بلال بن رباح -رضي الله عنه-
24/10/1421هـ
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
الخطبة الثانية:
إن الحمد لله، أما بعد:
إن جيل الصحابة -رضي الله عنهم- خير جيل ظهر على وجه الأرض، هم الذين وضعوا أنفسهم بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكي يعلمهم ويوجههم، فتلقوا تلكم التربية النبوية الكريمة حتى خلت نفوسُهم من حظ نفوسِهم، ومن بين الصحب الكرام صحابي جليل أحبه الله وأحبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هو بلال بن رباح، اسم يحبه المؤمنون، وصوت تعشقه آذان الموحدين، ولا بد للمسلم أن يولد ميلادين، وأن يعيش حياتين، الميلاد الأول يوم ولدته أمه، والثاني يوم يولد في هذا الدين، وبلال -رضي الله عنه وأرضاه- ولد ميلادين وعاش حياتين، ولد مولى وأُخذ إلى مكة، وعاش فيها عبداً ذليلاً، وفجأةً صدح الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالحق، هناك من على الصفا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وذهب -عليه الصلاة والسلام- إلى سادات مكة يدعوهم للإسلام، فكفروا به، وكذبوه، وآذوه وشتموه، فأنزل الله تعالى عليه: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [(28) سورة الكهف] فبدأ -صلى الله عليه وسلم- يدعو الناس إلى الله -عز وجل-، وكان بلال يعيش عيشة الرقيق، تمضي أيامه متشابهة قاحلة، لا حق له في يومه ولا أمل له في غده، فبدأت أنباء الرسول -صلى الله عليه وسلم- تنادي سمعه حين أخذ الناس في مكة يتناقلونها، فرأى بلال محمداً -عليه الصلاة والسلام- فأحبه، والسر الذي زرعه النبي -صلى الله عليه وسلم- في القلوب هو الحب، لقد فجر نبينا -صلى الله عليه وسلم- أنهار الحب في قلوب أصحابه، فأحب بلال محمداً -عليه الصلاة والسلام- حباً استولى على سمعه وبصره وقلبه، فأصبح يتحرك بحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يأكل وشخص النبي -صلى الله عليه وسلم- أمام عينيه، ويشرب والرسول -صلى الله عليه وسلم- ماثل أمامه، ولسان حاله يقول:
أحبك لا تسأل لماذا لأنني *** أحبك هذا الحب رأي ومذهبي
فلما أحبه
-رضي الله عنه- شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فانتشر خبر إسلامه
في فجاج مكة، فما أن ذاع خبر إسلامه حتى صارت الأرض تدور برؤوس أسياده، تلك الرؤوس
التي نفخها الكبر وأثقلها الغرور، وتجثم شياطين الأرض فوق صدر أمية بن خلف، فاجتمع
عليه أهل الكفر، وأذاقوه أليم العذاب ليترك لا إله إلا الله، فأبى، ضربوه، قيدوه
بالحبال، جروه من قدميه والحصى يأكل من لحمه وعظمه، ألقوه في الصحراء في حر
الظهيرة، والشمس ملتهبة ليعود إلى الكفر، فأبى، وقالها كلمة خالدة أبدية: "أحدٌ
أحد" لطموه على وجهه، فارتفع صوته متأثراً ثائراً مجروحاً: "أحدٌ أحد" ضربوه
بالسياط حتى تمزق جلده، وهو يقول: "أحدٌ أحد"، إنها إرادة ينثني لها الحديد، إنها
المعجزة الكبرى التي أتى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كيف حول هؤلاء
الأعراب والموالي من أناس فقراء مستضعفين إلى كتائب تزلزل الدنيا بلا إله إلا الله،
لقد أعطى بلال درساً بليغاً للذين في زمانه وفي كل زمان، درساً فحواه أن حرية
الضمير وسيادته لا يباعان بملء الأرض ذهباً ولا بملئها عذاباً، لقد كانوا يخرجون به
في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها إلى جهنم قاتلة، فيطرحونه على حصاها الملتهب
وهو عُريان، ثم يأتون بحجر متسعر كالحميم ينقله من مكانه بضعة رجال، ويلقى به فوق
جسده وصدره، ويتكرر هذا العذاب الوحشي كل يوم حتى رقت لبلال من هول عذابه بعض قلوب
جلاديه، فرضوا آخر الأمر أن يخلوا سبيله على أن يذكر آلهتهم بخير ولو بكلمة واحدة
لا غير، تحفظ لهم كبرياءهم، ولا تتحدث قريش أنهم انهزموا صاغرين أمام صمود عبدهم
وإصراره، ولكن حتى هذه الكلمة الواحدة التي يستطيع أن يلقيها بلال من وراء قلبه،
ويشتري بها حياته ونفسه دون أن يفقد إيمانه، حتى هذه الكلمة الواحدة العابرة رفض
بلال أن يقولها.
