خدمة rss
عثمان بن عفان رضي الله عنه

   

عثمان بن عفان -رضي الله عنه-

15/11/1410هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، أما بعد:

نقف معكم أيها الأخوة في جمعتنا هذه بعد توفيق الله -عز وجل- مع الخليفة الثالث من الخلفاء الراشدين، ذو النورين، أبي عبد الله عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكنا قد تكلمنا من قبل عن سيرة صاحبيه أبي بكر الصديق، والفاروق عمر بن الخطاب، -رضي الله تعالى عنهما-، وعن جميع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
أسلم عثمان بن عفان على يد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فكان بذلك من السابقين إلى الإسلام، وشخصية عثمان -أيها الأخوة- من الشخصيات العجيبة في تاريخنا الإسلامي، ضرب أروع الأمثلة في السخاء، وأروع الأمثلة في الحياء، وأروع الأمثلة في التضحية، ويكفي بأنه كان من أهل الجنة، وهو يمشي على الأرض، قال -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه البخاري في صحيحه: ((من يحفر بئر رومة فله الجنة)) فحفرها عثمان، وقال: ((من جهز جيش العسرة فله الجنة)) فجهزه عثمان، والمراد بجيش العسرة تبوك، فقد أعان فيها بثلاثمائة بعير، وعشرة آلاف دينار، هاجر عثمان بن عفان الهجرتين، الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة، تزوج عثمان رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل النبوة، وماتت عنده في ليالي غزوة بدر، فتأخر عن الغزوة لتمريضها بإذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وضرب له بسهم، فهو معدود من البدريين، وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة، فزوجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدها أختها أم كلثوم، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة، قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره، ولذلك سمي ذا النورين، فهو من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن، وكان قد استخلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان، وروى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مائة وستة وأربعون حديثاً.
أيها المسلمون: بويع عثمان بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال فبايعه كبار الصحابة على ذلك، توسعت الفتوحات الإسلامية في زمن عثمان -رضي الله عنه-، ففي السنة التي تولى فيها الخلافة فتحت الريّ، وفتح من الروم حصون كثيرة، وغزا معاوية -رضي الله تعالى عنه- في عهد عثمان قبرص، فركب البحر بالجيوش وفتحت قبرص، وتم غزو أفريقيا، وفتحت سهلاً وجبلاً، وأصاب كل من كان في جيش أفريقيا قرابة ثلاثة آلاف دينار، ومن أعظم الفتوحات: الأندلس، فتحت عام سبع وعشرين، وفتحت اصطخر عنوة، عام تسع وعشرين، وفتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان، ثم فتحت نيسابور صلحاً، وفتحت بعد ذلك طوس، وسرخس، ومرو، وبيهق، ولما فتحت هذه البلاد الواسعة، كثر الخراج على عثمان، وأتاه المال من كل وجه، حتى اتخذ له الخزائن، وأدَرّ الأرزاق -رضي الله عنه- على الناس، وكان يأمر للرجل أحياناً بمائة ألف بدرة، في كل بدرة أربعة آلاف أوقية، فرضي الله عنه تعالى وأرضاه.
ومن أعماله العظيمة أيضاً: توسعة المسجد الحرام عام ست وعشرين من الهجرة، فاشترى لذلك ما حولها من الأماكن، وفي سنة تسع وعشرين قام بتوسعة مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل أعمدته من الحجارة.
أيها المسلمون: هذه بعض الأعمال التي قدمها عثمان -رضي الله عنه-، وكل هذه مواضع قدوة، يمكن التأسي والاستفادة فيه منه، وأيضاً هناك كثيراً من الجوانب الأخلاقية الكريمة التي اشتهر بها عثمان، ولعل من أبرز هذه الخلاق خلق الحياء، أخرج الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- وعن أبيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع ثيابه حين دخل عثمان، وقال: ((ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟)).
عباد الله: أحب أن أقف معكم وقفة قصيرة مع خلق الحياء التي اشتهر به عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ونحاول أن نستفيد منه، في البداية فإن كثيراً من الناس لا يفرقون بين الحياء وبين الخجل، ويعتبرونها شيئاً واحداً، والفرق بينهما كبير، فإن الخجل مرض، يجب على المسلم ألا يتخلق به، فلا بد للمسلم ألا يكون خجولاً، بل لا بد أن يكون حيياً، فإن الحياء صفة طيبة، وخلق كريم من أخلاقيات الإسلام، يقول الشاعر:

