد عيوبه، وكيف تغلّب عليها، قال: "ومنها - أي عيوبه - عُجبٌ شديد، فناظَرَ عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله، ولم يبق له والحمد لله أثر، بل كلّفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع".

وكان السلف رحمهم الله لغاية فقههم وتمام تدينهم ينفِرون من مجالس الشهرة ومشاهد الثناء، ويحذرون منها. قال أيوب: "ما صدقَ عبدٌ قط فأحب الشهرة". وقال ابن المبارك: "قال لي سفيان: إياك والشهرة فما أتيتُ أحداً إلا وقد نهى عن الشهرة". وقال بشر الحافي: "ما اتقى الله من أحب الشهرة". ولهذا كان من المهم في حياة الداعية أن يعي خطر هذا المزلق، وأن يرقب القصد الصالح في دعوته وذلك كل لحظة من عمره. ومن أعظم الانحراف في القصد أن يبتغي الداعي في دعوته كسب الأتباع وحصول المزايا لشخصه من الإجلال والتقدير، وهذا مدخلٌ عظيم من مداخل الشيطان.

ثالثاً: العزلة بالنفس عن فضول المخالطة ودوام المجالسة:

قال ابن القيم رحمه الله: "قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة". وصدق رحمه الله فليس أنفع للنفس وأصفى للقلب من العزلة المعتدلة التي لا يُراد منها تنصلاً من تكليف، أو هروباً من ضغط الواقع وواجباته. والعزلة بالأوصاف السابقة مهمة للداعية والمربي، فهي بالإضافة إلى كونها توقف الداعية على حقيقة نفسه، تهيئ له مناخاً صحياً لاختيار الرأي الصواب البعيد عن المؤثرات الخارجية من شغب الجماهير ومحاكاة الأقران وغير ذلك. قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّة). في هذه الآية يأمر سبحانه كفار قريش ومن كابر عن الحق بأن ينفصل من مؤثرات الجماهير، ويخلو بنفسه أو مع صاحبه حتى يتبين له الحق، وذلك لأن من ألف المخالطة في أيامه كلها خمدت أدوات التفكير لديه، بل ويأسن عقله كما يأسن الماء، ويصبح مع الزمن خامل الفكر، تابعاً في رأيه، متردداً في اختيار قراراته، مراوغاً من تحمل تبعاتها. قال نعيم بن حماد: "كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه". وقال ابن القيم رحمه الله: "حدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: كان في بداية أمره يخرج أحياناً إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يوماً فلما أصحرَ تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر وهو لمجنون ليلى من قصيدته الطويلة:

وأخرجُ من بين البيوت لعلني             أحدِّث عنك النفس بالسر خاليا"

إنه مشهدٌ من البهاء كبير حينما يبلغ حب العبد لخالقه هذا المبلغ، فيخلو بربه، معترفاً بذنوبه بين يديه، آنساً بذكره، متبصراً في أدواء نفسه. وإن هذه الخلوات بصفائها ونقائها وجمالها لتُخرجُ للأمة قادةً ربانيين، متجردين من حظوظ أنفسهم وشهواتها، في سبيل النهوض بالأمة والرفع من شأنها. وهنا تتجلى لنا الحكمة في موقف المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما كان يخلو بربه في غار حراء استعداداً لتلقي القول الثقيل وتحمل التضحيات لأجله. ولابن القيم رحمه الله كلام جميل في تقسيم المخالطة قال رحمه الله: "الاجتماع بالإخوان قسمان:

أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.

الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات: إحداها: تزيُّن بعضهم لبعض. الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادةً ينقطع بها عن المقصود". انتهى ..

