أحكام المواقيت
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
المواقيت: جمع ميقات. يقال وقّت الشيء إذا حدده. وقد حدد الشرع لعبادة الحج حدين،
أحدهما زماني، والآخر مكاني.
بمعنى أن الشرع يقول لك: إذا أردت الحج فاعلم أن زمان الحج يبدأ من شهر كذا وينتهي
بنهاية كذا، هذه ميقات الزمان وإذا أردت ميقات المكان فاعلم بأن هذا الموضع إذا
أردت النسك فلا يجوز لك أن تتجاوزه إلاّ وأنت محرم.
أول ما يتلبس به الحاج والمعتمر هو: المواقيت وهي التي وقتها الله للحج والعمرة.
وكما قلنا المواقيت نوعان:
- الميقات الزماني: بالنسبة للحج يبدأ من أول شهر
شوال، وهذا قد أجمع عليه العلماء. فقد انعقدت كلمة الأئمة على أنه تبدأ أشهر الحج
بمغيب شمس آخر يوم من رمضان وبأول ليلة من شوال، فلو أن إنساناً قال اللهم لبيك
حجاً بعد مغيب شمس آخر يوم من رمضان صحت نيته وأجزأته.
وأما آخر ميقات الحج الزماني فهو العاشر من ذي الحجة وقال بعضهم شهر ذو الحجة
كاملاً قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَاتٌ} [(197) سورة البقرة]،
وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ
مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [(189) سورة
البقرة]. وأما العمرة فميقاتها الزماني هو كل
العام.
- المواقيت المكانية: هي أماكن معينة وقتها رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- يجب على المسلم الذي يريد الحج أو العمرة ألا يتعداها إلا وهو
محرم تعظيماً من الشرع لحرمة البيت. ومن تعداها كان مخالفاً ومتعدياً تلزمه الكفارة
وهي خمسة مواقيت:
1- ذو الحليفه: وهي قرية صغيرة تبعد عن المدينة ستة
أو سبعة أميال، وهي مهل أهل المدينة وهي أبعد المواقيت ومكانه في وادي العقيق،
والحليفة تصغير حلفة والحلفة واحدة الحلفاء شجر معروف وسمي بذلك لكثرة هذه الشجرة
فيه ومشهور عند العوام بأبيار علي لظنهم أن علياً قاتل الجن بها وهو كذب. قال شيخ
الإسلام: "العامة تسمي البئر - بئر علي - لظنهم أن علياً قاتل الجن بها وهذا كذب،
فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة وعلي أرفع قدراً من أن يثبت الجن لقتاله، ولا
فضيلة لهذا البئر ولا مذمة، ولا يستحب أن يرمى بها حجراً ولا غيره".
[الفتاوي 26/99].
وبينه وبين مكة 8 إلى 10 أيام. قرابة أربعمائة وعشرة من الكيلو مترات تقريباً.
2- الجحفة: وهي قرية على طريق المدينة خربة، قرب رابغ،
وكان اسمها مهيعة، فجحف السيل بأهلها فسميت بذلك. وهي المدينة التي دعا النبي -صلى
الله عليه وسلم- حين قدم المدينة أن ينقل الله حمى المدينة إلى الجحفة فانتقلت
الحمى إليها - وهي الملاريا - فتلف أهلها ونزح الناس عنها. وصار الناس يحرمون قبلها
من رابغ، وهي ميقات ناحية المغرب كأهل الشام ومصر وسائر المغرب وأهل أفريقيا والسبب
في ذلك أن الناس كانوا يقدمون عن طريق البر فيأتون من أعلى العقبة قبل فتح القناة
فكانوا ينـزلون بطريق الساحل فيمرون برابغ ولا يمرون بالمدينة. وبينها وبين مكة
ثلاثة مراحل أي ثلاثة أيام، وهي ثاني أبعد المواقيت عن مكة، في حدود 200كم.
3- قرن المنازل: وهو اسم جبل وهو بعد قرن الثعالب
الذي أفاض فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما طرده أهل الطائف. وهو ميقات أهل
نجد مشهور الآن بالسيل الكبير، وهو بين مكة والطائف وتبعد عنه مكة 70 كم.
4- يلملم: قيل أنه اسم لمكان، وقيل اسم لجبل في هذا
المكان. وهو ميقات أهل اليمن ويسمى الآن بالسعديه على طريق الساحل من الحجاز وبينه
وبين مكة مرحلتان أي يومان قرابة 70كم.
