خدمة rss

حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

البث التجريبي لموقع الشيخ ناصر بن محمد الأحمد

الجدار العازل




  
   

الجدار العازل
5/11/1425هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: وما تزال الأحداث مشتعلة ودامية على أرض فلسطين والمسلمون هناك صابرون محتسبون، نسأل الله -جل وعز - أن يأجرهم وأن يثيبهم وأن يكتب أجر كل قطرة دم مسلم، أريقت على تلك الأرض الطيبة المباركة.
لقد تقرحت أكباد الصالحين كمداً مما يجري في الأرض المباركة في فلسطين الحبيبة، مناظر مفزعة متوالية، وعربدة صهيونية غادرة، القتل بطريقة وحشية تفوق كل طريقة، مسلسلات من الرعب، وإراقة دماء الأطفال والنساء والشيوخ بأيد قذرة، لم يكفهم القتل بل جاوزه إلى كل ما يهلك الحرث والنسل، صور وآلام تصرع كل الجبابرة فضلاً عن الإنسان العادي. المدفعية الثقيلة تمطر حممها فوق رؤوس العزل، والطائرات تصب جام غضبها على الرضيع والشيخ والمرأة والعجوز، والمجنـزرة الحديدية تعارك الجسد البشري المجرد. شهيد تلو شهيد، وأرملة تلو أخرى، ورضيع خلف أم، وأم خلف رضيع، ومنـزل مهدم، وشيخ حزين، وعجوز بائسة، والسؤال إلى متى؟. مناظر حفرت معالمها في ثنايا التاريخ، بل في ثنايا قلب كل مسلم، ملاحم تسطرها أشلاء الرجال، بألوان الدم القاني، وجماجم الشهداء.
أيها المسلمون: إن الحديث عن الانتفاضة حديث متشعب وطويل بطول هذه الانتفاضة، عميق في الجذور بعمق هذه الانتفاضة، لكنه واجب كما أن هذه الانتفاضة واجبة. لقد ضرب الشباب الفلسطيني أروع الأمثلة في حب الموت واسترخاص الدنيا والاستعلاء على خور النفس وتحطيم رهبة العدو في النفوس. لقد انتصر الفلسطينيون على حب الدنيا وكراهية الموت من خلال العمليات الاستشهادية التي يقومون بها، وهذه نقلة كبيرة في حياتهم تجعلهم يطرقون أبواب النصر -بإذن الله تعالى-.

كرامة الأمة العصماء قد ذبحت *** وغيبت تحت أطباقٍ من الطين
لكنّها سوف تحيا من جماجمنا *** وسوف نسقي ثراها بالشرايينِ
 

أيها المسلمون: ما هو الجدار العازل؟ ومتى بدأت فكرته؟ وما هو الهدف الرئيس في إنشائه؟ وهل الجدار مشروع ناجح بالنسبة لليهود؟ هذا ما نحاول معرفته في هذه الخطبة بحول الله تعالى وقوته.
الجدار العازل: مصطلح إسرائيلي المراد منه تأمين وحماية حدود دولة اليهود يهدف إلى عزل محافظات الضفة الغربية عن بعضها البعض وجعلها على شكل مربعات متناثرة يحصر أكبر عدد من الفلسطينيين على أصغر رقعة من الأرض لكي يحولوا دون العمليات الجهادية التي أربكت اليهود حكومةً وشعباً.
بدأت ملامح الجدار العازل بعد حرب الخليج الثانية عام 1990م حين بدأت إسرائيل أولاً خطوات الفصل غير المباشر بين سكان الضفة وإسرائيل داخل حدود 48 بإصدار تصاريح لكل فلسطيني يريد الدخول إلى الخط الأخضر للعمل. وفي عام 93م اتخذ رابين إجراء الإغلاق، رداً على عمليات المقاومة حيث يقضي بإغلاق الضفة الغربية عن فلسطين المحتلة واقترح حينها إنشاء ما يسمى بالجدار العازل، ولكن الفكرة لم تلق رواجاً في ذلك الحين وبدأت الفكرة تأخذ طريقها للتنفيذ الفعلي بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م.
في إبريل 2002م طالبت لجنة التوجيه الحكومية الإسرائيلية سرعة إنشاء الجدار العازل في شمال الضفة الغربية، فقررت الحكومة الإسرائيلية في 23 يونيو 2002م إنشاء جدارٍ عازلٍ بطول الضفة الغربية يفصل بين الأراضي المحتلة في الضفة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى ويبلغ طوله 500كم وتقدر تكلفة الكيلو متر الواحد مليون دولار، وقد يصل أحياناً إلى مليوني دولار.
يتصور معظم الناس أن الجدار عبارة عن خرسانات أسمنتية مرتفعة، تمنع الفلسطينيين من الدخول لمناطق اليهود. وهذا تصور ناقص. فهل تعلم يا أخي الحبيب أن عرض الجدار في بعض الأماكن يصل إلى عشرات الأمتار. نعم قد يصل إلى ثلاثين متراً، فكيف يكون ذلك؟.
إن الجدار يتخذ أشكالاً متنوعة تختلف من منطقة إلى أخرى، ففي بعض الأماكن يتخذ الجدار شكل جدار مرتفع من الخرسانة المسلحة يصل ارتفاعه إلى ثمانية أمتار لمنع تسلل الفلسطينيين وكذلك تتصدى لأي إطلاق لأسلحة نارية، بينما في مناطق أخرى يتكون الجدار بالإضافة إلى الخرسانة المسلحة من أسلاك شائكة لولبية، ثم خندق بعرض أربعة أمتار وعمق خمسة أمتار يأتي مباشرة بعد الأسلاك الشائكة، ثم شارع مسفلت بعرض اثني عشر متراً، وهو شارع عسكري لدوريات المراقبة والاستطلاع، يليه شارع مغطى بالتراب والرمل الناعم بعرض أربعة أمتار، لكشف آثار المتسللين، ويمشط هذا المقطع مرتين يومياً صباحاً ومساءً، ويلي الشارع جدار إسمنتي ويعلوه سياج معدني إلكتروني بارتفاع أكثر من ثلاثة أمتار رُكبت عليه معدات إنذار إلكترونية وكاميرات وأضواء كاشفة وغيرها من المعدات الأمنية، إضافة إلى نقاط تفتيش ومعسكرات للجيش ودوريات للشرطة، هذا هو الجدار العازل. إذن هو عبارة عن مشروع متكامل وليس كما يتصور البعض جداراً إسمنتياً فقط.
والسؤال هو: كم يحتاج هذا الجدار لاستكماله من الحديد والاسمنت والمواد الأولية؟! ومن أين ستؤمن إسرائيل هذه الكمية الهائلة من الحديد والاسمنت وغيره؟! هل من دول الجوار؟! أم من أين؟!.
نترك الإجابة لليهود وأذناب اليهود.
أيها المسلمون: إن إسرائيل تتوهم أنها ستحمي نفسها بهذا الجدار ولهذا لجأت إلى إقامته لمنع الفدائيين الفلسطينيين من التسلل لتنفيذ العمليات ضد الأهداف الإسرائيلية , وكان ضغط الجمهور الإسرائيلي في هذا المجال له أثر كبير خاصة بعد أن تزايدت نسبة العمليات الاستشهادية. وقد وضعت الخطط بداية بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الأمن للإسرائيليين، لكن ظهر وزراء معارضون , وقالوا إن الجدار يشكل حدوداً سياسية بيننا وبين الفلسطينيين وهذا اعتراف صريح بأنه يوجد للفلسطينيين كيان منفصل. ومع ذلك فقد سارعوا في تنفيذه وأضروا بالشعب الفلسطيني أضراراً بالغة نجملها في النقاط التالية:
أولاً: تفريغ مدينة القدس من المسلمين وتهيئتها لتصبح عاصمة توراتية للكيان الصهيوني ولبناء هيكلهم الوثني.
ثانياً: إيقاف الانتفاضة ومقاومة الاستعمار والاحتلال الصهيوني، ومحاولة التقليل من العمليات الجهادية بضبط حركة المرور بين الأراضي الفلسطينية.
ثالثاً: ضرب البنية الأساسية من قطاع صحي وتعليمي وكهرباء ومياه للشعب الفلسطيني، وإبقاؤه تحت رحمة المغتصب الصهيوني.
رابعاً: صناعة الجوع ونشر الأمراض الجسدية والنفسية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن والنساء، وتجهيل الأجيال الناشئة ونشر الأمية بينهم.
خامساً: تدمير الاقتصاد للشعب الفلسطيني، خاصة الثروة الزراعية بتدمير أشجار الزيتون والحمضيات، وتجريف أراضيهم الخصبة، وحرمانهم من أبسط أسباب الرزق.
سادساً: الحيلولة دون وصولهم إلى القدس الشريف والمسجد الأقصى لأداء الصلوات المفروضة، أو الزيارة المسنونة.
سابعاً: السعي نحو تهويد القدس وجعلها يهودية في سكانها ودينها بل وفرض العادات اليهودية على بعض البقع السكانية الإسلامية لإخراج الناس ما أمكن ذلك عن مبادئ دينهم وعقيدتهم ومعالم حضارتهم الإسلامية.
ثامناً: عزل الفلسطينيين في مناطق محصورة، واستمرار السيطرة الصهيونية المطلقة بالتحكم في عبور الأشخاص والبضائع وهـذا ما يعني استمرار هيمنة الصهاينة على التجارة الفلسطينية بصورة عامة والتحكم بمصيرها.
تاسعاً: إن هذا الجدار سيصادر عشرات الآبار، وسيدمر البنية التحتية لقطاع المياه من مضخات وشبكات الأنابيب الخاصة بمياه الشرب والري الزراعي.
عاشراً: إنشاء الجدار العازل سيعيق وصول سكان المناطق الفلسطينية الريفية إلى المستشفيات لأن هذه المدن ستصبح معزولة عن باقي الضفة.
الحادي عشر: سيؤدي بناء الجدار إلى مصادرة مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية وضمها لإسرائيل، كما يطوق الجدار مدناً بالكامل ويعزلها عن محيطها الطبيعي في الضفة. فضلاً عن ذلك ستفرض إسرائيل سيطرتها على إحدى وعشرين قرية فلسطينية أخرى وراء الجدار باعتبارها منطقة عسكرية. وهناك أربع عشرة قرية يبلغ عدد سكانها أربعين ألف فلسطيني يعملون بشكل أساسي في الزراعة وسوف يجد هؤلاء أنفسهم محاصرون يلزمهم الحصول على تصاريح إسرائيلية للذهاب لحقولهم.
بل لقد تضرر آلاف الطلبة بسبب هذا الجدار وصعوبة الوصول إلى مدارسهم ناهيك عن تدمير المدارس وتعرض مرافقها للأضرار مما سيؤدي إلى تراجع التعليم وتراجع الالتحاق بالمدارس وبخاصة في المناطق الريفية. فأية جريمة إنسانية تحرم التعليم؟ إنهم قتلة الأنبياء يتناسخون الشر جيلاً بعد جيل.
ورغم أن الفلسطينيين تعودوا طوال سنوات الانتفاضة الثلاثة على التأقلم مع الحواجز والمعابر التي انتشرت بشكل سرطاني في كل المناطق الفلسطينية، ونجحوا في التخفيف من آثارها على مسيرة التعليم التي يعطيها الفلسطينيون اهتماماً كبيراً، باستخدام وسائل مبتكرة وصلت لحد إعطاء المحاضرات الجامعية على الحاجز، إلا أن الجدار يشكل تحدياً من نوع آخر يفوق بكثير تحدي الحواجز حيث يعزل الجدار المناطق الواقعة خلفه عن محيطها ويجعلها زنازين مفتوحة لآلاف الفلسطينيين.
وهذا معلم في مدرسة ابتدائية يصور المعاناة اليومية قائلاً: "الرحلة إلى المدرسة التي أعمل بها أصبحت تستغرق أكثر من ثلاث ساعات يومياً، جزء كبير منها أقضية في إجراءات التفتيش والتأكد من أنني أعمل مدرساً على البوابة الحديدية المقامة على الجدار والتي تسمح بالمرور للقرية، فالجنود لا يسمحون لغير أهالي القرية بالمرور عبرها، وعندما أصل للمدرسة أكون قد أنهكت تماماً ولا أستطيع أن أقوم بدوري كمعلم بالشكل المطلوب". إن إسرائيل تتعمد تعطيل العملية التعليمية لأنها تريد جيلا من الفلسطينيين غير المتعلمين بحيث يمكن السيطرة عليهم، وتسخيرهم كعمال لخدمة مصالحها، وللعمل في الأشغال التي يعف عنها الإسرائيليون.
وتعود مئات الطلاب على تسلق المكعبات الأسمنتية التي ترتفع لأكثر من مترين ورغم ذلك فإن رحلة الوصول للمدرسة لم تكن تتجاوز عشرة الدقائق، لكن في الفترة الأخيرة شرعت سلطات الاحتلال في بناء جدار بارتفاع ثمانية أمتار مما يجعل وصول الطلاب لمدارسهم التي لا تبعد سوى مئات الأمتار أمراً مستحيلاً.
يقول أحد الفلسطينيين أنه اضطر لاستئجار سيارة خاصة لنقل أطفاله الأربعة إلى مدارسهم على الرغم من وضعه المالي السيئ مؤكداً أنه على استعداد لبيع أثاث منـزله حتى يكمل أبناؤه تعليمهم. وهكذا تتحول معركة الجدار التي لم يجد الفلسطينيون بُداً من خوضها بكل ما يملكون من قوة إلى ملحمة حياة أو موت، وبخاصة عندما تمس بمستقبل أبنائهم وحقهم في التعليم والمعرفة.
أيها المسلمون: كل ذلك يجري مع عميق الألم والحزن في وضح النهار وعلى مرأى من المجتمع الدولي كله وتحت غطاء ودعم الإدارة الأمريكية التي تعتبر أن مشروع شارون هو مشروعها وأن معركته هي معركتها. والأشد حزناً أن كل ذلك يتم والمسلمون منشغلون بأمور تافهة -والله المستعان-.
أن هذا الجدار يبعد الوالد عن ولده، والجار عن جاره، والخليل عن خليله، والطالب عن مدرسته، والمصلى عن مسجده، والمزارع عن أرضه، والقرية عن المدينة، وذلك بعد أن قام العدو بهدم البيوت وسلب الأراضي وتدمير الممتلكات. لك أن تتخيل أن تصحو يوماً وتجد من تحبهم في دولة وأنت في دولة أخرى، بل تجد أرضك وممتلكاتك في دولة وأنت في دولة أخرى.
والأمر الذي يثير الدهشة هو أنه حتى الأموات لم يسلموا من أضرار هذا الجدار حيث قامت سلطات الاحتلال بإجبار عدة عائلات على نبش قبور موتاها ونقل رفاتهم إلى أماكن أخرى بذريعة وقوع القبور ضمن منطقة الشارع الموازي للجدار العازل.
فهل يلام الفلسطينيون بعد ذلك على العمليات الاستشهادية، والفلسطيني لا يعشق الموت من أجل الموت، فهو كأي إنسان آخر يحب الحياة الحرة الكريمة. ولكن هذا الاحتلال هو الذي يحرمه حق الحياة، ويحوله إلى قنابل موقوتة تتفجر بوجه الأعداء ليوفروا تلك الحياة للأجيال القادمة، ولن ينهي الجدار العمليات الفلسطينية بإذن الله، وإنما سيدفع الحركات المجاهدة المسلمة إلى تحسين أساليب المقاومة، وصاحب الحق لا يقف أمامه حاجز.


يا قدسنا الدامع المحزون قبلتنا *** معراج سيدنا الغالي ومسراه
يا قدسنا مهرجان الموت مسرحه *** قلوبنا والدم القاني حكاياه
يا قبة الصخرة الغراء يا أملاً *** يعز في واقع التهريج لقياه
حروفنا متعبات لم يذقن كرى *** وشعرنا بقوافي الذل صغناه
لن يرجع الأقصى وأمتنا *** ما زال يشغلها قيس وليلاه
لن يرجع الأقصى وأمتنا *** شبابها في دروب اللهو قد تاهوا
وسوف يرجع متى عدنا لمنهجنا *** على دروب الهدى فالناصر الله


أيها المسلمون: إن طبيعة الشخصية اليهودية تتسم بالجبن المتأصل في جذورها تتوارثه عبر الأجيال منذ قال بنو إسرائيل لموسى -عليه السلام- يوم دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة في فلسطين: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}
[(22) سورة المائدة] لقد فقدوا الثقة في كلام نبيهم، بل وأساءوا الأدب مع نبيهم موسى عليه السلام، بل وتجاوزوا ذلك لإساءة الأدب مع الله -عز وجل-: {قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [(24) سورة المائدة] منذ ذلك الحين وتاريخهم مليء بالمواقف المخزية والتي تؤكد على مدى جبنهم وخورهم. وتمر السنون وتمضي القرون ويبعث الله تعالى نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- لتبدأ حلقة أخرى من حلقات الصراع بين الحق والباطل، وينصر الله جنده في بدر، ويعود المسلمون إلى المدينة، فيطفح الحقد من صدور اليهود على ألسنتهم. وتمر الأيام ويقترف بنو قينقاع جريمتهم المشينة بمحاولة كشف عورة المرأة المسلمة، ثم حصار الرسول لهم وإجلاؤهم عن المدينة، فاستسلموا خانعين أذلاء جبناء، وتم إجلاؤهم عن المدينة إلى غير رجعة. وتمر الأيام ويحاول يهود بني النضير الغدر برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك بتحريض شقيٍّ من أشقيائهم لإلقاء حجر عليه ليتخلصوا منه، وينجِّي الله نبيه ويحاصرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيطلبون العفو والسماح لهم بالخروج من المدينة كما أخرج إخوانهم من بني قينقاع، فيتم إجلاؤهم عن المدينة. وتأتى الخيانة الثالثة من بني قريظة في غزوة الخندق، وينادي المنادي بعد المعركة: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة. ويحاصر المسلمون اليهود، ويحكم عليهم سعد بن معاذ بحكم الله، فيسلمون أعناقهم للسيف خانعين جبناء. وتمر الأيام وتأتى انتفاضة الأقصى الأولى ثم الثانية فترى الجندي المدجج بالسلاح والعتاد يفر من أمام الطفل الفلسطيني الذي لا يملك غير الحجر وإذا أراد الجندي اليهودي أن يستخدم سلاحه فمن داخل دبابته أو سيارته المصفحة، وما حالة العصيان العسكري بين جنود اليهود الصهاينة في الفترات الأخيرة ورفضهم العمل في مناطق التماس مع الفلسطينيين إلا دليل جبنهم وخورهم وصدق الله {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [(96) سورة البقرة] حتى ولو كانت حياة ذليلة مهينة. وهكذا فمن حصون خيبر قديمًا إلى حصون الكذب والنفاق والخداع إلى الجدار العازل وصدق الله -تبارك وتعالى-: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ} [(14) سورة الحشر].
فنسأل الله...