رابعاً: التحرر من القيود:

من المهم جداً أن نسعى في بناء الشخصية تكوين الإنسان الحر الذي يشعر بوجوده، ويشعر بمعنى ذلك الوجود. والحقيقة أن الله عز وجل ركَز في فطرة الإنسان نزوعاً عميقاً نحو التحرر من القيود والتخلص من الضغوط التي يتعرض لها في حياته، لكن ذلك النزوع كثيراً ما تنطمس معالمه بسبب الظروف السيئة التي يعيش فيها الإنسان، وبسبب التربية السيئة التي يتلقاها كثيرون منا. وإذا نظرنا في السياسات التي يتبعها كثير من المربين وجدنا أنها تركز على تنشئة الفتى المطيع الصامت الذي ينفّذ كل ما قيل له دون أي اعتراض أو تفكير، والذي يصدّق كل ما يقال له دون أي مناقشة. بهذه الطريق سنبني جيلاً من الإمّعات المقلدين ونقنعهم بأن السير خلف الآخرين أمراً محموداً ومرغوباً!. إن من واجبنا ونحن نبني الشخصية الإسلامية أن نوضح له الأسس والإمكانات والمفهومات التي تجعل منه رجلاً حراً أبياً. يقول أهل التربية أن هناك ثلاثة أمور ينبغي التركيز عليها في بناء الشخصية الحرة وهي: العلم والإرادة والإمكانات. فعن طريق العلم نتخلص من قيود الجهل والمقولات التي ليس لها أي سند من دليل أو برهان. وبالإرادة الصلبة نتخلص من عبودية الشهوات والعادات السلبية. وعن طريق تحسين الإمكانات نتخلص من ضغوط البيئة حيث إن جوهر الحرية يكمن في القدرة على الاختيار.

خامساً: الشعور بالمسؤولية:

إن شعور المرء بالمسؤولية تجاه نفسه ودينه وأهله ومجتمعه من القيم الجوهرية ومن أهم سمات بناء الشخصية. وقد باتت حاجتنا إلى هذه السمة كبيرة اليوم لأن إمكانات الرقابة على الأشياء آخذة في الضعف المستمر حيث تعودنا منذ أجيال بعيدة أن نبحث عن كبش فداء نحمّله أخطاءنا وعيوبنا.

إن تحميل الشريعة الإسلامية الإنسان كامل المسؤولية عن تصرفاته منذ البلوغ إلى آخر يوم في حياته دليل واضح وقوي على ضرورة تربية أبنائنا وطلابنا على الاستعداد لتحمل تبعة أقوالهم وأعمالهم.

إن صدق الإنسان وإقراره بما فعل مهما كان سيئاً دليل على الشعور بالمسؤولية، والتوبة والاعتذار عن التقصير لا يكونان إلا عند الشعور بالمسؤولية.

سادساً: الإكثار من عمل السر:

وهذا من دلائل صدق المحبة لله تعالى ومن أمارات الإخلاص التي يجب على المسلم أن يتلبس بهذه الصفة، ولا أشق على النفس من عمل السر لأنها ليس لها حظٌّ منه كما قال بعض السلف. ولعمل السر ثمرات كثيرة، منها:

أن من كان هذا شأنه في جل أعماله الصالحة فإنه يكسب رصيداً كبيراً من الثبات يكون ذخيرة له أيام النوائب والمصائب، ومن هنا نفهم سر ذلك التحول الكبير الذي يلحق ببعض المنتسبين إلى الخير والصلاح حينما يصابون بأزمة أو ضائقة وذلك أنه ليس عندهم من العمل الصالح ما يتكئون عليه بعد رحمة الله وتوفيقه.

ومن ثمرات عمل السر: أن عمل السر يعتبر ميزاناً يزن به العبد صواب طريقه أثناء سيره إلى الله تعالى، فإذا رأى المسلم من نفسه قوةً ونشاطاً في عمل الجهر، ويقابله ضعفٌ وفتورٌ في عمل السر فليتهم نفسه، وليعلم حينها أنه لم يسلم من بُنيَّات الطريق.

ومن الثمرات: أنها حياة شجرة الإخلاص في القلب، وذلك أنه لا شيء يعدل عمل السر في إنماء هذه الشجرة وسقيها وتقويتها.

