خدمة rss
نواقض الإسلام

   

 نواقض الإسلام

د. ناصر بن محمد الأحمد

 

إعلم أن نواقض الاسلام عشرة نواقض:

الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفرما دون ذلك لمن يشاء) وقال: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار) ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر.

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً.

الثالث: من لم يكفر المشركين أوشك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.

الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفر.

السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثواب الله أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم).

السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر. والدليل قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنه فلا تكفر).

الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين).

التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.

العاشر: الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به والدليل قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون).

 

ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطراً، ومن أكثر ما يكون وقوعاً، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.


الشرح:

إعلم رحمك الله تعالى أن نواقض الاسلام عشرة نواقض:

العلم: هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع.

إعلم: أي كن متهيئاً لما يلقى إليك من هذه النواقض.

نواقض: جمع ناقض، والنقيض ضد اللإبرام، نقضت الحبل أي حللته، إنتقض الجرح: أي فسد ويطلق على البطلان، ومن ذلك انتقض الوضوء أو الطهارة أي بطلت.

فنواقض الاسلام: هى الأمور التى إذا فعلها الشخص فسد توحيده وانتقض، وهي مجموعة من الأحكام تفسد إسلام المرء إذا ارتكبها وتحبط عمل صاحبه، ويصير من الخالدين في النار والعياذ بالله.

والمقصود بالاسلام: إسلام الشخص، لا الإسلام المقصود به الدين. أي أن هذه النواقض تفسد إسلام الشخص.

والمتقدمون لم يكونوا يستخدموا هذه اللفظة - نواقض - وإنما عباراتهم: ردة، ارتد عن دينه، كفر، ونحو ذلك. ثم من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب استعملها أبناؤه و أحفاده وصارت شائعة.

 

هل نواقض الإسلام عشرة فقط؟

الجواب: لا بل هي كثيرة. فلماذا اقتصر المصنف على هذه العشرة؟

الجواب: بينه رحمه الله في آخر الرسالة، لأنها من أعظم ما يكون خطراً ومن أكثر ما يكون وقوعاً. ولأنه بالتأمل تجد أن بقية النواقض مرجعها إلى العشرة.

 

هل يعذر أحد بالجهل بها؟

من كان يعيش بين المسلمين فإنه لايعذر بالجهل بها.

ولو تأملت في هذه النواقض التى عدها الشيخ، تجد أن بعضها اعتقادي وبعضها نواقض من جهة العمل. وهذا فيه رد على من لا يرى التكفير إلا بالإعتقاد، ويقول أن العمل وحده لا يكفر به الشخص ما لم يعتقد. وهذا غير صحيح، فمذهب أهل السنة أن الإنسان يكفر باعتقاد أو بقول أو بعمل أو حتى بالشك.

 


الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفرما دون ذلك لمن يشاء) وقال: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار) ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر.

 

بدأ رحمه الله بأعظم النواقض وأشدها، فإن الشرك أعظم ذنب عصي الله به، إنه هضم للربوبية وتنقص للألوهية.

الشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، فكيف لا يكون أعظم ذنب؟

جاءت آيات كثيرة في القران تحذر من الشرك: منها ما ذكره المؤلف: قال تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون). وقال تعالى: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق). وقال تعالى: (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة).

 

الشرك أعظم شعب الكفر:

الشرك أخطر الموبقات وأكبر الكبائر، قال الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم). وفي الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلا يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين.... الحديث" ولهذا كانت عقوبة الشرك قول الله تعالى: (إن الله  لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). وقال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار).

 

الشرك: من أعظم الذنوب، وما عُصي الله عز وجل بذنب أعظم من الشرك وما بعثة الأنبياء والرسل إلا لتحقيق التوحيد في قلوب الناس وتخليصهم من الشرك بكل صوره وألوانه، كم استمرت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وكم بذل عليه الصلاة والسلام من الجهد والمعاناة، وكم لاقى من الأذى والحرب والمقاومة، كل هذا لمقاومة وإزالة الشرك الذي كان موجوداً فى زمنه وعصره، وقبله إخوانه من أنبياء الله ورسله، فكم كانت مدة دعوة نبي الله نوح عليه السلام، ألف سنه إلا خمسين عاماً، كل هذا فى مقاومة ومحاربة الشرك والدعوة إلى توحيد الله جل وعلا. ولو تأملنا بعد ذلك فى الجهود التي بذلها العلماء الأجلاء على مر العصور وما كتبوا وألفوا حول هذه القضية الخطيرة لرأينا عجباً، ألوف المجلدات والكتب سطرت بأقلام علماء الأمة، منذ القديم حتى يومنا هذا وهم يحذرون من الشرك وخطورته وآثاره السيئة على الأمة، وما يترتب على بقاءه. فهذه كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم، جُلّها فى مقاومة الشرك ونشر التوحيد، والرد على بدع وشركيات الفرق المخالفة لعقيدة السلف فى زمانهم، ومن قبلهم ما كتبه وقاله الامام أحمد والشافعي، وبعدهم كتب ورسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن جاء بعده من أئمة الدعوة، كلها لمقاومة الشرك وما يزال الأمر يحتاج إلى المزيد، وما يزال الناس واقعون في صور وألوان كثيرة من الشرك.

الشرك: محبط لجميع الأعمال قال تعالى: (ولو أشركوا لحبط عنهم ماكانوا يعملون) وقال جل وعز: (ولقد أوحي إليك وإلي الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين). الشرك: هبوط وسقوط من أوج العزة والكرامة إلى حضيض السفول والقلق وعدم

الاستقرار والرذيلة قال تعالى: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).

الشرك: مهدر للدم مبيح للمال، قال الله تعالى: (فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) وقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". وقال أيضاً: "بعثت بالسيف حتى يعبد الله وحده".

الشرك: يحرم على صاحبه الجنة ويخلده في نار جهنم قال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار).

الشرك: أعظم الظلم كما قال تعالى: (أن الشرك لظلم عظيم).

إذا كان الشرك بهذا المستوى من القبح والخطورة فهذا مما يوجب شدة الحذر من الوقوع فيه، ويوجب على المسلم أن يعرفه ليتجنبه، ويوجب على المسلمين مقاومته والقضاء عليه.

ذكر المحدثون والمفسرون بأن أول من عرف بالشرك هم قوم نوح عليه السلام وذلك بسبب غلوهم في الصالحين حيث كان لهم رجال صالحون فلما ماتوا أوحى إليهم الشيطان أن يصوروا صورهم إحياء لذكراهم كما يقال وإن ينصبوها فى مجالسهم لينشطوا في العبادة كلما رأوهم. فلما هلك ذلك الجيل الذي نصب تلك الصور جاء من بعدهم فعبدوها. ومن ذلك الحين حدث الشرك فى الأرض فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام. فأصروا على شركهم (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا). عند ذلك دعا عليهم نوحاً فأهلكهم الله بالطوفان وأنجى نوحاً ومن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل، ثم تتابعت الرسل من بعد نوح تدعوا إلى التوحيد وتنهى عن الشرك إلى أن جاء عهد إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. وقد بلغ الشرك والطغيان والجبروت مبلغاً غظيماً فقاوم الخليل الشرك والمشركين بالحجة والبرهان وحطم الأصنام بيده ولقى فى سبيل ذلك أشد أنواع الأذى وأقسى أنواع التعذيب الذي سلمه الله منه حين ألقوه في النار فجعلها اللة بقدرته ورحمته برداً وسلاماً، وجعل العاقبة الحميدة له وجعل في ذريته النبوة والكتاب. وبقيت النبوة وكلمة التوحيد في ذريته كما قال تعالى: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) وقال تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه) خصوصاً العرب بني إسماعيل ثم لم يزل التوحيد فيهم حنى ظهر في العرب عمرو بن لحي الخزاعي، فغير فيهم دين إبراهيم ودعاهم إلى عبادة الأصنام فأجابوه، والسبب في ذلك أنه ذهب إلى الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء رأى أهلها يعبدون الأصنام ولم يكن العرب يعلمون إذ ذاك شيئاً عن الأصنام وعبادتها، وكانوا جميعاً على فطرة التوحيد والإيمان بالله فقال لهم ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له هذه آله نعبدها، نستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم أفلا تعطونى منها واحداً فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب" وفي لفط "غير دين إبراهيم". وهكذا انتشرت عبادة الأوثان في الجزيرة العربية وشاع فى أهلها الشرك فانسلخوا بذلك عما كانوا عليه من عقيدة التوحيد واستبدلوا بدين ابراهيم غيره. فعبدوا الأوثان وانتهوا إلى ما انتهت إليه الأمم الأخرى من الضلال والقبائح في المعتقدات والمفاهيم والأفعال. إلى أن بُعث نبينا صلى الله عليه وسلم فدعا إلى التوحيد ونهى عن الشرك وجاهد المشركين باليد واللسان حتى نصره الله عليهم وهدم أوثانهم وحطم أصنامهم وأعاد الحنيفيه ملة إبراهيم صافية نقية وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلى هالك، لكن زاغ الناس بعده صلى الله عليه وسلم وانحرفوا وتمثل فيهم الشرك وقد اخبر صلى الله عليه وسلم بذلك قبل وفاته بأنه لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من هذه الأمة بالمشركين، وحتى تعبد فئام من هذه الأمة الأوثان، وحتى تضطرب إليات نساء بني دوس على ذي الخلصه.