5- ذات عرق: مكان بالبادية قرب عقيق الطائف، سمي بذلك
لعرق فيه والعرق هو الجبل ويقولون إنه منتهى جبال تهامة يفصل بين جبال تهامة ونجد
وهو ميقات أهل العراق ومن وراءهم من أهل المشرق كأهل خراسان وغيرهم. وهي مندثرة
اليوم ويحرم الحجاج الذين يأتون في السابق على الإبل من الضريبة التي يقال لها
اليوم - الخريبات - أما اليوم فالحجاج يأتون بسياراتهم ويمرون إما على ذي الحليفة
أو السيل فيحرمون من أحدهما وتبعد عن مكة 70 كم.
وقد نظَم هذه المواقيت بعضهم فقال:
عرق العراق ويلملم
اليمني *** وذو الحليفة يحرم المدني
والشام جحفة إن مررت بها *** ولأهل نجد قرن فاستبن
عن ابن عباس -رضي
الله عنهما- قال: وقت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل المدينة ذا الحليفة
ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم فقال:
((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج أو
العمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها)).
[رواه البخاري ومسلم].
في هذا الحديث عدد من الفوائد:
1- معجزة للرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث وقّت هذه المواقيت قبل أن تفتح هذه
البلدان ولم تفتح إلا بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-.
2- تحديد المواقيت بتحديد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
3- رفع الحرج لمن مر عليهن من غير أهلهن أن يحرم من الميقات الذي يمر به وإن كان
غير ميقاته الأصلي.
4- عدم تكليف من كان دون المواقيت من جهة مكة حيث يحرم من مكانه.
5- أهل مكة يحرمون من مكة للحج ومن الحل للعمرة.
وسيأتي تفصيل هذه المسائل بعد قليل. ويتضح أيضاً من هذا الحديث أن الناس بالنسبة
للميقات المكاني ثلاثة أقسام:
1- أهل الحرم: وهم الذين يقيمون في مكة سواء كانوا مكيون من أهلها أو مقيمين فيها
من غير أهلها.
2- أهل الحل: وهم الذين يسكنون داخل المواقيت الخمسة أي بين مكة والميقات.
3-الآفاقيون: وهم الذين منازلهم خارج المواقيت.
المواقيت الخمسة المكانية أربعة منها بتوقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا خلاف
بين العلماء لثبوت ذلك في الصحيحين، وواحد مختلف فيه هل وقته الرسول -صلى الله عليه
وسلم- أم وقته عمر -رضي الله عنه-.
أما الأربعة المجمع على نقلها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهي: ذو الحليفة وهو
ميقات أهل المدينة، والجحفة وهي ميقات أهل الشام، وقرن المنازل وهو ميقات أهل نجد،
ويلملم وهي ميقات أهل اليمن.
وأما الميقات الخامس الذي اختلف العلماء فيه هل وقته رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- أو وقته عمر. فهو (ذات عرق) لأهل العراق.
- قال ابن حجر في الفتح: كون توقيت ذات عرق ليس منصوصاً من النبي -صلى الله عليه
وسلم- بل بتوقيت عمر -رضي الله عنه-. وكذا قال النووي في شرح مسلم.
والذين قالوا بأنه اجتهاد من عمر استدلوا على ذلك بما رواه البخاري في صحيحه عن ابن
عمر -رضي الله عنهما- قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين:
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حد لأهل نجد قرناً وهو جور عن طريقنا وإنا إن
أردنا قرناً شق علينا قال: فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم (ذات عرق).
وأما الذين قالوا: إنه بتوقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- استدلوا بأحاديث منها ما
رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر -رضي الله عنهما- يسأل عن المَهِل فقال: سمعت
أحسبه رفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((مهل أهل
المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة. ومهل أهل العراق من ذات عرق....))
الحديث.
- قال النووي: هذا الإسناد صحيح إلا أنه ليس فيه الجزم برفع الحديث إلى النبي -صلى
الله عليه وسلم-.
- قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في أضواء البيان: وأظهر القولين عندي دليلا، أن
ذات عرق وقتها النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهل العراق فإن كان لم يجزم برفع الحديث
إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم فإن هناك عدد من الأحاديث الصحيحة
الثابتة بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي وقت ذات عرق لأهل العراق فمن ذلك
ما جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((أن رسول الله
-صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق)).