سابعاً: المثابرة:

إن الله جل وعلا وزّع الذكاء على الشعوب بالتساوي، فليس هناك شعب اختصه الله بالذكاء المفرط، ولا شعب ابتلاه الله بالغباء الشديد، ففي كل أمة نسبة شبه متساوية من الأذكياء والأغبياء وما بينهما، لكن إنجازات الشعوب اليوم متفاوتة تفاوتاً هائلاً كما نرى. وهذا التفاوت يعود قطعاً لأمور غير الذكاء والإمكانات العقلية الخَلقية. ومن أهم ما يعود إليه التفاوت المشار إليه: المثابرة على العمل والدأب في التنفيذ، حتى قد صار من المسلّم به أن قيمة أي منتج تعكس إلى حد بعيد عدد ساعات العمل التي بُذلت فيه، كما صار من المسلّمات أن من أكبر عيوب الشعوب النامية أنها تؤمن بالطفرة وترجو منها أكثر مما ترجوه من العمل البطيء الهادئ المستمر. وقد عالج النبي صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم على مستوى القول وعلى مستوى الفعل، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وعندها امرأة، فقال: "من هذه؟ قالت: هذه فلانة – تذكر من صلاتها – قال: مه! عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا. وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه" رواه البخاري في صحيحه. أما على المستوى العملي فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا لم يتمكن من الصلاة في الليل بسبب وجع أو غيره صلى من النهار اثنتى عشرة ركعة، وذلك توكيداً لنفسه وللأمة على ضرورة المحافظة على ما اعتاده الإنسان من الخير والبر.

إن كثيراً من أبنائنا تجتاحهم موجات من الحماسة لبعض الأعمال الجيدة كالقراءة والاطلاع الجيد مثلاً، لكن ذلك لا يدوم طويلاً، حيث يهجرون ذلك العمل، ولذا فإن التثقيف لديهم لا يأخذ سمة التواصل والتراكم والمثابرة، كما أنهم قلما يبدؤون بعمل وينهونه! وينعكس كل ذلك على الإنجاز لديهم. لابد أن نرسخ في نفوسهم الاهتمام ببرمجة جزء من الوقت اليومي على الأقل وتخصيصه لاكتساب المعارف والمهارات وإلا فإن الأمل بتحقيق ارتقاء شخصي حقيقي سيكون ضعيفاً.

ثامناً: التميز:

إذا نظرنا في حياة السواد الأعظم من الناس لوجدناهم أنهم أشخاص عاديون، أو هم أنماط مكررة للنموذج السائد في البيئة. وأمة الإسلام التي تسابق الزمن لكي تردم الهوة بينها وبين الأمم التي سبقتها في مجالات ليست قليلة بحاجة إلى جيل لا أقول متميز ولكن فيه شريحة جيدة من المتميزين الذين يتّسمون بسمات أرقى مما هو سائد بين الأقران.

الشباب يحبون الاستقلال والانفراد لأنهما طريقهم إلى إثبات الذات، ولكن كثيراً منهم يخطئ الوسيلة التي تجعله متميزاً. وقد صار كثير من الناس يبحثون عن الاختلاف عما هو سائد عن طريق الحصول على رقم هاتف أو لوحة سيارة متميزة، أو عن طريق الشراء من متاجر راقية معينة، أو النزول في فنادق فخمة ظانين أن ذلك يجعلهم من الصفوة! وهذا في الحقيقة جزء من مرض عام بات يجتاح حياة كثير من الناس وهو مرض "الشكلية!"، فهناك اليوم مدارس ليس فيها من الرقي سوى فخامة مبانيها حتى كأنها قصور تعليمية، وليس فيها من التعليم سوى حسن مجاملة إدارييها هنا وهناك. وهذا الطلب الشديد على البروز الشكلي لدى الشباب كثيراً ما يكون صدى لفراغ روحي وخلقي وفكري مخيف. ومن هنا يجب على من له عناية ببناء الشخصية أن يهتم بهذا الموضوع، وأن يزينوا في نظر الناشئة بعض صور التميز الحقيقي مثل: الحصول على شهادة أو خبرة عالية جداً، ومثل تقديم عمل تطوعي لا يقدم عليه في العادة إلا عدد قليل من الناس، ومثل اتباع نظام دقيق في الدراسة، أو استثمار الوقت بطريقة فذة وما شابه ذلك.