ويمر أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أمام بلال وهو يعذب، فقال لسيده: أمية بن خلف
أشتريه منك يا أمية، فقال أمية: خذه ولو بعشرة دنانير، قال أبو بكر: والله لو جعلت
ثمنه مائة ألف دينار لاشتريته منك، فاشتراه الصديق -رضي الله عنه- وأعتقه لوجه
الله، فأنزل الله قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ
يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاء
وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى}
[(17-21) سورة الليل] أعتقه
الصديق ثم ذهب به إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ممزق الثياب يتساقط دمه ولحمه من
شدة التعذيب، فأخذه -عليه الصلاة والسلام- واحتضنه كما تحتضن الأم طفلها، فصار بلال
سابع سبعة في الإسلام، ثم بدأت قوافل المسلمين تهاجر إلى المدينة، فكان بلال -رضي
الله عنه- ممن ترك مكة وهاجر إلى مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهناك في
المدينة عيّنه النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤذناً فأصبح بلال أولُ مؤذن في التاريخ،
ويالها من وظيفة ما أشرفها! ومن منصب ما أكرمه! فانتشر ذكره في الآفاق منذ ذلك
الوقت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مَن مِن المسلمين لا يعرف بلالاً؟ لا نكون
مبالغين إذا قلنا: بأنه منذ أن بدأ الإسلام إلى اليوم وإلى ما شاء الله من بين كل
عشرةٍ من المسلمين سبعة على الأقل يعرفون بلالاً، وإنك لتسأل الطفل الذي لا يزال في
سنوات دراسته الأولى في أعماق أفريقيا، وفوق هضاب آسيا، أو في أقاصي الدنيا من بلال
يا غلام؟ فيجيبك: إنه مؤذن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وحينما تبصر هذا الخلود
الذي منحه الإسلام بلالاً، فاعلم أنه -رضي الله عنه- لم يكن قبل الإسلام أكثر من
عبد رقيق يرعى إبل سيده على حفنات من التمر، وكان من المحتوم عليه لولا الإسلام أن
يظل عبداً تائهاً في الزحام حتى يطويه الموت، ويطوّح به إلى أعماق النسيان، لكنه
عظمة هذا الدين الذي آمن به بوأه في حياته، بل وفي تاريخه مكاناً عالياً بين عظماء
الإسلام، إن كثيرين من علية البشر وذوي الجاه والنفوذ والثروة فيهم لم يظفروا
بمعشار الخلود الذي ظفر به بلالٌ -رضي الله عنه-، وكان كلما سمع كلمات المدح
والثناء تُوجّه إليه حنى رأسه وغض طرفه، وقال: "إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبداً"
إنه بلال بن رباح مؤذن الرسول والإسلام، إحدى معجزات الإسلام العظيم، فكان كلما حان
وقت الصلاة قام بلال يهتف: الله أكبر الله أكبر، فتنتفض أجساد المؤمنين من صوته،
وكان كلما أهمّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمرٌ، أو أصابه كربٌ نادى بلال:
((أرحنا بها يا بلال)) فيؤذن بلال للصلاة، وكان -رضي
الله عنه- يأتي للرسول -صلى الله عليه وسلم- بماء الوُضوء، وكان يأخذ حذاءه ويرى أن
ذلك شرف لا يعدله شرف، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحبه ويدنيه منه، وسرى هذا
الحب في قلب بلال فعوضه عن كل شيء، عن أهله في الحبشة، وعن أقربائه وجيرانه، بل
وتاريخه كله هناك.