إذا قل ماء الوجه قل حياؤه *** فلا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياءك فاحفظه عليك فإنما *** يدل على وجه الكريم حياؤه

فالحياء أيها الأخوة خلق سني، يبعث على ترك الأمور القبيحة، فيحول بين الإنسان وارتكاب المعاصي، أو يمنعه من التقصير في حق من له حق عليه، فالرجل ذو الحياء لا يمكن أن ينتهك حرمات الله، يقول -عليه الصلاة والسلام-: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت)) ولله در القائل:

ورب قبيحة ما حال بيني *** وبين ركوبها إلا الحياءُ
فكان هو الدواء لها ولكن *** إذا ذهب الحياء فلا دواءُ

فمن لزم الحياء صان عرضه، ودفن مساوئه، ونشر محاسنه، ومن ذهب حياؤه هان على الله وعلى الناس وعلى نفسه.
اعلم يا عبد الله أن الحياء من خصائص الإنسان حباه الله به، ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، ولذلك لما أكل آدم وزوجه من الشجرة المحظورة في الجنة، وبدت لهما سوآتهما، راحا يجمعان من ورق الجنة، ويشبكانه بعضه في بعض، ويضعانه على سوأتهما، مما يوحي أن الإنسان يستحي من التعري فطرة، ولا يمكن للإنسان أن يتعرى ويتكشف إلا بفساد فطرته، وذهاب حياؤه، قال تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}
[(22) سورة الأعراف].
أيها المسلمون: لقد كانت العرب في جاهليتها الأولى تستحي، فهذا أبو سفيان قبل إسلامه، عندما وقف أمام هرقل ليسأله عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأخبر عن نفسه قائلاً: "لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عليه"، وهذا عنترة يقول:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي *** حتى يُوارى جارتي مأواها

فقد كان الحياء من ديدنهم، فكل هذه الشواهد وغيرها كثير، توحي بأهمية الحياء، وعمقه في الفطرة البشرية السليمة، التي تنفر من القبح والسوء.
فبعد أن علمنا أيها الأخوة بأن الحياء وعدم التعري من خصائص الفطرة السوية في البشر كلهم، فلا أدري ما أقول لأولئك الذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس، وتعرية النفس من التقوى أولاً، ومن الحياء من الله ومن الناس، هؤلاء الذين يطلقون العنان لألسنتهم وأقلامهم من خلال أجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة في شتى الصور والأشكال الإبليسية الخبيثة، هؤلاء هم الذين يريدون سلب الإنسان خصائص فطرته وإنسانيته، التي بها صار إنساناً، وهم الذين يريدون أن يسلموا الإنسان لعدوه الشيطان، لينزع عنه لباسه، ويكشف سوأته فهم أعوان الشيطان، وهم الذين يخططون لتدمير الإنسانية بإشاعة الانحلال والتعري؛ لتخضع لجند إبليس.
إن التعري يا عباد الله صفة بهيمية، لا يميل الإنسان إليه، إلا وهو ينزل إلى حمأة الحيوانية، وإن رؤية التعري جمالاً هو فساد في الذوق الإنساني قطعاً.
إن المتخلفين في غابات وأدغال أفريقيا عراة، والمتقدمين كما يقال في مدن أوربا عراة، فهل التعري صورة من صور الحضارة، إن الإسلام أيها الإخوة حين يدخل بحضارته إليهم، يكون أول مظاهر الحضارة اكتساء العراة، وستر السوءات، وموارات العورات، ولكن أبواق الشيطان التي عاشت في ديار المسلمين، وتسمت بأسماء المسلمين، إذا رأت المسلمة في زينتها التي أنعم الله بها عليها جلباباً وخماراً ودرعاً، لإرادتها به الكرامة والستر، ولتنمو فيها خصائص الفطرة الإنسانية على سلامتها وجمالها الفطري، ولتتميز عن العرى الحيواني، إذا رأتها في بيت أو شارع أو مدرسة أو جامعة سلقتها بألسنة حداد، فغيرتها لأن زينة الله وفق فطرة الله تدمي قلب الشيطان، الذي يريد نزع لباس الحشمة والتقوى عن بني الإنسان، وهكذا تصنع الجاهلية بالناس فتمسخ فطرتهم، وأذواقهم، وتصوراتهم، وقيمهم، وموازينهم، وتعريهم من اللباس، ومن التقوى، ومن الحياء، ثم تسمى هذا التعري رقياً وتقدماً وتجديداً، ثم تعيّر الكاسيات المحصنات العفيفات، المسلمات المؤمنات القانتات بأنهن رجعيات وتقليديات. وماذا تفعل بيوت الأزياء ومصمموها؟ ودكاكين التجميل وأساتذتها بنساء اليوم ورجاله؟ إن هذه الشياطين الإنسية وراء هذا الخبل، الذي لا يفيق فيه الناس رجالاً ونساء، وهي تنفيذ المكيدة الشيطانية {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ}
[(119) سورة النساء] بصور وأشكال شتى، فتطيعها القطعات العارية في أرجاء الأرض، طاعة فردية، وتقلدها تقليداً مضحكاً مبكياً، وسواء أكان الزي الجديد لهذا العام، أو هذا الموسم، يناسب أية امرأة أو لا يناسبها، وسواء أكانت مواسم التجميل تصلح لها أو لا تصلح، فهي مطيعة صاغرة، وإلا عيّرتها البهائم المغلوبة على أمرها، والمخدرة بوسوسة وإغراء شياطين الإنس.
فاتقوا الله أيها المسلمون: تنبهوا لما يخطط لكم ولنسائكم، واعلموا أنه لو فقد الإنسان الحياء فعل كل شيء.
جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه...
بارك الله...
 