 

حكم الشرك:

من المعلوم أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، قال تعالى: (واعبدوا الله ولاتشركوا به شيئا) فقرن النهي عنه بأعظم أمْر أمَر به وهو عبادته التى من أجلها خُلق الخلق كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). وهو أول المحرمات كما يدل عليه قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون).

 

إطلاقات الشرك:

اعلم أنه إذا مر بك في كتب التوحيد حكم بالشرك فإنه قد يعني فيه صاحبه الشرك الأكبر المخرج من الملة وقد يعني به الشرك الأصغر. وعلى ذلك فلا بد أن تعرف هنا أن الشرك في معناه الشرعي يطلق على ثلاثة معانٍ:

أحدها: الاعتقاد بوجود شريك مع الله فى الملك والربوبية والخلق والرزق والتصرف فى الكون. فمن اعتقد أن أحداً غير الله يتصرف فى هذا الكون ويدبر شئونه فقد أشرك في الربوبية وكفر بالله.

الثاني: الاعتقاد في غير الله النفع والضر، وأن هذا الغير واسطة بين الله والخلق فيتوجه إليه ويصرف له بعض أنواع العبادة، وهذا الشرك هو الشرك فى الألوهية، وهو الذي كان عليه أكثر كفار قريش فقد كانوا يقولون عن آلهتهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وقد كان هذا الشرك اعتقادهم السائد كما قال تعالى عنهم: (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير).

الثالث: المراعاة لغير الله في الأعمال والأقوال: وهو أن تظهر من المسلم أمور فيها مراعاة غير الله معه فيما يستحقه وحده. وقد تكون هذه المراعاة في الأعمال كالرياء في العمل، وقد تكون في الأقوال كالتلفظ بأقوال فيها المساواة لغير الله بالله وإن لم يعتقد معناها.

فأما المراعاة بالأعمال: فالمراءاة لأهل الدين كمن يصلي فيطيل القيام ويطول الركوع والسجود ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيظهر الناس أنه صائم فيقول مثلاً مخاطباً غيره: اليوم الاثنين والخميس ألا تعلم؟ أو يتكلف بأن يستزير عالماً أو عابداً ليقال إن فلاناً قد زاره، أو يزورهم ليقول فى المجالس إننا زرنا فلاناً وقد التقينا بفلان وفلان من العلماء ونحو ذلك.

وأما المراءاة بالأقوال لأهل الدين: كمن يتصدر المجالس بالوعظ والتذكير فيحفظ الأخبار والآثار الخاصة بالمناسبات ليحاور بها الناس ويجادلهم فيظهر لهم أنه على معرفة بها فيظهر لهم غزارة العلم وشدة العناية بأحوال السلف وتجده مباعد عن حياة السلف وأخلاقهم مع أهله في الداخل. ومن ذلك تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، بينما لا ينكرها أو يتغافل عنها فى منـزله. وكل هذه الأعمال ينافى فعلها كمال التوحيد والإخلاص.

 

أقسام الشرك:

ولو نظرنا تقسيم أهل العلم للشرك فإنهم يقسمون الشرك عدة تقسيمات وأكثرهم ينظر في تقسيمه إلى الشرك في الألوهية فنجد أن منهم من يقسمه إلى أكبر وأصغر، ومنهم من يقسمه إلى ثلاثة أقسام أكبر وأصغر وخفي، ومنهم من يقسمه على حسب أنواع التوحيد الثلاثة، ومنهم من قسم الأكبر إلى أربعة أقسام ومنهم من قسمه إلى قسمين: قسم يتعلق بذات الله، وقسم يتعلق بعبادته.

والتقسيم الذي يجمع هذه التقسيمات ويؤالف بينها أن الشرك نوعان:

شرك أكبر، وشرك أصغر.

الأول: الشرك الأكبر:

وهو نوعان: شرك يتعلق بذات الله، وشرك يتعلق بعبادته.

فأما ما يتعلق بذات الله فهو الشرك في الربوبية وهو نوعان؟

1- شرك فى التعطيل كشرك فرعون وشرك الملاحدة.

والتعطيل ثلاثة أقسام:

- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.

- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس وهذا هو الشرك في الأسماء والصفات.

- تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.

2- وشرك من جعل مع الله إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة.

 

وأما ما يتعلق بعبادة الله وهو الشرك في الألوهيه فهو أربعة أنواع:

1- شرك الدعوة: بأن يتوجه بالدعاء الذي هو العبادة لغير الله تعالى.

2- شرك النية والإرادة والقصد: فإن إرادة غير الله بالعمل يبطل ثوابه ويحبطه.

3- شرك الطاعة: بأن يطيع العبد مخلوقاً في معصية الله تعالى.

4- شرك المحبة: بأن يحب العبد مخلوقاً كمحبة الله تعالى.

 

1- أما شرك الدعوة: فدليله قول الله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون).

2- شرك النية والإرادة والقصد: والدليل: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لايبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ماكانوا يعملون). قال ابن القيم رحمه الله: "أما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجوا منه من أراد بعمله غير وجه الله".

واعلم بأن هذا الشرك يكون شركاً أكبر لمن كانت جميع أعماله يريد بها غير وجه الله تعالى. أما من طرأ عليه الرياء فهذا شرك وسيأتي.

3- شرك الطاعة: والدليل: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هوسبحانه عما يشركون). قال شيخ الإسلام: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر. أما إن أطاعوهم فى معصية الله، مع اعتقادهم بالتحريم والتحليل كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.

4- شرك المحبة: والدليل: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله). قال ابن القيم رحمه الله: وها هنا أربعة أنواع من المحبة:

1- محبة الله وهذه لا تكفي وحدها للنجاة من عذاب الله فإن المشركين واليهود والنصارى يحبون الله.

2- محبة ما يحب الله وهذه هى التي تدخل في الإسلام وتخرج من الكفر.

3- الحب لله وفيه وهذا من لوازم محبة ما يحب الله.

4- المحبة مع الله وهي المحبة الشركية واتخاذ الند مع الله.

الأنواع الأربعة للشرك الأكبر كلها مخرجة من الملة، لأنها عبادات وصرف العبادات لغير الله شرك أكبر.

 

النوع الثاني: الشرك الأصغر:

هو: ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر.

وقد عرّف الشيخ العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله الشرك الأصغر بأنه: "كل وسيلة وذريعة يُتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة".

وعرفته اللجنة الدائمة: "كل مانهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركاً". 1/517

 

من أنواعه:

له أنواعاً كثيرة ويمكن حصرها بما يأتي:

أولاً: قولي: وهو ما كان باللسان ويدخل فيه ما يأتي:

- الحلف بغير الله: إن لم يقصد تعظيم المحلوف به وإلا صار شركاً أكبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك".

- قول: "ما شاء الله وشئت" أو: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو أنا تائب لله وفلان، أو أرجوا الله وفلاناً ونحو ذلك.

ولعل الضابط في هذا أن يكون الشيء مما يختص بالله جل وعلا، فيعطف عليه غيره سبحانه لا على سبيل المشاركة وإنما بمجرد التسوية في اللفظ، وأما إن كان يعتقد المشاركة فهذا يدخل تحت الشرك الأكبر.

- قول: "قاضي القضاة" وهذا من الشرك الأصغر لأن فيه شبه منازعة في خصائص الرب ولو كان في التسمية فقط قياساً على ملك الأملاك الثابت منعه في الحديث الصحيح.

- وهكذا: التعبيد لغير الله، كعبد النبي وعبد الرسول إذا لم يقصد حقيقة العبودية.

- وإسناد بعض الحوادث إلى غير الله عز وجل مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، وقول الرجل: لولا الله وفلان.

- وقول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا.

ولعل الضابط في هذا: الاعتماد على سبب لم يجعله الله سبباً.

 

ثانياً: فعلي: وهو ما كان بأعمال الجوارح: ويدخل فيه ما يلي:

- التطير: وهو التشاؤم بالطيور أو الأسماء أو الألفاظ أو البقاع وغيرها قال رسول صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" وعن ابن مسعود مرفوعاً: "الطيرة شرك". وهو سوء ظن بالله، وتعلق بأسباب موهومة. جاء في الحديث: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك" رواه أحمد. وعن أبى داود عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك". كل هذا إذا لم يعتقد القدرة في المتطير به. وإلا فهو أكبر.