قال ابن حجر في الفتح بعد أن ساق بعض طرق حديث توقيت النبي -صلى الله عليه وسلم-
ذات عرق لأهل العراق ما نصه: "وهذا يدل على أن للحديث أصلاً فلعل من قال أنه غير
منصوص لم يبلغه". ورأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو من مقال".
وقال ابن حجر أيضاً: وأما ما ثبت في البخاري من أن ذات عرق من توقيت عمر -رضي الله
عنه- فإنه لا يعارض الأدلة بأنها من توقيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- لاحتمال أن
عمر -رضي الله عنه- لم يبلغه ذلك، فاجتهد فوافق اجتهاده توقيت النبي -صلى الله عليم
وسلم- وهو -رضي الله عنه- معروف أنه وافقه الوحي في مسائل متعددة فلا مانع من أن
تكون هذه منها لا شرعاً ولا عقلاً ولا عادة، وأما إعلال بعضهم حديث ذات عرق، بأن
العراق لم تكن فتحت يومئذ فقد قال فيه ابن عبد البر: هي غفلة لأن النبي -صلى الله
عليه وسلم- وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح؛ لأنه علم أنها ستفتح فلا فرق في
ذلك بين الشام والعراق.
هذه عشر مسائل متعلقة بالمواقيت:
المسألة الأولى: شخص أراد مكة لغير النسك لزيارة قريب أو
حاجة فهل نلزمه بالإحرام؟
اختلف العلماء في جواز دخول مكة بغير إحرام فالمشهور من الأئمة الثلاثة أبو حنيفة
ومالك وأحمد: الوجوب. أي لا يجوز له تجاوز الميقات إلاّ وهو محرم.
والمشهور من مذهب الشافعي والظاهرية ورواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام:
عدم الوجوب مطلقاً.
وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة.
أما الذين قالوا: بأنه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام إلا للمترددين عليها كثيراً
فاستدلوا بما رواه البيهقي في سننة عن ابن عباس أنه قال: "لا يدخل مكة أحد من أهلها
ولا من غير أهلها إلا بإحرام". وقالوا أيضاً: أن دخول مكة بغير إحرام مناف للتعظيم
اللازم لها. وأيضاً استدلوا بما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم
فتح مكة قال: ((وإن الله قد أحلها لي ساعة من نهار وإنها لن
تحل لأحد بعدي)) قالوا: وجه الدلالة من الحديث أن الرسول -صلى الله عليه
وسلم- دخلها بغير إحرام للرخصة من الله يوم الفتح فقط، ثم عادت حرمتها فلا يحل لأحد
أن يدخلها بدون إحرام.
وأما الذين قالوا بجواز دخول مكة بلا إحرام لمن لم يرد نسكاً، فاحتجوا بأدلة منها
ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام. وقد ثبت أن ابن عمر
دخلها بغير إحرام. وأيضاً حديث ابن عباس قوله -صلى الله عليه وسلم-:
((هنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ممن أراد الحج
والعمرة)) فقوله: ((ممن أراد الحج والعمرة))
يدل على أن الذي لا يريد الحج والعمرة لا يُلزم بالإحرام. قال ابن حجر: وحاصله أنه
خص الإحرام لمن أراد الحج والعمرة. فمفهومه أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج
والعمرة لا يلزمه الإحرام. وجاء في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك -رضي الله
عنه-: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر..
الحديث) فهذا دليل على أنه -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة عام الفتح بغير إحرام.
وجاء في صحيح مسلم من حديث جابر: ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل يوم فتح مكة
وعليه عمامة سوداء)).
وجمع العلماء -رحمهم الله تعالى- بين أنه دخل مكة وعلى رأسه المغفر وفي بعضها أنه
دخل وعليه عمامة سوداء:
قال القاضي عياض: وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك
كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله: خطب الناس وعليه عمامة سوداء؛
لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة، بعد تمام فتح مكة.
وجمع بعض أهل العلم بينهما، بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة تحت المغفر لوقاية
رأسه من صدأ الحديد فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئاً للحرب، وأراد جابر بذكر
العمامة كونه دخل غير إحرام.