إن المتميزون هم الرواد الحقيقيون الذين يمهدون الطريق ليسير الناس خلفهم، وفي إمكان كل واحد أن يكون في عدادهم لو أحب.

تاسعاً: التفوق والنجاح:

الحرص على التفوق والنجاح والارتقاء المستمر من المعاني المهمة التي ينبغي أن يعتني بها من له عناية ببناء الشخصية، ولا سيما أن الحياة تزداد صعوبة وقسوة وفرص العمل الجيد لا تتاح إلا للمتفوقين المتميزين.

من المهم أن نعي بأن ما يؤدي إلى نجاح المرء وسبقه لغيره عبارة عن عدد من العوامل، وإن من المجازفة أن نفسر نجاح فلان أو فلان من الناس بسبب واحد أو بعوامل جزئية. فمن الأخطاء المتوارثة في هذا الشأن تفسير نجاح فلان من الطلاب مثلاً بكونه نشأ في بيت علم، وتفسير نجاح آخر بأنه ذكي فلا يحتاج إلى جهد كبير في الفهم والاستيعاب، وتفسير نجاح ثالث لأنه نشأ في بيت ثراء فلم يكلف بشيء من الأعمال التي تشغله عن الدراسة، وتفسير نجاح رابع لأنه درس في مدرسة خاصة أو جامعة ممتازة وهكذا. ولو أنك دققت في أحوال الناس لوجدت الألوف من الناس العاديين والمخفقين والمنحرفين نشؤوا في بيوت علمية وفي أسر ثرية وقد درسوا في جامعات ممتازة.

ما ذكر بلا شك من الأمور التي تساعد كثيراً على التفوق، لكنها لا تشكل شروطاً حاسمة أو وحيدة لذلك، ولذا فمن المهم أن نوضح لمن نريد أن نبني شخصيته أنه من الممكن جداً أن يتفوق تفوقاً عظيماً ولو لم يكن من أسرة ثرية، أو لا يتمتع بذكاء خارق، المهم في كل الأحوال والظروف أن يمتلك المرء أكبر قدر ممكن من المفهومات والعادات التي تساعده على التفوق والتي من أهمها: طلب المعونة من الله تعالى واللجوء إليه والثقة بما عنده، إلى جانب المحافظة على الوقت، والمثابرة، والتركيز على العمل في مجال واضح محدد، والتغلب على الإحباط، وتنظيم الشأن الخاص، والإيجابية، وتأجيل الرغبات. وإن من واجب من يربي أن يقدّم التحفيز والتشجيع على نحو مستمر، فذاك هو الوقود الروحي الذي يصنع العجائب!!.

عاشراً: الثبات:

تحتاج الشخصية الإسلامية إلى الثبات، وهذه لابد أن تكون واضحة في شخصية المسلم، فالإنسان كثير التقلب والتحول، والتقلبات التي تصيب القلوب سببها الفتن التي تواجه المسلم أو توجه إليه، فقد يفتن المرء بأقرباء سوء أو أصدقاء أشرار، فهم دائماً يشككونه في عقيدته ودينه، وقد يبتلى بزوجة فاتنة تأسر قلبه وتلوي عنقه إلى الباطل، وقد يبتلى بأبناء يريدونه أن ينفذ مآربهم الخاطئة، وقد يبتلى بمجتمع فاجر ضال تحكمه شريعة الشيطان، وقد تسيطر الجاهلية على وسائل الإعلام وتملك توجيه الناس كما هي الحال اليوم، والقلوب تتأثر بما حولها، والنفوس فيها الهوى والشهوة، وقد تؤثر الدنيا، وقد يغرها الغرور، وقد تغفل، ولذلك كان على المسلم أن يكون حذراً.