الخطبة الثانية:
الحمد لله...
أما بعد: إن فكرة الجدار الفاصل وبناءه فكرة قديمة حديثة، وليست وليدة اليوم كما تدعي القيادات الإسرائيلية، فترجع فكرة بناء الجدار إلى عام 1937م حين طُلب من تشارلز، الخبير البريطاني لشؤون الإرهاب، بوضع خطّة لإقامة جدار على طول محاور الطرق الرئيسة من الحدود اللبنانية في الشمال وحتى بئر السبع، وقام هذا الرجل برسم المرحلة الأولى من عملية إقامة الجدار، وهو جدار من أربع طبقات وبارتفاع مترين يتم بناؤه على طول ثمانين كم من طبريا في الشمال الشرقي وحتى رأس الناقورة في الشمال الغربي. وكانت تكلفة المشروع آنذاك 60 مليون دولار، وقد تم هدم هذا الجدار من قِبَل سكان القرى في ذلك الوقت.
وبين نكبة 48 ونكسة 67 تمت إحاطة مدينة القدس بالعديد من الأسيجة والجدران لحمايتها من المقاومين الذين يحاولون التسلل إليها. وأيضاً فشلت تلك المحاولات.
أيها المسلمون: إن فكرة الأسوار سياسة فاشلة، ففي مجلة إيطالية تم استعراض تاريخ أهم الأسوار التي أقيمت بغرض الدفاع عن الدول، والتي يعد سور الصين العظيم أكبر مثال عليها وقد بدأ بناؤه في القرن الثالث قبل الميلاد، من المحيط الهادي إلى آسيا الوسطى، للتصدي للغزوات الآتية من الشمال، وقد كان هذا السور يمثل الخط الدفاعي الرئيس للصين القديمة ضد الغزوات التي كانت تقوم بها القبائل الشمالية. فأين هو سور الصين الآن؟.
وهل سيصمد هذا الجدار اللعين أكثر من صمود جدار برلين وحصون خيبر وخط بارليف والمعازل الخاصة إبان الحكم العنصري في جنوب أفريقيا؟ ولنا من التاريخ الدليل، ولدى المستقبل الإجابة، وجولة الحق في ساعات، تزيل ما شاد أهل الباطل في سنوات {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}
[(18) سورة الأنبياء].
يأتي هذا الجدار في زمن العولمة والذي من أبرز خصائصه الانفتاح وكسر الحواجز. فإذا كانت أوربا كسرت كل الحواجز، ومعظم الدول تتجه الآن إلى الانفتاح مع الغير، فهل تستطيع إسرائيل أن تعيش داخل جدران وأسوار.
أن بناء الجدار يشكل تراجعاً كبيراً عن مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. ويعتبر انتكاسة خطيرة لجيش ودولة الاحتلال إذ أنها تماماً عجزت عن إسكات صوت المقاومة، وعبثاً حاولت فلم تفلح، وهذه النقطة كانت محل تندر من بعض الساسة اليهود على دولتهم، إذ إنها تعتبر نفسها من الدول العظمى في التسلح فضلاً عن تحالفها غير المسبوق مع أقوى دولة في العالم ومع هذا فهي تحشر نفسها خلف سور كبير لتحمي مجتمعها من ضربات المجاهدين.
ولن يحقق هذا الجدار لإسرائيل الأمن والسلامة، ولن يسهم في توليد الإحساس بالأمن لدى الإسرائيلي، وهذا باعترافاتهم هم وليس محض خيال وآمال.
إن هذا الجدار لن يستطيع حماية المواطن الإسرائيلي ممن يقاومون الاحتلال، مهما علا وتنوعت مواده؛ لأن المقاومة تطور وسائلها مع تطور دفاعات العدو.
وقد بدأت ترتفع أصوات يهودية تنادي بإعادة النظر في عقلية الجدار، وتعلن معارضتها الشديدة لخطة السور الفاصل. وبرر المعارضون موقفهم بأن جميع الجدران التي بناها اليهود منذ نحو 150 عاماً وكذلك عبر التاريخ أثبتت عدم جدواها أو فاعليتها، بل إنها وفّرت مبررات إضافية لتعريض الأمن اليهودي للخطر. إضافة إلى أن الجدار سيحكم على مشروع خارطة الطريق التي ترعاها الولايات المتحدة بالفشل.
أما نحن المسلمين فإننا متفائلون بهذا الجدار وأنه سجن كبير لليهود، إنهم يحشرون أنفسهم داخله لأبطال فلسطين، ونأمل أن يتحقق موعود الله في بني إسرائيل في القضاء عليهم فلم ينفعهم جدار يحتمون خلفه، حيث يغضب عليهم كل شيء حتى الشجر والحجر يرشدا المؤمن على اليهودي الذي يختبأ خلفهما. قال الله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}
[(2) سورة الحشر].
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين..
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين. اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وأذل الشرك والمشركين والكفرة الملحدين واحم حوزة الدين. اللهم منـزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب. اللهم إن اليهود والنصارى قد طغوا وبغوا وأسرفوا وأفسدوا واعتدوا. اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم وألق الرعب في قلوبهم واجعلهم غنيمة للمسلمين وعبرة للمعتبرين. اللهم عليك بهم وبمن شايعهم وعاونهم وحماهم يا أكرم الأكرمين. اللهم احقن دماء المسلمين وصن أعراضهم واحفظ أموالهم وديارهم من كل معتد ظلوم يا رب العالمين. اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في فلسطين والعراق. اللهم أقم علم الجهاد واقمع أهل الشرك والزيغ والشر والفساد والعناد وانشر رحمتك على العباد والبلاد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد. اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم واكفهم شر الأشرار وكيد الفجار. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واحبسه في بدنه يا قوي يا عزيز. اللهم نصرك الذي وعدتنا يا من لا يُخلَفُ وعدك ولا يُهزم جندك سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت.


الثوابت وتجديد الخطاب الديني




  
   

الثوابت وتجديد الخطاب الديني
13/10/1425هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: إن الإسلام الذي ختم الله به الشرائع والرسالات السماوية أودع الله فيه عنصر الثبات والخلود وعنصر المرونة، وهذا من واقع الإعجاز في هذا الدين، وآية من آيات عمومه وخلوده وصلاحيته لكل زمان ومكان. لكن هناك ثوابت لا تقبل التطوير ولا الاجتهاد ولا الإضافة ولا التغيير ولا يمكن أن يقول بتغيير هذه الثوابت عالم معتبر. فمن ذلك على سبيل المثال:
مسائل الإيمان والعقائد، فصفات الله -سبحانه وتعالى- والملائكة والجنة والنار واليوم الآخر وعذاب القبر وغير ذلك من مسائل الغيب لا تقبل الإضافة مطلقاً وكذلك الصلوات من فرائض ونوافل لا تجوز الزيادة فيها على المشروع، فلا جديد على الصلاة والصوم والزكاة والحج.
ومن الثوابت: أن الإسلام هو خاتم الأديان والرسالات ولا يقبل الله من الناس غيره. فمن مات على غير الإسلام فهو من أهل النار {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[(85) سورة آل عمران].
ومن الثوابت: إقامة العدل ومنع الظلم، قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}  
[(90) سورة النحل].
ومن الثوابت: شمولية الإسلام، فهو نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً لقوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ}
[(38) سورة الأنعام)]. فلا فصل بين الدين والعلم، ولا فصل بين الدين والسياسة، كما أنه لا فصل بين الدين والاقتصاد.
ومن الثوابت في حياة الأمة: المحرمات اليقينية من السحر وقتل النفس والزنا وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات والسرقة والغيبة والنميمة والكذب وغيرها.
ومن الثوابت: أمهات الفضائل من الصدق والأمانة والعفة والصبر والوفاء بالعهد والحياء والكرم والمروءة.
ومن الثواب: أن الإسلام قد حرص على إقامة مجتمع العفاف والطهر، وقضى على انحرافات الجاهلية، فمنع الاختلاط ودواعيه، وحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية ومصافحتها، وحث على غض البصر، وأمر بلباس شرعي ساتر للمسلمة.
ومن الثوابت: الأحكام القطعية في شؤون الأسرة والمجتمع التي ثبتت بالنصوص المحكمة، مثل إباحة الطلاق وتعدد الزوجات وإيجاب النفقة على الزوج وإعطائه درجة القوامة على الأسرة، فلا يسوغ لأحد تقييد الطلاق وتقييد تعدد الزوجات والدعوة إلى الاختلاط وترك الحجاب بحجة تحرير المرأة والتمدن والتحضر والاستنارة. فهذه ثوابت في ديننا لا تقبل المناقشة.
ومن الثوابت: أن الرجل والمرأة في ميزان الإسلام جناحان لا تقوم الحياة ولا ترقى إلا في ظل عملية مواءَمة بينهما، فالله خلق المرأة للمهمة ذاتها التي خلق من أجلها الرجل، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
[(56) سورة الذاريات].
المرأة في ميزان الإسلام كالرجل، فرض الله عليها القيام بالتكاليف الشرعية، فلها أن تتعلم ما ينفعها من علوم الدنيا والآخرة.
ومن الثوابت: أن الخالق -جل وعلا- زوّد كلاً من الرجل والمرأة بخصائص تتوافق والمهمة التي يقومان بها، وجعل فروقاً بينهما، فالمرأة تختلف عن تكوين الرجل في بنائها الجسمي وتكوينها الجسدي، ومما تتميز به خصائص الأنوثة، سرعة الاستجابة، رقة العاطفة، غلبة الحياء، كثرة الخجل، قلة التحمل، والظروف الطارئة الطبعية، اقتضت حكمة العليم الخبير ذلك، لتؤدي دورها المرسوم في الحياة بما يتلاءم مع فطرتها، والزجّ بها في الميادين الخاصة بالرجل انتكاسة للفطرة ومصادمة للواقع خِلقةً وحكماً وشرعاً.
عنصر الثبات يتجلى في رفض المجتمع المسلم، للعقائد والمبادئ والأفكار والقيم والشعارات التي تقوم عليها المجتمعات الأخرى غير المسلمة؛ لأن مصدرها غير مصدره، وجهتها غير وجهته، وسبلها غير صراطه، ولذلك حرص رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على تميّز المسلمين في كل شؤونهم عن مخالفيهم، فتميّز المجتمع المسلم أمر مقصود للشارع.
ومن الثوابت: أن الإسلام لا يمكن تجزئته، فلا بد أن يؤخذ كله كما أمر الله، عقيدةً وعبادة، أخلاقاً ومعاملةً، تشريعاً وتوجيهاً. الإسلام ليس مجرد عقيدة بلا عبادة وعمل، وليس عبادة بلا أخلاق، أو أخلاقاً بلا تعبد، وليس عقيدة وعبادة وأخلاقاً بلا تشريع ونظام يسود الحياة.
ثوابت المسلمين ذات قرار مكين، مستمدة من توجيهات الإسلام وهي صمام الأمان لهم، تقيهم من الضياع والانفلات وتصل بهم إلى بر الأمان.
نتحدث عن الثوابت في حياة الأمة لأننا في عصر حفل بألوان من العلوم والمعارف راجت فيه مفاهيم متنوعة وتصورات مختلفة، عصرٌ يموج بالأحداث الجسام والأطروحات المستجدة، وبرز التأثير فاعلاً، فقد التقى العالم مشرقَه بغربه، وجنوبه بشماله، ولا يكاد يمر يوم ولا تمر ساعة بل ولا تمر لحظة لا يُذكر فيها لفظ التغيير والتقدم والتطور، من أقصى الأرض إلى أقصاها الآخر، وغدت قضية التطوير القضية الكبرى في حياة المسلمين.
وظهر على الساحة مع كل أسف من يتكلم باسم العلم والعلماء صاروا يشككون الناس في ثوابت هي مستقرة عندهم، كانوا لا يقبلون فيها صرفاً ولا عدلاً. وشأن من ينتسب للعلم قد يهون عند صحفيين وقصاص الجرائد والمجلات، وممثلين عبر الشاشات والفضائيات صاروا هم المفتين في هذا الزمان.
ما بالنا نواجه هذه الأيام سيلاً من الكتابات والمقالات لأناس من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، صاروا يطعنون في ثوابت ديننا، حتى أحياناً تتساءل عن هؤلاء الكتّاب هل هم أقلام مستأجرة، أم أذناب للغرب، أم هم علمانيون لهم أهداف سيئة، أم قد يجتمع في بعضهم كل هذا وغيره. بل أحياناً تتساءل هل هؤلاء الكتّاب مسلمون أصلاً يؤمنون بنصوص الكتاب والسنة، مع أنهم يلبسون الزيّ الرسمي لأهل البلد حين توضع صورهم في زوايا مقالاتهم، لكن ما يصدر من أقوالهم العفنة وعقولهم الخربة، عبارة عن كلام سيء بعيد كل البعد عن المظهر الخارجي الذي يظهرون فيه على صفحات الجرائد والمجلات.
لقد أصبح التشكيك والتشويه الآن في كل شيء. في حجاب المرأة، وأصبحت تقرأ السخرية بالعلماء ورجال الدعوة وأهل الخير والصلاح، وتقرأ مقالات تشكك بالسنة النبوية، وأصبح هؤلاء القصاص يصححون ويضعفون وكأن صاحب المقال إمام من أئمة الحديث كأبي زرعة وابن حجر أو غيرهم. وصار التشكيك في مسائل أجمع عليها أهل العلم. أما الجهاد في سبيل الله فقد لقي حظاً كبيراً من الطعن والتشويه، مع أنه باق إلى قيام الساعة، فما دام هناك كفر وإيمان في الأرض، وحق وباطل فالجهاد باق.
متى كنا نتصور أن نقرأ بعض عبارات الردة من بعض الجرائد؟ كان هذا الأمر بعيد جداً، واليوم تشم رائحة الردة في بعض المقالات. أما الكذب والتشهير والإثارة على حساب الثوابت والمسلمات فحدث ولا حرج.
بل قد وصل الأمر إلى عرض مسلسلات تُعرض على الناس على أنها برامج اجتماعية هادفة لحل بعض القضايا والمشاكل، لكنه في حقيقة الأمر طعن في مسلمات وثوابت الدين بل سخرية من قضايا قررها الشارع، مثل المحرم بالنسبة للمرأة، والسخرية بمدرسي العلوم الشرعية، بل الاستهزاء والسخرية بعادات وتقاليد العديد من المناطق ممن هم في إطار جغرافي واحد.
وجعلوا مقابر المسلمين موضعاً للتمثيل والتصوير. فتسأل وتقول أين حرمة المسلم الميت الذي هو من ثوابت ديننا.
عجيب أمر هؤلاء. والأعجب من يظن أن التقدم والتطور بهذه الطريقة، الطعن في المسلمات والثوابت. إن هذه الفئة المتصدرة لمنابر الإعلام في هذا الوقت ممن يسمون أنفسهم بالتنويريين هم أخطر شريحة على المجتمع، بل خطرهم ربما يفوق خطر اليهود والنصارى، والمجتمع اليوم يمر بأمواج متلاطمة من الأفكار والآراء المصادمة لثوابت ومسلمات عندنا، والمعصوم من عصمه الله تعالى. وبين فترة وأخرى نفاجئ ببرامج وأطروحات أصبحت تمرر على الناس والناس يتقبلونها دون علم أو وعي فمثلاً: قضية الرأي والرأي الآخر، الذي صار يقدم للناس في برامج وحلقات عبر الفضائيات أو الإذاعة أحياناً. هل تعلمون ماذا تعني هذه العبارة؟ وهل كل شيء يقبل فيه الرأي الآخر؟ فإذا كان معي إيمان فالرأي الآخر هو الكفر، وإذا كنت على السنة فالرأي الآخر هو البدعة. فالرأي الآخر في كثير من القضايا لا يمكن أن يقبل خصوصاً في الثوابت والمسلمات والأصول. فهم بهذه الطريقة يريدون أن يصلوا بالمجتمع أن يقبل كل شيء وإن كان يتعارض مع أصول الاعتقاد والمبادئ.
إن الإسلام -يا عباد الله- لا يمكن أن يقف ضد التطور النافع السائر في إطار الشريعة، ولهذا لا عجب أن تجد الإسلام يحث على العلم النافع والعمل والحركة، لا عجب أن نجد كتاب الإسلام الخالد يحدثنا في قصة آدم -عليه السلام- عن العلم، وفي قصة نوح عن صناعة السفن، وفي قصة داود عن إلانة الحديد، يحدثنا عن التخطيط الاقتصادي في قصة يوسف، وعن صناعة السدود في قصة ذي القرنين، ويقرّ الرسول –صلى الله عليه وسلم- نتائج الملاحظة والتجربة في شؤون الحياة كما في مسألة تأبير النخل فيقول: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)).
هذا هو الإسلام، لا يعوق سير الحياة، ولا يؤخر نموها، بل فيه الدافع الذي يحفز على السعي والحركة مع الضمان أن تضل أو تنحرف عن الطريق.
إن التحديث الحق والتطور النافع هو السعي للتقريب بين واقع المجتمع المسلم في كل عصر وبين المجتمع النموذجي الأول الذي أنشأه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، يكون ذلك بإحياء مفاهيم ذلك المجتمع وتصوراته للدين، يكون ذلك بإحياء مناهج في فهم النصوص وبيان معانيها، يكون ذلك بإحياء مناهج في تدوين العلوم والتعلم واقتباس النافع الصالح من كل حضارة وتنقية المجتمع من شوائبها.
إن مما أرهق المسلمين وأساء إلى الإسلام هو الانحراف مع دعوى التطوير في ثوابت الدين، وركائز الإسلام في العقيدة والقيم، مما ينتهي بالأمة لو استجابت لها إلى الانسلاخ من العقيدة والتحلل من الأخلاق والذوبان في الثقافات البشرية الأخرى.
والأدهى -عباد الله- أن يُنظر إلى ما له صلة بالدين وهدي المرسلين أنه رجعي قديم يجب التحلل منه لمسايرة ركب الحضارة – زعموا -. إن من رجع بأفكاره وعقيدته إلى الجيل الأول لا يُعد رجعياً، بل هو مسلم صادق يطلب الطهر والعفاف، وهنا تتبين مسألة شرعية أن رَمي المسلمين بالرجعية لأنهم تمسكوا بشريعة رب العالمين ردّة عن الإسلام.
إذا كان التقدم والتطور والتغير على زعمهم نبذ الخلق والفضيلة وتسهيل مسلك الرذيلة فبئست هذه التقدمية، فليس كل تقدم محموداً. والتقدم نحو السلب والنهب والعري والخمر والفسق والفجور، التقدم لنبذ الفضيلة وارتكاب الرذيلة لا يُعد محموداً، التقدم نحو تهييج الشهوات وإثارة الأهواء وتقوية النفس الأمارة بالسوء تقدم نحو الدمار والهلاك.
من الأمور المنكرة -عباد الله- تحت مظلة التقدم والتطور والتنوير: تبرير قيم غير المسلمين باسم سماحة الإسلام وتطوير الإسلام، وانفتاحه أو تطوير الشريعة الإسلامية، ولا ريب أن باب الاجتهاد مفتوح للعلماء المجتهدين الربانيين فحسب، إلا أن هناك قواعد كلية لا يجوز الاجتهاد فيها، وأصولاً ثابتة لا تتغير بتغير الزمان.
إن قيمنا الراسخة المستمدة من الكتاب والسنة هي الضمان الأوحد لإعداد جيل المستقبل، وإن البعد عن الصراط المستقيم تنكُّب للطريق، حتى لو قلنا: إنه مسايرة لطبيعة العصر الحديث. هناك فرق شاسع في المفهوم الانفتاحي على الآخرين وتبعية الأمة، ذلك أن عزة الأمة تأبى التبعية كي لا تذوب في المجتمعات الأخرى، وتتبع أهواءها، ولا تقلدها ولا تتشبه بها، فتفقد بذلك أصالتها وشخصيتها المتميزة، فيضيع الدين والدنيا معاً.
أليس قد أنيط بهذه الأمة مهمة إنقاذ البشرية من سُعار الحضارة المادية؟! إنها لن تستطيع ذلك إذا أصابها هي من شررها وشرورها ما أصاب الآخرين من أدواء المادية والإباحية.
أليست هذه الأمة مطالبةً بأن تقدم البديل للحضارة المعاصرة؟! إنها لن تستطيع ذلك إذا هي قلدت غيرها، واتخذتها مثلَها الأعلى، واتبعت سننها شبراً بشبر وذراعاً بذراع.
أي نمو وتقدم للمجتمعات المسلمة يُعدّ محموداً إذا كان يحقق الأهداف الأساسية لحياة المسلم، وأبرزها: العبادة لله رب العالمين، خلافة الله في الأرض، عمارة الأرض. وبقدر ما يحقق الإنسان هذه المقاصد أو الأهداف يُعد تقدمه حقاً ونافعاً، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
[(20 -26) سورة الأنفال].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: أيها المسلمون: ومما يتردد على ألسنة البعض وكتابات البعض الآخر عبارة "تجديد الخطاب الديني".
هل تعلمون متى ظهرت هذه العبارة؟ وماذا تعني؟ وما هو المقصود منها؟
لقد ظهرت هذه العبارة مع تحرك غربي جارف لفرض ما أُسمي بالإصلاح أو التطوير الديني على المسلمين كوسيلة مزعومة لعلاج التطرف والإرهاب الذي قيل إنه ينشأ بين ظهرانيهم نتيجة لمناهج التعليم الديني الخاطئة ومفاهيم الدعوة والفكر المعوج.
وفي مقابل هذه الأخطاء الإسلامية المدعاة بدأت دوائر الغرب السياسية والثقافية وحتى الكنسية وحتى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تطرح مفاهيمها الخاصة لإصلاح الإسلام ديناً وفكراً، وهي العملية التي احتلت مركز الصدارة وسط الحملة العسكرية السياسية على ما أسموه بالإرهاب، وظهرت في هذا الصدد سياسات ملموسة تمثلت في إصدار التوجيهات هنا وهناك في بلاد إسلامية بغلق المعاهد الدينية والشرعية، أو ضمها إلى نظام التعليم غير الديني، أو فرض تبني مناهج هذا التعليم الأخير، أو تغيير مناهجها بالكامل لإدخال محتوى دنيوي جديد عليها ليحل محل المحتوى الديني السابق.
وتزامن مع هذا التحرك طرح غربي آخر يدعو إلى نشر وتعميم أو بالأصح فرض وإدخال تجارب جديدة وضعت نتائجها نماذج للإسلام الإصلاحي، ومما ذكر في هذا الصدد ما أسمِيَ بالتجربة الأتاتوركية التي ابتدعت الإسلام العصري العلماني، وهو الذي يراه الغرب النموذج الوحيد الصالح الآن لإعماله في البلاد الإسلامية بغرض نقلها من التخلف إلى الحداثة، وإدماجها في العولمة أو النظام العالمي الجديد، وإنقاذها بالطبع من التطرف والإرهاب، بل بدأت الحكومة التركية ومعها دوائر أمريكية تروج بالفعل لنقل هذه التجربة العلمانية المغرقة في العداء للإسلام لتطبّق في أفغانستان مثلاً أو حتى باكستان باعتبارها نموذجاً للإسلام الإصلاحي أو المعتدل أو العصري ثم يتم تعميمه بعد ذلك على بقية الدول. بل وصل الأمر في هذا الصدد أن أخذت دوائر سياسية أوروبية في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها تطرح تصوراً يقول بأن عناصر من ذوي الأصول الإسلامية الذين هاجروا إلى الغرب واندمجوا وذابوا في مجتمعاته وتشربوا مجمل القيم والأفكار والتصورات الغربية هم الأجدر بأن يصبحوا من خلال ممارساتهم وكتاباتهم النموذج الذي يجب أن ينقل إلى البلاد الإسلامية ليُحتذى ويُقلّد وأنهم بذلك الأجدر بنقل الشعوب الإسلامية من التخلف إلى الحداثة وروح العصر. ولذا ينبغي الحذر من كتاب خريجي الولايات المتحدة وأوربا إذا صاروا يتحدثون في قضايا شرعية.
واتخذت المسألة أبعاداً أقرب إلى الهزل واللامعقول عندما بدأت بالفعل عناصر من أشخاص ذوي أصول إسلامية لكنهم تغربوا بالكامل وتعلمنوا تفد إلى البلاد الإسلامية أو ترسل بكتاباتها وأفكارها إلى المنابر الإعلامية والثقافية وحتى الدينية باعتبارها النموذج الأسمى للاجتهاد الإسلامي العصري.
وفي تطور موازٍ أخذ الإعلام الغربي يكتشف أن هناك داخل وخارج البلدان الإسلامية مفكرين وكُتَّاباً هم كذلك أصحاب باعٍ في تطوير وإصلاح وتجديد وتغيير وعصرنة وتحديث الإسلام، وأنه يجب على الدول الغربية أن تشجعهم وترفع من شأنهم بالتلميع الإعلامي والدعم المالي والسياسي حتى يمكن فرض أفكارهم بدورهم على الأوضاع الدينية والاجتماعية والفكرية في البلاد الإسلامية. ومن المخزي أن هذه الخدعة الكبرى تمرر تحت شعارات جذابة براقة مثل الاجتهاد والتجديد والاستنارة وما أشبه، وينجرف وراءها الآن نفر من العلماء والرؤساء الدينيين المعينين إما جهلاً أو عمداً في سعي وراء مكاسب دنيوية معروفة، غير أن هذه التحركات الغربية التي أشرنا إليها تعاني من ضعف قاتل يشل فاعليتها ويطعن في مصداقيتها والحمد لله، فمن الشذوذ البالغ أن يجد الناس أن من يتولى كبر الدعوة إلى إصلاح وتصحيح الإسلام والاجتهاد فيه عناصر أجهزة الاستخبارات والأمن الغربية ودوائر السياسة والإعلام والكنائس هناك، ولا يقل عن ذلك شذوذاً أن يجد الناس في بلدان المسلمين وبشكل مفاجئ أن غلاة العلمانيين واللادينيين والمتغربين في وسطهم ممن لم يعهد عنهم في يوم من الأيام أدنى اهتمام أو شغل بالهم والفكر الإسلامي إلا من حيث الهجوم الدائب على الإسلام هم الآن الأعلى صوتاً والأكثر نشاطاً في الدعوة إلى ما يوصف بأنه الاجتهاد الفكري وحتى الفقهي والإصلاح الديني.