- إتيان الكهان وتصديقهم إذا لم يعتقد وجود علم الغيب لديهم.

- الاستعانة على كشف السارق ونحو بالعرافين إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم بالغيب.

- تصديق المنجمين والرمالين وغيرهم من المشعوذين إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم بالغيب.

- لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه إذا لم يعتقد تأثيرها بذاتها.

 

ثالثاً: قلبي: ويدخل فيه ما يلي:

- يسير الرياء: ويكون بالأعمال: كمن يصلي فيطيل القيام والركوع والسجود ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيُظهر للناس أنه صائم.

ويكون من جهة القول: كالرياء بالوعظ والتذكير، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس ونحو ذلك.

وقد يكون من جهة الزي: كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب مع تشميرها ليقال: عابد وزاهد.

وقد يكون الرياء بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أو يستزير عالماً ليقال: إن فلاناً قد زار فلاناً، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الخير يترددون عليه.

قال صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال الرياء" هذا الخوف من الرسول صلى الله عليه وسلم على من؟ على الصحابة. والصحابة عاشوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وشاهدوا التنـزيل فكيف بمن هم أقل منهم علماً وإيماناً؟.

 

الرياء إذا خالط العمل قد يبطله وقد ينقصه وله حالات:

- من بداية العمل "الرياء المحض" لولا الناس ما فعل الطاعة هذا عمله باطل كالمنافقين الذين قال الله فيهم: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلاً).

- يكون العمل لله ثم يشاركه الرياء.

فإن شاركه الرياء من أصله واستمر معه إلى النهاية ولم يجاهد نفسه فالعمل باطل "أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".

وإن بدأ العمل لله ئم طرأ عليه الرياء واسترسل معه ولم يجاهد نفسه فبعض العلماء يبطل عمله بالكلية والبعض يقول له أجر الإخلاص

وعليه وزر الرياء، والذي يبدو أنه ينظر للعمل فإن كان مرتبطاً أوله بآخره بطل كله كالصلاة، وإن كان لا يرتبط أوله بآخره فالجزء الذي فيه الرياء باطل والآخر مقبول كالصدقة.

- إرادة الإنسان بعمله الدنيا: والمراد به أن يعمل الإنسان أعمالاً صالحة يريد بها الدنيا إما لقصد المال أو الجاه، كالذي يجاهد أو يتعلم ليأخذ مالاً أو ليحتل منصباً أو يتعلم القرآن أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة، لكن نيته الحصول على مصالح دنيوية لا طلب مرضاة الله.

 

الفرق بينه وبين الرياء:

أن المرائي إنما يعمل لأجل المدح والثناء، والمريد بعمله الدنيا يعمل لدنيا يصيبها كالمال أو المنصب.

 

فهذه أنواع الشرك الأصغر قد تكون هذه الأنواع في خصائص الربوبية وقد يكون في خصائص الألوهية، كما أن كل قسم من أنواع الشرك الأصغر يحتمل أن ينقلب إلى شرك أكبر وذلك من وجهين:

1- إذا صحبه اعتقاد قلبي وهو تعظيم غير الله كتعظيم الله، كالحلف بغير الله معظماً له كتعظيم الله.

2- أو كان في أصل الإيمان، أو كثر حتى غلب على العبد، كالمراءاة في أصل الإيمان، أو يغلب الرياء على أعماله، أو يغلب عليه إرادة الدنيا بأعماله بحيث لا يريد بها وجه الله.

 

كيف تفرق عند قراءة النصوص أن هذا شرك أكبر أو أصغر؟

أو ما هي دلالات الشرك الأصغر من خلال النصوص؟

- ماجاء صريحاً في النص أنه أصغر: كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء" رواه أحمد.

- أن يأتي منكراً غير معرف: فإذا جاء معرفاً بأل التعريف دل على أن المقصود به الشرك الأكبر. من ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" رواه أحمد.

- ومن الدلالات ما فهمه الصحابة من النص أنه شرك أصغر: مثل حديث: "الطيرة شرك وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أحمد والترمذي. آخر الحديث على الصحيح أنه من قول ابن مسعود: "وما منا إلا ويقع له شيء من التطير".

مثال آخر: حديث: "من حلف بغير الله فقد أشرك". رواه الترمذي. هذا الحديث عام - أشرك -ولم يفصل. فسر ابن عباس أن الحلف بغير الله من الشرك الخفي والذي يعتبر شركاً أصغر.

- ومن الدلالات أن يفسر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الشرك الذي جاء في نص بما يوضح أن المراد به ما دون الشرك الأكبر: من ذلك حديث معاوية الليثي مرفوعاً: "يكون الناس مجدبين فيُنـزل الله عليهم رزقاً من رزقه فيصبحون مشركين، يقولون مطرنا بنوء كذا" رواه أحمد

فالمراد بهذا الشرك هو كفر النعمة وهو ضد الشكر وهو من الكفر العملي لما أخرجه الشيخان من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء -أي مطر- كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".

- ومن الشرك الأصغر: مايكون شركاً بحسب قائله ومقصده: فمثلاً الحلف بغير الله من حد ذاته من الشرك الأصغر، لكن إن قصد قائله تعظيم المحلوف به كتعظيم الله تعالى صار شركاً أكبر.

 

الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر:

- أن الأكبر لا يغفره الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فقد اختلف فيه وسيأتي تفصيله بعد قليل.

- أن الأكبر مخرج عن الملة، وأما الأصغر فلا يخرج عن الملة، ولذا فمن أحكامه: أن يعامل معاملة المسلمين فيناكح وتؤكل ذبيحته ويرث ويورث ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.

- إن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في النار وإن دخلها فكسائر مرتكبي الكبائر.

- أن الشرك الأكبر يحل الأنفس والأموال بعكس الأصغر فإن صاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان فاسق من حيث الحكم الشرعي.

- كما أن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، بينما الأصغر يحبط العمل الذي قارنه.

 

ويجتمعان في:

- استحقاق صاحبهما الوعيد.

- أنهما من أكبر الكبائر من الذنوب.

 

هل الشرك الأصغر لا يغفر إلا بالتوبة كالأكبر أم هو مثل الكبائر تحت المشيئة؟

هذه المسألة محل خلاف بين العلماء: فهناك من العلماء من قال إن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم الآية: (إن الله لايغفر أن يشرك به). وبناءً عليه فلا يقع تحت المشيئة وكون الشرك الأصغر أخطر وأكبر من الزنا وشرب الخمر والكذب واللواط. قال بهذا القول الشيخ عبدالرحمن بن حسن وصديق حسن خان وعبدالرحمن بن قاسم.

وكأن شيخ الإسلام يميل إلى هذا القول حيث يقول: "وأعظم الذنوب عند الله الشرك به، وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والشرك منه جليل ودقيق، وخفي وجلي". جامع الرسائل 2/254.

ويقول بعبارة أصرح من السابقة: "وقد يقال الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن وإن كان صاحب الشرك - أي الأصغر - يموت مسلماً لكن شركه لا يغفر له، بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة". الرد على البكري ص146.

وله كلام آخر رحمه الله يقول عن الشرك في الآية السابقة: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) أنه الشرك الأصغر.

ومن العلماء من قال بأن الشرك في الآية هي الأصغر ويقع صاحبه تحت المشيئة وهو قول الجمهور وقد قال به الإمام ابن القيم رحمه الله حيث يقول: "فأما نجاسة الشرك فهى نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، فالمغلظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء". إغاثة اللهفان 1/98.

ومرة يقول: "الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه" إلى أن يقول: "وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للمخلوق". مدارج السالكين 1/339.

ومع ذلك فإن ابن القيم يؤكد على أن الشرك فوق رتبة الكبائر كما ذكر ذلك في إعلام الموقعين 4/403.

وقد ذكر العلامة السعدي كلاماً مهماً فى هذه المسألة يقول رحمه الله: "من لحظ إلى عموم الآية (إن الله لايغفر أن يشرك به) وأنه لم يخص شركاً دون شرك، أدخل فيها الشرك الأصغر، وقال: إنه لا يغفر، بل لابد أن يعذب صاحبه، لأن من لم يغفر له لابد أن يعاقب، ولكنّ القائلين بهذا لا يحكمون بكفره، ولا بخلوده فى النار، وإنما يقولون: يعذب عذاباً بقدر شركه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة. وأما من قال: إن الشرك الأصغر لا يدخل فى الشرك المذكور في هذه الآية، وإنما هو تحت المشيئة فأنهم يحتجون بقوله تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار) فيقولون: كما أنه بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل في تلك الآية، وكذلك لا يدخل في قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) لأن العمل هنا مفرد مضاف، ويشمل الأعمال كلها ولا يحبط الأعمال الصالحة كلها إلا الشرك الأكبر، ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات والسيئات التى هى دون الشرك الأكبر لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع".