الحادي عشر: تعويد النفس على صدق اللجوء إلى الله تعالى:

وذلك في كل ما نحتاجه من أمور الدين والدنيا، وقد يكون هذا أمراً بدهياً إلا أنه بكل أسف مما يغفل عنه عامة الناس وخاصتهم، فترى حال الكثير منّا حينما تنتابه النوائب يطرق كل باب إلا باب الله تعالى، وإن لجأ إلى الله فعن غير يقين بزوال المكروب، ولا يحتقر الإنسان نفسه لكثرة تفريطه في حق الله تعالى فإن الله عز وجل لا يتعاظمه سؤال سائل، فإذا صدق العبد في المسألة، ووصل إلى درجة المضطر، وأيقن أنه لا كاشف للبلوى إلا هو سبحانه، جاء الفرج ممن بيده كل شيء، وله كل شيء. قال ابن القيم رحمه الله: "لا تسأم من الوقوف على الباب ولو طُردت، ولا تقطع الاعتذار ولو رُددت، فإن فُتح الباب للمقبولين دونك فاهجم هجوم الكذابين، وادخل دخول الطفيلية".

الثاني عشر: تحديد الأهداف ورسمها على مدى العمر رسماً دقيقاً:

والقصد من هذا أن نتجنب السلبية والفوضوية لنتحول إلى الإيجابية والتنظيم واستشعار قيمة الوقت، ولنعلم أنه إذا اعتادت النفس على أن لا تتحرك في أي اتجاه إلا نحو هدفٍ مرسوم فإنها والحالة هذه ستبدأ باستشعار قيمة الوقت، وسترى منها تململاً حين ضياع الوقت الطويل من غير هدف، ونفرة من مجالس البطالة واللهو، وميلاً إلى مجالس الجد والخير، وهذه لذاتها منزلة رفيعة ينبغي أن نسعى إلى بلوغها. ولذا فغياب الهدف عن حياة الناس يمثل أزمة حقيقية في الوعي يحسن بالمربين وأهل التربية أن يعتنوا بهذا الجانب، ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن من ضمن المحاور التربوية التي لم تأخذ حقها من الدراسة والإثارة: كيف نصنع الهدف في حياة الناس؟ وهذا لا يمنع وجود الكثير ممن يبحث عن تحقيق هدف ما، لكنه لم يحقق ما يريد، فانتهى الزمن ولم يحصل الهدف! وشاهد ذلك ما نراه من شتات الجهود ورجوع الكثير من منتصف الطريق في كثير من المشاريع العلمية أو الدعوية، ونسي أولئك عامل الزمن في الوصول إلى الهدف.

الثالث عشر: جمع المال:

تسود في أيامنا هذه موجة عظيمة من استهداف جمع المال والميل إلى جعل الاستحواذ عليه هدفاً لكثير من أنشطة الحياة. وقد غطت هذه الموجة المادية الهائلة على كثير من معاني السمو الإنساني، وفي هذا حط من كرامة الإنسان وتقزيم لدوره العظيم في هذه الحياة. وقد انتشرت بعض المقولات التي تعبر عن هذه الوضعية السيئة مثل قولهم: بالمال تستطيع أن تصنع كل شيء، وبالمال تحصل على كل شيء، والذي معه قرش يساوي قرشاً، والذي ليس معه شيء لا يساوي شيئاً. هذه المقولات وأمثالها تدل على فساد إداري واجتماعي عظيم.

إن من المهم للمربين في البيوت والمدارس أن يشرحوا بطرق مختلفة لأولئك الذين يقومون على تربيتهم أن الثروة الحقيقية والمتجددة في حياة الأفراد لا تُقوّم من خلال الأرقام والأرصدة والعقارات والممتلكات، ولكن من خلال نوعية الدوافع القوية والمستمرة لعمل الخير والارتقاء بذاته هو الذي يمكلك مفاتيح الحياة الطيبة التي تستخدم المال في تحقيق ذاتها. وإن كثيراً من العظماء لم يكونوا يملكون الكثير من المال، كما أن كثيراً ممن يملكون الثروات فقدوها وصاروا بلا حول ولا طول، أو صار المال مصدر شقاء يومي لهم، وكثيرين منهم فقدوا الإحساس بمعنى المال في حياتهم ولكن لم يستطيعوا التخلص من تبعات امتلاكه!.