فالراجح -والعلم عند الله تعالى- أن من أراد دخول مكة لغرض غير الحج والعمرة أنه لا
يجب عليه الإحرام؛ لأن أدلة القائلين بعدم الوجوب أقوى وأظهر، ولو أحرم كان خيراً
له، فحديث ابن عباس المتفق عليه ((هنّ لهنّ ولمن…))
خص فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- الإحرام بمن أراد النسك وظاهره: أن من لم يرد
نسكاً فلا إحرام عليه. وقد رأيت الروايات الصحيحة بدخول النبي -صلى الله عليه وسلم-
مكة يوم الفتح غير محرم ودخول ابن عمر غير محرم. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية: في حكم تقديم الإحرام على ميقاته المكاني.
جمهور أهل العلم على جواز الإحرام قبل الميقات وأنه ينعقد. وقد ثبت عن ابن عمر وأنس
بن مالك أنهم أحرموا قبل الميقات، وأقر عثمان من فعل ذلك، فكل هذه الآثار الصحيحة
عن الصحابة يدل على عدم الحرج من الإحرام قبل الميقات.
ولكن اختلفوا هل الأفضل الإحرام من الميقات أم الإحرام من بلده إذا كان أبعد من
الميقات؟
لا شك أن الإحرام من الميقات أفضل؛ لأنه فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والخير
كله في اتباعه، فقد ترك -عليه الصلاة والسلام- الإحرام في مسجده الذي صلاة فيه أفضل
من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وأحرم من الميقات. جاء رجل إلى الإمام
مالك -رحمه الله- فقال: يا أبا عبد الله إني أريد أن أحرم من عند المسجد، وفي
رواية: من عند القبر. قال: لا تفعل، إني أخشى عليك الفتنة. قال: ولم ذاك إني أحتسب
الخطوات قبلها. فقال: إنك إن فعلت ذلك ظنَنتَ أنك خير من رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- ولست بخير منه وقد قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ} [(63) سورة النــور].
إذن: رجح العلماء جواز وانعقاد الإحرام قبل الميقات، لكنه خلاف السنة والأولى.
المسألة الثالثة: في حكم تقديم الإحرام على ميقاته الزماني.
ذكر جماعة من العلماء على أنه لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهر الحج. قالوا لأن
الله تعالى قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}
[(197) سورة البقرة]
فيفهم من الآية أنه لا حج في غير أشهر الحج. وقد أفتى بهذا الصحابة فقد روى البيهقي
بسند صحيح عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال أبو الزبير: سَئل عن رجل أهل
بالحج قبل أشهره قال: لا. أي لا ينعقد حجه. وأيضاً قاسوا الحج على الصلاة، فكما لا
تصح الصلاة قبل دخول وقتها فكذلك لا يصح الحج قبل أشهره بجامع كون كل منهما عبادة
مؤقتة.
وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى الجواز قبل أشهر الحج ولكن يكره واستدلوا بقوله
تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ
مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [(189) سورة
البقرة] فأخبر سبحانه أن الأهلة كلها مواقيت
للناس والحج. أي جعل الله الشهور كلها مواقيت للناس والحج، فلم يفرق بين شهر وآخر.
وأيضاً يمكن أن يقاس الحج على العمرة لقول -صلى الله عليه وسلم-:
((اصنع في عمرتك ما تصنعه في حجك)) فكما أن العمرة
تصح في جميع الأشهر فكذلك الحج.
وذكر آخرون أنه إذا أحرم بالحج في غير أشهره ينعقد إحرامه بعمرة لا بحج وهذا مذهب
الشافعي.
والذي رجحه المحققون من أهل العلم أن الحج لا ينعقد قبل أشهره. لقوله تعالى:
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} فهذه الآية
تفيد التقييد والتحديد والإلزام بهذه الأشهر. وقوله تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ...} فهي آية
مجملة والآية الأولى آية مبينة والقاعدة الأصولية: أن المجمل محمول على المبين.
قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في أضواء البيان: ومن العجيب عندي أن يستدل عالم
بمثل هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط كما نرى؛ لأن الآية ليس معناها أن كل شهر
منها ميقات للحج ولكن أشهر الحج إنما تعلم بحساب جميع الأشهر؛ لأن هو الذي يتميز به
وقت الحج عن غيره، ولأن هذه الأدلة التي لا يعول عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب
الله صريحة في توقيت الحج بأشهر معلومات وهي قوله تعالى:
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}.
والتحقيق الذي يدل عليه القرآن أن الحج لا ينعقد في غير زمنه كما أن الصلاة
المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها.