 

من صور الشرك:

الغلو في مدحه صلى الله عليه وسلم بما قد يفضي إلى عبادته من دون الله كما حصل للنصارى في حق عيسى بن مريم عليه السلام، وهذا غالباً ما يحصل فى الاحتفالات بالمولد، فيُلقى من القصائد والأشعار والمدح والثناء عليه عليه الصلاة والسلام إلى درجة الغلو والشرك، وأنه المتصرف في الكون، ويخلق ويأمر وينهى، ويجعلونه في درجة ومرتبة الألوهية، ولاشك بأن هذا شرك يخرج صاحبه من الملة لو اعتقده، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".

 

ومن صور الشرك:

تعظيم القبور والاعتقاد بالمقبورين فيها، إما بجلب النفع أو دفع الضر وهذا منتشر والعياذ بالله في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي بل إن بعض هذه القبور يبنى عليها مساجد وتصبح مزارات ويذبح عندها القرابين وتقدم لها الصدقات والأموال وكل هذا شرك صريح لا شك فيه وأكثر ما يعتقد بالقبور الرافضة والصوفية، بل ربما اعتقدوا بأن زيارة هذه القبور أعظم من حج بيت الله الحرام، وقد شوهد بعض هؤلاء يصلي فى المسجد النبوي ويتوجه إلى القبر جاعلاً القبلة خلفه أو عن يمينه أو شماله نعوذ بالله من الخذلان.

 

ومن صور الشرك:

السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله والعبادة فيها غير المساجد الثلاثة، وهذا الأمر أيضاً طم وانتشر وهناك مكاتب للسفر ينظم حافلات ويذهب مئات وألوف من الناس إلى سوريا وغيرها من الأماكم لأجل القبور هناك وفى السابق كانت هذه القوافل تذهب لقبور العراق وأماكن التعبد هناك لكن في ظل الظروف الراهنة صارت تتوجه هذه القوافل إلى سوريا ولاشك أن هذا شرك لا نقاش فيه لا  تعظيم لأي بقعه إلا ما عظمته الشريعة ولا تشد الرحال إلا للمساجد الثلاثة، وهؤلاء الجهلة المشركون يسافرون ويقصدون أماكن في الشام، للتبرك بها وعبادتها والصلاة عندها والذبح لموتاها وغالبها قبور لا يعلم من هؤلاء المقبورين فيها، بل ربما بعضها قبور خالية لكن السذاجة وسخافة عقول هؤلاء، ولا يستبعد أن يكون خلف ووراء هذه الأمور مؤسسات ومنظمات تستنـزف مما يدفع من أموال هناك.

 

ومن صور الشرك:

الذبح لغير الله قال الله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له). فلا يجوز أن يراق الدم من البهيمة في غير وجه الله، عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من آوى محدثاً ولعن الله من غير منار الأرض" رواة مسلم. قال الامام النووي رحمه الله تعالى: المراد بقوله لعن الله من ذبح لغير الله أن يذبح باسم غير اسم الله تعالى، كمن يذبح للصنم ومثله أن يذبح لصاحب القبر أو نحو ذلك وكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له كان ذلك كفراً فإن كان الذابح مسلماً قبل ذلك صار بالذبح مرتداً.

 

ومن صور الشرك:

إرادة الإنسان بعمله الدنيا: ومن عظيم فقه الامام محمد بن عبدالوهاب أن جعل باباً فى كتابه العظيم التوحيد باباً بهذا العنوان فقال: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، ثم استدل على ذلك بقول الله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لايبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ماكانوا يعملون) وقوله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" رواه البخاري. فالذي يبني مسجداً، وهو لا يريد بهذا المسجد وجه الله، وإنما أراد بعلمه هذه الدنيا من شهره أو جاه أو سمعة أو نحو ذللك فإن هذا المسجد يعد من مساجد الضرار (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

أو الذي يتصدق وينفق حتى ينشر اسمه في الجرائد بأنه أنفق من ماله الخاص وهو لا يريد بذلك وجه الله، فهذا أيضاً ممن أراد بعمله الدنيا، أو الذي يحج إلى بيت الله لكي يقال بأن فلان من حجاج بيت الله الحرام فهذا أيضاً ممن أراد بعمله الدنيا ولم يبتغي وجه الله.

 

أسباب الشرك ومبادئه:

وبعد معرفة تنوع الشرك فإنه قد يسأل عن أسباب وقوع الأمة في الشرك فأما الشرك الأكبر فإن سبب وقوع بعض المسلمين فيه هو الغلو، وسواء كان الشرك في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، فإننا نجد أن بينها قاسماً مشتركاً، وهو أن للغلو سبب فيها، فالشرك في الربوبية حصل بينهم بالغلو في معرفة الله حيث تركوا الهدي السوي لذلك، واتخذوا مناهج أخرى، فخلوا فى الظلام وأجاعوا أنفسهم وجعلوا لهم أذكاراً خاصة فنشأت من ذلك الإتحادية والوجودية ونحوها بتلبيس الشيطان عليهم.

والشرك فى الأسماء والصفات حصل بالغلو في الوصف والاثبات، أو النفي والتنـزيه، فإن قوماً وصل بهم غلوهم في الاثبات والوصف لله تعالى أن وصفوه فشبهوه بخلقه، وآخرون غلوا في التنـزيه فأنكروا صفات الله أو بعضها ظناً منهم أنهم يقدسون ويعظمون الرب سبحانه.

وأما الشرك فى توحيد الألوهية فسببه الغلو في الصالحين، وقد أوضح ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد فقد عقد باباً سماه (باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين) فقوله (تركِهم) مجرور عطفاً على المضاف إليه (كفرِ): كأنه قال: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم تركهم لدينهم هو أمر واحد وهو الغلو فى الصالحين. ولقد نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الغلو في الدين فقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل) وقال تعالى: (يا أهل الكتاب لاتغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق).


الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً.

 

س/ ما الفرق بين الناقض الأول وهو الشرك وبين هذا الناقض علماً بأن الشرك أيضا هو جعل شريك مع الله يتوسط به فيُدعى من دون الله ويُسأل؟

الجواب/ إن فعل من وقع في هذا الناقض يعتبر تأكيداً منه في الإصرار على الشرك، ويعتبر الأول أصلاً في تجويزه للشرك. وأيضاً أن الناقض الأول خاص بالعبادة العملية كالذبح والسجود وغير ذلك أما هذا الناقض فهو خاص بالدعاء وهو السؤال والطلب، أي خاص بالعبادة القولية.

لكن يَرد هنا إشكال: وهو قول المصنف: - يتوكل عليهم - والتوكل عبادة عملية لأنها من أعمال القلوب. ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن المصنف لو ذكر التوكل في الناقض الأول لكان أحسن في الترتيب حتى يكون الناقض الأول خاص بالعمل، والثاني بالقول لكن فد يلتمس للمؤلف أنه لم يقصدها بالذات وإنما لم يرد أن يغير في نفس عبارة شيخ الإسلام فى الفتاوى المجلد الأول (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً).

ومن أشهر ما كتب فى هذه المسألة رسالة شيخ الاسلام ابن تيمية (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) وألف من المعاصرين الشيخ محمد نسيب الرفاعي كتاب التوصل إلى حقيقة التوسل. والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رسالة بعنوان (التوسل أنواعه وأحكامه) وهناك رسائل وشروحات للشيخ محمد بن عبدالوهاب وتلاميذه في هذا الموضوع لو جمعت لكونت كتابا مفيداً فى هذا الموضوع، ومن هنا فإن من المهم بيان وإيضاح التوسل الشرعي والبدعي.

 

تعريف التوسل في اللغة: الوسيلة: هي المنـزلة عند الملك، والوسيلة: الدرجة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا هو... ).

 

ومعنى التوسل شرعاً: فهو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته واتباع رسوله، وبكل عمل يحبه ويرضاه. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون). وقال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا). وقد فسر جمع من السلف الوسيلة بمعنى القربة، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "إن الوسيلة هي القربة" وقال قتاده وعطاء والسدي وغيرهم في قوله: (وابتغوا إليه الوسيلة) أي: تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه.

 

الوسائل الشرعية والكونية:

وقد يخلط بعض الناس بين الوسائل الشرعية والوسائل الكونية، فيكون ذلك سبباً في الخلط بين التوسل البدعي المذموم والتوسل الشرعي الممدوح

أما الكونية: فهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقه الله عليها، وهذه مشتركة بين المؤمن والكافر، ومثالها الماء وسيلة لري الإنسان، والطعام وسيلة لشبعه ونحو ذلك.

وأما الشرعية: فهي سبب يوصل إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله تعالى وبينه في كتابه وسنة نبيه.