الخطبة الثانية:
إن الحمد لله، أما بعد:

لعلنا استطردنا بعيداً الكلام حول الحياء، وإن كانت الخطبة أساساً عن عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه-؛ لكن لبروز هذه الصفة في عثمان؛ ولأهمية هذا الخلق عند المسلم، طال الكلام حوله، وسأواصل الكلام عن خلق الحياء لأهميته، ولعل أن تكون لنا عودة إلى سيرة عثمان في مرة قادمة -إن شاء الله تعالى-.
أيها المسلمون: المطلوب من المسلم أن يستحي من الله، وأن يستحي من الناس، وأن يستحي من نفسه، أما حياؤه من الله فيكون عن طريق الإقامة على طاعته، واجتناب معصيته، وإلا كيف يقول العبد: بأنه يستحي من الله وهو غارق في مخالفة أوامره، يقول -عليه الصلاة والسلام-: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((استحيوا من الله حق الحياء، من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)) والحياء من الناس: يدخل في جملة استحياء الناس بعضهم من بعض كحياء الولد من والديه، والمرأة من زوجها، والجاهل من العالم، والصغير من الكبير.
وأما حياء المرء من نفسه فهذا تحس به النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة، فلا تقنع بالنقص والدون، فيجد المرء نفسه مستحيياً من نفسه، كأن له نفسين يستحي بأحدهما من الآخر، وهذا القسم من كمال الحياء، فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو أولى بأن يستحي من غيره.
أيها المسلمون: هناك أمور يجب على المسلم فيها أن لا يستحي والحياء فيه يكون خطأ، فمن ذلك:

عدم قول الحق: فلا ينبغي للمسلم أن يستحي من قول الحق، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [(53) سورة الأحزاب] فيجب على المسلم أن لا يكون الحياء مانعاً له من قول الحق والجهر به، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أمر آخر: وهو طلب العلم، فلا حياء في طلب العلم، فالذي يستحي لا يمكن أن يتعلم، والذي لا يسأل معلمه، ولا يناقش لا يمكن أن يتعلم، تقول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "نعم نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين".
اسأل الله -عز وجل- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقني وإياكم الحياء، فإن الحياء ذروة سنام الأخلاق الإسلامية، وصدق من قال:

إذا لم تخشَ عاقبة الليالي *** ولم تستحِ فاصنع ما تشاءُ
فلا والله ما في العيش خير *** ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاءُ

اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم ادفع عنا...

 



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

55.05