وانقلاب إحرامه عمرة له حظ من النظر ويستأنس له بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر
أصحابه المحرمين بالحج اللذين لم يسوقوا هديا أن يقلبوا حجهم الذي أحرموا به عمرة،
ولذلك لو أن إنساناً أحرم قبل دخول وقت صلاة الظهر ناوياً صلاة الظهر انقلبت نيته
إلى نفل، والقاعدة في ذلك: أن الإعمال أولى من الإهمال. ولأن عدم إبطال العمل أصل،
فأبطل الشرع الحج وبقيت العمرة ممكنة فانصرفت نيته من الأعلى إلى الأدنى.
المسألة الرابعة: من كان طريقه يميناً أو شمالاً من هذه
المواقيت فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه. ومن لم يمكنه أن يحاذي أي ميقات
وليس له ميقات يمر عليه كأهل سواكن في السودان ومن يمر من طريقهم فإن بعض
أهل العلم يفتونهم أنهم يحرمون من جدة. (قال بهذا من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين
-رحمه الله-).
المسألة الخامسة: وأهل جدة يحرمون من جدة، فلو أحرم من مكة
فعليه دم لأنه تجاوز الميقات.
وهذا حكم كل من هو داخل المواقيت، أي مسكنه بين مكة والميقات، فيجب عليه أن يحرم من
مكانه.
المسألة السادسة: رجل تجاوز الميقات وأحرم.
فتوى العلماء
أنه يلزمه دم، هذا قول جمهور العلماء ودليلهم أثر ابن عباس، وفتوى ابن عباس
استنبطها -رضي الله عنه- من القرآن من قوله تعالى: {فَمَن
تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا
رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [(196) سورة البقرة]
في هذه الآية عدد من الأحكام منها:
- مشروعية التمتع.
- أن من تمتع عليه دم.
- أن هذا الدم يسقط عن المكي.
وبناء على هذا يقول العلماء أن المكي وحاضري المسجد الحرام إذا أحرموا بالعمرة في
أشهر الحج وتمتعوا بها ثم أحرموا بالحج لا يلزمهم الدم بنص الآية. أما الآفاقي لما
جاء من بلده بالعمرة وبقي في مكة كان من المفروض بعد عمرته أن يرجع إلى الميقات
ليحرم بالحج. فلما لم يرجع وأحرم من مكة ألزم بالدم. فدلّ على أن الدم مركب على
وجود الإحرام بالنسك من دون الميقات.
هذا استنباط ابن عباس أن ترك الواجبات هو أصل في المواقيت ولكنه يعتبر قاعدة في
الإخلال بالواجبات وبناءً على ذلك فكل من ترك واجباً فإننا نلزمه بالدم. قال في
السنن: (من ترك شيئاً من نسكه فليهرق دماً) وكان ابن عباس في مكة يفتي بهذا ولم
يُنكر عليه وتتابع العلماء والأئمة بعده وأخذوا بفتواه.
المسألة السابعة: رجل جاوز الميقات ولم يحرم. ثم رجع إلى
الميقات وأحرم – لا شيء عليه.
رجل جاوز الميقات وأحرم. ثم رجع إلى الميقات ليجدد النية – يلزمه دم ولو رجع لأنه
تلبس بالنسك ودخل في الإحرام وكان إحرامه بعد الميقات.
المسألة الثامنة ما يتعلق بالآفاقيين.
- لا يجوز لهم تجاوز الميقات عند نية النسك إلا محرمين.
- يجوز لهم تجاوز الميقات لو لم ينووا النسك.
- آفاقي تجاوز الميقات ولم ينو النسك ثم عرض له الحج أو العمرة – يحرم من داخل
المواقيت ولا يلزمه الرجوع. لقوله -صلى الله عليه وسلم-:
((فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ)) مثاله: رجل خرج لجدة لعمل ولا يريد
النسك ثم طرأ عليه وهو في جدة – يحرم من جدة ولا يلزم بالرجوع للميقات.
- الآفاقى الذي طريقه لا يمر بميقات – يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه.
- هل يجوز للآفاقي أن يحرم قبل الميقات؟ - ينعقد مع الكراهة.
- من أحرم قبل الميقات ثم علم أنه خالف السنة فلا يجوز له أن يفك الإحرام ليحرم من
الميقات.