الرابع عشر: الانتماء لأمة الإسلام:

من الواضح اليوم أن العولمة تمارس عملية خلع واسعة النطاق، فهي تحاول تفكيك الأسرة بإضعاف الصلة بأبنائها، كما تحاول تفكيك المجتمع بإضعاف الانتماء إليه، كما تحاول تفكيك الأمة من خلال جعل كل مجتمع من المجتمعات الإسلامية وحدة قطرية غارقة في همومها الخاصة. وقد بدأت مع الأسف مظاهر التفكك تتجسد في حياة كثير من الشباب من خلال الاهتمام الزائد بالأمور الشخصية، ومن خلال ضعف الاهتمام بالشأن العام، وضعف روح الانتماء للأمة وللمجتمع المسلم الذي يعيشون فيه.

المسلم الذي يريد أن يبني شخصية متميزة لا يمكن له أن يبنيها بعيداً عن انتمائه لهذه الأمة انتماءً قوياً يعتز به في كل محفل، يفتخر وهو مرفوع الرأس أنه ينتمي لهذه الأمة، وأنه سليل أجيال متعاقبة فيها ما لا عد له ولا حصر من الرموز التي يُقتدى بها في كل ميدان.

الشخصية الإسلامية شخصية تستيقن من الحق الذي عندها لا تشك فيه، فهو معتز به أشد الاعتزاز، ويرى أن فقدان هذا الحق وانسلاخه عنه هو العذاب الذي لا عذاب فوقه، ولذلك كانت إحدى علامات المؤمن الصادق في إيمانه أنه يكره أن يعود للكفر كما يكره أن يقذف في النار. ولقد بلغ من تمسك المسلمين بدينهم أن جادوا بأرواحهم وارتضوا أن يُحرقوا بالنار ويُنشروا بالمناشير ويُقطعوا بالسيوف على أن يتركوا دينهم. أُلقي إبراهيم في النار، وأصحاب الأخدود أُلقوا في لهيب مستعر، وآسية امرأة فرعون عذبها زوجها فآثرت ما عند الله على ملك الدنيا ونعيمها، والمعذبون في مكة آثروا الجوع والعذاب والخروج من البلد الحرام وفراق الأهل والعشيرة على ترك الإسلام، وقوافل الشهداء المتمسكين بهذا الدين لم تتوقف أبداً، ولا تزال سياط الظلمة تلهب ظهور الصالحين في فترات ضعف القوة الإسلامية التي تحميهم وهم يؤثرون السجون والموت على ترك الإسلام، وما أخبار المسلمين في البلاد العربية والإسلامية والغربية بسر (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم). وهذا الاستمساك ليس تجاه البلاء والعذاب فحسب، بل وتجاه الشبهات والسموم التي يبثها أعداء الإسلام، وتجاه التيارات التي تريد أن تعصف بالشخصية الإسلامية، والاستمساك يحتاج إلى قوة كبيرة ووعي زائد وحذر شديد، وإلا فإن الإنسان يهلك وهو لا يدري، لأن سبل الضلال كثيرة، والقائمون عليها محنكون (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا).

نحن موقنون بأن العاقبة للمتقين، وأن النصر عقبى الصابرين، وأن ليل الباطل لن يدوم، وأن شمس الإسلام ستشرق من جديد، وإنني على يقين بأن أسود الإسلام سيدقون قلاع الكفر يقوضونها بعزائم لا تلين، وبنفوس متشبعة بالإيمان، تمضي في الحياة تريد الخير لبني الإنسان..

 

والحمد لله أولاً وآخراً..



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

55.87