خدمة rss
مشاهد من القيامة



  
   

مشاهد من القيامة

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ …
إن الله -جل وتعالى- قد عظّم من شأن يوم القيامة، ووصفها في كتابه بأوصاف، وسماها بأسماء كثيرة، يدل ذلك على عظم شأنها، فسماها بالحاقة والطامة والغاشية والصاخة ويوم التغابن ويوم الحسرة ويوم الندامة وغيرها، ولكل اسم من هذه الأسماء معنى تدل عليه سيحصل ذلك اليوم، ثم إن هناك مشاهد كثيرة ليوم القيامة نقف -بعد توفيق الله تعالى- مع بعض هذه المشاهد متأملين مفكرين في حالنا وما سنؤول إليه، وكل واحد منا لا بد وأنه سيمر بهذه المشاهد، فالعاقل من يتأهب لها ما دام في العمر بقية..
المشهد الأول: مشهد الحشر:
وبعدما ينفخ في الصور ويقوم الناس لرب العالمين يساق العباد إلى أرض المحشر لفصل القضاء بينهم لتجزى كل نفس بما تسعى، فيجزى كل عامل بما يستحق من الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقد وضح النبي -صلى الله عليه وسلم- في عدد من الأحاديث كيف يكون هذا الحشر وكيف يكون مجيئ الناس لها وهو أنهم في هيئات وحالات ومشاهد مختلفة فبعضهم حسنة وبعضهم قبيحة بحسب ما قدموا من إيمان وكفر وطاعة ومعصية. فمن تلك المشاهد ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حال الناس عند حشرهم وهو أنه سيكون المؤمن والكافر في هيئة واحدة لا عهد لهم بها في الدنيا ولا يتصورون حدوثها ولهذا فقد حصل التساؤل والاستغراب لتلك الحالة كما في الحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تحشرون حفاة عراة غرلاً)) قالت عائشة: فقلت يا رسول الله: الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: ((الأمر أشد من أن يهمهم ذاك))
[رواه البخاري ومسلم]. فالحشر يكون دون نعل أو خف ودون ثوب أو لباس، وأيضاً يرجع البشر كهيئتهم يوم وُلدوا حتى إن الغرلة ترجع وإن كان قد اختتن في الدنيا تحقيقاً لقول الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [(104) سورة الأنبياء]. هذا مشهد من مشاهد الحشر.
مشهد آخر وهو مشهد الكفار فإنهم سيحشرون -والعياذ بالله- على هيئة تختلف عن غيرهم وهو أنهم يسحبون في المحشر على وجوههم قال الله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}
[(97) سورة الإسراء]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "فأخبر أن الضالين في الدنيا يحشرون يوم القيامة عمياً وبكماً وصما "(1). قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [(125- 126) سورة طـه]. روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رجلاً قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: ((أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟)) قال قتادة: بلى وعزة ربنا.
ومن مشاهد الحشر الأخرى التي وردت في السنة أن هناك صنف من الناس يحشرون في أحقر صفة وأذلها وهؤلاء هم المتكبرون. فلأنهم في الدنيا يمشون في كبرهم وتبخترهم على الناس، عالية رؤوسهم عن التواضع لله أو لخلقه، هؤلاء المستكبرون ورد في صفة حشرهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان))
[رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]. وفي رواية عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يبعث الله يوم القيامة ناساً في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم فيقال ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال هؤلاء المتكبرون في الدنيا)). وهذه الحالة المخزية تناسب ما كانوا فيه في الدنيا من تعاظم وغرور بأنفسهم؛ لأنهم كانوا يتصورون أنفسهم أعظم وأجل المخلوقات فجعلهم الله في دار الجزاء أحقر المخلوقات وأصغرها والجزاء من جنس العمل. قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده كما أن من تواضع لله رفعه الله ".(2)
ومن مشاهد الحشر يوم القيامة مشهد أولئك السائلين المتسولين الذين يسألون الناس وعندهم ما يغنيهم، هؤلاء يأتون يوم القيامة للحشر وفي وجوههم خموش أو كدوح، ومنهم من يأتي وليس في وجهه مُزعة لحم يعرفهم الناس كلُهم. عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم))
[رواه البخاري]. وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من سأل وله ما يغنيه جاءت خموشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة)) [أخرجه النسائي].
ومن مشاهد الحشر أيضاً مشهد أولئك الذين يأخذون من الغنائم وهي من أموال المسلمين العامة، هؤلاء يحشرون في هيئة تشهد عليهم بالخيانة أمام الخلق أجمعين، فمن غل شيئاً في حياته ولم يرجعه أو يتوب منه فسيظهره الله يوم الحشر وسيشهر به أمام الناس زيادة للنكاية به يحمل ما غل على ظهره قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}
[(161) سورة آل عمران]، قال قتادة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا غنم مغنماً بعث منادياً: ((ألا لا يغلنّ رجل مخيطاً فما دونه، ألا لا يغلنّ رجل بعيراً فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلنّ رجل فرساً فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حمحمة)) وعن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساعياً ثم قال: ((انطلق أبا مسعود لا ألفينّك يوم القيامة تجيئ وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته))، قال: إذاً لا أنطلق، قال: ((إذاً لا أكرهك)) [أخرجه أبو داود].