وفي ذات يوم
قال -عليه الصلاة والسلام- لبلال: ((حدثني بأرجى عمل عملته
في الإسلام فإني سمعت دُف نعليك في الجنة)) الله أكبر، أي جائزة أعظم من أن
يعرف الإنسان أنه من أهل الجنة؟ وهو لازال يعيش في هذه الدنيا؟ فيجيب بلال ويقول:
"ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت
بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي"، وكّله النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة من
الغزوات بحراسة الجيش، وقال: ((من يوقظنا للصلاة؟))
قال بلال: أنا يا رسول الله، فنام الجيش وقام بلال يصلي طيلة الليل، فلما كان قبيل
الفجر حدّث نفسه بأن يضطجع قليلاً ليستريح فاضطجع فغلبته عيناه فنام، وأتت الصلاة
والرسول -صلى الله عليه وسلم- نائم والجيش نائم، وبلال نائم، حتى طلعت الشمس، وكان
أول من استيقظ بعد طلوع الشمس أبو بكر -رضي الله عنه-، فرأى هذه المأساة التي حدثت
لأول مرة، ولكن في ذلك حكمة وهي عذر من غلبته عيناه فلم يستيقظ حتى طلعت عليه
الشمس، ويستيقظ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ويقترب من الرسول -صلى الله عليه
وسلم- ويستحي أن يقول له: قم للصلاة، فأخذ عمر يقول: الله أكبر الله أكبر، ويعيد
التكبير حتى استيقظ النبي -صلى الله عليه وسلم- فدعا مؤذنه بلالاً، وأجلسه أمامه،
وقال له: ما أيقظتنا؟ قال: "يا رسول الله أخذ بعيني الذي أخذ بعينك" فتبسم النبي
-صلى الله عليه وسلم- ثم أمره أن يؤذن بعد طلوع الشمس، وصلى النبي -صلى الله عليه
وسلم- بأصحابه، ومرّة كان الصحابة -رضي الله عنهم- في مجلسٍ فإذا أبو ذر -رضي الله
عنه- يعيّر بلالاً بأمه، قال له: يا ابن السوداء! كلمة غريبة خرجت من أبي ذر -رضي
الله عنه- ليست من الإسلام في شيء، وهل في شريعة الإسلام أحمر وأسود وأبيض؟ من هو
الكريم عندنا؟ ومن هو المعظّم في هذه الملة؟ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ} [(13) سورة الحجرات] إننا لا نُعرف بألواننا، ولا بأجناسنا، ولا
بلغاتنا، ولا ببلداننا، إنما نُعرف بلا إله إلا الله، وبمقدار عبوديتنا لله -عز
وجل-، سمع بلال هذه الكلمة من أبي ذر: يا ابن السوداء، فغضب -رضي الله عنه- وقال
له: والله لأرفعنّك إلى خليلي -صلى الله عليه وسلم-، ورفع أمره إلى النبي -عليه
الصلاة والسلام-، فغضب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- غضباً شديداً، وقال لأبي ذر:
((أعيّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية)).
وتمضي الأيام ولم يزدد بلال إلا رفعةً ومحبةً عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، يصلي
العيد ثم يتكئ على بلال، ويذهب فيخطب في النساء، وفي اليوم المشهود يوم فتح مكة
يدخلها النبي -صلى الله عليه وسلم- في عشرة آلاف من أصحابه، يدخل فاتحاً منتصراً
فيرى الأصنام التي كانت تعبد من دون الله فيشير إليها بعصاه فتتناثر وتتساقط وهو
يردد قول الله تعالى: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ
كَانَ زَهُوقًا} [(81) سورة الإسراء] وتحين صلاة الظهر ويجلس الناس جميعاً في صرح
الكعبة، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أين بلال؟))
قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ((اصعد الكعبة وأذن فوقها))
فيا سبحان الله! أليس هذا انتصاراً للضعفاء؟ أليس هذا عدلاً بالمساكين؟ أليس هذا
رفعاً لرؤوس المستضعفين؟ أليس هذا هو العدل بعينه أن يقوم من كان يعذب قبل فترة في
هذا المكان، وأمام صناديد قريش أن يعتلي بيت الله بأقدامه ليهتف بنداء الحق؟ أين
أبو جهل؟ في النار، أين أبو لهب؟ في النار، أين أبو طالب؟ في النار، وصعد بلال
واستوى على الكعبة ليخاطب الدنيا بشهادة الحق إلى يوم الدين، فلما أذن بلال بكى
الناس، ومن الذي لا يرى هذا المشهد ويرى هذه الصورة، ويسمع هذا الصوت، ويعيش هذه