فنسأل الله جل وتعالى أن يفضح أمرهم...


التدين والأمن


   

التدين والأمن
20/10/1425هـ


الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: التديُّن فِطرةٌ غرزَها الله في بني البَشر، ومِن خصائِص هذا الإنسانِ أنّه بفطرتِه يميل إلى التديُّن، وقد كان الناس في أوّلِ الأمرِ على التوحيدِ قبلَ أن تزيِّن لهم الشياطين عبادةَ الطّواغيت واتخاذَ الأصنام، فالدّين ضرورةٌ لحياةِ جميع النّاس، أياً كان هذا التدين حقاً كان أو باطلاً. فليس هناك مجتمع على وجه الأرض ليس له ديناً يتخذه وينطلق من خلاله، ويبني عليه تصرفاته. حتى الدول إنما تبني سياساتها الداخلية والخارجية على ما تدين به. ومن هنا ينبغي أن نعلم أن تصرفات جميع الدول إنما هي تصرفات دينية. فما تمارسه إسرائيل على سبيل المثال من إجرام ووحشية وإبادة للشعب الفلسطيني إنما منطلقها في ذلك منطلق ديني. وما تمارسه أمريكا أيضاً من سياسات وتدخلات بل وحروب إنما منطلقها أيضاً منطلق ديني في المقام الأول كما صرح بذلك كبيرهم الذي علمهم السحر بأن ما يقوم به إنما هي حرب صليبية. ولا يمنع هذا من وجود مصالح أخرى كأن تكون اقتصادية ونحوها. بل ربما يجهل البعض بأن الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل منطلقه ديني أيضاً، وذلك لأن طوائف النصارى تعتقد بعودة المسيح -عليه السلام- ليحكم الأرض، فمن هذا المنطلق كانت وما زالت الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بقوة، ضاربة بالأعراف الدولية والجوانب الإنسانية عرض الحائط، يكفيك أن تعرف أن إسرائيل حصلت على معونات اقتصادية وعسكرية بين عامي 82- 89م ما يزيد على 24 مليار دولار. فكم هي الآن؟. إذن: الدين صار هو الذي يحرك معظم الشعوب والدول بغض النظر عن هذا الدين صحيحاً كان أم باطلاً...
والإسلام دينُ اللهِ الحقّ الذي رضيَه الله دينًا لعبادِه أجمعين. عقيدتُه واضحة، يفهمه كل أحد، أوامره سهلة، لا يعجز عن تطبيقه أحد، رجلاً كان أو امرأة شاباً كان أو شيخاً، قال الله تعالى: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
[(30) سورة الروم]. ومن العجب أن الكثير من المخلوقات -عدا ابن آدم- قد كمُلت في تدينها وعبوديتها لله -جل شأنه-، وخضوعها له، وذلِّها لقهره وربوبيته وألوهيته إلاّ بعض المخلوقات العاصية كالشياطين وعصاة الجن وبعض الدواب. بل إن الله -جل وتعالى- قد أودع في بعض الجمادات من الغيرة على دينه والتأذي من انتهاك ابن آدم لحرمات الله –سبحانه-، كما في الحديث أن النبي –صلى الله عليه وسلم- مُرَّ عليه بجنازة فقال: ((مستريحٌ ومستَراحٌ منه)) فقالوا: يا رسول الله، ما المستريح؟ وما المستراح منه؟ قال: ((إن العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب)) [رواه البخاري]. انظروا كيف يتأذى الشجر والدواب من الرجل الفاجر وما يحدثه في الأرض من فساد وتخريب وبعد عن الدين، وإعلانٍ لمعصية الله تعالى، والتي لا يقتصر شؤمُها على ابن آدم فحسب.
أيها المسلمون: وفي الوقتِ الذي تتزايد فيه الانحرافات والجرائمُ والأمراض النفسيّة وتبرزُ مظاهر التطرّف والغلوّ تأتي النصوصُ الشرعيّة وتسندُها الدّراسات العلميّة والخبرات العمليّة لتؤكِّدَ أنّ الدينَ حصانةٌ للمجتمع، والمتديّن أكثرُ سعادةً وأفضل صحّةً واستقرارًا في حياتِه. إنَّ الفردَ حين يتديَّن ويتمسَّك بتعاليم دينِه يسمو فيثبُت ولا يتزعزَع طاعةً لله وطلبًا لمرضاته. ومِن أبرز أمثلةِ التديُّن سلوكُ سحرةِ فرعونَ بعد التزامهم بدين الله، لمّا آمنوا بموسى أُلقِيَ السحرةُ ساجدين، فقال لهم فرعون: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}
[(49-51) سورة الشعراء]. إن هؤلاء بعد ما لامس الإيمان قلوبهم، تحملوا في سبيله كل شيء، وباعوا له الدنيا طمعًا في مغفرةِ الله، وما عند الله خيرٌ وأبقى. وفي تاريخ أمّة محمّد –صلى الله عليه وسلم- يظهر أثرُ التديُّن جلِيًّا في سلوك الأفراد، فقد فشا في المجتمعِ قبلَ الإسلام الخمرُ والميسر والظلمُ والنّهب والتناحُرُ والحروب، فلمّا جاء الدينُ طهَّر قلوبَهم وهذّب سلوكهم وضرَبوا أروعَ الأمثلة في تزكيةِ النفس والإيثار والكرَم وصلةِ الرحم ودفعِ الظلم ونُصرة الضَّعيف، حتّى إنّ أحدَهم ليقدّم نفسَه للقتل جزاءَ ذنبٍ اقترفَه ولم يكن يعلَم به بشر، هذا هو أثر التديُّن بالدّين الحقّ.
إنّ أيَّ حضارةٍ مِن الحضارات لن تجدَ هويّتها بين الأمم إذا كانت بلا معتقدٍ دينيّ، والذي يقرأ تاريخ الأممِ السابقة التي كانت بلا عقيدةٍ، يجدها قد اندثرت حضارتُها في مدّةٍ قصيرة ولم تستطع البقاءَ، وتحوّلت بفضلِ التديُّن بدين الإسلام قبائلُ السّلب والنهبِ، إلى دولةٍ ذات حضارة، يحكمها منهجٌ صالح لكلّ زمانٍ ومكان قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
[(97) سورة النحل].
أيها المسلمون: دينُ الإسلام قدّم للمؤمنين سكينةَ النّفس وطمأنينةَ القلب، حجَب عن المجتمع الانحرافَ والاضطراب والتمزّقَ والضّياع، هيّأ السَّعادةَ والحضارة الزاكيَة الحقّة، كما تُسلَبُ الطمأنينة ويضعُف الأمن في انتزاع الإنسان نفسَه من الدّين، فالدّين شفاءُ الصّدر وتِرياقٌ لأمراض القلَق والحَيرة، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((ذاق طعمَ الإيمان من رضيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّد رسولاً))
[رواه مسلم]. ومهمَا زادَت مخترعاتُ الحضارةِ والمترَفات الصناعيّة فسيبقى النّاس في حاجةٍ إلى الدّين والتديّن، فالناسُ فقراءُ إلى خالقِهم وبارئهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [(15) سورة فاطر].
لكن ما معنى التدين؟. ومن الذي يشرح تعاليم الدين للناس؟.
التديُّن يعني: الاستقامة والطهرَ والعفاف وغضَّ البصر والبعدَ عن الفجور والخمور والمخدِّرات وأذيّة المؤمنين باللّسان واليد. التديُّن: يمنَح صاحبَه عاطفة جيّاشةً تجعله نبعَ خيرٍ يتدفّق لتنميةِ المجتمع وتقويةِ أواصره. التديُّن: يقذِف في قلب صاحبِه رقابةً ذاتيّة تجعله لبنةَ بناءٍ، يحرُس الفضيلة، ويحافِظ على أمنِ المجتمع، ويحميه من مجرمٍ رذيل أو فكرٍ دخيل. التديُّن: له أثرٌ في السّلوك، يربِّي على الأوبَة الصادِقة والإنابة العاجلة، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}
[(201) سورة الأعراف]. أزلّ الشيطانُ آدم، وزيّن له الأكلَ من الشجرة، فعاد إلى ربِّه وصدَق في عهده {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [(37) سورة البقرة].
التدين: هو الالتزام بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتقاداً وقولاً وعملاً. التدين: هو أن يتوافق ظاهر الإنسان مع باطنه على هدي سيد المرسلين. التدين: إحساس داخلي يدفع صاحبه للعمل للإسلام، وشعور داخلي يدفعه لبغض من يحارب الإسلام. التدين: هو أن تأخذ الإسلام كاملاً كما أمر الله ولا يقبل الانتقائية، ولا العبادات الموسمية. هذا هو التدين.
أما الذي يشرحه ويفسره، فإنا لا نقبل أن يفسر التدين شخص واقعه العملي بعيد عن الدين. لا نقبل أن يشرح لنا الدين كتاب الصحف والجرائد، ويخوضون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. من الخطأ أن يقبل الناس من كل أحد يتكلم في الدين ويفصل في دقائق المسائل. الدين لا يؤخذ إلا من عالم معتبر موثوق في دينه وأمانته، ولم يتلوث بهذه الدنيا الدين يؤخذ من عالم مواقفه مضطردة، لا يراقب مخلوقاً ولا جهةً ولا نظاماً عندما يتكلم ويفتي. والعجيب في أمر الناس أنهم يأخذون دينهم من كل أحد ولا يقبلون في أمور الدنيا إلا من متخصص، وهذا من التناقضات في واقع الناس اليوم.
أيها المسلمون: المتديّنَ ليس معصومًا، فهو كغيرِه من البَشر، قد يزلّ، وقد يغفل، لكنه إذا تذكَّر تابَ وأناب، قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} 
[(222) سورة البقرة]. فالذي يظن أن المتدين لا يخطئ فهو مخطئ، ولذا من الخطأ أن نحاسب المتدينين أنهم ملائكة، بل هم بشر، لكنهم يرجعون ويستغفرون.
التديّن عبادَ الله ليس مجموعةَ قيودٍ وأغلال تقضي على حريّة الإنسان كما يصوّره من لا يفقَه حقيقةَ الإسلام من المنافقين والعلمانيين وكتاب الجرائد وغيرهم، إنّما هو سموٌّ بالنّفس، طهارةٌ للقلب، مكارِم أخلاق. إنّ التديُّن يجعل للحياةِ معنًى ساميًا وهدفًا عاليًا ونعيمًا لا يدانيه نعيمٌ إلاّ نعيم الجنّة.
لقد شُوِّهت حقيقةُ التديُّن بسيل من الكتابات والمقالات مقصودة، وببرامج عبر القنوات والمحطات الفضائية، هدف أصحابها تشكيك الناس في الدين الذي يعتنقون، والإسلام الذي به يتمسكون. وشُوِّهت حقيقة التدين أيضاً بممارساتِ تُجّار الدّين الذين جعلوا الدينَ شعارًا للابتزاز والتكسُّب، في مجالات مختلفة، يكون مظهر الشخص يدل على التدين، وسلوكه مصيبة من المصائب، وهذا أصابَ الدينَ في مقتل، وصرفَ عن الدّين الحقّ، سَأل رجلٌ الفضيلَ بن عياض: لِم كان كلام السّلف الصالح أنفعَ من كلامنا؟ قال: "لأنّهم تكلَّموا لعزِّ الإسلام ونجاةِ النفوس ورضا الرحمن، ونحن نتكلّم لعزِّ النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق"، حتّى الكلام دخلت عليه الصّناعة، قال عليّ بن الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "يا أبتِ، ما أحلى كلامَ أصحابِ محمد –صلى الله عليه وسلم-! قال: "يا بنيّ، أوَ تَدري لِم حَلاَ؟ "قال: لا يا أبت، قال: "لأنّهم أرادوا به اللهَ -تبارك وتعالى-".
هناك من يفهَم الدّين على أنّه مجرّدُ مظاهرَ وشكلياتٍ ومجموعة من الطّقوس، ويقيسون تديّنهم وتديُّنَ الآخرين بالحِفاظ على هذه الشّكليات، أمّا جوهرُ الدين وترجمته إلى سلوكٍ في الحياة فهذه أمورٌ لا تشغَل بالَ هؤلاء الذين جعلوا من الدّين جسدًا بلا روح ولفظًا بلا مضمون. إنّ الدينَ الحقيقيّ لا يأبَه بالشّكليات، ولا يعوِّل على المظهريّة، قال –صلى الله عليه وسلم-: ((إنّ الله لا ينظر إلى صورِكم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالِكم))
[أخرجه مسلم]. والتّقوى محلُّها الصّدر، وهذا لا يعني أن المظهر الشرعي غير مطلوب. نظر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى رجلٍ مُظهِرٍ للنّسك متماوتٍ، فضربه بدرّته قائلاً: "لا تُمِت علينا دينَنا". هذا التديُّن الصناعيّ الظاهريّ لا تَنهضُ به حياةٌ ولا يَرشُد به مجتَمَع. شتّان ما بين تديُّن حقيقيٍّ وتديّن مظهريّ، قال –صلى الله عليه وسلم-: ((إنّ الرجل ليعمل عملَ أهل الجنّة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإنّ الرجلَ ليعمل عملَ أهل النّار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنّة)) [متفق عليه]. هذا الحديث يصِف ضروبًا من النّاس، تخالف ظواهرُ أحوالهم خفايا نفوسهم.
تلمحُ في أهلِ الدّنيا رجالاً تحسبُهم مغرقين في حبِّها، فإذا دقّقتَ النظرَ في طويّتهم سطعَت بحبِّ الله والشوق إلى لقائِه، وقد تلمَح في أهل الدّين رجالاً عليهم سِيما الصّالحين وإخباتُ المنيبين، فإذا رجعتَ الطّرفَ وجدتَ رغبةً في الحياة وحِرصًا على زُخرفها. إنّ هؤلاء وأولئك تناقِض ظواهرهم بواطنَهم.
أيها المسلمون: إن أي مجتمع يشتكي من انحرافات بعض أفراده سواء كان الانحراف في الفكر أو انحراف في السلوك العملي فإن الحل في التدين.
وهذا ينطبق أيضاً على الدول وكذلك الأسر. فالدول التي تشتكي من اضطرابات داخلية، وتمرد من بعض أفرادها على أنظمتها، وإحداث تخريب أو تدمير، فإن الحل المثالي والناجع لحصول الأمن والاستقرار هو غرس الدين في قلوب الفئة المتمردة. ومن التجارب أن المخلوق يصعب أن يسيطر عليه مخلوق مثله ولو كان يملك من القوة والسلطة ما يملك.
وكذلك الحال للأسر التي تعاني ما تعاني من اعوجاج بعض أبناءها وسلوكهم المشين، فإن الحل هو محاولة تحبيب التدين لهم.
إن الدين -يا عباد الله- هو الذي يضبط سلوك الناس. ولذا فينبغي أن نعي جيداً أن محاولات صرف الناس عن التدين عملية خطيرة تهدد أمن المجتمعات والدول وليس في صالح أحد. وينبغي أن نعلم أيضاً أن للإعلام الفاسد وانفتاح الناس على ما يعرض في الفضائيات وغيره كل هذا مما أضعف تدين الناس من جهة فقد ساهم في خلخلة أمن المجتمعات والدول من جهة أخرى.
ولذا لو كنا فعلاً ناصحين لأنفسنا ومجتمعاتنا ودولنا فيجب علينا جميعاً أن نساهم في زيادة نسبة التدين عند الناس وأن نسعى جميعاً في تكثيف البرامج والمناهج التي تزرع التدين في قلوب الناس، من الدروس والمحاضرات والندوات والكتابات الجيدة النافعة في الصحف والجرائد، وأن نسعى إلى تكثيف المواد الشرعية في المناهج الدراسية وأن نزيد من عدد المراكز الصيفية وحلق تحفيظ القرآن وغيرها من المناشط التي تقرب الناس من الدين والتدين؛ لأن بعد الناس عن الدين، بل انفلاتهم من التدين يعني انفلات المجتمع، وفقدان الأمن، نسأل الله -جل وتعالى- أن يحفظ علينا إيماننا وأمننا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما قلت، فإن كان صواباً فمن الله وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله إنه...