وهي خاصة بالمؤمن المتبع لأمر الله ورسوله ومثالها النطق بالشهادتين بإخلاص وسيلة لدخول الجنة والنجاة من الخلود فى النار، وكذلك إتباع السيئات بالحسنات وسائل لمحو السيئات، وصلة الرحم وسيلة لطول العمر وسعة الرزق ونحو ذلك.

 

صحة الوسائل ومشروعيتها:

والوسائل الكونية لجواز فعلها عند المسلم شرطان:

1- أن تكون مباحة.

2- أن تكون قد ثبت تحقيقها للمطلوب أو غلب ذلك على الظن.

وأما الوسائل الشرعية فلجواز فعلها شرط واحد: وهو أن تكون ثابتة في الشرع.

 

أنواع التوسل:

توسل مشروع وتوسل ممنوع:

أما التوسل المشروع: فهو كل توسل دل على جوازه نص من الكتاب أو السنة وهو ثلاثة أنواع:

1- توسل بالله تعالى: وهو إما توسل بذات الله وإما بأسمائه الحسنى، وإما بصفاته العليا.

2- توسل بالأعمال: وهو أن يتوسل العبد بأعماله الصالحة، ومثاله: قصة الثلاثة الذين دخلوا في الغار فأغلق عليهم، فسألوا الله بأعمال صالحة لهم ففرج الله عنهم.

3- توسل بدعاء الغير: وهو أن يتوسل العبد إلى ربه بدعاء أخيه المؤمن، ومن ذلك توسل الصحابة رضى الله عنهم بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته. قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله " فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تبارك وتعالى بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم تسليما ".

وهذا الأخير أي التوسل بدعاء الغير هو الذي أُسيء فهمه وخالف فيه المتأخرون مصطلحات المتقدمين وأعرافهم فبينما كانت لفظة (التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم) من الذهاب إليه وطلب الدعاء منه كقصة الإعرابي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسأله الدعاء، وقصة الرجل الأعمى، فهم المتأخرون منها أن المراد التوسل بشخصه بأن يُسأل بذات النبي.

 

الأدلة:

أما التوسل بالله فدليله قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ماكانوا يعملون). ومن السنة ما روى عبدالله بن بريدة رضي الله عنه عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال: "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" أخرجه أبوداود والترمذي.

وأما التوسل بالأعمال الصالحة فدليله قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا أنك أنت التواب الرحيم). ومن السنة: ما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاءً أدعو به في صلاتي قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وراحمني إنك أنت الغفور الرحيم". رواه البخاري.

وأما التوسل بدعاء الغير من الصالحين فدليله قوله تعالى حكاية عن أبناء يعقوب عليه السلام: (قالوا يا أبانا إستغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين). ومن السنة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائماً، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس". رواه البخاري.

 

يكون السؤال والدعاء ناقض بثلاثه أمور:

1- أن يسأل الأموات ويدعوهم وهذا كفر مطلقاً بغض النظر عن كونهم يقدرون لو كانوا أحياء أو لا يقدرون كما لو قال للميت: أسقني.

2- أن يسأل الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يسألهم الولد أو الرزق أو السلامة من الأمراض.

3- أن يسأل الغائبين من دون الله وهم لا يسمعونه وهذا كفر بالإجماع


الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.

 

أولاً: هناك نصوص كثيرة تأمر على مباعدة الكفار والبراءة منهم. قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة). وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون). وقال تعالى (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه). فدلت هذه الآيات على لزوم مباعدة الكفار والبراءة منهم ومقاطعتهم، ولهذا فإنه يوجد في كثير من كلام أهل العلم تكفير الكافر وتكفير من لا يكفره، بل تكفير من شك في كفره. ومنه أن القاضي عياض رحمه الله قد نقل الإجماع على كفر من لم يكفر الكافر. قال رحمه الله: "وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحداً من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف فى تكفيرهم أو شك". و قال ابن تيمية رحمه الله في حكم سب الصحابة: "وأما من اقترن بسبه دعوى أن علياً إله أو أنه كال هو النبي وإنما غلط جبريل فى الرسالة فهذا لا شك فى كفره بل لا شك فى كفر من توقف في تكفيره". وبهذا يتضح لنا أن السلف كانوا يفهمون أن الآيات والأحاديث الدالة على مباعدة الكفار والبراءة منهم دالة على أهمية تكفير الكافر. قال ابن تيمية: رحمه الله عن أهل وحدة الوجود بعد أن ذكر مذهبهم الباطل وأنه أشر من قول النصارى، قال: "فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم ومن شك فى كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك فى كفر اليهود والنصارى والمشركين". فأوحض رحمه الله أن الشاك في كفر من علم كفره يكفر.

ومن ذلك أيضاً قوله رحمه الله في حكم سب الصحابة أن من "زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفر قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً فى كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن فى غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك فى كفر مثل هذا، فإن كفره متعين وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام" فصرح رحمه الله بتكفير الشاك في كفر من ثبت كفره،  وأنه مما يعلم اضطراراً من دين الإسلام.

 

من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم وهذا يشمل ثلاثة أنواع:

1- أن لا يكفر المشركين جازماً بعدم كفرهم وهذا يشمل قول المصنف مع أنه تبين له شركهم في قوله: (من لم يكفر المشركين).

2- أن يشك في كفرهم ويدل على أنه نوع آخر قول المصنف (أو) فهي للتنويع والشك هو التردد بين شيئين متساويين لا ميزة لأحدهما على الآخر.

3- (صحح مذهبهم) شر الأنواع لأن الأول اعتقاد والثاني أيضاً اعتقاد أما الثالث مع الإعتقاد نسبة مذهبهم إلى الصحة مثال "مذهبهم صحيح هم على حق- ليس دينهم باطل -".

 

ويشترط في تكفير من لم يكفر المشركين شرطان:

1- أن يتبين له كفرهم من الكتاب والسنة فإن تبين له كفرهم ولم يكفرهم كفر. ذكر ذلك الشيخ سليمان بن عبدالله في مجموعة التوحيد.

2- أن لا يكون مثله يجهل كفرهم فإن كان مثله لا يجهل كفرهم فلم يكفرهم كفر. نقل الإجماع على كفر من لم يكفر المشركين القاضي عياض في كتابه الشفاء ج2 ص281 والشيخ سليمان بن عبدالله فى رسالته أوثق عرى الإيمان ص281 مجموعة التوحيد ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية فى الفتاوى ج2 ص363.

 

والكفار الذين يجب تكفيرهم على قسمين:

1- من أجمع العلماء على كفرهم ممن ليس من أهل القبلة كاليهود والنصارى والمجوس والسيخ وغيرهم.

2- من يدعي الإسلام من أهل القبلة وقد قام فيه مكفر، أجمع العلماء على التكفير به، وأجمعوا على تكفير من قام فيه، مثاله: النصيرية أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بكفرهم وقال: إنهم أكفر من كثير من المشركين القاديانية صدرت فتوى هيئة كبار العلماء بكفرهم، فتاوى اللجنة ج2 ص116. ومثلهم: الدروز والبهائية والبابية والرافضة والباطنية، مجموع الفتاوى ج2. والبهائية والبابية كفرهم المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة. والتيجانية كفرتهم اللجنة بالفتوى رقم5553. والدروز ذكرت اللجنة أنهم ملحدون كفار رقم11800 ج2 ص228. والعلمانيون فى وقتنا الحاضر فإنهم كفار الذين يرون أن الدين ناقص وأنه رجعي وأنه لا يدخل فى السياسة، ومثلهم المنتمين إلى الماسونية وكذلك الشيوعيون ومن مثلهم وعلى اعتقادهم كالاشتراكيين والقوميين والبعثيين وكذلك الرافضة ويقاس عليهم كل طائفة تدعى الإسلام وقد قام بها مكفر أجمع العلماء على التكفير به.

3- من وقع خلاف بين أهل السنة في تكفيرهم وله مثالان:

1- الجهمية: ومن يعتقد معتقدهم والصحيح إنهم كفار، إذ ذكر ابن القيم في نونيته أن خمسمائة من علماء الإسلام كفروا الجهمية مثل عبدالله بن المبارك وغيره من العلماء.

2- عوام الطوائف التي تدعي الإسلام والتى قام بها مكفر كعوام الباطنية والرافضة وعوام الجهمية وغيرهم من الطوائف.

 

حكم من لم يكفر هذه الأقسام الثلاثة فيه تفصيل:

القسم الأول: وهو من أجمع العلماء على كفرهم ممن ليسوا من أهل القبلة ولا من الذين لا يقولون لا إله إلا الله كاليهود والنصارى والهندوس وغيرهم فهؤلاء من لم يكفرهم فهو كافر وقد ساق ابن تيمية الإجماع وقال "من شك في كفر اليهود والنصارى والمشركين فهو كافر" المجموع ج2 ص383 ونقل الإجماع القاضي عياض في الشفا ج2 ص281 قال: "من لم يكفر أحداً من النصارى واليهود وتردد فى كفرهم أو شك فإنه كافر".