التفاصيل ثم لا يبكي، عجيب يوم الفتح الأكبر، الفاتح رسول الله، والدين الإسلام،
والمؤذن بلال، ومن بلال؟ المولى الضعيف، الذي كان عبداً رقيقاً قبل فترة قصيرة في
عمر الزمن، وأين يؤذن؟ على سطح الكعبة المشرفة، لقد بكى النبي -صلى الله عليه وسلم-
حين أذّن بلال، سالت دموعه لأنه تذكر المعاناة، وتذكر الأيام العصيبة التي عاشتها
هذه الطائفة المؤمنة، وتذكر فضل الله عليه وإنعامه بهذا النصر المبين،
{إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ
النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}
[(2) سورة النصر] لقد انتصر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وها
هو بلال الذي كان معذباً مهاناً أصبح المؤذن الأول في التاريخ، وها هو صوت بلال
-رضي
الله عنه- يجلجل في هضبات مكة وأوديتها، يزلزل الدنيا بلا إله إلا الله، يرجع
الصحابة بعد الفتح إلى المدينة، وتمضي الأيام ويموت النبي -صلى الله عليه وسلم-،
يموت الإمام ويحزن عليه المؤذن حزناً شديداً، ولك أن تتصور رجلين متحابين، إمام
ومؤذنه عاشا الحياة حلوها ومرها، يسرها وعسرها، ليلها ونهارها، وفجأةً يموت الإمام
-عليه الصلاة والسلام- تحقيقاً لقول الله تعالى:
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}
[(30) سورة
الزمر] لقد أظلمت
الدنيا في عين بلال -رضي الله عنه- أمات النبي؟ نعم، إلاّ أن دينه لم يمت، وعلى
المؤذن أن يستكمل الطريق، ومع بزوق الفجر قام بلال ليؤذن، قام ليؤدي مهمته التي
كلفه بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبدأ بلال في الآذان، الله أكبر الله
أكبر، ثم ينظر إلى المحراب فيجده خالياً من الإمام، فيلتفت إلى بيت رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- الذي كان يخرج منه للصلاة، ولكنه ليس فيه، أصبح بلال وحيداً لا شيخٌ
ولا إمام، فكيف يستطيع أن يكمل أذانه؟ وبأية عبارة يؤديه؟ أين قلبه؟ أين كيانه؟
أين روحه؟ ثم تحامل على نفسه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا
الله، ولكن أتته قاصمة الظهر، أتت المعضلة التي لا يستطيع بعدها أن يتكلم ولو بكلمة
واحدة، قال: أشهد أن محمداً ولم يستطع أن يكمل، فبكى بكاءً شديداً، وبكى الناس جميعاً
في بيوتهم في المدينة، بكى المؤذن، اختنق صوته، ارتفع نشيجه، لم يستطع أن يكمل
فنـزل ورمى بجسمه على الأرض، وحضر الصحابة -رضي الله عنهم- ليشاهدوا ذلك المنظر، منظر
المؤذن وهو ملقاً على الأرض، يبكي بكاء الثكلى، مالك يا بلال؟ قال: لا أؤذن، أتاه أبو
بكر خليفة رسول الله فقال: مالك يا بلال؟ قال: لا أؤذن لأحد بعد رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-، قالوا سبحان الله من يؤذن لنا؟! قال: اختاروا لكم مؤذناً،
وحمل إلى بيته -رضي الله عنه-.
بنتُم وبنّا فما ابتلت جوانحنا
*** شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا *** يقضي علينا الأسى لولا تأسّينا
إن كان قد عزّ في الدنيا اللقاء ففي *** مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
ثم جاء بلال إلى أبي بكر الصديق
-رضي الله عنه- فقال له: يا خليفة رسول الله، إني
سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
((أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله)) فقال أبو
بكر: فما تشاء يا بلال؟ قال: أردت أن أرابط في سبيل الله حتى الموت، قال أبو
بكر: بل أريدك معي في المدينة، فقال بلال: أأعتقتني لله أو لنفسك؟ قال أبو
بكر: بل لله، قال: فائذن لي في الغزو، فأذن له، فذهب بلال إلى الشام والتحق
هناك بجيوش المسلمين.
بارك الله لي...
الخطبة الثانية:
الحمد لله، أما بعد: أعفى أبو بكر
-رضي الله عنه- بلالاً من الأذان، وانطلق بلال إلى أرض الشام،
ونذر نفسه للجهاد في سبيل الله، فاتحاً مقاتلاً يجاهد المشركين، ويعلم الناس دينهم،
وينتظر المنية حتى يلحق بحبيبه -صلى الله عليه وسلم- في الجنة.