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: أيها المسلمون: إنّ الدينَ هو العلاج الناجعُ لمشكلاتِ الأمّة بجميع ضروبِها، قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
[(153) سورة الأنعام].
لقد دعا رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلامِ دينًا قِيمًا ملَّةَ إبراهيمَ حنيفًا، وما دام هذا الصراطُ مستقيمًا فإنّه لا يضلّ سالكه، ولا يُهدى تاركه، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس أمامَ تاركِ النّور إلاّ الظّلمات {فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}
[(32) سورة يونس].
إنّ أعظمَ مهمّةٍ في هذا العصرِ تغذيةُ منابع التديُّن، وترسيخُ العقيدةِ والمنهَج الوسَط، فالشبابُ بلا عقيدةٍ لا تطيب لهم حياةٌ ولا تستقيم أمورُهم، بل يجترِفهم التيّار أينما سار، فهو مرّةً متشدِّدٌ، وتارةً متردِّد، وطورًا متبدِّد، قليلُ الخيرِ لنفسِه ولمجتمعِه، قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}
[(122) سورة الأنعام]. ولو رأينا سلوكاً مشيناً على شبابنا أياً كان هذا السلوك، فلنعلم بأن الحل في التدين ولا حل غير هذا.
أيها المسلمون: يجِب أن يُغرَس التديُّن على علمٍ صحيح وفهمٍ سليم من القرآن الكريم والسنّة النبويّة لنقضيَ على المفاهيم المغلوطَة عن التديّن، خاصةَ من يزعم بلسانِ الحال أو المقال أنّ التديُّنَ عاملٌ رئيسيّ في بروز مظاهرِ الغلوّ والتطرّف. ألم يكن أنبياء الله ورسلُه في أعلى مقامات التديُّن؟! فهل نسِمُهم بالتطرّف والغلوّ أو نجعلهم سببًا في نشوئه؟! حاشا وكلا ومعاذَ الله، كبُرت كلمةً تخرج من أفواههم. هناك فئامٌ ضلّوا الطريقَ وخرجوا عن المنهَج الوسط، هؤلاء لا يمثِّلون الأمّة وليسوا حجّةً عليها، وعلى هذا فإنّ الاصطيادَ في الماء العكِر من بعض الأقلام وتعميمَ الأحكام على كلّ مؤمنٍ تقيٍّ منكَرٌ من القول وزور. انتقاصُ العلماءِ وتشويهُ شخصيّة المتديِّن والغمز واللمزُ للهيئات الشرعيّة واللِّجان الدائمة ونسبةَ أيِّ سلوكٍ خاطئ إليها ينبِئ عن خلَلٍ في الفِكر وسوء الطويّة.
إنّ هذا العملَ الذي يسخَرُ من الإسلام ويشوّه أهلَه والممتثِلين هديَه أنشأَ أجيالاً تشكر غيرَ المسلمين وتحترمهم، وتهاجِم الإسلامَ وتحتقر أهلَه. الذين يربطون أيَّ سلوكٍ منحرفٍ بالتديّن يقلِبون المفاهيم، ويزوِّرون الحقائق، ويضلّون الأمّةَ ويرتكبون جرمًا في حقّ الإسلام وأهلِه. ونحن أمامَ جِيل جديدٍ يتطلّب الحالُ تقويةَ صلتِه بالدّين واعتزازه بالإسلام، لنضمنَ له قوةً وبقاء، وللمجتمع سلامًا وأمانًا. ومع كل هذا فينبغي أن يُعلم بأن ظاهرة التدين في ديار المسلمين ليست ظاهرة عابرة يمكن وأدها بسياط الترهيب أو التحريف، بل هي ظاهرة متأصلة في ديارنا، متجذّرة في شعوبنا، نعم! ربما تنجح السجون في قهر الشعوب وتحطيم كرامتها، لكنه نجاح هزيل عابر لا يصمد طويلاً أمام قوة الإيمان وصلابة أهل القرآن، ولهذا نذكِّر أولئك الذين أسرفوا على أنفسهم بالبغي والعدوان بقول الحق جل وعلا: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا}
[(75) سورة مريم].
ألا وصلّوا عبادَ الله على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}    
[(56) سورة الأحزاب].
اللهمّ صلِّ وسلّم على عبدِك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين...


التحذير من فساد الإعلام في شهر الصيام


   

التحذير من فساد الإعلام في شهر الصيام
1/9/1425هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: كم تُطوى الليالي والأيام، وتنصرم الشهور والأعوام فمن الناس من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وإذا بلغ الكتاب أجله فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. ومن يعش منكم فإنه يرى حلواً ومرّا، فلا الحلو دائم، ولا المرّ جاثم، وسيرى أفراحاً وأحزاناً، وسيسمع ما يؤنسه وسيسمع ما يزعجه، وهذه سنة الحياة، والليل والنهار متعاقبان، والآلام تكون من بعد زوالها، أحاديث وذكرى ولا يبقى للإنسان إلا ما حمله زاداً للحياة الأخرى، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
أيها المسلمون: لقد أظلكم شهر عظيم مبارك، كنتم قد وَعدتم أنفسكم قبله أعواماً ومواسم، ولعل بعضكم قد سوّف وقصّر، فها هو قد مُدّ له في أجله، وأنسئ له في عمره، فماذا عساه فاعل؟ إن بلوغ رمضان نعمةٌ كبرى يقدرها حق قدرها الصالحون المشمرون. إن واجب الأحياء استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة، إنها إن فاتت كانت حسرةً ما بعدها حسرة، أي خسارة أعظم من أن يَدخل المرء فيمن عناهم المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بحديثه على منبره في مساءلةٍ بينه وبين جبريل الأمين: ((من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له، فدخل النار فأبعده الله قل آمين: فقلت آمين)).
إن بلوغ الشهر أمنية كان يتمناها نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويسألها ربه، حتى كان يقول: ((اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان)).
في استقبال شهر الصوم تجديد لطيف الذكريات، وعهود الطهر والصفاء والعفة والنقاء، إنه شهر الطاعات بأنواعها، صيام وقيام، جود وقرآن، صلوات وإحسان، تهجد وتراويح، أذكار وتسابيح، له في نفوس الصالحين بهجة، وفي قلوب المتعبدين فرحة، وحسبكم في فضائله أن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، رب ساعة قبول أدركت عبداً فبلغ بها درجات الرضى والرضوان. في الصيام تنجلي عند الصائمين القوى الإيمانية، والعزائم التعبدية، يَدَعُون ما يشتهون ويصبرون على ما يشتهون، في الصيام يتجلى في نفوس أهل الإيمان الانقياد لأوامر الله، وهجر الرغائب والمشتهيات، يَدَعُون رغائب حاضرة، لموعد غيب لم يروه إنه قياد للشهوات وليس انقياداً لها.
في نفوسنا -يا عباد الله-، شهوةٌ وهوى، وفي صدورنا دوافع غضبٍ وانتقام، وفي الحياة تقلب في السراء والضراء وفي دروب العمر خطوب ومشاق، ولا يُدَافع ذلك كله، إلا بالصبر والمصابرة ولا يُتَحمّل العناء، إلاّ بصدق المنهج وحسن المراقبة. وما الصوم إلا ترويض للغرائز، وضبط للنوازع، والناجحون عند العقلاء هم الذين يتجاوزن الصعاب، ويتحملون التكاليف ويصبرون في الشدائد. تعظم النفوس ويعلو أصحابها حين تترك كثيراً من اللذائذ، وتنفطم عن كثير من الرغائب، والراحة لا تنال بالراحة، ولا يكون الوصول إلى المعالي إلا على جسور التعب والنصب، ومن طلب عظيماً، خاطر بعظيمته، وسلعة الله غالية، وركوب الصعاب هو السبيل إلى المجد العالي، والنفوس الكبار تتعب في مرادها الأجسام.
فيا أهل الصيام والقيام: اتقوا الله تعالى وأكرموا هذا الوافد العظيم، جاهدوا النفوس بالطاعات، ابذلوا الفضل من أموالكم في البر والصلات، استقبلوه بالتوبة الصادقة والرجوع إلى الله، جددوا العهد مع ربكم وشدّوا العزم على الاستقامة، فكم من مؤمل بلوغه أصبح رهين القبور، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
[(185) سورة البقرة].
ها هو رمضان قد أقبل بنوره وعطره، وجاء بخيره وطهره، جاء ليربي في الناس قوة الإرادة ورباطة الجأش، ويربي فيهم ملكة الصبر، ويعودهم على احتمال الشدائد، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة.
فرمضان مدرسة تربوية يتدرب بها المسلم المؤمن على تقوية الإرادة في الوقوف عند حدود ربه في كل شيء، والتسليم لحكمه في كل شيء، وتنفيذ أوامره وشريعته في كل شيء، وترك ما يضره في دينه أو دنياه أو بدنه من كل شيء، ليضبط جوارحه وأحاسيسه جميعاً عن كل ما لا ينبغي بتدربه الكامل في هذا الشهر المبارك، ليحصل على تقوى الله في كل وقت وحين، وفي أي حال ومكان، وذلك إذا اجتهد على التحفظ في هذه المدرسة الرحمانية بمواصلة الليل مع النهار على ترك كل إثم وقبيح، وضبط جوارحه كلها عما لا يجوز فعله لينجح من هذه المدرسة حقاً، ويخرج ظافراً من جهاده لنفسه، موفراً مواهبه الإنسانية وطاقاته المادية والمعنوية لجهاد أعدائه. فحري بهذا الشهر أن يكون فرصة ذهبية، للوقوف مع النفس ومحاسبتها لتصحيح ما فات، واستدراك ما هو آت، قبل أن تحل الزفرات، وتبدأ الآهات، وتشتد السكرات.
أيها المسلمون: تمر أمتنا حالياً بفترة هي من أشد وأحرج الفترات التي مرت عليها على مدى تاريخها، وكل الأمة مسؤولة عن هذا الواقع، وعليها أن تسارع وتبذل الجهود للتغيير ولإعادة الأمة إلى عزها ووضعها الطبيعي الذي يفترض أن تعيشه بين الأمم. أمة قائدة لا تابعة، عزيزة لا ذليلة، تحمي أبناءها وتحفظهم بإذن الله من كيد الأعداء وتنكيلهم.
وإن أهم جانب تقوم به الأمة لتُصلِح أوضاعها هو انطلاقتها القوية في العودة الصادقة إلى الله وتوبتها من أي ذنب وأي أمر لا يرضاه، وبذلها الجهود للواجب الكبير، واجب الدعوة أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وتبصيراً وهدايةً للغير ممن غفل عن الحق والهدى، وهذا هو الطريق الذي سيوصل الأمة إلى العزة والقوة والجهاد والنصر فيه بإذن الله، قال الله تعالى: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ}
[(7) سورة محمد] وقال سبحانه: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [(11) سورة الرعد].
وهنا يأتي دوري ودورك أخي المسلم في أن نبدأ هذا المسير ونبدأ هذه الانطلاقة
وشهر رمضان العظيم وفريضة الصيام، الركن الثاني من الدين حكمتها الأساس تحقيق التوبة والتقوى والابتعاد عما لا يرضي الله والمسارعة إلى ما يحبه ويأمر به كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
[(183) سورة البقرة].
أخي المسلـم: إن نياح الثكالى، وبكاء اليتامى، وآلام الجرحى، وصرخات المعذبين، وحسرات المشردين، ومعاناة المأسورين، كلها تدعوك لهذا التغيير وهذه الانطلاقة.

جراحُ المسلمينَ أسىً كئيبُ *** فما لكَ لا تُحسُّ ولا تُنيبُ!
وما لكَ لا تبالي بالمخازي *** تجلِّلهم !! فما هذا الغروبُ؟!
لياليهم مآس ٍ في مآسي *** فلا فجرٌ بعيدٌ أو قريبُ 
وقد أضحى ثراهم دونَ حامٍ *** وبينَ بيوتهمْ شبَّ اللهيبُ
تلفُّهمُ الهمومُ بكلِّ حدبٍ *** ولولا الصبرُ ما كانت تطيبُ
كأنَّ مصائب الدنيا جبالٌ *** رستْ فوقَ القلوب ِفلا تغيبُ
يكادُ الصخرُ منْ حَزَن ٍعليهمْ *** يذوبُ وأنتَ قلبكَ لا يذوبُ
أتغفو؟؟ ما خُلقتَ لمثل ِهذا *** وقلبكَ لم يؤججهُ الوجيبُ
أأنتَ وريثُ منْ أحيوا بعلمٍ *** عقولَ الناس ِفكراً لو تجيبُ
فليتكَ والهمومُ مخيماتٌ *** إلى الإيمان والتقوى تؤوبُ
ولو لمْ تكنْ منّا لهانتْ *** مصيبتنا بمثلكَ يا حبيبُ
فإن لمْ تستجبْ منْ بعدِ هذا *** فلستُ أخالُ أنكَ تستجيبُ
 

أيها المسلمون: وفي وسط هذه الأزمات، ومع شدة البلاء بالأمة، ومع بداية موسم الخيرات، لا تزال وسائل الإعلام مع كل أسف تزيد الجرح إيغاراً، والمعاناة أسىً، لا يراعون حرمة الشهر، ولا يستحون من الخالق، يزيد نشرهم للفاحشة بين الذين أمنوا في شهر رمضان. فاحذروا -يا عباد الله- ما أعدّه لكم أهلُ الانحلال، ودعاة الفساد والضلال، من برامج مضلة، ومشاهد مخِلّة قومٌ مستولِغون لا يبالون ذَمّا، ولا يخافون لوماً، وآمنون لا يعاقَبون يوماً، ومجرمون لا يراعون فطراً ولا صوماً، عدواناً وظلماً، جرَّعوا الشباب مسموم الشراب، وما زادهم غير تتبيب، فتهييجٍ وتشبيب، وتدمير وتخريب.
إن أمتنا -إلا من عصم الله- تعيش اليوم مع القنوات الفضائية في محنةٍ لم تُكْره عليها بل رغبت فيها، واستشرفت لها، وفتحت ذراعيها وتشبثت بأذيالها؛ لأن بعض المسلمين في حالة رغبة فيما يفسد دينهم ويخرب دنياهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. فما أشبه حال المنجذبين نحو هذه القنوات، والقابعين باستمرار لمتابعة الأطباق الفضائية، ما أشبه حال هؤلاء بحال الفَراش الذي يتساقط في النار لجهله واعتقاده النفع في النار المهلكة. لكن: هل الناس اليوم في غفلة عما يعرض في هذه القنوات؟ وهل يجهلون ما يبث لهم ليلاً ونهاراً عبر البث المباشر؟ ألم يشاهدوا الآثار التي طفحت على المجتمعات، وانعكست على شبابنا وفتياتنا؟!. كلا إنهم على علم، وربما سمعوا القصص المخجلة، وذاقوا هم بأنفسهم الآثار المدمرة لهذه القنوات ولوسائل الإعلام، لكنهم مبهورون، أسكرتهم الرغبة، وأعمتهم الشهوة، فلم يحركوا ساكناً!.
لقد استولت هذه القنوات على زمام التربية والتوجيه حسبما خطط لها وما يبث فيها، وهجم على الناس ليهدد الثروات، ويقتل الساعات، ويعرض المحرمات وأطلت فتنة البث المباشر لتضييع أوقاتنا، وتعبيدنا لغير ربنا، واستذلالنا لننضم إلى القطيع الهائم الذي تردى في هاوية الرذيلة، وغرق في مستنقع الشهوات. لقد صدرت عشرات الدراسات العلمية الجادة التي تكشف مخاطر التلفاز وآثار البث المباشر الخطيرة، وقليلة هي الدراسات التي تتناول المشكلة من منظور شرعي، على أساس الحلال والحرام، والولاء والبراء، والصلاح والفساد.
أيها المسلمون: إن أثر القنوات الفضائية يكاد يكون من أخطر أنواع التلوث الأخلاقي، وأعمقها في نفوس البشر خصوصاً الشباب والأطفال.
إن الإسلام دين الستر، ندبنا إلى ستر العورات الحسية والمعنوية على المستوى الفردي والجماعي، وحرم الإسلام إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
[(19) سورة النــور] وأحاط الخلوة بين الزوجين بالسرية والاحتشام والستر، فجاء هاتك الأسرار ليمزق الحجب ويقتحم الأعين البريئة فيغتال براءتها، ويفسد فطرتها، فيتولى الإلحاح في عرض صور النساء في أبهى زينة وأكمل فتنة. وبينما يحرم الإسلام هتك أسرار الزوجية المغيَّبة، إذا بهاتك الأستار يحول الغيب شهادة، والخبر معاينة، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن من أشر الناس عند الله منـزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه ثم ينشر سرها)). إن من أسوأ آثار الفضائيات وأضرار توابعه هو خدش الحياء وتحطيم القيم، ونشر الرذيلة، وقتل الغيرة على حرمات الله التي هي مادة حياة القلب. ولا ريب أن توالي هذه المشاهد المسموعة وتكرارها يجعلها مع الوقت شيئاً عادياً، فيروِّض المشاهِد على غض الطرف عن الفضائل وقبول الخيانة الزوجية، إلى غير ذلك من الأحوال، وهكذا تتعود القلوب رؤية مناظر احتساء الخمور والتدخين، وإتيان الفواحش، والتبرج والاختلاط، وتألف النفوس هذه الأحوال ويكون التطبيع مع المعاصي والكبائر والدياثة؟.
فيا أولياء أمور البنين والبنات: لا أظن بأن خطر القنوات الفضائية لم يعد واضحاً لكل عاقل، فإني أخاطب الإيمان الذي في قلوبكم، وأخاطب الإسلام الذي تعتنقون، ونحن في شهر رمضان، وأنتم أعلم مني بأن ما يعرض في بيوتكم عبر هذه الدشوش أنه يخالف إسلامكم الذي تعتنقون، ويضاد إيمانكم الذي تحملون، أما وصل بك الجرأة أيها الأب أن تصارح أهل بيتك بأن هذا الذي أدخلناه كان خطأً ولا عيب أن يخطأ الرجل ثم يصحح ويتراجع، أم أنك ضعيف إلى هذا الحد أمام أهل بيتك ولا تستطيع المواجهة وأنت رجل.
فاتقوا الله أيها المسلمون: نصيحة مشفقٍ عليكم أقولها لكم، أنجو بأنفسكم من النار، أنجو بأنفسكم من النار، ولعل شهر رمضان فرصة للتوبة والرجوع إلى الله وتصحيح الماضي.
نفعني الله وإياكم بهي كتابه …

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: أيها المسلمون: لقد أطل علينا هذا الشهر بظلاله ونواله، وجماله وجلاله، زائرٌ زاهر، وشهر عاطر، فضله ظاهر، بالخيرات زاخر، أرفع من أن يُحدَّ حسنُ ذاته، وأبدع من أن تُعدَّ نفحاتُه، وتحصى خيراته، وتستقصى ثمراته، فلا ترى إلا عابداً يركع، وقارئاً يرتّل ويخشع، يرقُّ قلبه ويدمع، بآيات تجلو الصدى، وتذهب الظما، فاحمدوا الله أن بلَّغكم، واشكروه على أن أخَّركم إليه ومكَّنكم، فكم من طامع بلوغَ هذا الشهر فما بلغه، كم مؤمِّل إدراكَه فما أدركه، فاجأه الموت فأهلكه.
أيها المسلمون: بلغناه وكم حبيب لنا فقدناه، أدركناه وكم قريب لنا واريناه، صُمناه وكم عزيز علينا دفناه. رحيلُ من رحل عنا نذيرٌ لنا، وهذا الموت منا قد دنا، والرحيل قرب ولا زاد عندنا، فالتوبة التوبة قبل أن لا توبة تُنال، ولا عثرة تُقال، ولا يُفدى أحد بمال، فحُثوا حزم جزمكم، وأروا الله خيراً من أنفسكم، فبالجد فاز من فاز، وبالعزم جاز من جاز، واعلموا أن من دام كسله خاب أمله، وتحقَّق فشله، تقول عائشة -رضي الله عنها-: ((كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره)).
[أخرجه مسلم].
يا عبد الله: هذا أوان الجد إن كنت مجداً، هذا زمان التعبّد إن كنت مستعداً، هذا نسيم القبول هبّ، هذا سيل الخير صبّ، هذا الشيطان كبّ، هذا باب الخير مفتوح لمن أحب، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا جاء رمضان فتِّحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين))
[متفق عليه]. وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كانت أول ليلة من رمضان صفّدت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة)) [أخرجه ابن ماجة].
يا عبد الله: هذا زمان الإياب، هذا مغتسلٌ بارد وشراب، رحمة من الكريم الوهاب، فأسرعوا بالمتاب، فقد قرب الاغتراب، في دار الأجداث والتراب.
يا من ألِف الذنوب وأجرمَا، يا من غدا على زلاته متندمَا، تُب فدونك المنى والمغنمَا، والله يحب أن يجود ويرحمَا، وينيل التائبين فضلَه تكرماً، فطوبى لمن غسل في هذا الشهر درن الذنوب بتوبة، ورجع عن خطاياه قبل فوْت الأوبة.
يا أسير المعاصي، يا سجين المخازي، هذا شهرٌ يُفَكّ فيه العاني، ويعتق فيه الجاني، ويتجاوَز عن العاصي، فبادر الفرصة، وحاذر الفوتة، ولا تكن ممن أبى، وخرج رمضان ولم ينل فيه الغفران والمنى.
أيها الصائمون: إن أولى ما قُضِيت فيه الأوقات وصُرفت فيه الساعات مدارسة الآيات وتدبّر البينات والعظات، ((وقد كان جبريل -عليه السلام- يلقى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن)).
[متفق عليه].
هذا شهر الإنفاق، والبذل والإشفاق، تذكروا الأكباد الجائعة، أهلَ الخصاصة الذين أصابتهم البوائق والقوارع، ممن يعانون عُدما، ويعالجون سقما، أعينوهم وأغنوهم، وأطعموا القانع والمعتر، وأغيثوا الجائع والمضطر، وأنفقوا ولا تحصوا فيحصي الله عليكم.
أيها المسلمون: إن رمضان نفحة إلهية، وعطية ربانية، يستطيع المرء أن يجدد حياته ويبعث فيها الأمل، ومن الوسائل التي تجدد الحياة في رمضان:
أولاً: وقت السحر: وهو الوقت المبارك الذي يضيعه أغلب الناس في أغلب العام فيأتي رمضان لينبههم عليه فيوقظهم ليتقووا من خلال الطعام ولكن كثيراً من الناس يقضون هذا الوقت في الطعام وينسون الحديث الشريف: ((إن الله ينـزل في الثلث الأخير من كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: ألا هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر)).
ثانياً: صلاة الفجر في المسجد وهي كذلك يضيعها الناس في سائر أوقات السنة فيأتي رمضان ليوقظ في أنفسهم أن هناك صلاة مشهودة في المسجد قال الله عنها: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}
[(78) سورة الإسراء].
ثالثاً: الدعاء والإكثار منه ولا سيما في هذا الشهر المبارك حيث إن دعاء الصائم مستجاب كما ورد في الحديث الشريف: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم – وذكر منهم - الصائم حتى يفطر)) وفي رواية: ((والصائم حين يفطر)). فاستكثروا من الدعوات الطيبات في شهر النفحات، لكم ولأنفسكم ولأهليكم وذويكم، وارفعوا أكفَّ الضراعة، وتوسَّلوا إلى الله بألوان الطاعة، أن ينصر إخوانكم المستضعفين والمشرَّدين والمنكوبين والمأسورين والمضطهدين في كل مكان، فالأمة تمرّ بأقسى ظروفها، وأقسى أزمانها، المؤامرات تُحاك، والمكائد تدبَّر، ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، ولا نتوكل إلا عليه، وهو المستعان على كل فادحة، والمستغاث عند كل فاجعة، فألحّوا على الله بالدعاء وارفعوا إليه الشكوى والنداء، واحذروا الموانع، وابتعدوا عن القواطع، وتسلَّحوا بسلاح الإيمان واليقين، واعلموا أن ذلك ابتلاء من الله وامتحان، لتنهض الأمة من سباتها وتفيق، وتعرف العدو من الصديق، وترجع إلى دينها بالتحقيق والتطبيق.
رابعاً: قراء القرآن والتفكر والتدبر فهذا الشهر هو شهر القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}
[(185) سورة البقرة] ويستحب للمسلم أن يختم المصحف ولو مرة واحدة مع مراعات التفكر والتدبر.