ومن مشاهد الحشر ما ذكره بعض أهل العلم بأن المرء يبعث ويحشر يوم القيامة على ما مات عليه من خير أو شر، فالزامر يأتي يوم القيامة بمزماره، والسكران بقدحه، والمؤذن يؤذن ونحو ذلك. نسأل الله حسن الختام. قال الله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا}
[(85-86) سورة مريم]. وقال –سبحانه-: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [(22-23) سورة الصافات] وهذا يشمل الطائعين والعاصين كما قال –سبحانه-: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [(7) سورة التكوير] أي قُرن كل صاحب عمل بشكله ونظيره، فقرن بين المتحابين في الله في الجنة وقرن بين المتحابين في طاعة الشيطان في الجحيم فالمرء مع من أحب شاء أو أبى. وفي المستدرك للحاكم وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا يحب المرء قوماً إلا حشر معهم)). قال شيخ الإسلام -رحمه الله- وقد نَقل عن قتادة في تفسير قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} قال: فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا، وكل كافر معه شيطانه في سلسلة، الفاجر مع الفاجر، والصالح مع الصالح، ويلحق كل امرئ بشيعته اليهودي مع اليهود، والنصراني مع النصارى، وأعوان الظلمة كما جاء في الأثر: "إذا كان يوم القيامة قيل أين الظلمة وأعوانهم فيجمعون في توابيت من نار ثم يقذف بهم في النار". وقد قال غير واحد من السلف: "أعوان الظلمة من أعانهم ولو برى لهم قلماً، ومنهم من كان يقول: بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم". فيحشر كل مرء مع صاحب عمله حتى إن الرجل يحب القوم فيحشر معهم كما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لمّا قيل له: الرجل يحب القوم ولمّا يلحق بهم، قال: ((المرء مع من أحب)). وقال –صلى الله عليه وسلم-: ((الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)). وقال –صلى الله عليه وسلم-: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل))(3). فنسأل الله تعالى أن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بحبنا إياهم وإن لم نعمل مثلهم.
ومن مشاهد الحشر لأهل الطاعات أهل الوضوء الذين يحشرون غراً محجلين كرامة من الله تعالى لأوليائه وأحبائه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: ((إن من أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل))
[رواه البخاري].
وهناك مشهد الشهداء في سبيل الله فإنهم يحشرون ودمائهم تسيل عليهم كهيئتها يوم جرحت في الدنيا تفجر دماً، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دماً اللون لون دم والعرف عرف المسك))
[رواه مسلم]. وهذا إكرام لهم وبيان لمزاياهم وتشهيراً بمواقفهم وعلو مقامهم عند الله تعالى. قال النووي -رحمه الله تعالى-: "والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى".
إن موقف الحشر موقف مكروب ذليل، يثير الفزع والخوف، فما ظنك بمن يؤخذ بناصيته ويقاد، وفؤاده مضطرب، ولبه طائر، وفرائصه ترتعد وجوارحه تنتفض، ولونه متغير، ولسانه وشفتاه قد نشَف، وقد عض على يديه، والعالم والجو عليه مظلم، وضاق عليه أرض المحشر كأضيق من سَمّ الخِياط، مملوء من الرعب والخجل من علام الغيوب ومن الناس، وقد أتي يتخطى رقاب الناس ويخترق الصفوف، يقاد كما يقاد الفرس المجنوب وقد رفع الخلائق إليه أبصارهم حتى انتُهِيَ به إلى عرش الرحمن، فرموه من أيديهم وناداه الله -سبحانه وتعالى- فدنى بقلب محزون خائف وجل، وطرف خاشع ذليل، وفؤاده متحطم متكسر، وأعطي كتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. فكم من فاحشة نسيها فتذكّرها، وكم من ساعة قتلها عند منكر، وكم من ليلة أضاعها عند ملهى، وكم من ريال أنفقه في المعاصي، وكم من صلاة تأخر عنها وهو غير معذور، وكم من زكاة تهاون بها، وكم من صيام جرحه بغيبة أو كذب، وكم من أعراض تكلم فيها ولحوم مزقها، وكم من جيران تأذوا بمجاورته، وكم من مخالطة له أوقعه في المعاصي، وكم من أرحام قطعهم وكم من مسلم غشّه، وكم من حقوق لخلق الله تناساها، وكم من أسرار تسمّعها لم يؤذن له، وكم من محرم نظر إليها بعينيه، وكم وكم وكم.. فليت شعري بأي قدم يقف بين يدي الله وبأي لسان يجيب وبأي قلب يعقل ما يقول، وبأي يد يتناول كتابه، بل وبأي عين ينظر لرب العالمين {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}
[(93-94-95) سورة مريم].