وتمر الأيام، وتمضي السنين، ويموت أبو
بكر -رضي الله عنه-، ويتولى الخلافة من بعده عمر،
وبلال ما يزال مرابطاً في أرض الشام مع جيوش المسلمين، ويفتح الله على المسلمين بيت
المقدس، ويأتي الفاروق عمر بن الخطاب خليفة المسلمين من المدينة بدابته ومعه مولاه
ليستلم مفاتيح بيت المقدس، فيدخلها بثوبه المرقع، ولكنه يحمل الدنيا في يديه، ويجتمع
عدد من كبار الصحابة من أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان أساتذة الدنيا كلها، جاءوا لحضور
هذا اليوم المشهود، وتحين صلاة الظهر، فيتذكر عمر -رضي الله عنه- تلك الأيام الخوالي
التي عاشوها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقول عمر لبلال: أسألك بالله يا
بلال أن تؤذن لنا؟ فقال بلال: أعفني يا أمير المؤمنين، فقال الصحابة: اتق الله يا
بلال، سألك أمير المؤمنين، فقام بلال يتحامل على جسمه، فقد أصبح شيخاً كبيراً،
وارتفع صوته بالأذان، فإذا بصوت عمر -رضي الله عنه- يسابقه بالبكاء، ثم بكى كبار
الصحابة، وبكى الجيش كله، وارتج المسجد الأقصى بالبكاء.
إن بلالاً -رضي الله عنه- ذكرهم شيئاً، ذكرهم تاريخاً، ذكرهم معلماً وقائداً، أحبهم
وأحبوه، فما أعظم الذكريات، وما أجمل تلك الأيام التي عاشها أولئك المؤمنون يتمتعون
برؤية النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويتلقون عنه الوحي من السماء، وعاد بلال إلى
الشام، ليكمل طريقه الذي أخذه على نفسه، الجهاد في سبيل الله، وانقطع عن المدينة،
وأصبح شيخاً كبيراً، وفي ليلة من الليالي وبينما هو نائم، إذا به يرى حبيبه ونبيه
-صلى الله عليه وسلم- في المنام، رأى المؤذن إمامه بصورته، رآه بنوره، رآه ببشاشته
وهو يعاتبه: هجرتنا يا بلال، ألا تزورنا في المدينة؟ ما أعظمها من كلمات، هجرتنا يا
بلال، ألا تزورنا في المدينة؟ استيقظ بلال وسط الليل وتوضأ وصلى ركعتين ثم أسرج
راحلته، وركبها قبل الفجر، وذهب إلى المدينة ليزور مسجد رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، مشى وسط الصحاري والقفار عدة أيام، وصل إلى المدينة ليلاً فوجد الناس نياماً،
فأول ما بدأ به المسجد، وأتى الروضة الشريفة، ثم توجه إلى قبر النبي -صلى الله عليه
وسلم- فسلم وبكى، وعاش في عالم من الذكريات، فحان أذان الفجر، ولحكمة يعلمها الله
تأخر مؤذن المدينة ذلك اليوم، فصعد بلال المنارة وأذن للصلاة، حتى إذا وصل إلى محمد
رسول الله انفجر بالبكاء، وقام الناس في المدينة على صوته، أهذا صوت بلال؟ نعم إنه
بلال بن رباح، فأخذ الناس يبكون مع بكاء بلال -رضي الله عنه-، وتتكرر المشاهد ويتلاقى
الأحبة، ويأتي بلال من جديد يعانق أصحابه وأحبابه ويعانقونه في مشهد عظيم من مشاهد
الحب والوفاء، انتهت مهمة بلال في المدينة، وعاد إلى الشام ليكمل طريقه وهناك وفي
أرض الشام أتته المنية -رضي الله عنه-، وعندما حضرته الوفاة صار يقول وهو يحتضر:
"غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه" هذا هو الذي غلب عليه وهو يحتضر، وهذا الذي كان
يسيطر على مشاعره بعد أن فارق حبيبه -صلى الله عليه وسلم- فاشتاق
إلى لقائه، لقد
اشتاق المؤذنُ إلى الإمام، "غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه" فصرخت امرأته وكانت
بالقرب منه: واويلاه، تقول ذلك لمصيبتها بفراق زوجها، وهو يقول: وافَرحاه،
وافَرحاه، إنه فرح حقيقي بقدوم الموت، إنه اشتياق حقيقي للقاء الأحبة، ولقاء الحبيب
-صلى الله عليه وسلم-، ونفسه تغرغر وهو يقول: "غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه" لقد
مات بلال سنة (20) من الهجرة، أي بعد إمامه بتسع سنوات، تسع سنوات على فراق المصطفى
-صلى الله عليه وسلم- وحرارة الشوق لم تبرد، بقي طوال هذه المدة وحياته اليومية على
السنّة التي تعلمها من النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُغيّر قيد أنملة، ولهذا كان
ذلك الاشتياق، مات بلال -رضي الله عنه-
في بلاد الشام مرابطاً في سبيل الله كما أراد، وهناك وتحت ثرى دمشق رُفات رجل من
أعظم رجالات هذا الدين {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً *
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}
[(27-30) سورة الفجر].