اللهم تقبل صيامنا …
اللهم اهدنا فيمن هديت …
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات …


ألا إن نصر الله قريب




  
   

ألا إن نصر الله قريب
14/8/1421هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله..
أما بعد أيها المسلمون: إن المخلص من هذه الأمة وهو يتأمل في حالها اليوم وما وصلت إليه من القهر والذل قد يتبادر إلى ذهنه هذا السؤال: هل يمكن أن تقوم للمسلمين قائمة، ويرجع المسلمون إلى عزهم ومكانتهم، بل وإلى قيادة البشرية كما كان أسلافهم؟ هل يمكن أن ترجع الأمة إلى سالف عزها بعد أن تكالب عليها أعدائها من كل جانب، وقاموا بضربها بيد واحدة؟ هل ستفيق هذه الأمة من نومها خصوصاً بعد أن قام أناس من أبنائها بمحاربة دينها، وأصبحوا هم الذين يطاردون الصلاح فى كل ناحية من نواحيها؟ فليس الغريب أن يحصل ذلك من الكفار أو من اليهود أو من النصارى، فهذا أمر طبيعي، لكن الغريب والمؤلم أن يحارب الإسلام أهل الإسلام، المؤلم أن يفتك أناس من هذه الأمة، بها أكثر وأشد من فتك اليهود والنصارى. فهل بعد هذا كله، وفى ظل الظروف الحالية التى تمر بها أمتنا، يمكن أن تعود الأمة وتقوم من سباتها وتنفض غبار النوم عنها؟ وهل سيأتى نصر الله -عز وجل-، بعد الوصول إلى هذه الحالة؟ إن هذا سؤال قد يرد على أذهان البعض وهو سؤال ليس بغريب، بل وفى محله ووقته، لذا فإنى رأيت أنه من المناسب أن أخصص هذه الخطبة فى الإجابة على هذا السؤال. فأقول -وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى-. لا شك أن كل مسلم يتطلع دائما إلى نصر الله -عز وجل- لأوليائه المؤمنين، وكيف لا يتطلع وهو يقرأ فى كتاب ربه: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}
[(214) سورة البقرة] كيف لا وهو يقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [(7) سورة محمد] فنصر الله -عز وجل- لهذه الأمة قريب كما قال ربنا، فكل لحظة من حياتنا، وكل ذرة من ترابنا، وكل شئ فى حياتنا تؤكد معنى هذه الآية. {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}.
أيها المسلمون: لا بد أن نعلم بل نعتقد بأن الحق والعدل أساس فى هذا الكون، وأصل فى بناء السماوات والأرض، والدنيا بدأت بالحق وستنتهى بالحق، ويوم القيامة يتجلى الحق فى أعلى وأجل صورة. ومن هذا الحق، أن تعود لأمة الإسلام قيادتها للبشرية، ومن الحق أن يعود حكم الإسلام فى الأرض كلها، ومن الحق والعدل، أن تزول هذه الغشاوة، وتنقشع هذه الغمة، وتعود هذه الأمة إلى وضعها الطبيعى، ويتحقق قول الله -عز وجل-: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}.
أيها المسلمون: لا يغركم انتعاش الكفر وتسلطه على الدنيا في هذه الفترة، فإن الله -جل جلاله- يقول: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}
[(196-197) سورة آل عمران] فإن الكفر والباطل وإن تسلط، فإن تسلطه محدود بقدر من الله، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستمر هذا التسلط وهذه الغلبة فإن لكل شئ نهاية، ولنفرض أن الكفار استطاعوا أن تكون لهم الغلبة مدة الحياة الدنيا كلها، مع أن هذا الافتراض ليس بصحيح، ولكن لنفترض ذلك، أليس نحن المسلمين نعتقد ونؤمن، بأن الله وعدنا بالآخرة ووعدنا بالجنة ووعدنا بالحياة الأبدية الباقية، فما قيمة الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها مقارنة بالآخرة لا شئ. {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [(38) سورة التوبة] فليأخذوا هم الدنيا بأسرها، ولتكن لنا الآخرة. وكما قلت فإن هذا الافتراض ليس بصحيح؛ لأنها حتى فى المدة الزمنية في هذه الدنيا فإن حكم المسلمين وتمكنهم أطول وأكثر من تسلط الكفار وتمكنهم.
إذن لابد أن لا نغفل الآخرة حين نقارن، فإغفال الآخرة، يخل بالمقاييس وتضطرب الأمور. يقول -عليه الصلاة والسلام-: ((ما الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع)).
أيها المسلمون: لماذا قص الله علينا في كتابه قصة أصحاب الأخدود بهذه الطريقة لمن تأملها وبتلكم النهاية التي انتهت إليه؟ إنه حادث مؤلم جداً، أن تحفر حفراً في الأرض ثم تؤجج فيها النار ويلقى فيها أبرياء لا ذنب لهم سوى الإيمان، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. إنه حادث بشع، ولحكمة لم تذكر الروايات التي وردت في هذا الحادث كما لا تذكر النصوص القرآنية أن الله قد انتقم منهم بسبب جريمتهم البشعة، كما أخذ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط، أو كما أخذ فرعون وجنوده أخذ عزيز مقتدر. وعند المقارنة المادية وإغفال عالم الآخرة يكون هؤلاء المجرمون هم المنصورون، وأولئك المؤمنون هم الخاسرون. لكنّ الله -عز وجل- يخبرنا بهذه الحادثة في كتابه وبهذه النهاية ليعلمنا شيئاً آخر وليكشف لنا عن حقيقة أخرى قد نغفل عنها وهو أن الحياة الدنيا وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام، ومن متاع وحرمان، ليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة. إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان، وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة، ولم تعد مجال المعركة هو الأرض وحدها وليس هو الحياة الدنيا وحدها وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال، بل إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
[(8-9) سورة البروج] وهكذا اتصلت حياة المؤمنين في الأرض بالحياة الباقية الخالدة في الملأ الأعلى، واتصلت الدنيا بالآخرة، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر، والحق والباطل، والإيمان والطغيان، ولم تعد الدنيا هي خاتمة المطاف، ولا موعد الفصل في هذا الصراع. لقد انفسح المجال في المكان، وانفسح المجال في الزمان وانفسح المجال في القيم والموازين، واتسعت آفاق النفس المؤمنة، وكبرت اهتماماتها، فصغرت الأرض وما عليها، والحياة الدنيا وما يتعلق بها، وكبر المؤمن بمقدار ما معه من إيمان غيبي، وما عرف من الآفاق وما يتعلق بالحياة الآخرة. {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [(10-12) سورة البروج].
أيها المسلمون: قد يقول لنا الكفار، أنتم تتسلون بهذا الكلام، وتسلون أنفسكم بعدما رأيتم بأننا هيمنا على الشرق والغرب، وقبضنا زمام هذه الدنيا وصار كل شئ تحت تصرفنا. أصبحتم تقولون: بأنكم تنتظرون الجنة، وأن الآخرة أفضل من الدنيا، وأن الدنيا لا تقاس بالآخرة، وأن نعيم الكفار فى الدنيا، ونعيم المؤمنين في الآخرة، فأنتم تسلون أنفسكم بهذا الكلام، لأنكم عاجزون أن تصلوا إلى ما وصلنا إليه. فيقال رداً على هذه الشبهة: وإن كنّا نتسلى بهذا الكلام، لكنه حساب منطقي جيد، حتى فى نظر غير المؤمنين، حتى فى نظركم أنتم أيها الكفار. ألم تر أن الكفار هم أنفسهم يرضون أحياناً بذل مؤقت طمعاً فى نصر كبير، نعم الكفار أنفسهم يرضون بذل مؤقت طمعاً فى نصر كبير، خصوصاً إذا توقعوا أن بعد هذا الذل فوز أكبر منه. فلماذا تعيبون علينا -نحن المسلمين- إذا وقعنا تحت قهر وذل خارج عن إرادتنا، ونحن موعودون بنعيم وفوز أعظم وأكبر من الدنيا كلها. ولأضرب لكم مثالاً يوضح هذه القضية، وليكن المثال فى الكفار أنفسُهم، ولنختر اليهود بالذات لأنهم حديث الساعة هذه الأيام وكل الأيام، ولنرجع قليلاً إلى الوراء إلى أيام أزمة الخليج. لماذا لم ينتقم اليهود من الصواريخ التي أرسلها النظام العراقي والتى أصابت بعض الواقع في تلك الأزمة وحققت بعض الخسائر عند اليهود، خسائر في الأوراح فضلاً عن الخسائر المادية؟ لماذا رضي اليهود بذلك الذلّ المؤقت ولم ينتقم من العراق، هل عجزاً؟ الجواب: لا. هل خوفاً؟ الجواب لا. لكنهم رضوا بذلك الذل المؤقت طمعاً فى تحقيق نصر أكبر. ولعل الأحداث بعد ذلك كشفت عن المكاسب اليهودية من ذلك السكوت ومن ذلك الذلّ المؤقت. ماذا كان يحصل لو أن إسرائيل ردت على العراق فى تلك الفترة الصاع صاعين لا نريد أن ندخل فى علم الغيب والعلم عن الله -عز وجل-، لكني أطرح سؤالاً هل مشروع السلام كان سيتم وبعد إنتهاء أزمة الخليج بعجرها وبجرها بهذه السرعة وبهذه الموافقة الجماعية من دول الجوار لو أن حرباً جديدةً قامت بين العراق وإسرائيل؟ أدع الجواب لكم.
أيها الأحبة في الله: إذا كان هذا فى المقاييس المادية، فما بالكم بالمقاييس الأخروية فإن التضحية من أجلها والصبر لها أجل وأوضح. هذا جانب واحد، وهو قياس الدنيا بالآخرة.
جانب آخر: النظرة إلى الدنيا لوحدها، حتى لو نظرنا إلى الدنيا لوحدها وأغفلنا جانب الآخرة على فرَض، فإننا نجد أن دين الله -عز وجل- كان هو الغالب وكان هو المسيطر مدة أطول، مقارنة بتسلط الكفار. هل تعلم أن بعد آدم -عليه السلام- بقى الناس كلهم على التوحيد عشرة قرون، كما قال ابن عباس في قول الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال ابن عباس: كان الناس بعد آدم -عليه السلام- عشرة قرون كلهم على التوحيد. فكيف تقارن 50 أو 100 سنة سيطرت فيها حضارات زائفة مادية منحرفة، وتنسى عشرة قرون كان المسيطر هو دين الله وشرع الله والتوحيد. كذلك أيضاً: بعد بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- كم مكثت هذه الأمة المحمدية ظافرة منتصرة منصورة، بقيت هذه الأمة أكثر من إثني عشر قرناً، ظافرةً منتصرة منصورة، بيدها تدبير كثير من أمور حتى الأمم الكافرة، وهذه هى التى طالما تغنى بها كثيراً من الشعراء:

ملكنا هذه الدنيا قرونا *** وأخضعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياء ***  فما نسى الزمان ولا نسينا
حملناها سيوفا لامعات *** غداتُ الروع تأبى أن تلينا
إذا خرجت من الأغماد يوماً *** رأيت الهول والفتح المبينا
وكنا حين يأخذنا وليٌ *** بطغيان ندوس له الجبينا
وكنا حين يرمينا أناس *** نؤدبهم أباةً قادرينا
وما فتأ الزمان يدور حتى *** مضى بالمجد قوم آخرونا
وأصبح لا يرى فى الركب قومي *** وقد عاشوا أئمته سنينا

 

إذن أكثر من 1200 سنة والأمة الإسلامية، أمة عظيمة يرهبها الشرق والغرب ولعله يكفى مثالاً قصة هارون الرشيد، عندما قال وهو يخاطب سحابة في السماء: "أمطري حيث شئت فسيجئ إليّ خراجك".
هذا ما كان فى الماضي، أما المستقبل، أما عن مستقبل هذه الأمة، فبعض ما أخبرنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المعركة الظافرة الفاصلة مع اليهود على نهر الأردن كما حدد النبى -صلى الله عليه وسلم-، أنتم شرقية وهم غربيه، حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله ومن دلائل نصر هذه الأمة فى آخر الزمان أيضاً: نزول عيسى -عليه السلام- على المنارة البيضاء شرقى دمشق، وتجمع المسلمين عليه. ومن دلائل النصر أيضاً: قيادة المهدي لهذه الأمة فى آخر الزمان كما ورد فى عدد من الأحاديث الصحيحة. وأيضاً من دلائل النصر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أمتى كالغيث لا يدرى خير أوله أو آخره)) فأوله خير وحق وعدل، وآخره خير وحق وعدل. أوله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وآخره عيسى ابن مريم والمهدي الذى يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، إذن لا يجوز أن نقارن لحظة معينة من عمر التاريخ، وننسى الماضى كله والمستقبل كله، فهذه أمة منصورة بإذن الله -عز وجل-، وتسلط الكفار فى هذا الوقت، بقدر من الله، ولحكمة من الله، هو تسلط مؤقت، ودين الله غالب وتحقق ما وعدنا به رسولنا -صلى الله عليه وسلم- لا شك فيها عندنا وهو جزء من عقيدتنا. ولا بد أن يتحقق قول الله -عز وجل-: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}
[(214) سورة البقرة].
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
بارك الله..

الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أما بعد: عباد الله: ومن المسلمات عندنا أيضاً إضافة إلى ما تقدم، أن هذه الأمة فيها خير كثير، وهذه الأمة منصورة -بإذن الله تعالى-، فقط تحتاج إلى من ينفض عنها الغبار، والذى يريد أن يواجه الإسلام ويحارب الإسلام هذا مسكين، مثله كمثل الصبى الذى يريد أن يوقف السيل بيده، أو كالذى يريد أن يحجب أشعة الشمس بيده الضعيفة.
أيها المسلمون: ربما يقتل أناس من هذه الأمة وهذا صحيح. وربما تباد جماعات ومجتمعات، وهذا أيضاً صحيح. وربما تسقط دول وتذهب أسماء وشعارات أيضاً هذا صحيح، لكن الإسلام باق، والله متم نوره ولو كره الكافرون. كيف لا وقد قال الحق سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}
[(33) سورة التوبة].
أيها المسلمون: إن هذا الدين، هو سر هذه الأمة وروح هذه الأمة، وسر بقاءها ووجودها، إن هذه الأمة للإسلام، هذه الأمة وجدت للإسلام مهما غضب الغاضبون، وخطط المخططون، وزمجر المزمجرون، وأزبد الزابدون، فالذى يريد أن يقضي على الإسلام، فليقضي على هذه الأمة، وهل يستطيع أحد أن يقضي على هذه الأمة؟ هيهات ثم هيهات. نقول بأن هذا محال، لماذا؟ لأن هذه الأمة موعودة بالبقاء، ليس بالبقاء فقط بل بالنصر والتمكين. ولا يزال الله يغرس لهذا الدين غرساً يستعملهم فى طاعته. ولا يزال المولى -جل وعز- يخرج لهذه الأمة في كل مرحلة من تاريخها وفي كل فترة من فتراتها علماء ودعاة وقادة يستعملهم لخدمة هذا الدين. ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله،كم دفن الناس من طاغية، كم دفن الناس من محارب لله ولرسوله.كم دفن الناس من زنديق، كم دفن الناس من كافر، كم دفن الناس من ملحد. كم دفن الناس من علماني منافق. فرعون مضى، هولاكو مضى، جنكير خان مضى، وقروناً بين ذلك كثيراً، حتى رموز الكفر والضلال، فى هذا الزمان سوف يأتى يوم ويدفُنهم أصحابهم. فقط، صبر جميل، واستعانة بالله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أيها المسلمون: أن هذا الدين هو كلمة الله -عز وجل- ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء}
[(24) سورة إبراهيم] ولا إله إلا الله هي كلمة الإسلام ومن ذا الذى يستطيع أن يطفىء وهج ونور هذه الكلمة.

 

أتطفئ نور الله نفخة كافر *** تعال الذى بالكبرياء تفردا
إذا جلجلت الله أكبر فى الوغى *** تخاذلت الأصوات عن ذلك الندا
ومن خاصم الرحمن خابت جهوده *** وضاعت مساعيه وأتعابه سدى

 

أيها المسلمون: قد يضعف المسلمون فترة من الزمن، وقد يضطهدون، لكن النهاية لهم بإذن الله -عز وجل-. وهناك أمثلة من الواقع. اليهود مثلاً، ألم يعيشوا فترة طويلة من الزمن فى ذل وضعف واضطهاد، والآن، أعطوا بعض التمكين المؤقت، واستطاعوا أن يقيموا لأنفسهم دولة أصبحت كالشوكة في المنطقة. الرافضة، ألم يعيشوا فترة طويلة من الزمن وهم أقليات مضطهدة لا قيمة لهم. والآن قامت لهم دول تحميهم وتدافع عنهم. فلنثق يا عباد الله بوعد الله، ولنثق بوعد رسول الله، وهذا لا يعني أن يجلس المسلم ويضع يده على خده، ينتظر نزول عيسى بن مريم أو خروج المهدي، أبداً هذا ليس بصحيح ولا يقول ذلك عاقل، لكن المسلم بل المسلم يعمل ومتى نزل عيسى أو خرج المهدي،فكلنا جند من جنودهم.
اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد..
اللهم ولي علينا خيارنا ولا تول علينا شرارنا.
 