القسم الثاني: وهو من قام به مكفر ممن أجمع العلماء على التكفير به ممن يقول لا إله إلا الله فهنا تفصيل:

إن علم بهم إنه قام هذا الكفر فلم يكفرهم بعد علمه فإنه كافر نقل الإجماع ابن تيمية في كتاب الصارم المسلول فقال: "من لم يكفر من اعتقد ألوهية علي لا شك في كفر من توقف فى كفره".

ويدل عليه حديث مالك الأشجعي "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وماله.. " رواه مسلم.

القسم الثالث: من وقع الخلاف فيه من عوام الطوائف المبتدعة مثل الجهمية مثلاً فمن علم منهم ودلت أدلة على كفرهم فيجب أن يكفرهم وهو الصحيح كالجهمية وينطبق عليه الناقض إن لم يكفرهم، أما من ترجح عنده عدم كفرهم لوجود لوجود مانع كتأويل الجهمية ومانع الجهل للعوام فهذا لا يجوز له تكفيرهم ولا ينطبق عليه الناقض.

 

إن كثرة انتشار الكفار بيننا وكثرة وجود الكفرة فى كل مكان في الشوارع والأسواق بل حتى فى البيوت ومخالطتهم للنساء والأطفال ناهيك عن صور الكفرة والمشركين مما تبثه وسائل الإعلام المرئية ويُنقل للناس واقع حياتهم اليومية فأصبح الناس يتفرجون على أشكال الكفار ولباسهم وعاداتهم حتى أصبحت من الأمور العادية جداً ولا غرابة أضف إلى ذلك الاحتكاك اليومي بهم إما بعمل أو معاملة وقد قيل كثرة الإمساس يذهب الإحساس، ما بالك إذ صاحب ذلك كله حسن معاملة من الكافر أو التزام بمواعيد أو وفاء بعهد لا شك بأن هذا يهز عقيدة المنهزمين.

إن تكفير الكافر من أصول عقيدتنا، ودين ليس فيه تكفير ليس بدين لكن بضوابطه وشروطه فالأمر خطير وهي ليست قضية إثم ومعصية بل قضية خروج من الدين أو بقاء فيه. فمن لم يكفر المشركين أو شك فى كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.


الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

 

في هذا الناقض مسألتان:

1- من اعتقد أن غير هدي البني صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه.

2- من اعتقد أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه.

 

أما الأولى: فصاحبها كافر إجماعاً، وكيف لا يكفر والنبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب الجمعة ويقول كما في صحيح مسلم: أما بعد: "فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم" وهذا يعتقد أن هدي غيره أكمل من هديه هذه مصادمة للمنقول والنبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى صحيفة في يد عمر من التوراة غضب غضباً شديداً وقال لعمر: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي" أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم.. ) وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).

 

أما المسألة الثانية: فهي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله:

هناك فرق بين التشريع وبين الحكم:

فمن شرع تشريعاً عاما للناس يخالف الإسلام فهذا كافر كفراً أكبر يخرجه من الملة ولا خلاف بين العلماء فى ذلك. لكن الخلاف في الحكم والراجح التفصيل ولعل من أحسن من فصل وقسم  الشيخ ابن عثيمين رحمه الله 2/143،144 قال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وقوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنـزل على موصوف واحد؟ بمعنى أن كل من يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنـزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟ قال الشيخ رحمه الله وهذا هو الأقرب عندي والله أعلم فنقول: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به أو احتقاراً له أو اعتقاداً أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه. ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو لم يستخف به ولم يحتقره ولم يعتقد أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق وإنما حكم بغيره تسلطاً على المحكوم عليه أو انتقاماً منه لنفسه أو نحو ذلك فهذا ظالم وليس بكافر ويختلف مراتب ظلمه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم. ومن لم يحكم بما أنزل الله لا استخفافاً بحكم الله ولا احتقاراً ولا اعتقاداً أن غيره أصلح وأنفع للخلق وإنما حكم بغير محاباة للمحكوم له أو مراعاة لرشوة أو غيرها من عرض الدنيا فهذا فاسق  وليس بكافر ويختلف مراتب فسقه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيمن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله أنهم على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل ويعتقدون تحليل ما حرم وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً.

 

الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحرام وتحريم الحلال - كذا العبارة المنقولة عنه - ثابتاً لكنهم أطاعوهم فى معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.

 

وسئل رحمه الله: هل هناك فرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله وبين المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً؟

فأجاب: نعم هناك فرق بين المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً لا يتأتى فيها التقسيم السابق وإنما هي من القسم الأول فقط، لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصح من الإسلام وأنفع للعباد.. الخ


الناقض الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفر:

 

وهذا أمر خطير لأن بغض شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان من الأقوال أو الأفعال أمراً كان أو نهياً نوع من أنواع النفاق الإعتقادي الذي صاحبه فى الدرك الأسفل من النار  إليك بعض الأمثلة:

هناك ممن تأثر بالغرب فكراً أو سلوكاً وخلقاً أو ممن تغذى بألبان الكفار مشرباً أو عاش هناك فترة من الزمن تجد أنه يبغض بعض الأشياء التي جاءت بها الشريعة وإن عمل بها ككراهية بعضهم مسألة تعدد الزوجات فتجد أنهم يتفوهون بذلك فى مجالسهم وربما كتب بعضهم شيئاً حول هذا فى بعض الصحف والمجلات ناهيك عن محاولة زرع بغض هذه القضية فى قلوب العامة من خلال المسلسلات والأفلام. فأنت غير ملزم بأن تعدد لكن احذر أن تبغض بقلبك ذلك فإنه كفر مخرج من الملة.

 

مثال آخر: هناك من يبغض ويكره كون المرأة ليست بمنـزلة الرجل فيقول لماذا دية المرأة نصف دية الرجل، أو لماذا شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، فكل هؤلاء الذين أبغضوا شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كفار وإن عملوا به لأنهم لم يستكملوا شروط لا إله إلا الله، الذي من شروطها المحبة لما دلت عليه والسرور بذلك بل وانشراح الصدر بذلك. أما هؤلاء فقد ضاقت صدورهم وأبغضوا ما دلت عليه وهذا هو عين فعل المنافقين الذين يفعلون كثيراً من محاسن الشريعة الظاهرة لشيء ما مع بغضهم لها، قال الله تعالى حاكماً بكفر من كره ما أنزل الله على رسوله: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم). إن هذا من أعظم ما يخيف المسلم أن يكون كارهاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيحبط عمله وقد يكمن هذا في النفس ولا يشعر به إلا بعد برهة من عمره فأكثروا رحمني الله واياكم من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن بعض الناس قد يتبين له خطأ هو واقع فيه أو منكر، فلا يقبل ما تقول، فهذا لا يطلق عليه أنه مبغض لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يقبل كلامك أنت  لا لبغضه ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لكن لسبب آخر إما لعدم عرضك أنت الحق الذي معك بأسلوب مناسب أو لغيره من الأسباب.

 

قضية أخرى: لا يجوز أن تُلزم صاحب المعصية بما لا يَلزَم:

فمثلا لا يصلح أن نُلزم حالق اللحية أو مسبل الإزار أنه مبغض لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا إلزام باطل. وهناك من الصحابة من شرب الخمر ولم يلزمه أحد من الصحابة بذلك الإلزام بل لما أُتي بشارب الخمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولعنه بعض الصحابة وقال ما أكثر ما يؤتى به نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنه وقال: إنه يحب الله ورسوله. لأن هذا النوع من الإلزام مقتضاه إخراج أهل الكبائر من الإسلام وهذا مخالف لمعتقد أهل السنة فإن أصحاب الكبائر تحت المشيئة إن شاء الله عفا عنهم وإن شاء عذبهم على قدر ذنوبهم ومآلهم الجنة.

 

مسألة إنكار السنة وجحودها:

إذا كان ما مضى فى بغض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فما بالكم بإنكار السنة. ومذهب السلف وما عليه أهل العلم قديماً وحديثاً تكفير من جحد السنة. قال ابن بطة: "لو أن رجلا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئاً واحداً كان برد ذلك الشيء كافر عند جميع العلماء". وقال السيوطي: "اعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف فى الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من يشاء من فرق الكفرة" . وقال ابن القيم: "من ظن أنه يستغني عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بما يلقى فى قلبه من الخواطر والهواجس فهذا من أعظم الناس كفراً". وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله بعد أن أورد الأدلة على حجية القرآن والسنة قال: "وهما أصلان متلازمان من جحد واحد منها فقد جحد الآخر وكذب به وذلك كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام بإجماع أهل العلم والإيمان".


الناقض السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه كفر: والدليل قوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم).