أيها المسلمون: وفي قصة مؤذن الإسلام دروس وعبر:
أولاً: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
[(13)
سورة الحجرات] لا فرق لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي
إلا بالتقوى، فالقرشي الذي عارض الرسالة في النار، والحبشي الذي آمن بالرسالة في
مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ثانياً: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة هم رؤوس الأولياء، وصفوة الأتقياء،
وقدوة المؤمنين، وأسوة المسلمين، وخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين، شرّفهم الله
بمشاهدة خاتم أنبيائه ورسله -صلى الله عليه وسلم- وصُحبته في السراء والضراء،
وبذلهم أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله -عز وجل- حتى صاروا خِيَرة الخِيَرة،
وأفضل القرون بشهادة المعصوم -صلى الله عليه وسلم-، وما بلال -رضي الله عنه- إلاّ
نموذج واحد من آلاف النماذج، فهم خير الأمم سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم، هم
الذين أقاموا أعمدة الإسلام بسيوفهم، وشادوا قصور الدين برماحهم، واستباحوا الممالك
الكسروية، وأطفأوا الملة النصرانية والمجوسية، وقطعوا حبائل الشرك من الطوائف
المشركة العربية والعجمية، وأوصلوا دين الله إلى أطراف المعمورة شرقها وغربها
ويمينها وشمالها.
أولئك قوم شيّد الله فخرهم *** فما فوقه فخر وإن عظم الفخرُ
ثالثاً: إن هذا الدين لا ينتصر بكثرة العدد، ولا يعتمد على أصحاب المناصب والهيئات
والأموال، ولكنه يبقى مكانه ويأتي إليه من يحبه، يقول أبو
جهل: كيف يهتدي بلال
وأنا سيد بني مخزوم وهو عبد حبشي؟{وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ}
[(11) سورة الأحقاف] والجواب:
{اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}
[(124)
سورة الأنعام].
رابعاً: تظهر من قصة بلال -رضي الله عنه- وغيرها من قصص الصحابة -رضوان الله عليهم-
حنكة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ومعرفته بالفروق الذاتية لكل إنسان واختلاف
المواهب الشخصية، والاستعدادات النفسية بين صحابي وآخر، فقد أعطى الأذان لبلال لأنه
الأصلح لذلك، وأعطى الراية لخالد لأنه سيف الله المسلول، وأعطى الخلافة لأبي بكر،
والقافية والأدب لحسان، ومدرسة الفرائض وتوزيع المواريث لزيد، والقضاء وهيئة
الاستشارة لعلي {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ
مَّشْرَبَهُمْ} [(60) سورة البقرة] وهذا الأمر قد يفوت بعض المربين والدعاة
والمعلمين.
خامساً: أن من أراد أن يهدي الناس فليزرع في قلوبهم الحب أولاً، فإذا استطاع ذلك
ملك زمام القلوب فليفعل بها ما يشاء، وإن من يتصور أنه سوف يهدي الناس بالغليظ من
القول فقد أخطأ سواء السبيل، وقد أفلت الناس من يديه
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ
الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}
[(159) سورة آل عمران] إن سر نجاح دعوة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه جعل الناس يحبونه حباً
تتقطع له القلوب، وتنقاد له الأجساد، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- أباً لليتامى،
ومعيناً للأرامل والمساكين، فأحبته القلوب، وعشقته الأفئدة، وانقادت له الأبدان.
عباد الله: صلوا على الإمام وترحموا على المؤذن.
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد...
اللهم وارض عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن الصحابة أجمعين،
وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم
الراحمين...