أصحاب الأخدود




  
   

أصحاب الأخدود
24/8/1425هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ، وَٱلْيوْمِ ٱلْمَوْعودِ، وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلاْخْدُودِ، ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}
[(1-7) سورة البروج].
إن هذه الآيات تحملُ قصةَ أصحابِ الأخدود، هؤلاء الذين فتنوا في دينهم، هؤلاء الذين أحرقوا في خنادقِ النارِ مع نسائهم وأطفالِهم، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. وكان نكالاً دنيوياً بالغَ القسوة وجريمةً نكراء عندما يقادُ أولئك المؤمنون الأطهار إلى خنادقَ وحفر أضرمت فيها النار، هم ونساؤهم وأطفالهم ليلقوا فيها لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله -جل وعلا-، حتى تأتي المرأةُ معها طفلُها الرضيعُ تحملُه، حتى إذا أوقفت على شفيرِ الحفرةِ والنارُ تضطرمُ فيها ترددت، لا خوفاً من النار ولكن رحمةً بالطفل، فيُنطقُ اللهُ الطفلَ الرضيع ليقولَ لها مؤيداً مثبتاً مصبراً: يا أماه اصبري فإنك على الحق. فتلقي المرأةُ الضعيفةُ بنفسها وهي تحمل طفلها الرضيع في تلكم النار.
إنه مشهدُ مروع وجريمةُ عظيمةٌ يقصُ القرآنُ خبرها ويخبر بشأنها، فإذا هي قصة مليئة بالدروس، مشحونة بالعبر، فهل من مدكر؟.
لقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة أصحاب الأخدود لأصحابه كاملة واضحة ورواها الإمام مسلم في صحيحه: فَعَنْ صُهَيْبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قَالَ: ((كَانَ مَلِكٌ فيِمَنْ كَانَ قبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِك: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابعَثْ إِلَيَّ غُلاَماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَماً يعَلِّمُهُ، وَكَانَ في طَريقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمهُ فأَعْجَبهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِب وَقَعَدَ إِلَيْه، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فقال: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِر فَقُلْ: حبَسَنِي أَهْلي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحرُ. فَبيْنَمَا هُو عَلَى ذَلِكَ إذْ أتَى عَلَى دابَّةٍ عظِيمَة قدْ حَبَسَت النَّاس فقال: اليوْمَ أعْلَمُ السَّاحِرُ أفْضَل أم الرَّاهبُ أفْضلَ؟ فأخَذَ حجَراً فقالَ: اللهُمَّ إنْ كان أمْرُ الرَّاهب أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقتُلْ هَذِهِ الدَّابَّة حتَّى يمْضِيَ النَّاسُ، فرَماها فقتَلَها ومَضى النَّاسُ، فأتَى الرَّاهب فأخبَرهُ. فقال لهُ الرَّاهبُ: أي بُنيَّ أَنْتَ اليوْمَ أفْضلُ منِّي، قدْ بلَغَ مِنْ أمْركَ مَا أَرَى، وإِنَّكَ ستُبْتَلَى، فإنِ ابْتُليتَ فَلاَ تدُلَّ عليَّ، وكانَ الغُلامُ يبْرئُ الأكْمةَ والأبرصَ، ويدَاوي النَّاس مِنْ سائِرِ الأدوَاءِ. فَسَمعَ جلِيسٌ للملِكِ كانَ قدْ عمِي، فأتَاهُ بهداياَ كثيرَةٍ فقال: ما هاهنا لك أجْمَعُ إنْ أنْتَ شفَيْتني، فقال إنِّي لا أشفِي أحَداً، إِنَّمَا يشْفِي الله تعَالى، فإنْ آمنْتَ بِاللَّهِ تعَالَى دعوْتُ الله فشَفاكَ، فآمَنَ باللَّه تعَالى فشفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فأتَى المَلِكَ فجَلَس إليْهِ كما كانَ يجْلِسُ فقالَ لَهُ المَلكُ: منْ ردَّ علَيْك بصَرك؟ قال: ربِّي. قَالَ: ولكَ ربٌّ غيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وربُّكَ الله، فأَخَذَهُ فلَمْ يزلْ يُعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الغُلاَمِ فجئَ بِالغُلاَمِ، فقال لهُ المَلكُ: أي بُنَيَّ قدْ بَلَغَ منْ سِحْرِك مَا تبْرئُ الأكمَهَ والأبرَصَ وتَفْعلُ وَتفْعَلُ فقالَ: إِنَّي لا أشْفي أَحَداً، إنَّما يشْفي الله تَعَالَى، فأخَذَهُ فَلَمْ يزَلْ يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الرَّاهبِ، فجِئ بالرَّاهِبِ فقيل لَهُ: ارجَعْ عنْ دِينكَ، فأبَى، فدَعا بالمنْشَار فوُضِع المنْشَارُ في مفْرقِ رأْسِهِ، فشقَّهُ حتَّى وقَعَ شقَّاهُ، ثُمَّ جِئ بجَلِيسِ المَلكِ فقِلَ لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ فأبَى، فوُضِعَ المنْشَارُ في مفْرِقِ رَأسِهِ، فشقَّهُ به حتَّى وقَع شقَّاهُ، ثُمَّ جئ بالغُلامِ فقِيل لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ، فأبَى، فدَفعَهُ إِلَى نَفَرٍ منْ أصْحابِهِ فقال: اذهبُوا بِهِ إِلَى جبَلِ كَذَا وكذَا فاصعدُوا بِهِ الجبلَ، فـإذَا بلغتُمْ ذروتهُ فإنْ رجعَ عنْ دينِهِ وإِلاَّ فاطرَحوهُ فذهبُوا به فصعدُوا بهِ الجَبَل فقال: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شئْت، فرجَف بِهمُ الجَبَلُ فسَقطُوا، وجَاءَ يمْشي إِلَى المَلِكِ، فقالَ لَهُ المَلكُ: ما فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فقالَ: كفانيهِمُ الله تعالَى، فدفعَهُ إِلَى نَفَرَ منْ أصْحَابِهِ فقال: اذهبُوا بِهِ فاحملُوه في قُرقُور وَتَوسَّطُوا بِهِ البحْرَ، فإنْ رَجَعَ عنْ دينِهِ وإلاَّ فَاقْذفُوهُ، فذَهبُوا بِهِ فقال: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شِئْت، فانكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفينةُ فغرِقوا، وجَاءَ يمْشِي إِلَى المَلِك. فقالَ لَهُ الملِكُ: ما فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فقال: كفانِيهمُ الله تعالَى. فقالَ للمَلِكِ إنَّك لسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تفْعلَ ما آمُركَ بِهِ. قال: ما هُوَ؟ قال: تجْمَعُ النَّاس في صَعيدٍ واحدٍ، وتصلُبُني عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ خُذ سهْماً مِنْ كنَانتِي، ثُمَّ ضعِ السَّهْمِ في كَبدِ القَوْسِ ثُمَّ قُل: بسْمِ اللَّهِ ربِّ الغُلاَمِ ثُمَّ ارمِنِي، فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتنِي. فجَمَع النَّاس في صَعيدٍ واحِدٍ، وصلَبَهُ عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سهْماً منْ كنَانَتِهِ، ثُمَّ وضَعَ السَّهمَ في كبدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسْم اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ رمَاهُ فَوقَعَ السَّهمُ في صُدْغِهِ، فَوضَعَ يدَهُ في صُدْغِهِ فمَاتَ. فقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلاَمِ، فَأُتِىَ المَلكُ فَقِيلُ لَهُ: أَرَأَيْت ما كُنْت تحْذَر قَدْ وَاللَّه نَزَلَ بِك حَذرُكَ. قدْ آمنَ النَّاسُ فأَمَرَ بِالأخدُودِ بأفْوَاهِ السِّكك فخُدَّتَ وَأضْرِمَ فِيها النيرانُ وقالَ: مَنْ لَمْ يرْجَعْ عنْ دينِهِ فأقْحمُوهُ فِيهَا أوْ قيلَ لَهُ: اقْتَحمْ، ففعَلُوا حتَّى جَاءتِ امرَأَةٌ ومعَهَا صَبِيٌّ لهَا، فَتقَاعَسَت أنْ تَقعَ فِيهَا، فقال لَهَا الغُلاَمُ: يا أمَّاهْ اصبرِي فَإِنَّكَ عَلَي الحَقِّ))
[روَاهُ مُسْلَمٌ].
إن قصة أصحاب الأخدود كما وردت في سورة البروج وكما ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- حقيقة بأن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل. فالقرآن بإيرادها في هذا الأسلوب مع مقدمتها والتعقيبات عليها والتقريرات والتوجيهات المصاحبة لها كان يخط بها خطوطاً عميقة في تصور طبيعة الدعوة إلى الله، ودور البشر فيها، واحتمالاتها المتوقعة في مجالها الواسع، وهو أوسع رقعة من الأرض، وأبعد مدى من الحياة. إنها قصة فئة آمنت بربها واستعلنت حقيقة إيمانها. ثم تعرضت للفتنة من أعداء جبارين مستهترين بحق الإنسان في حرية الاعتقاد والإيمان بالله العزيز الحميد، وبكرامة الإنسان عند الله عن أن يكون لعبة يتسلى بها الطغاة بآلام تعذيبها، ويتلهون بمنظرها في أثناء التعذيب بالحريق. وقد ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة، وانتصرت فيها العقيدة على الحياة، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة، ولم تُفتن عن دينها، وهي تُحرق بالنار حتى تموت. لقد تحررت هذه القلوب من عبوديتها للحياة، فلم يستذلها حب البقاء وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة، وانطلقت من قيود الأرض وجواذبها جميعاً، وارتفعت على ذواتها. وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخّيرة الكريمة هناك قلوب جاحدة شريرة مجرمة لئيمة، جلس أصحابها على النار، يشهدون كيف يتعذب المؤمنون ويتألمون، جلسوا يتلهون بمنظر الحياة تأكلها النار، والبشر يتحولون وقوداً وتراباً. وكلما ألقي فتى أو فتاة، صبية أو عجوز، طفل أو شيخ، من المؤمنين الخيرين الكرام في النار، ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوسهم، وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء!.
أيها المسلمون: والتاريخ يتكرر ولكن بصور أخرى، الحقيقة واحدة والشكل يتغير. إن عقول الفئة الكافرة لم تتغير منذ قديم الزمان إلى عصرنا الحالي، فنرى اليهود قد ارتكبوا أبشع الجرائم في فلسطين المسلمة، والروس قاموا بأفظع المذابح في أفغانستان، والصرب قتلوا وشردوا ويتّموا الكثير من العوائل في البوسنة والهرسك ومن بعدها في كوسوفا، ويعود الروس ثانية لجرح المسلمين جرحاً جديداً في الشيشان. والآن تمارس الصليبية ما تمارس من أقسى أنواع الوحشية، وأشد صور الإجرام في العراق. إن كل هؤلاء ظلمة مجرمون وإن اختلف شكل الأخدود.
إن قصة أصحاب الأخدود يتكرر عبر الزمان في أكثر من مكان وضحيتها هو هذا الإنسان.
إن نظرة البشر لكل شيء تطورت مع مرور الزمن إلا نظرة الكفار للمسلمين ودمائهم. فنرى الجمعيات التي أنشأت للرفق بالحيوان، والمحافظة على البيئة، ولكن لم يتخذ أي إجراء حقيقي ولم تنشأ أي جمعية أو رابطة لحفظ دماء المسلمين وأعراضهم. لماذا كل هذا الحقد على المسلمين من جهة، وتجاهلهم من جهة أخرى؟. الجواب: في قول الله تعالى في قصة أصحاب الأخدود: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}
[(8) سورة البروج] فهذه جريمتهم أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد. حقيقة ينبغي أن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل. إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئاً آخر على الإطلاق. وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة. إنها ليست معركة سياسية، ولا معركة اقتصادية، ولا معركة عنصرية، ولا معركة من أجل البحث عن أسلحة الدمار الشامل، ولا معركة لمحاربة الإرهاب وهم أصحاب الإرهاب، ولكنها في صميمها معركة عقيدة، إما كفر وإما إيمان، إما جاهلية وإما إسلام !.
وهذا ما يجب أن يستيقنه المؤمنون حيثما واجهوا عدواً لهم. فإنه لا يعاديهم لشيء إلا لهذه العقيدة {إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} وقد يحاول أعداء المؤمنين أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة، راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية، كي يموَّهوا على المؤمنين حقيقة المعركة، ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة. فمن واجب المؤمنين ألا يُخدعوا، ومن واجبهم أن يدركوا أن هذا تمويه لغرض مبيّت، وأن الذي يغير راية المعركة إنما يريد أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها.
أيها المسلمون: ولنرجع إلى قصة أصحاب الأخدود ولنطوي عبرَها كلها ونعبرَها لنقف مع آيةٍ عظمى، تومض من خلال هذا العرض للقصة، تنفعنا هذه العبرة ونحن نواجه اليوم أشد أنواع المكر والكيد من كفار الأرض، إن هذه الآيات قد ذكرت تلك الفتنة العظيمةَ وذكرت تلك النهاية المروعة الأليمة لتلك الفئة المؤمنة، والتي ذهبت مع آلامها الفاجعة في تلك الحفر التي أضرمت فيها النار. بينما لم يرد خبر في الآياتِ عن نهايةِ الظالمين اللذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، لم تذكر الآياتُ عقوبة دنيوية حلت بهم، لم تذكر أن الأرض خسفت بهم، ولا أن قارعة من السماءِ نزلت عليهم، انتهت القصة بذكرِ مصيرِ المؤمنين وهم يُلقونَ في الأخدود. والإعراض عن نهاية الظالمين الذين قارفوا تلك الجريمة فلم تذكر عقوبتهم الدنيوية ولا الانتقام الأرضي منهم. فلماذا أُغفل مصيرُ الظالمينَ؟ أهكذا ينتهي الأمر؟ أهكذا تذهبُ الفئةُ المؤمنةُ مع آلامها واحتراقها بنسائِها وأطفالِها في حريق الأخدود؟ بينما تذهب الفئةُ الباغية الطاغية التي قارفت تلك الجريمة تذهبُ ناجية؟. هنا تبرز الحقيقةُ العظمى التي طالما أفادت فيها آياتُ القرآن وأعادت وكررت وأكدت وهي: أن ما يجري في هذا الكون لا يجري في غفلةٍ من اللهِ -جل وعلا- وإنما يجري في ملكِه. ولذا جاء التعقيبُ بالغ الشفافية: {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ، ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ}
[(8-9) سورة البروج]. فهذا الذي جرى كله جرى في ملكِه ليس بعيداً عن سطوتِه، وليسَ بعيداً عن قدرتِه، إنما في ملكه: {وَٱللَّهُ عَلَى كُلّ شَيء شَهِيدٌ} [(9) سورة البروج]. فهذا الذي جرى لم يجري في غفلةٍ من الله ولا في سهو من الله. كلا، ولكن جرى والله على كل شيء شهيد، شهيد على ذلك، مطلع عليه. إذاً فأين جزاء هؤلاء الظالمين؟ كيف يقترفون ما قارفوا، ويجترمون ما اجترموا ثم يفلتون من العقوبة؟ يأتي الجوابُ، كلا لم يفلتوا. إن مجال الجزاء ليست الأرض وحدَها. وليست الحياة الدنيا وحدها، إن الخاتمةَ الحقيقةَ لم تجيء بعد، وإن الجزاءَ الحقيقي لم يجيء بعد وإن الذي جرى على الأرض ليسَ إلا الشطر الصغير الزهيد اليسير من القصة. أما الشطرُ الأوفى والخاتمةُ الحقيقةُ والجزاء الحقيقي فهناك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} [(10) سورة البروج] هؤلاء الذين أحرقوا المؤمنين في الأخدود سيُحرقون ولكن أين؟ في جهنم، نعم في جهنم، إن الذين أحرقوا المؤمنين في الدنيا سيحرقون ولكن في الآخرة. وما أعظمَ الفرقَ بين حريقٍ وحريق في شدته أو في مدته! أين حريقُ الدنيا بنارٍ يوقدُها الخلق، من حريقِِ الآخرةِ بنارٍ يوقدُها الخالق؟ أين حريقُ الدنيا الذي ينتهي في لحظات من حريقِِ الآخرةِ الذي يمتدُ إلى آبادٍ لا يعلمُها إلا الله؟ أين حريقُ الدنيا الذي عاقبتُه رضوانُ الله، من حريقِ الآخرةِ ومعهُ غضبُ الله؟ أين حريق الدنيا باستخدام الصواريخ الملتهبة والقنابل الذكية، وحريق نار جهنم الذي أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، هذا المعنى الضخم الذي ينبغي أن تشخصَ الأبصارُ إليه، وهو الارتباطُ بالجزاء الأخروي رهبة ورغبة. أما الدنيا فلو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربةَ ماء. إن الدنيا هينة على الله -جل وعلا-، مر النبيُ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه معه، مروا في طريقهم فإذا سباطة قوم، تلقى عليها النفايات والفضلات والجيف، فإذا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ينفردُ عن أصحابه ويتجه صوب سباطة هؤلاء القوم ليأخذَ من القمامة الملاقاة عليها جيفة تيس مشوّهِ الخلقةِ قد مات، مشوه الخلقة، صغير الأذن قد انكمشت أذنه، فأمسك النبيُ -صلى الله عليه وسلم- بهذا التيس الميت فرفعه، ثم أقام مزاداً علنياً ينادي على هذه الجيفة الميتة، فيقول مخاطباً أصحابه: ((أيكم يحبُ أن يكونَ هذا له بدرهم؟)) من يشتري هذا التيس المشوه بدرهم؟ وعجب الصحابة من هذا المزاد على سلعة قيمتها الشرائية صفر ليس لها قيمة شرائية ولذا ألقيت مع الفضلات. قالوا يا رسولَ الله: والله لقد هانَ هذا التيس على أهلهِ حتى ألقوه على هذه السباطة، لو كان حياً لما ساوى درهماً. لأنه مشوه. فكيف وهو ميت؟ لقد هان على أهله حتى ألقوه هنا، فكيف يزاد عليه بدرهم؟ فألقاهُ النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهوت الجيفة على السباطة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((للدنيا أهونُ على الله من هذا على أحدِكم)). إن الدنيا هينة على الله، ومن هوانها أنها أهونُ من هذه الجيفة التي ألقيتموها واستغربتم أن يزاد عليها ولو بدرهمٍ يسير. وإذا كانتِ الدنيا هينة على اللهِ هذا الهوان، فإن اللهَ -جلا جلاله- لم يرضها جزاءً لأوليائِه. وأيضاً لم يجعل العذاب فيها والعقوبة فيها هي الجزاءُ الوحيدُ لأعدائه. كلا.. إن الدنيا أهونُ على الله، بل لولا أن يفتن الناس، لولا أن تصيبهم فتنة لجعل الله هذه الدنيا بحذافيرها وزينتها وبهجتها ومتاعها جعلها كلها للكافرين. قال الله تعالى: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [(33) سورة الزخرف]. ولذا كانت آياتُ القرآنِ تتنـزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تخاطبه وتلفتُ أنظارَ المؤمنين معه إلى أن القِصاص الحقيقي، والعقوبةَ الحقيقةَ والجزاء الذي ينتظرُ الظالمين والمتكبرين والمتجبرين من الكفار والفجرة والظلمة هناك: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [(25-26) سورة الغاشية] قال الله تعالى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [(46) سورة يونس].
بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: أيها المسلمون: إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام، ومن متاع وحرمان ليست هي الغاية، وليست هي القيمة الكبرى في الميزان وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة. إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة، وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على الخوف والألم، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة، وانتصرت على الفتنة انتصاراً يشرّف الجنس البشري كله في جميع الأعصار وهذا هو الانتصار.
إن الناس جميعاً يموتون، وتختلف الأسباب، ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا يتحررون هذا التحرر، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق. إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى.
لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يَقتلون هذا المعنى الكبير، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد؟ إنه معنى كريم جداً، ومعنى كبير جداً، هذا الذي ربحوه وهم بعد في هذه الأرض، ربحوه وهم يجدون مس النار، فتحرق أجسادهم الفانية، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار!.
إن القلوب حين يباشرها الإيمان، ويستقر في سويدائها يهون عليها كل عسير، ويُلَذذ لها كل صعب وخطير، فتصبح الآلام راحة، والعذاب نعيماً، والبكاء فرحاً. ولقد رأيت يا أخي الحبيب في هذا الحدث العظيم كيف يصنع الإيمان الرجال، وإن كانوا صغاراً في السن، وربما ازدرتهم الأعين أو استقلتهم النفوس لكن الإيمان يسموا بهم فيصنعون ما لا يصنعه الرجال.
غلام صغير يبتلى ويؤذى ويعرّض للقتل مراراً بل يُذهب به إلى القتل فيمشي وكأنه يُزف ليوم زفافه، غلام داعية إلى الله، غلام يحمل في نفسه همّ إصلاح الناس، يحمل في طياته وكوامن نفسه همّ هداية الناس إلى الدّين وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويجود هذا الغلام بكل وسيلة وطريقة لإصلاح الناس حتى إذا نفذ ما لديه من ذلك جاد بأغلى ما يملك، جاد بحياته، جاد بروحه رجاء هداية الناس، فكان ما أراد.
أيها المسلمون: هكذا سجل هذا الغلام أعظم تضحية عرفها التاريخ، فقدم نفسه لإعلاء كلمة الله، ولكي يُعبد الله وحده لا شريك له. فيموت كما يموت الشهداء، فلا يجد من ألم الطعنة إلا كما يجد أحدنا من القرصة، ويأتي يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك.
واليوم نشاهد أطفال الحجارة في فلسطين، وهم أطفال في أجسامهم، لكنهم أبطالٌ في أفعالهم، رجال في مواقفهم، فقد تربوا على مائدة القرآن، يجاهدون في سبيل الله، لا يهابون طلقات القذائف، بل يتصدون لها بصدورهم وقلوبهم إنها هِمَمُ رجال ترفض المهانة والذل. هؤلاء الأطفال أُعتقل آباؤهم، وهُدّمت بيوتهم، وهم يشهدون ذلك بناظريهم إن هذا الطفل لا يملك سوى حجر، لكنه يرى نفسه شامخاً يتحدى دبابة الاحتلال دون خوفٍ أو وجل. والأمهات يباركن خطوات فلذات أكبادهن نحو الموت والشهادة. صَبر هذا الشعب طويلاً وقدّم تضحياتٍ جسيمة، ودماؤه تُراق على أرض فلسطين، وهم بأحجارهم وعصيهم وقفوا ضد اعتداء الغاصبين الذين نهبوا الأموال وقتّلوا الأبرياء وحفروا الأخاديد ونقضوا العهود والمواثيق.
إن طفل الحجارة اليوم يريد أن يحقق ما جاء في سورة الإسراء من وعد بالنصر حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله.
أيها المسلمون: لقد سجل أبناء تلك الأرض بطولات وتضحيات لا تتوقف أمام ذلك الصلف اليهودي الذي أقدم وما يزال على أبشع ما عرفت البشرية من وحشية. لماذا يُحجم العالم الذي يزعم أنه متحضر عن ردع المعتدي، والأخذِ على يديه، أين المعاهدات؟ أين المواثيق التي تنص على ضمان السلام والتقليل من الإجرام؟ أين الأخذ على يد المعتدي ونصرة المظلوم؟ أين دعاة السلام والداعون له؟ أين المنظّرون لثقافته؟ أين محاربة الإرهاب في العالم؟ وهذه المذابح والبنادق والصواريخ تُخرب الديار وتحرق القلوب والأجساد، أجساد الشيوخ الركع والأطفال الرضع. إن هذه الدماء لن تثمر -بإذن الله- إلا نفوساً أبيّة لن ترضى الدنيّة في دينها. ولتسقط تلك الدعاوى الساقطة، ولتنكسر تلك الأقلام الهزيلة التي ما زالت تُزيّن السلام غير العادل بزينة كالحة.
اللهم دمّر اليهود الغاصبين، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم إن اليهود والنصارى طغوا وبغوا وأسرفوا في طغيانهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وصب العذاب عليهم من فوقهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، اللهم اجعلهم حصيداً خامدين، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر اللهم أعداءك أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نسألك رضوانك والجنة، ونعوذ بك من سخطك ومن النار. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ألّف بين قلوب المسلمين ووحّد صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم وأقم علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والكفر والزيغ والعناد، وانشر رحمتك على العباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب. اللهم وقاتل الكفرة الذين يعادون أوليائك ويحاربون دينك ويقتلون المسلمين بغير ذنب، اللهم واجعلهم عبرة للمعتبرين وأنزل اللهم عليهم رجزك وعذابك الذي لا يرد عن القوم الظالمين. اللهم يا ولي الصاحين، ويا ناصر عبادك المستضعفين، نسألك اللهم أن تعين وتنصر إخواننا في فلسطين وفي الشيشان وفي أفغانستان. اللهم آمن روعاتهم، واستر عوراتهم واحفظهم اللهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم يا رب العالمين.
 