 

الاستهزاء نوعان:

1- استهزاء لا يعد سباً أو سخريةً كقول النصارى إن عيسى ابن الله، وأن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن الله ثالث ثلاثة ونحو ذلك، وهذا كفر محض.

2- استهزاء يعد سباً وتنقصاً وسخريةً، وسيرد بضع الأمثلة بعد قليل.

قال ابن قدامه: "من سب الله تعالى كفر سواء كان مازحا أو جادا وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو رسله أو كتبه" 12/298 تحقيق التركي.

وقال النووي: "والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن عمد واستهزاء بالدين صريح". 10/64 روضة الطالبين.

ونقل القرطبي عن القاضى ابن العربي في شرح آية تبوك: "لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزلاً وهو كيفما كان كفر. فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة فإن التحقيق  أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل". 8/197 الجامع لأحكام القرآن.

وقال شيخ اللإسلام: "إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، يكفر به صاحبه بعد إيمانه". 7/273 الفتاوى.

مناسبة الآية التي ساقها المؤلف: (قل أبالله وآياته...

روى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان في سبب نزول قول الله تعالى: (قل أبالله وآياته... ) قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء – يعني بهذا الكلام بعض الصحابة – فقال له عوف بن مالك رضي الله عنه: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف بن مالك ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه – أي نزلت الآية الكريمة: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب.. ) قال ابن عمر رضي الله عنهما: وجاء ذلك الرجل الذي قال تلك المقالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله: إنما كنا نخوض ونلعب، نتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، يقول ابن عمر: لكأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أباالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه.

 

هناك الكثير من الكتابات والمقالات وربما رسوم الكاركتير واضح أن أصحابها قصدوا الاستهزاء بشيء من الدين. إليك بعض الأمثلة من الكفريات: يقول أحدهم: عبدالعزيز المقالح:

"الله في مدينتي يبيعه اليهود، الله فى مدينتي مشرد طريد، أراده الغزاة أن يكون لهم أجيراً شاعراً  قواد، يخدع فى قيثارة المذهب العباد. لكنه أصيب بالجنون لأن أراد أن يصون زنابق الحقول من جرادهم أراد أن يكون". كتاب الحداثة للقرني ص93.

ويقول نزار قباني: "وهل غلاء الفول والحمص والطرش والجرجير شأن من شئون الله".

ويقول محمد جبر الحربي:

أرضنا البيد غارقة

طوف الليل أرجاءها

وكساها بعسجده الهاشمي

فدانت لعاداته معبدا. مجلة اليمامة عدد 887. وهذا استهزاء واضح بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ومثله الذي رسم كاركتير صورة ديك وتسع دجاجات وعنون له "محمد أفندي جوز التسعة".

وكتب آخر: "حدثنا محبط عن محبط عن جاهل". يسخر بالإسناد وبحملة الدين.

وزميله في الكفر الذي قال: "حدثنا الشيخ إمام عن صالح بن عبدالحي عن سيد درويش عن أبيه عن جده".

ومثلهم الكاتب الذي سخر بالصحابي أبي ذر رضي الله عنه عندما قال: "عادل إمام مثل أبي ذر الغفاري يمشى وحده ويموت وحده ويبعث يوم القيامة وحده". والأمثلة أكثر من أن تحصى.

 

إن الإسئهزاء بالدين وأهله وحملته تاريخه طويل بطول بعثه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

 

ويمكن أن نحدد بعض أسبابه وبواعثه:

1- الكره والحقد من عِلية القوم لهذا الدين العظيم: قال الله تعالى: (لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين) وقال تعالى: (وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون، قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة).

2- النقمة على أهل الخير والصلاح: قال الله تعالى: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز  الحميد) وقال تعالى: (إنهم أناس يتطهرون). فالمتلوث ينـزعج وينقم على المتطهر.

3- الكبر والغطرسة والنظر للنفس بالعُجب وللغير بالمهانة: قال تعالى: (أنا أكثر منك مالاً  وأعز نفراً) وقال تعالى: (أم أنا خير منه هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين) قال ابن كثير رحمه الله: "وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق وإنما حمله على هذا الكفر والعناد وهو ينظر إلى موسى عليه السلام بعين كافرة شقيه وقد كان موسى عليه السلام من الجلال والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب وقوله – ههين - كذب بل هو المهين الحقير خِلقة وخُلقاً وديناً وموسى هو الشريف الرئيس الصادق البار الراشد".

4- التقليد الأعمى لأعداء الدين: هناك من مسخت عقولهم وبهروا بالحضارة الغربية …

5- حب الدرهم والدينار والدولار وحب الشيكات: فطائفة يمثلون الأفلام والمسرحيات وطائفة يكتبون وطائفة يرسمون وفى النهاية يستلمون الشيكات.


الناقض السابع: السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر. والدليل قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنه فلا تكفر).

 

السحر: وهي عزائم ورقى يؤثر فى القلوب والأبدان فيُمرض ويقتل ويفرق بين الزوج وزوجه وهو استخدام الشياطين للتوصل إلى أشياء يريدها الساحر ومن هذا الباب صارت كفراً لأن الشياطين لا يخدمون الإنس إلا بتقديم تنازلات عن دينه وغالبها تنازلات شركيه.

ذهب المعتزلة إلى أن السحر لا حقيقة له، واستدلوا بقوله تعالى: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى). والصحيح هو قول أهل السنة أن السحر له حقيقة قال تعالى: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين  المرء وزوجه) والآية تدل على أن للسحر حقيقة يكون سبباً للتفريق بين الزوجين، وقال تعالى: (يعلمون الناس السحر) ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه

 

- السحر منتشر في العالم الإسلامي خصوصاً هذا الزمان وهناك بلدان اشتهرت بكثرة السحرة كالمغرب وعمان.

- هناك من يستعين بالسحرة على معرفة مرتكبي الجرائم.

- العوام يذهبون للسحرة من أجل العلاج والله تعالى يقول: (ولا يفلح الساحرحيث أتى).

 

حكم الساحر وحكم تعلم السحر: كفر وهذا ظاهر كلام المصنف وهو الصحيح. قال الشيخ حافظ حكمي: "كل من تعلم السحر أو علمه أو عمل به يكفر، ككفر الشياطين الذين علّموه الناس، إذ لا فرق بينه وبينهم، بل هو تلميذ الشيطان وخرّيجه، عنه روى وبه تخرّج وإياه اتبّع".

- هناك من يستفيد من خواص بعض المواد والدهانات والأشياء فيلعب على الناس، الذي يظهر أن هذا لا يكفر لكن عمله محرم ومن الكبائر.

- حد الساحر: ضربة بالسيف.

- حل السحر ( النشرة ): بسحر مثله لايجوز وحرام ومن عمل الشياطين. وبالرقي الشرعية والتعوذات يجوز.

 

الصرف: هو صرف الرجل عما يهواه، كصرفه عن محبة أهله.

العطف: هو عمل سحري كالصرف، لكنه يعطف الرجل عما لا يهواه بطرق شيطانيه.

 

المصنف قسم السحر إلى: سحر عملي، وسحر اعتقادي.

فقال من فعله (هذا العملي) يكفر بمجرد العمل بغض النظر عن اعتقاده حتى ولو قال إنني أبغض السحر وأرى أنه لا يجوز.

القسم الثاني: الاعتقادي: (أو رضي به ) فمن رضي بالسحركفر ولو لم يعمل به.


الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين: قال الله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين).

 

لقد حذر الله نبيه من موالاة الكافرين والمشركين والركون إليهم فقال تعالى له: (ولا تكونن ظهيراً للكافرين) فعدّ العلماء موادّاة أعداء الله من نواقض الإسلام قال الله تعالى: (ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم، ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين).

وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم عداوة الكافرين للمسلمين، وحذرنا سبحانه من الطمأنينة لهم، والوثوق بهم، فإنهم لا يريدون بالمسلمين خيراً وأخبرنا ربنا سبحانه أن بغضهم لنا لابد أن يظهر ويبين مهما حاولوا إخفاءه، وأنهم لن يرضوا حتى نسير على طريقتهم ونتبع ملتهم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) وقال تعالى: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وقال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).

كما حذر الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه الكريم من موالاة الكفار والركون إليهم وأبدى في ذلك وأعاد، وبين تعالى أن الكفرة بعضهم أولياء بعض، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض وأن من صفات المنافقين وعلاماتهم الظاهرة موالاتهم للكفرة دون المؤمنين، والموالاة تعني المحبة والمودة والميل، كما تعني النصرة والعون والتأييد، فمن الآيات الواردة في ذلك قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقال تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً).