- من مر على غير ميقاته يجب عليه أن يحرم منه ولا ينتظر حتى يأتي ميقاته، مثاله:
رجل من أهل الخبر سافر إلى المدينة فنوى الحج هذا يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة
ولا ينتظر حتى يصل السيل الكبير.
- من تجاوز الميقات من الآفاقي وهو مريداً للنسك فانه لا يخلو من حالين:
- إذا لم يحرم بعد، يجب عليه الرجوع ولا شيء عليه، فإن خشي فوات الحج بالرجوع أحرم
وعليه دم.
- إذا أحرم لا ينفعه الرجوع وعليه دم.
المسألة التاسعة: ما يتعلق بأهل الحل.
من كان سكناه دون المواقيت كأهل عسفان ووادي فاطمة وأهل بدر ونحوهم وأرادوا النسك
فإنهم لا يخلون من حالين:
- أن يكون سكناهم دون ميقات وفوق ميقات.
- أن يكون سكناهم دون المواقيت كلها.
فإن كان سكناهم دون ميقات وفوق ميقات كأهل بدر مثلاً: فإن سلكوا الطريق الأبعد إلى
مكة فإنهم يحرمون من مكانهم؛ لأنهم لا يمرون بميقات ذو الحليفة وليس بينهم وبين مكة
ميقات. وإن سلكوا إلى مكة الطريق الأقرب الذي يسميه العلماء طريق الساحل فيلزمهم
تأخير إحرامهم؛ لأنهم سيمرون على ميقات أهل الشام وهي الجحفة فيحرمون منها.
وإن كان سكناهم دون المواقيت كلها فيحرمون من مكانهم.
المسألة العاشرة: ما يتعلق بالمكيين:
المكي لو خرج بعد المواقيت ونوى الحج أو العمرة وهو راجع إلى بلده مكة ومر بالميقات
يلزم بالإحرام من الميقات بالإجماع لقوله -صلى الله عليه وسلم-:
((...ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ممن أراد الحج والعمرة)).
وأهل مكة يهلون للحج من مكة لحديث الصحيحين: ((...حتى أهل
مكة يهلون من مكة)).
- أما إهلال المكي بالعمرة فجماهير أهل العلم على أنه لا يهل بالعمرة من مكة بل
يخرج إلى الحل. قال ابن حجر: وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل. وقال
ابن القيم: إن أهل مكة لا يخرجون من مكة للعمرة لعموم قوله -عليه الصلاة والسلام-:
((... حتى أهل مكة من مكة)) فهذا دليل واضح على أنه
يرى أن أهل مكة يهلون من مكة للعمرة والحج ولا يمكن تخصيص العمرة منه إلا بدليل.
فالذين قالوا بخروج أهل مكة إلى الحل بالنسبة للعمرة استدلوا على ذلك بحديث عائشة
عندما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم
وهو أدنى الحل. قالوا: فلو كان الإهلال من مكة بالعمرة سائغاً لأمرها بالإهلال من
مكة.
فأجاب المخالفون عن هذا بأن عائشة آفاقية والكلام في أهل مكة لا في الآفاقيين.
فأجاب الآخرون: أنك لو قلت بأن عائشة آفاقية فحينئذٍ لا يصح أن تحرم من التنعيم؛
لأن الآفاقي ميقاته معروف وليس التنعيم فدل هذا على أن من مر بميقات لغيره كان
ميقاتا له. فيكون ميقات أهل مكة في عمرتهم هو ميقات عائشة في عمرتها؛ لأنها صارت
معهم عند ميقاتهم والله أعلم.
فالراجح أن أهل مكة يحرمون من مكة للحج. ولا بد أن يخرجوا للحل بالنسبة للعمرة.
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
التعليقات
بتول
مشاء الله حلو حيل ...........
اسووومه وانفال
عجبن المـــــــــوضوع حيل ماشاءالله....
lbtpnczij
vvWFAE aewbxfijdbry, [url=http://bqimnhnxkuka.com/]bqimnhnxkuka[/url], [link=http://bpnmktumzknn.com/]bpnmktumzknn[/link], http://emcrvlsvrdso.com/
زمردة
بارك الله في علمكم وجهدكم..
استفدنا من موقعكم الكثير .. جزيتم خيراً ورزقنا الله وإياكم الإخلاص في القول والعمل .. لكم كل الشكر
بصمة داعيه
بصمة داعيه
شكرا جزيلا فقد ساعدني في حل سوال مهم