أزمة أمة


   

أزمة أمة
9/7/1421هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله..
أما بعد: لقد مرت الأمة في تاريخها الطويل بأزمات كثيرة، بل نكبات كثيرة، كان المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض أحياناً، وأحايين كثيرة كانوا يفقدون أمنهم وطمأنينتهم وأحياناً كانوا يفقدون ديارهم وأموالهم، وهكذا الفتن والمصائب والنكبات إذا نزلت بالأمم وحلّت بالشعوب. لكن الأمة الإسلامية -أيها الأحبة-، مع ما سبق ذكره، لم تمر بتجربة أقسى، ولا وضع مؤلم، ولا واقع مشين، من تجربتها ووضعها وواقعها الحالي، -فإنا لله وإنا إليه راجعون-.
إليكم نماذج وأمثلة، من نكبات وأزمات مرت بأمة الإسلام على مر تاريخها، ثم كيف اجتازتها وخرجت منها، لنصل إلى أزمتنا الحالية، وما السبب في بقاء الأمة هذه الفترة الطويلة من الزمن، دون مخرج. فنبدأ بـ:
- أزمة الردة: أزمة حادة ولا شك، دولة الإسلام كانت دولة ناشئة، طرية، وكان أمامها عقبات كثيرة، يُطلب منها أن تجتازه فتأتي قبائل بأكملها كانت قد دخلت في الإسلام، وكان يؤمّل عليها أشياء وأشياء، فإذا بالخبر أنها قد ارتدت عن الدين، ورجعت كافرة مشركة. أزمة مرت بالمسلمين، لكن منذ بدايتها وفي أول لحظة منها لم يخالج الصحابة أدنى شك في أن النصر سيكون للدولة المسلمة وليس للمرتدين هنا أو هناك، لماذا؟ ما هو السبب؟ السبب هو أن صلتهم بربهم، وإخلاصهم لدينه، وصدقهم مع الله، كان أضعاف أضعاف إيمان المرتدين بباطلهم المزيف الذي يقاتلون من ورائه، مع خلو موقفهم من أية قيمة حقيقية إلا الهوى والشهوات! وما كان من جزع الصحابة -رضي الله عنهم- ومشورتهم على أبي بكر -رضي الله عنه- بالتريث في قتالهم، لم يكن ذلك لشك في نفوسهم أن الله سينصر دينه، إنما كانت مشورتهم من أجل إتاحة الفرصة لتجميع الجيش الكافي للمعركة، ولكن إيمان أبي بكر الراسخ، وثقته العميقة بوعد الله بالتمكين لهذا الدين في الأرض، وحساسيته المرهفة أن يترك الخارجين على أمر الله، دون أن يسارع في توقيع العقوبة التي أمر الله بإنزالها بهم كل ذلك قد فعل فعله في نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- فوقفوا صفاً واحداً خلف أبي بكر، ونصر الله دينه كما وعد، ومرت الأزمة بشكل طبيعي.
- تأتي أزمة ثانية: فتنة مقتل عثمان -رضي الله عنه-: خليفة المسلمين، أمير المؤمنين، الحاكم يقتل في بيته، من بين أهله وعلى مرأى ومسمع من الناس، والصحابة حضور يشهدون الحادثة. إنها أزمة حادة ولا شك ابتلى بها المسلمون والدولة ما تزال في نشأتها، وعداوات الأرض قائمة من حولها. لكن الناظر إلى مجريات الأمور يومئذٍ، يرى أن هذه الأزمة أيضاً مر ولم يحصل شرخ في الدولة ما السبب؟ السبب هو لأن الخلاف الذي حصل بين المسلمين على كل عمقه وعلى كل ما أثاره من فرقة في صفوف المسلمين، كان خلافاً على من يتولى الأمر ليمكِن للإسلام في الأرض، ولم يكن خلافاً على الإسلام ذاته، انتبه، لم يكن خلافهم على الإسلام ذاته هل يصلح أن يكون قاعدة حياتهم، هل نحكم به أو لا نحكم، هل نأخذه كله أو بعضه، هذه القضايا كانت محسومة عندهم ولهذا عندما تأتي أزمة كهذه، قتل ولي أمر المسلمين، لا يمكن أن يسبب ذلك سقوط للدولة، أو شرخ في نظام الحكم، فيُعالج الأمر، فتعود المياه إلى مجاريها لأنه ما تزال نفوسهم مشبعة بالإيمان، وقناعتهم بالإسلام بأنه منهج حياة.
مثال ثالث: أزمة الحروب الصليبية وحروب التتار التي عصفت بالأمة، وقتاً من الزمن: كانت أزمة حادة في حياة المسلمين، وبدا أنها يمكن أن تطيح بالكيان الإسلامي كله، وتجتث المسلمين من الأرض، لكن ماذا كانت النتيجة كانت النتيجة الواقعية غير ذلك، وجاء النصر من عند الله في النهاية. أما البداية فقد هزم المسلمون أمام أعدائهم الصليبين؛ لأن واقعهم كان واقعاً سيئاً مليئاً بالمعاصي والبدع والخرافات والانحرافات والشتات والفرقة، والانشغال بالدنيا عن نصرة دين الله والتمكين له في الأرض لذلك اجتاحت جيوش الأعداء أراضي المسلمين، وأزالت سلطانهم إلى حين. لكن في النهاية جاء نصر الله -عز وجل-. لماذا؟ لأن جذوة العقيدة كانت ما تزال حية في النفوس، وإن غشيتها غاشية من التواكل والسلبية أو الانشغال بشهوات الأرض، فما أن تحرك العلماء، وجاء القادة المخلصون الذين يردون الناس إلى الجادة بدعوتهم، للرجوع إلى حقيقة الإسلام حتى صحت الجذوة واشتعلت. قام صلاح الدين الأيوبي، يقول للناس، لقد هزمتم لبعدكم عن طريق الله، ولن تُنصروا حتى تعودوا إلى الطريق، وقام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، يدعو لتصحيح العقيدة ، مما طرأ عليها من غبش المتكلمين وضلالاتهم، ومن تحريف الفرق وتأويلاتهم، وصاح قطز، صيحته الشهيرة: واإسلاماه. وتبعتهم جماهير الأمة المسلمة، فصدَقت الله في عقيدتها وسلوكها وأخلاقها، فجاء نصر الله -جل وتعالى-، وتغلّب المسلمون على أضعافهم من المشركين والكفار. قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}
[(11) سورة الرعد] وأولئك غيّروا ما بأنفسهم فغير الله حالهم من هزيمة وذلة، إلى نصر وعزة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين..
مثال رابع: أزمة الأندلس: أقام المسلمون دولة في أرض الأندلس، بهرت الشرق والغرب، حيّرت القريب والبعيد في منجزاتها وحضارتها وإدارتها. لكن ما هي إلا سنوات، وتسقط هذه الدولة، عقاباً ربانيا من الله للمسلمين، على تفرقهم في نهاية الأمر، وتشتتهم، وحرب بعضهم لبعض، بل وتعاونهم مع أعدائهم من الصليبيين ضد بعضهم البعض. واتخاذ أولئك الأعداء الكفار، بطانة من دون المؤمنين، مخالفة لأمر الله، وهم لا يألونهم خبالا بالإضافة إلى الفتنة بشهوات الأرض، المباح منها وغير المباح. ومن عقوبة الله جل وتعالى ، أن الأندلس لم تعد إلى حظيرة الإسلام، وخرج المسلمون من الأندلس وقُتل منهم من قتل، وسُبي من سبي، لكن كل هذه الأزمة على حدتها هل قضت على المسلمين؟ الجواب لا. فإن طاقة الأمة في مجموعها لم تكن قد استنفدت ففي ذات الوقت الذي انحسر فيه ظل الإسلام عن الأندلس، كانت هناك دولة فتية قوية شابة في سبيلها إلى التمكن في الأرض، وهي الدولة العثمانية، وفعلاً استطاع المسلمون الأتراك أن يقيموا دولة إسلامية تحفظ كيان المسلمين أربعة قرون كاملة. 400 سنة، أرعبت دول الغرب في ذلك الوقت وأحيت فريضة الجهاد في سبيل الله، وامتدت داخل العالم الصليبي حتى وصلت "فينّا" ودخل في الإسلام على يديها ملايين من البشر في أوربا وآسيا على السواء.
أيها المسلمون: إن ما ذُكر مجرد أمثلة سريعة من بعض مصائب وأزمات الأمة على مر تاريخها الطويل، وكيف أنها اجتازت كل العقبات والمعوقات.
نأتي للفترة الحالية التي تمر بها الأمة، هذه الأزمة التي يعانيها المسلمون اليوم هي أقسى وأشد من جميع الأزمات السابقة، من جهة، ومن جهة أخرى طالت عن سابقاتها وصار الناظر يرى أن الفجر بعيد.
عندما وقعت الحروب بين المسلمين والصليبيين، والتي استمرت حوالي 200 عام وجاء بعدها غارات التتار على ديار المسلمين، كان المسلمون قد شغلوا عن الإسلام الصحيح ببدع وخرافات ومعاصي وتواكل وتقاعس وقعود عن الأخذ بالأسباب، ولكن الإسلام ذاته لم يكن في نفوسهم موضع نقاش، لا بوصفه عقيدة، ولا بكونه نظام حكم ونظام حياة، وحتى حين كانوا يُهزمون أمام الصليبيين وأمام التتار، ومع ما كان يُنـزِل بهم أعدائهم من القتل والقهر والخسف، لم يكن صدى الهزيمة في نفوسهم هو الشك في الإسلام، بل كانوا يعتقدون بأن ما أصابهم ما هو إلا لبعدهم عن الدين. كانت تنـزل بهم الهزائم والنكبات لكن لم يكونوا يتطلعون إلى ما عند أعدائهم من عقائد أو أفكار أو نظم أو أنماط سلوك. بل كانوا يشعرون حتى وهم مهزومون بازدراء شديد لأعدائهم. كان التتار في حسهم همجاً لا دين لهم ولا حضارة، كان الصليبيون في نظرهم هم الكفار المشركون عباد الصليب كانوا يرونهم منحلي الأخلاق لا غيرة لهم على عرض ولا حفاظ. لذلك لم يهنوا، حتى وهم مهزومون أمام أعدائهم فترة غير قصيرة، ولم يشعروا أنهم أدنى من أعدائهم. بل كان يتمثل فيهم قول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}
[(139) سورة آل عمران]. وكانوا مؤمنين.
نسأل الله -جل وتعالى- إيماناً في قلوبنا، وعملاً صالحاً لآخرتنا، وأن يهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدا، وأن يعجل فرجها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم.
فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمد لله..
أما بعد: إن واقع المسلمين في أزمتهم الحالية ونكباتهم المعاصرة كما قلنا أشد من كل سابقاتها؛ لأن الدين نفسه قد تزعزع في نفوسهم، هذا هو السبب تخلخلت العقيدة في القلوب فأصبح الشك في صلاحية الإسلام، وحصل الانبهار بحضارة الغرب، وصار الإعجاب بإنجازات الكافر، وفتح باب الاستيراد من الغرب على مصراعيه، يستورد السيارات والأجهزة والأدوات والأثاث، ويستورد معه الأخلاق والسلوك والأفكار بل والعقائد، ونظم الحكم والتشريع، فأصبح هناك مسافات بعيدة جداً بين الإسلام الصحيح وبين واقع المسلمين، عبادات الناس قد تغيرت، أخلاقهم تغير سلوكهم تغير، بل دينهم تغير -والعياذ بالله-، خلت حياة الناس من الروح، وأصبحت الحياة كلها تقاليد موروثة، يُحافظ عليها من أجل أنها تقاليد، لا من أجل أنه دين، فالعبادة تقاليد، والسلوك تقاليد، وحجاب المرأة الذي صار كل يوم يتقلص تقاليد، وقضية العرض في بعض المجتمعات أيضاً صار تقاليد.
لقد عرف العدو في هذه المرة كيف يغزو العالم الإسلامي، لم يستخدم في هذه المرة الدبابات ولا قاذفات القارات، استخدم ما يسمى بالغزو الفكري، ترك الغزو الفضائي والغزو البري، وأحكم قبضته على العالم الإسلامي بالغزو الفكري، وهو أن يسلط على المسلمين فكره وخلقه وسلوكه.
الغزو الفكري أن يقنع مجتمعات المسلمين بكل ما لديه، الغزو الفكري أن يجعلك تنظر للغرب بأنه هو الأعلى وهو الأكمل وما عنده هو الأحسن، وتشعر في قرارة نفسك بالذلة والمهانة، فإذا حصل هذا، وقد حصل كل هذا وأكثر مع كل أسف. سلّم المسلمون ديارهم وأموالهم للغرب، يلعبون فيه كيفما شاءوا، ويأخذون ما شاءوا دون حسيب ولا رقيب وصارت خيرات هذه الأمة تستنـزف ، لتصب في جيوب وبطون أعداء الأمة.
وهل توصل الغرب إلى ما توصل إليه، في يوم وليلة؟ بالتأكيد لا، لكن الأهم من هذا معرفة بعض طرقه التي استخدمها للتوصل لمراده.
من هذه الطرق والوسائل: أنه سُلط على العالم الإسلامي إعلاماً متكاملاً مقروءاً ومسموعاً ومشاهداً، وكله يصب في قناة واحدة، تقبل فكر وخلق وسلوك الغرب، وإظهاره بمظهر الأفضل، وانتقاد كل ما له تعلق بالدين من جهة أخرى، مرة عبر مقالة لمن يهوى القراءة، ومرة عبر أغنية لمن يهوى الاستماع، ومرة بل ومرات عبر تمثيليات ومسرحيات ساقطة كله يقوم على العشق والحب والغرام، يهدم أخلاق وقيم الإسلام في نفوس الناشئة الذين يتلقون هذا السيل الجارف، ومع كل ما خرّب وهدم ودمر الغرب في ديار المسلمين لم يقتنع بعد، وصار بعد كل فترة يخرج لنا بجديد لإيصال نتنة وزبالة فكره وخلقه لمجتمعات المسلمين، فخرج علينا في السنوات الأخيرة، بهذه الأطباق التي وضعها عدد غير قليل من المسلمين فوق بيوتهم، إعجاباً بها، وانبهاراً لما تنقله وتدخله في كل بيت، فأصبح الغرب وهو في مكانه، وعبر هذه القنوات، يُدخِل في بيوت المسلمين ما يشاء من فكر وخلق وسلوك ودين لا يمر على رقابة إعلامية ولا غير إعلامية، ويربي كل من في هذه البيوت، التربية التي يريدها.
واليوم جاءت شبكات الانترنت بالإباحية والعري الفاضح وقد بلغ عدد المواقع الإباحية على الشبكة أكثر من نصف مليون موقع، أكثر من نصفها تهتم بالشذوذ -والعياذ بالله-. إن هذه الشبكات بوضعها الحالي تمثل خطراً داهماً على دين الأمة وعقيدتها وأخلاقها وعاداتها، وما مقاهي الإنترنت المنتشرة في كل شارع وزاوية إلا أوكار للفساد، وبيوت للدعارة، فتأملوا إلى أي حد وصل بعض التجار النفعيين عندنا حتى بدأوا يتاجرون بدين الأمة وأخلاق شبابها بل وشاباتها، وأظن أن بعض أولياء الأمور لا يعلمون بأن عدد من المشاغل النسائية بدأت بتجهيز غرفة خاصة لمن تريد أن تستخدم الشبكة، وأصبحت المشاغل أشبه ما تكون بالمنتديات لتجمع الفتيات، والأب يظن أنها ذهبت للمشغل من أجل أصلاح ملابسها، ولم يعلم أنها ذهبت لتذبح أخلاقها وتقتل حيائها.
أيها المسلمون: وإذا كانت شبكات الإنترنت تشكل خطراً أخلاقياً على المجتمعات الكافرة الإباحية فما بالك بمجتمعاتنا، ففي أمريكا تقول إحصائياتهم أن نسبة 70% من مستخدمي الشبكة يستخدمونها لأغراض جنسية، هذا وهم في مجتمع متفسخ يجدون الجنس في شوارعهم وفي واقع حياتهم أكثر من وجوده على الشبكة، فما هي النسبة المتوقعة في مثل مجتمعاتنا.
أيها الأحبة: يتوقع إن لم يتغمدنا الله بلطفه ورحمته، أنه في خلال سنوات قليلة يتم غسل أدمغة شباب وشابات المسلمين من أبناء هذه الأمة غسيلاً فكرياً كاملاً، يعجبون بكل ما عند الغرب وتربيهم هذه الدشوش وهذه الشبكات على قلة الحياء وضعف الخلق، واللامبالاة، ويحرك فيهم الغرائز الجنسية فيخرج علينا جيل ينادي بالإباحية ويحارب الفضيلة كما حصل تماماً في بعض البلدان الإسلامية من قبل، وصار أبناء البلد، هم الذين يحاربون الدين والخلق والفضيلة، وهم الذين يطالبون بأن تخرج المرأة، وهم الذين ينادون بأن أحكام الإسلام فيها شدة، وهم الذين يبحثون عن من يبيح لهم ما حرم الله، ولم تغب هذه عن بال أعداء الشريعة وخصوم الملة، فأوجدوا إن صح التعبير مشايخ الشاشات ومشايخ الفضائيات، أباحوا للناس -والعياذ بالله- أموراً محرمة معلومة من الدين بالضرورة. فهذا يفتي بإباحة الغناء، وآخر يفتي بإباحة أكل الربا من خلال أخذ الفوائد البنكية، وثالث ورابع وعاشر، فتميع أحكام الدين بسبب مشايخ الفضائيات.
أيها المسلمون: ثم هذه الجرائم الأخلاقية التي تزعجنا بأخبارها يومياً وهذه المشاكل التي أيضاً نسمعها يومياً في المجمعات التجارية والأسواق وما يحصل بين البنات والأولاد، إلا -والله المستعان- من بعض آثار القنوات والشبكات وما هي إلاّ إرهاصات، وإنذار بشيء أخطر من ذلك لا يحمد عقباه إن لم يتغمدنا الله برحمته. نسأل الله -جل وتعالى- الستر والعافية.
أيها المسلمون: إنها حقاً أزمة حادة، بل أزمات، يحمل همها العلماء الربانيون والدعاة المخلصون وطلاب العلم العاملون، والصالحون الطيبون من أمثالكم. فالوضع بحاجة إلى تكاتف الجميع، وشعور الجميع بالمسئولية وأن نبدأ بإصلاح أنفسنا وبيوتنا، وأن نهتم ونتابع أولادنا، وبناتنا بكل دقة، والثقة الزائدة، تكون في كثير من الأحيان سلبية.
نسأل الله -عز وجل- أن يهييء لنا من أمرنا رشداً..