وقد بين علماء الإسلام قديما وحديثاً خطورة موالاة الكفرة، وبينوا أن من صورها ما يصل بصاحبه إلى الردة عن الإسلام، وهي: تولي الكفار ومظاهرتهم ومناصرتهم على المسلمين. قال شيخ المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره 6 / 313 عند قوله تعالى في سورة آل عمران: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهوراً وأنصاراً توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني فقد بريء من الله، وبريء الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر (إلا أن تتقوا منهم تقاة) إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل ). وقال أيضاً رحمه الله في تفسيره10 / 398 عند قوله تعالى في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) قال: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله وأخبر أنه من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين وأن الله ورسوله منه بريئان". وقال ابن حزم في المحلى11/ 138  "صح أن قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين". وقال القرطبي في تفسيره 6 / 217: قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم) "أي يعضدهم على المسلمين (فإنه منهم) بين تعالى أن حكمه كحكمهم وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان 7/17 من مجموع الفتاوى على قوله تعالى: (تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) قال رحمه الله: "فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع انتفاء الشرط انتفاء المشروط، فقال: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب …ثم قال: ومثله قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمنا، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً".

ولقد عُني أئمة الدعوة الإسلامية في نجد ببيان هذا الأصل العظيم وإيضاحه والتفصيل فيه أكثر من غيرهم لما رأوه في زمانهم من المسارعة إلى موالاة الكفرة والمشركين ومناصرتهم على المسلمين، فقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في حديثه عن ستة مواضع من السيرة: "إنه لا يستقيم للإنسان إسلام ولو وحد وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض، كما قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله …الآية)". وقال الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ صاحب فتح المجيد في بيانه للأمور التي تنقض التوحيد قال: الأمر الثالث: موالاة المشرك والركون إليه ونصرته وإعانته باليد أو اللسان أو المال، كما قال تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ) مجموعة الرسائل والمسائل 4/291. وسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله كما في الدرر السنية 7/201 عن الفرق بين موالاة الكفار وتوليهم، فأجاب: "التولي: كفر يخرج من الملة وهو كالذب عنهم، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، والموالاة: كبيرة من كبائر الذنوب كبلّ الدواة، أو بري القلم، أو التبشبش لهم لو رفع السوط لهم". وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن حدود الموالاة للكفار المخرجة من الملة، فأجابت: "موالاة الكفار التي يكفر بها من والاهم هي محبتهم ونصرتهم على المسلمين لا مجرد التعامل معهم بالعدل، ولا مخالطتهم لدعوتهم للإسلام، ولا غشيان مجالسهم والسفر إليهم للبلاغ ونشر الإسلام" فتاوى اللجنة  2/47. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في فتاواه 1/274: "وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، كما قال الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)".

وكما حذر الله تعالى من مطلق موالاة الكفار، فقد حذر سبحانه من صورة خطرة من صور الموالاة للكافرين وهي طاعة الكفار والانقياد لهم  وبين سبحانه وتعالى أن ذلك قد يصل بصاحبه إلى الردة عن الإسلام قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ).

 

بعض المسائل المعاصرة من مظاهرة المشركين:

- مساعدة الأحزاب الإشتراكية والشيوعية فى أي بلد إسلامي ودعمهم للوصول للسلطة.

- مساعدة الأحزاب العلمانية فى أي بلد للوصول للحكم لأنه يتضمن فرض الكفر على المسلمين.

 

مسألة: ما حكم مظاهرة المشركين على طوائف مبتدعة من المسلمين؟

ج/ إذا كانت بدعتهم ليسث مكفرة كبدعة الأشاعرة فهنا ينتقض إسلامه لأنهم مسلمون.

أما إن كانت بدعتهم كفرية فالمظاهرة هنا ليست مخرجة من الملة لأنها مسألة مظاهرة كفار على كفار.


الناقض التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر:

 

إن الاعتقاد بأن أحداً من الناس يمكن أن ينال مرتبة في الدين تمكنه من الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم اعتقاد كفري لا يخفى على اللبيب من المسلمين. ومع ذلك فإن هذا الاعتقاد قد سلكه بعض من ينتسب إلى الإسلام من الصوفية، فاعتقدوا أنه يجوز الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، واعتقدوا أنه يجوز أن يتخذ طريق إلى الله غير اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويحتجون على باطلهم ذلك بقصة موسى عيله السلام والخضر التى ورد ذكرها فى القرآن في قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما، قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا..) إلى قوله تعالى: (قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). واحتجاجهم بذلك من وجهين:

أحدها: أنهم يقولون الخضر كان مشاهداً الإرادة الربانية الشاملة والمشيئة الإلهية العامة، وهى الحقيقة الكونية، فبذلك سقط عنه الملام فيما خالف فيه الأمر والنهي الشرعى.

 

الثاني: أنهم يقولون أن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن الشريعة ومتابعة النبي، كما خرج الخضر في متابعة موسى، وذلك لما يكون للولي من المكاشفة والمخاطبة التى يستغني بها متابعة الرسول في عموم أحواله أو بعضها.

وقد أورد شيخ السلام ابن تيمية هذه الفرية في مواضع كثيرة من كتبه وفتاويه ورد عليها بناحيتين:

إحداهما: أن موسى لم يكن مبعوثاً إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباعه، وذلك لأن الأنبياء كانوا يبعثون إلى أقوامهم خاصة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ويبعت إلى الناس عامة".

الثانية: أن قصة الخضر ليس فيها مخالفة للشريعة، بل الأمور التى فعلها تباح في الشريعة إذا علم العبد أسبابها كما علمها الخضر، ولهذا لما بين أسبابها لموسى وافقه على ذلك ولو كان مخالفاً لشريعته لم يوافقه بحال. الفتاوى 2/234، 11/607، 13/266.

 

ونزيد أن ما فعله الخضر كان عن وحي من الله وليس مجرد خيال أو إلهام وعليه فلو ثبت فرضاً أن الخضر قد خرج عن شريعة موسى وأن ذلك كان سائغاً فإنه لا يجوز في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يخرج أحد عن شريعته لعدم جواز ذلك فيها.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع متفرقة من الفتاوى:

"من اعتقد أن أحداً من أولياء الله يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر مع موسى عليه وسلم فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله". 3/422، 27/59، 4/318.

وقال أيضاً: "إن من اعتقد أن لله رجالا خواصا لا يحتاجون إلى متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أئمة الإسلام". 10/434.

وقال أيضاً: "ومن ادعى أن طريقاً إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التي بعث بها رسوله، فإنه كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عتقه".


الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به والدليل قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون).

 

المعرضون عن الدين وتعلمه صنفان: عالم وجاهل:

فأما العالم: فيكون إعراضه نتيجة للكبر والأنفة عن الاستجابة للحق، فهذا يحكم عليه بالكفر متى تحققت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع. إلا أن المعرض إن كان ممن يظهر الإسلام ويضمر الكفر فإنه كافر عند الله وإن حكم له الناس بالإسلام فى الظاهر. وإن كان عنده أصل الإيمان مع الإعراض عصياناً وتقديما لشهواته ورغباته على آخرته فإنه يعامل على قدر ما عنده من شعب الإسلام والإيمان وما عنده من شعب الكفر والعصيان.

 

وأما الجاهل فأنواع:

فإن كان جاهلا بأصل الدين لم تبلغه الدعوة فإنه غير مكلف حتى تبلغه الدعوة، وحكمه حكم أهل الفترة عند كثير من أهل العلم. وإن كان جاهلا متبعاً لقومه على الكفر يعمل ما يعملون، ويترك ما يتركون لا ينظر ولا يجتهد في المعرفة فهذا لا عذر له، فمتى تحققت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه حكم بكفره. وإن كان مع جهله مسلماً لكنه معرض عن الكتاب والسنة لجهله بما فيهما متبع لهواه عاجز عن السؤال والعلم لعدم المرشد فإنه لا يخرج عن الملة ما دام كذلك، ولكنه مخوّف بالنصوص الواردة في المعرض عن ذكر الله.

 

وعلى هذا الإعراض نوعان:

أحدهما: يخرج من الملة: وهو الإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه ولا يعمل به، وهذا المعرض هو الذي لا إرادة له في تعلم الدين، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه بل هو راض بما هو عليه من الكفر بالله والإشراك به.

الثاني: الذي لا يخرج من الملة: وهو المعرض لعجزه عن السؤال والعلم الذي يتمكن به من العلم والمعرفة مع إرادته للهدى وإيثارة له ومحبته له، لكنه غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم المرشد.

 

وليس المقصود بتعلم الدين الذي يكفر بتركه هو معرفة تفاصيل الإيمان بالله ورسوله وتفاصيل ما شرعه الله ورسوله من الأحكام، بل القصود تعلم الإيمان العام المجمل أي تعلم أصل الدين.

 

قال ابن القيم: "وأما كفر الإعراض فإنه يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلا ما جاء به ألبتة".

 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

56.27