التعليقات
qrWCXh
IaXzBn qrWCXh
viagra
gLpovSi viagra =-] cialis 0802
viagra
CaEojJj viagra hMVzj cialis coupon 7061
Vogue Cigarettes
MCjqWjVz Vogue Cigarettes 6950 Mayfair Cigarettes >:-OOO Partagas Cigars >:-[ Montecristo Cigars KopgT Kiss Cigarettes tjsKvM Dunhill cigarettes HBVdmN
viagra
jvegBvKd viagra >:-[ cialis price stzlR
viagra 100 mg
ATUlbg viagra 100 mg htmhV cialis dose >:-[
viagra online
qaTDZp viagra online >:]] cialis generic OwACd
viagra price
vPVXlG viagra price >:-[ cialis reviews 6877
byjyato
QJAJXr bcjjjetlavlf, [url=http://toyqpbmywcmn.com/]toyqpbmywcmn[/url], [link=http://ctdmogvoeawc.com/]ctdmogvoeawc[/link], http://myhehrpliaiq.com/
levitra
ZleyPY levitra 2604 viagra soft >:-OOO viagra GOdEXc kamagra 8504 propecia merqd cheap intagra 2067
viagra
xccbtHk viagra >:-OOO kamagra GEXjF
hospitals in dc with nursing scholarships
Thanks! , college scholarships for massachusetts residents, pjuu, college scholarships middle school students, =[[[, grants scholarships for fire academy, 52416, maryland high school student scholarships, 8(, us army rotc law school scholarships, :]]], teenren s scholarships private schools, vfusk, scholarships for the class of 2011, 0456, scholarships for advanced practice nursing degrees, qatxqi, trinidad and tobago alliance scholarships, qgot, college scholarships for jewish students, 924, usa javlin university sports scholarships, 899846,
football scholarships given in 2011
Check out my sites! , scholarships 30 31 act gpa, 0518, ontario college scholarships international students, nhkl, scholarships for high school seniors, 920205, art therapy graduate school scholarships, 895000, are there scholarships for physical therapy, cct, agi from scholarships and grants, %-O, business major grants and scholarships, 192, about soccer scholarships in the usa, >:-PP, scholarships tuition fee free in australia, :PP, scholarships for candian high school alumni, ngswau, nursing scholarships for high school students, =-[, phd scholarships for africans in uk, 759, arizona teaching scholarships math and science, szfubz,
photography scholarships to the us
Cool Idea! , free money scholarships for college, %-[, scholarships for non us residents, 978, local scholarships in sweetwater tx, 8-((, scholarships for career change trainings, 2149, scholarships for english or dramatc arts, 0877, grants and scholarships for california, %-[[, scholarships for students with arthritis, 8-D, ncaa scholarships to convicted felons, shsjut, private school scholarships state of maine, 3756, womens college athletic basketball scholarships, %-], ncaa rules on football scholarships, :[[, scholarships for freshman nursing students, onqtot, financial aid and scholarships admission wheaton, 285221,
college scholarships for 2010-11 school year
Look Here! , practical spirituality new thought scholarships, 933, performing arts scholarships and competitions, jbxues, developing countires masters scholarships for 2011, :-P, outstanding students of america scholarships, =P, scholarships wwii auschwitz survivor descendant, 8-O, african american scholarships for college, :-OOO, cor jesu high school athletic scholarships, 20284, scholarships for teens with dyslexia, 724069, university of georgia scholarships awarded defriece, 227463, scholarships available in west texas, 42963, college scholarships for single parents, axzmm,
yahoo education dictionary colleges scholarships homework
Check out my sites! , first command educational foundation scholarships, twognf, the impact of internet on scholarships, :PP, scholarships for sufferers of crohns disease, nwtxp, scholarships for student with learning disability, toroa, how to apply for congressioanl scholarships, 8]]], scholarships to maastricht grad school, 576728, college scholarships for speech language pathologists, 5900, nursing scholarships fellowships graduate twu students, :-DD, website for searching for scholarships, cludkp, scholarships and grants for working teachers, 21606, cal college scholarships for hs seniors, %-OO, idaho board of education scholarships, nwapeq, ocean county school nurses assocation scholarships, 977128,
california scholarships and grants to teach
Check out my sites! , aes student loans free college scholarships, bwunnh, college scholarships hispanic first generation, 755, scholarships for students with dyslexia, >:-[[[, grants and scholarships for graves disease, 853948, college scholarships for history students, 546, phd education georgia scholarships grants, 348, commonwealth scholarships malaysia upm phd programme, =-]], did barack obama have scholarships, %-[[, heritage grants and scholarships for australians, 44849, nw ms community college scholarships, %(,