أحداث دارفور




  
   

أحداث دارفور
17/8/1425هـ


الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: ولا يزال أعداء الملة من اليهود والدول الصليبية يخططون بعد كل فترة لضرب الإسلام في أحد الأماكن واحتلال أرضها وإذلال أهلها، وها هو العالم الإسلامي يعيش هذه الأيام مشكلة دارفور السودانية.
هذا القطر المترامي الأطراف، الغني بالثروات، والذي يحتل موقعاً متميزاً يربط شرق القارة الأفريقية بغربها، وشمالها بجنوبها، كما أنه يمكن أن يلعب دوراً بارزاً في نشر الإسلام، إذ إن جميع الدول التي تحيط به من ناحية الجنوب والشرق دول يحكمها نصارى يرتبطون بوضوح بالمصالح الصليبية الغربية، وهذا هو مفتاح فهم مسار الأحداث واتجاهاتها في السودان.
يقع إقليم دارفور في أقصى غرب السودان، الذي يمثل نحو خمس مساحة السودان، ويبلغ عدد سكان دارفور ما يقارب 6 ملايين نسمة!. وكانت دارفور في السابق مملكة إسلامية مستقلة تَعاقب على حكمها عدد من السلاطين كان آخرهم السلطان علي دينار، وكان للإقليم عُملته الخاصة وعلَمه، وجميع سكان دارفور مسلمون‏، وقد انضمت إلى السودان عام 1916م.
أيها المسلمون: لماذا الهجوم على السودان؟ ولماذا جاءت هذه المشكلة الآن؟ إنّ هناك أكثر من سبب يجعل السودان في مقدمة أجندة كثير من القوى العالمية ومطمع للصهيونية والصليبية ‏منها:
أولاً: الدور الإسلامي للسودان في شتى المحافل الدولية ومحاولة تطبيقه للشريعة الإسلامية ولو بشكل مبسط وفي حدود ضيقة، وخاصة دوره الواضح في تأييد المقاومة في فلسطين والعراق، ورفضه للإملاءات الأمريكية لتغيير الثوابت الإسلامية.
ثانياً: أن السودان تجاور تسع دول افريقية متعددة الأزَمَات والديانات واللغات، وأمن كل هذه ‏الأنظمة مرتبط بصورة أو بأخرى بأمن السودان، فمعظم قبائل السودان الحدوديّة في الشمال والشرق والغرب والجنوب، هي ‏قبائل مشتركة، نصفها في السودان ونصفها الآخر في الدولة المجاورة.
ثالثاً: السودان به ثروة من المعادن وأهمها البترول لم تستغل حتى الآن، وهناك صراع دائر بين شركات الدول الكبرى حول استغلال تلك الثروة، ولا يفوتنا المشهد السينمائي الأمريكي نحو الاندفاع حول وزارة البترول في العراق واحتلال الآبار هناك بمجرد احتلالهم للبلاد. هل تعلم يا أخي الحبيب أن احتياطي السودان من النفط يقدر بحوالي 2 مليار برميل ومن المتوقع زيادتها إلى 4 مليارات عام 2010م، كل هذا يجعل شهية الولايات المتحدة مفتوحة للالتهام هذا المنجم المفتوح. ويزيد في ذلك تأكيد وجود اليورانيوم في دارفور مما يعطى أهمية خطيرة لهذا الإقليم، فضلا عن أنّ السودان دولة بمساحة مليون ميل مربع، صالحة للزراعة والصناعة ‏ويرقد على موار هائلة من المياه الجوفية والمعادن والنفط والثروات وتجري تحته الأنهار.
رابعاً: أن بريطانيا تنظر على الدوام للسودان على أنّه مستعمرة تاريخيّة، ويجب أن تظل هذه الفريسة ‏الأفريقية تحت مجهر التاج البريطاني، كما تنظر فرنسا إلى السودان كدولة مهمة تجاور الشريط الفرنسي الأفريقي والذي له ‏أكثر من باب يفتح على السودان، ولا بدّ أن تؤمّنَ هذه الأبواب جميعها. ثم يأتي دور الولايات المتحدة، أَسَدُ هذه الغابة ‏الكبيرة في ظل انعدام التوازن العالمي، وهذا الأسد في عالمه الجديد يرى أنّ كل الصيد في الغابة العالمية هو ملكه، ولا يذهب ‏شيء إلى أحد، ولو كانت عشيقته بريطانيا إلا بعد إذنه وعلمه.
خامساً: إسرائيل والصهيونيّة التي تريد عزل السودان عن محيطه العربي والإسلامي. فللصّهاينة دور واضح في حرب الجنوب في محاولة لخلق دولة منفصلة معادية للعرب على مجرى النيل ولا تربطها روابط بمصر، بهدف السيطرة على المياه، وليُّ ذراع كل من مصر والسودان. وقد سبق للكيان الصّهيونيّ تقديم مساعدات للحركة الشعبيّة لدى انفجار التمرّد.
سادساً: أن الطغيان الأمريكي دائماً يستهدف الدول الضعيفة بسبب ضعف الموارد كأفغانستان، والاستنـزاف في الحروب كالعراق، وتأتى السودان فرصة مع قرب الانتخابات الأمريكية كهدف استراتيجي ضعيف وسهل. لأن المتتبع لمجريات أحداث العراق يدرك أن المشروع الأمريكي للتغيير في المنطقة متعثر في العراق بسبب صمود المقاومة العراقية وتسديدها لضربات قاصمة للوجود الأمريكي ومشاريعه للسيطرة على العراق، وبات النظام في وضع قلق على مشروعه الأساسي في المنطقة، ومع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية أصبحت الحكومة في وضع حرج: إما التسليم بإخفاق مشروعها للتغيير، وهذا يعني هزيمتها، أو محاولة ترميم وضعها في العراق بقدر الإمكان، وفي نفس الوقت الانتقال خطوة أخرى نحو تطبيق مشروعها للمنطقة والبدء بالحلقة الأضعف وهي السودان. فأوجدت الولايات المتحدة مشكلة دارفور.
سابعاً: موقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر وجنوب مصر وفى حوض النيل وقلب أفريقيا، كل هذا يجعله فاتحاً لشهية سعار الذئب الأمريكي ليفترس عظام السودان الطيب المكافح في ظل حالة من السلبية أو الخوف عربياً وإسلامياً؟!.
لهذا ولغيره أوجدت الصليبية هذه المشكلة محاولة تغطيتها بغطاء هيئة الأمم المتحدة.
أيها المسلمون: وبينما العالم مشغول بمتابعة أخبار العراق وممارسات الاحتلال الأمريكي والمقاومة، وكذلك أخبار ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين فجأة سلّطت الأضواء الأمريكيّة والبريطانيّة على دارفور، وكأنّ المشاعر المرهفة والأخلاق الإنسانيّة استيقظت فجأة لتبصر مشكلة دارفور، والصراع العرقي المزعوم بين القبائل العربيّة والقبائل الأفريقيّة. وتجمعت سحب سوداء في الأجواء منذرة باحتلال دارفور، وكأن الآلة الإعلاميّة المدعّمة بالطغيان الأمريكي تريد أن تسحب التركيز العالمي والعربي من مصائب الاحتلال في العراق إلى دارفور حيث تعلو نبرة إنسانية تمثيليّة أمريكيّة.
وإذا كان التدخل الغربي والأمريكي مقبولاً فيما يتعلق بالوضع في جنوب السودان بدعوى أن هناك صراعاً بين مسلمين ومسيحيين، استناداً إلى الإحصاءات التي تشير إلى أن نسبة المسلمين في الجنوب 18% والمسيحيين 17% وباقي السكان وثنيون، فهو ليس مقبولاً في دارفور؛ لأن كل القبائل هناك مسلمة سواء العربية أو الأفريقية بنسبة 99% وليس هناك معنى لتدخل الاتحاد الأوربي بدعوى وجود تطهير عرقي أو ديني.
ولو أن الاستنفار العالمي حاصل لنصرة وإغاثة كل المضطهدين والمسحوقين من ضحايا الصراعات في أنحاء العالم، لما كان هناك مبرر للشك أو القلق، ولكن أن تتعدد الصراعات في أماكن شتى ويتساقط في ثناياها ومن جرائها مئات بل ألوف الضحايا، الذين هم في أمس الحاجة إلى العودة والإغاثة والحماية، ثم يتم تجاهل ذلك كله، ويجري التركيز على دارفور بوجه أخص، فإن ذلك يثير أكثر من علامة استفهام وتعجب، من ثم فليس السؤال هو لماذا الاستنفار العالمي من أجل دارفور؟ بقدر ما أنه لماذا الاستنفار لأجل دارفور وإهمال غيرها؟. لهذا فلسنا ندعو إلى تقليل الاهتمام بالحاصل هناك، ولكننا ندعو إلى توجيه اهتمام مماثل لملفات وقضايا مماثلة، إن لم تكن أشد تعقيداً وأكثر جسامة من قضية دارفور.
إن أحداً لم يهتم مثلاً بالتقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية عن أوضاع مسلمي الصين، والذي كشف النقاب عن أجواء القمع القاسية التي يتعرض لها أكثر من عشرة ملايين مسلم في تركستان الشرقية. تقرير من هذا القبيل لم يُحدث أيّ صدى حتى في وسائل الإعلام، في حين كان المسؤولون الدوليون يركضون نحو دارفور، في مقدمتهم الأمين العام للأمم المتحدة، ووزيرا خارجيتي الولايات المتحدة وألمانيا.
مأساة مسلمي الصين تعد أمراً بسيطاً إذا قورنت بالحاصل في فلسطين أو في بلاد الشيشان، في تلك الأجواء أيضاً واصلت إسرائيل افتراسها للفلسطينيين، من خلال الاجتياحات والاغتيالات وعمليات التدمير ونهب الأراضي، التي شملت قطاع غزة ونابلس وغيرها من مدن الضفة، وقبل ذلك تابع العالم التقارير البشعة التي نشرت عن ممارسات الجنود الروس في الشيشان وجارتها أنقوشيا. هذه الممارسات قوبلت بالصمت المشهود أو بتحركات سياسية اتجهت صوب مناصرة القتلة وليس الضحايا كما في الحالة الفلسطينية.
الفيضانات الهائلة التي اجتاحت بنجلادش مؤخراً وشردت أكثر من عشرين مليوناً من الفقراء والعجزة والأطفال، لماذا لم يلتفت لهم العالم؟.
التمييز العنصري والتصفية الدينية التي يمارسها الهندوس تجاه المسلمين المستضعفين في الهند أو في كشمير، ماذا كان تعليق الغرب عليها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة؟ قالوا بأنها قضية داخلية لا علاقة للغرب بها.
التهجير والإبادة الجماعية التي يتعرض لها شعب أراكان من الحكومية البورمية، لماذا لم تقلق الدول الكبرى؟.
الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في الشيشان، وجنوب الفلبين، وأوزبكستان، وأرتريا.. كل ذلك لا علاقة للغرب بها، فهم على حد زعمهم يحترمون سيادة الدول وقضاياها الداخلية.
أما دارفور فتتصاعد فيها الأحداث بصورة مذهلة جداً، ويتواطأ الغربيون للضغط وإصدار القرارات، والتهديد بالمحاصرة، بل بالتدخل العسكري. فما الذي يجري إذاً؟ وما هذا التناقض والكيل بمكيالين؟.
لقد استأثرت دارفور بالاهتمام الدولي والإقليمي، الأمر الذي يؤكد الشك في براءة ذلك الاهتمام، ويوحي بأن وراء الأكمة ما ورائها، وأن في دوافعهم أشياء أخرى غير الاعتبارات الإنسانية.
تتعمّد واشنطن توصيف أزمة دارفور على أنّها حرب إبادة بين العرب والأفارقة في السّودان تديرها مليشيات الجنجويد العربيّة بدعم من حكومة السودان، وتنطوي على التّطهير العرقيّ، والتّهجير، والتّعريب، وغير ذلك من التّهم الباطلة. والإدارة الأمريكيّة تفعل ذلك بخبث لكي تعقّد الأمور ولكي تتاح لها الفرصة في التدخّل والاصطياد في الماء العكِر.
إنّ المشكلة في دارفور هي والحمد لله بين طرفين مسلمين، وليس بينهما طرف مسيحي أو وثني و إلا لكانت الأمور أكثر تعقيدًا.
والنـزاع الحالي في دارفور طبيعيّ، وهو ليس تطهيرًا عرقيًّا كما تصفه الإدارة الأمريكية، فالأمر لا يعدو نزاعًا بين القبائل الرعويّة الرحّل والقبائل الزراعيّة المستوطنة والتي قد تحصل في أي مكان وفي أية دولة، هذه هي كل المشكلة.
لكنه المخطّط الأمريكيّ، الذي يتضمّن تخويف أبناء دارفور من الحكومة السودانيّة من أجل البدء في تنفيذ مخطط تفتيت السودان بدءًا بإقامة دولة مستقلة تضمّ قبائلها كبيرة العدد، والمنتشرة على جانبي الحدود السودانيّة التشادية، وتكون عاصمتها دارفور، على أنْ ترتبط بالولايات المتحدة، فتصبح قاعدة استراتيجيّة لها في هذا الموقع بغرب السودان مجاورًا لليبيا وتشاد، ودول شرق إفريقيا التي ترتبط تقليديًّا بفرنسا. هذا هو الهدف!.
ولأجل عدم تكرار أخطاء العراق، فقد حرصت الإدارة الأمريكية على استصدار قرار من مجلس الأمن بالتدخل في دارفور، منحازًا من خلال دعوته حكومة السودان إلى جمع أسلحة الجنجويد فقط، دون ذكر الميليشيات الأخرى ليساعد ذلك على تقسيم البلاد. وهذه المفارقة تذكرنا فيما حدث بالبوسنة في عهد بطرس غالي عندما منع السلاح عن المسلمين فقط. وهو شرط لا يقبله عاقل إطلاقًا، فأبسط مبادئ العدل نزع السلاح من جميع أطراف الصراع، هذا فضلاً عن شروط أخرى أقل ما توصف بأنها شروط طرف يشعر بالانتصار والحماية الدولية.
أيها المسلمون: لقد وضح بجلاء السياسة الغربية تجاه جميع الدول الإسلامية وهي سياسة التقسيم، ومحاولة إثارة النعرات لأجل أن تقبل عدد من الطوائف وتطالب بالتقسيم، وهي استراتيجيّة أمريكا والغرب بعد الحرب الباردة، وتريد أنْ تطبّقه على العالم الإسلاميّ بأسره، ففي دول الخليج والعراق الصّراع والتقسيم يكون على أساس طائفيّ، سنة وشيعة، وفي مصر يكون التقسيم على أساس دينيّ بين المسلمين والأقباط، وفي الجزائر والمغرب على أساس لغويّ بين العرب والبربر، وفي ماليزيا وأندونيسا على أساس عرقيّ ودينيّ بين المسلمين والهندوس والبوذيين، وهكذا. هذا مخطط مدروس وقديم، لكن هل يتمكنون من تطبيقه وتنفيذه، هنا يأتي دور الشعوب المسلمة ودولها وأن تكون على حذر من ذلك، وأن تحاول بكل ما تملك أن تفسد هذا المخطط الصليبي اليهودي الماكر.
والدور الآن أتى على السودان، تلك الدولة العربية المسلمة والتي قد ابتليت بمصائب شتى، كان أهمها حركة التمرد الصليبي المدعومة من إسرائيل في جنوب السودان، والتي ظلت حكومة السودان تقاومها سنوات طويلة، مما عطّل وأجهض كثيرًا من مشاريع التنمية، واستنـزف كثيرًا من موارد الدخل، وبعد أنْ كانت السودان كما تؤكّد الدراسات أنّها سلّة غذاء أفريقيا أو العالم العربي أضحت سلّة حركات التمرد، والصراعات الحزبية المقيتة مما زاد ذلك من تدهور أحوالها.
وجاءت مشكلة دارفور العرقيّة وما خلّفته من أوضاع متردّية إنسانية لتزيد من كمّ مصائب السودان التي أُجبرت على التفاوض بطريقة مهينة مع حركة التمرد في الجنوب، وقبلت شروطًا وإملاءات تؤدي إلى تقسيم السودان، والقبول بالأمر الواقع بكل ما فيه من تواجد صهيوني أمريكي في جنوب السودان .
وكان السودانيون يأملون أن تكون اتفاقيّات الجنوب نهاية للضغوط التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكيّة، ولكن هيهات، فإنّ الاستعمار بكل أساليبه القديمة، وأشكاله الكئيبة عاد يطلّ على السودان في القرن الحادي والعشرين.
السؤال: أين ذهبت الجامعة العربية؟ أو منظمة المؤتمر الإسلامي؟! لا وجود لهما. لماذا هذا الصمت والسلبية؟!. هل ننتظر أن يأتي الدور دولة أخرى قريبة؟ وربما نكون نحن في القائمة الأمريكية أيضاً؟.
نسأل الله -جل وتعالى- أن يحفظ بلاد المسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يجعل كيدهم في نحورهم.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: أيها المسلمون: لم يعد خافياً الآن أن ظهور مشكلة دارفور بهذا الشكل المخطط واضح للقبض على السودان متلبساً بأي اتهام كي يسهل إنزال العقوبات وفرض الشروط والتهيئة للاحتلال كما حدث مع العراق.
والمشهد العراقيّ يكرّر نفسه في السّودان، حيث مسلسل الضّغوط المتلاحقة بات الأكثر استعمالاً ضدّ الحكومة السودانيّة الأمر الذي يمهّد إمّا إلى ضم دارفور إلى السودان الجديد في الجنوب بعد ستّ سنوات على أحسن التقديرات وإمّا الاستقلال المباشر تحت حماية القوّات الأمريكيّة والبريطانيّة التي ستدخل السودان تحت مسمّى تأمين وصول المساعدات الإنسانيّة التي ستشرف عليه قوات الاتحاد الإفريقيّ العاملة في دارفور لمراقبة وقف إطلاق النار حسب السيناريو الأنجلو أمريكي.
أيها المسلمون: إنَّ تداعياتِ الأحداث النازلة وممارسات الإكراه على ديارِ المسلمين مِن قِبَل أعدائهم ليست وليدةَ اليوم، إذ الابتلاءُ سنّة ماضية، بل الابتلاء ليس قاصرًا في الشرّ وحدَه إذ يقول تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}
[(35) سورة الأنبياء]. وليست المصيبةُ في الابتلاء لكونه سنّةً ربانية ماضية، وإنما المصيبة في كيفية التعاملِ السلبيّ معه، إذِ المفترض أن يكونَ موقفُ المؤمنين منه واضحًا جليًّا من خلال الإيمان بأنّه من عند الله، ثمّ الإدراك بأنه وإن كان ظاهره الشرّ إلا أنّه قد ينطوي على خيراتٍ كثيرة لمن وفّقه الله لاستلهام ذلك. ولا أدلَّ على مثل هذا من حادثةِ الإفك الشهيرة التي رُمي فيها عِرض سيِّد ولد آدم بأبي هو وأمّي -صلوات الله وسلامه عليه-، حيث يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [(11) سورة النــور] فالسعيدُ مِن الناس من اقتبسَ الأملَ وسطَ هذه الزوابع، والكيِّس الفطِن هو مَن استخرج لطائفَ المنَح وسطَ لفائفِ المحَن.
فالغارَةُ الكاسِحة على ديار المسلمين قد أبرَزت لنا دروسًا ليست بالقليلة، كان من أهمِّها أنّ المسلمين مهما بلَغوا مِن المقام والرِّفعة وهدوء البال واستقرار الحال فإنهم معرَّضون لأيّ لون من ألوان الابتلاء، فعليهم أن لا يستكينوا إلى درجتِه ويطمئنّوا إلى مكانته، وأن لا يحكمَهم اليأس والقنوطُ في إبّانه، كما أنَّ توطينَ النفس على السرّاء دومًا سببٌ ولا شكّ في التهالُك عند القوارعِ التي تنـزل بالمسلمين أو تحلّ قريبًا من دارهم، فيقع الانحراف ويضيع الأمَل بالله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}
[(11) سورة الحـج].
ثمَّتَ درسٌ مهمّ يبرز جليًّا إثرَ تلك التداعياتِ، ألا هو أنه لا فائدة مع العدو المحتل إلا سلاح المقاومة، لأنه قد دخل بالقوة ولا يمكن أن يخرج إلا بالقوة، فالتفاهم يكون مع الخارج، أما الداخل فلا تفاهم معه حتى يخرج، ولنا في القضية الفلسطينية أكبر شاهد على ذلك، فكم حققت الانتفاضة -ولله الحمد- من انتصارات ومكاسب، ولو قدموا تضحيات كبيرة وأنفساً نحسبهم شهداء عند الله تعالى؛ لأن المحتل لا يمكن أن يخرج إلا بهذه الطريقة..

اللهم رحمة اهد بها قلوبنا، ونسألك اللهم...
 



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

73.02