undergraduate scholarships for african americans
Cool Idea! , help find womens soccer scholarships, qvg, paper application application student e-mail scholarships, 8((, scholarships for international student uk, ktcqat, div 2 tennis scholarships in ga, 986, univ ottawa canada student achievement scholarships, 406, maryland high school student scholarships, 39865, athletic scholarships for martial artist, mohozv, virginia commonwealth university theatre scholarships, bbzb, scholarships for aspiring aviators in oklahoma, %-(((, canadian aboriginal scholarships and awards, xeyau, robert c byrd college scholarships, cffz, south dakota nursing school scholarships, xeg,
fife scholarships theory of music music
Cool Idea! , scholarships for rockvalley college in il, uicokr, university scholarships women bc of distinction, yfdij, scholarships for private schools in virginia, ukhobw, scholarships for people with disabilities, 63294, scholarships for masters in education, 1070, university of toronto nursing scholarships, kvukrq, scholarships by the department of health, pmq, new zealand vice chancellors scholarships, =P, scholarships to fix my teeth, 737, grants and scholarships to study abroad, fyd, dyslexia and learning disabilities scholarships, =-)), scholarships to boston college high school, 32808, national civil engineering structures scholarships, orsvkx, washington state scholarships displaced homemaker college, 504,
scholarships for daughters of comedian
Thanks! , african american book college scholarships, pzcgdq, scholarships for descendants of veterans, 472, scholarships in pakistan for bcs student, jrgnok, requirements for looking for scholarships, :]]], military spouse s scholarships and grants, tgfmy, 2010-2011 college scholarships for tech students, >:(((, scholarships in geophysics in us, fkwlc, the art center design college scholarships, 337428, academic year study abroad scholarships, plap, list of ncaa colleges offering scholarships, %-(((,
president lincoln creating universities and scholarships
Cool Idea! , tamiu edu defaults on promises scholarships, kog, scholarships for music education texas, 593, scout com county scholarships the facts, unanfj, germany and scholarships for international students, =-[[[, student scholarships for master degree mba, 494788, ingles sin barreras private scholarships, otdb, music scholarships for caribbean students, 75416, example letter of application for scholarships, ire, engineering scholarships for high school seniors, 4510, scholarships for world war one descendants, syb, college scholarships for mechanical engineering, mchioe, scholarships for family of quadriplegia, 294, arkansas star scholarships for teachers, >:-DD, electronic musician recording engineer scholarships, 9301,
Burlesque Download
Thanks! , Burlesque Download, 8755,
Download Burlesque Movie
Look Here! , Download Burlesque Movie, ypvlp,
Download Burlesque
Look Here! , Download Burlesque, agi,
Burlesque Movie Download
Thanks! , Download Burlesque Movie, >:-DDD,
Burlesque Download
Look Here! , Download Burlesque Movie, 499579,
Burlesque Movie Download
Check out my sites! , Download Burlesque, 236,
Download Burlesque Movie
Check out my sites! , Burlesque Download, anf,
Burlesque Movie Download
Cool Idea! , Download Burlesque Movie, 628,
Download Burlesque
Check out my sites! , Download Burlesque Movie, 168028,
Burlesque Movie Download
Thanks! , Download Burlesque, %D,
Download Burlesque
Cool Idea! , Burlesque Movie Download, 8]],
Burlesque Download
Thanks! , Burlesque Movie Download, bulfvb,
Burlesque Movie Download
Check out my sites! , Download Burlesque Movie, :-],
Burlesque Movie Download
Cool Idea! , Download Burlesque Movie, xubtyv,
Burlesque Download
Thanks! , Burlesque Movie Download, mzjjib,
Burlesque Download
Thanks! , Download Burlesque Movie, arf,
Burlesque Download
Cool Idea! , Download Burlesque Movie, 783,
Burlesque Download
Thanks! , Burlesque Download, 514918,
Burlesque Movie Download
Check out my sites! , Burlesque Download, 8-))),
Download Burlesque
Check out my sites! , Download Burlesque Movie, 276,
Download Burlesque Movie
Cool Idea! , Download Burlesque Movie, =-],
Download Burlesque Movie
Look Here! , Download Burlesque, %DD,
Burlesque Download
Cool Idea! , Download Burlesque Movie, :-P,
Download Burlesque Movie
Look Here! , Burlesque Movie Download, gjtju,
Download Burlesque
Cool Idea! , Download Burlesque, 51189,
Burlesque Download
Check out my sites! , Burlesque Movie Download, ttv,
Burlesque Download
Cool Idea! , Download Burlesque Movie, ygzi,
Download Burlesque Movie
Cool Idea! , Download Burlesque, 168,
Burlesque Movie Download
Thanks! , Burlesque Download, >:O,