إن هذا الحشر ليس خاصاً بالإنس بل سيحشر الإنس والجن بل وحتى البهائم والحيوانات والطيور قال الله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}
[(38) سورة الأنعام] وقال تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [(5) سورة التكوير]. وعند الإمام أحمد من حديث أبي ذر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان جالساً وشاتان تقترنان فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها قال: فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيل له ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ((عجبت لها، والذي نفسي بيده ليقادنّ لها يوم القيامة)). قال عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: "إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الجن والإنس والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء تنطحُها فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً فيراها الكافر فيقول: (يا ليتني كنت ترابا)".
وأول من يحشر هو نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث تنشق عنه الأرض قبل كل مخلوق لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه القبر))
[رواه مسلم].
اعلموا أن الحشر حشران، حشر في الدنيا وحشر في الآخرة. أما حشر الدنيا فسيكون عن طريق النار التي تخرج من قعر عدن تحشر الناس إلى أرض الشام. روى الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي ذر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الشام أرض المحشر والمنشر)). وعند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ يَنْحَازُ النَّاسُ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ تَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلَّفَ)). والسبب في كون أرض الشام هي أرض المحشر هو أنه عندما تقع الفتن في آخر الزمان تكون أرض الشام هي محل الأمن والأمان. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ))
[رواه الإمام أحمد بسند صحيح]. هذا حشر الدنيا.
وأما حشر الآخرة فإنه يكون يوم القيامة بعد بعث الناس من القبور. ويكون الحشر لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلاً بهماً {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}. وسيكون هذا الحشر في أرض أخرى غير هذه الأرض قال الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}
[(48) سورة إبراهيم] وقد أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صفة هذه الأرض الجديدة التي يكون عليها الحشر فقال -كما في حديث سهل بن سعد عند البخاري-: ((يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد)) قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "تبدل الأرض أرضاً كأنها الفضة لم يسفك عليها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة".
المشهد الثاني: مشهد الحوض:
من جملة عقيدتنا في يوم القيامة، أن هناك حوضاً يُنصب لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد أجمع السلف على هذا، وآمن به المؤمنون {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}
[(7) سورة آل عمران)]. قال -عليه الصلاة والسلام-: ((إن لكل نبي حوضاً، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردةً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةً))، وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث النضر بن أنس عن أنس قال: ((سألت رسول الله أن يشفع لي؟ فقال: أنا فاعل. فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض))(4).
إذا خرج الناس من قبورهم، وإذا أذِنَ الله للأجساد الميتة أن تبعث مرة أخرى يوم القيامة، خرج الناس من القبور، مغبرّة رؤوسهم، حافية أقدامهم، عارية أجسادهم، فيحشرون في الموقف، والشمس تكون قريبة من رؤوسهم قدر ميل، فيصيبهم من العطش ما يصيبهم، أحوج ما يكونون إلى شربة ماء يروون بها ظمأهم، فيكون هناك الحوض في أرض المحشر. الحوض مكرمة ومنّة عظيمة للرسول -صلى الله عليه وسلم-، ليواصل المؤمنون به الشرب الحسي كما شربوا في الدنيا الشرب المعنوي من الاهتداء والاقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، ولا يشرب ذلك الشرب الحسي في عرصات القيامة إلا من شرب الشرب المعنوي في الدنيا، وإلاّ فإنه يذاد عنه ويطرد جزاءً وفاقاً. الحوض منّة الله على رسوله في الآخرة هو الذي قال الله فيه: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}
[(1) سورة الكوثر] والكوثر نهر في الجنة يصب منه ميزابان يشخبان في حوض النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال ابن حجر: "وظاهر الحديث أن الحوض يجانب الجنة ليصب فيه الماء من النهر الذي داخلها"(5). وعندما يقل نور النبوة ويخبو في الناس، ينسى الناس أمثال هذه الأحاديث ومثل هذه العقائد. فقد حصل السؤال عن الحوض في عهد الصحابة، وأنكره بعضهم لأنهم لم يسمعوا به عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد دخل أبو برزة الأسلمي على عبيد الله بن زياد، فقال له: هل سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكر فيه شيئاً؟ فقال أبو برزة: نعم، لا مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، ولا خمساً، فمن كذّب به فلا سقاه الله منه(6). وعن أنس قال: "دخلت على ابن زياد وهم يذكرون الحوض، فقلت: لقد كانت عجائز بالمدينة كثيراً ما يسألن ربهنّ أن يسقيهنّ من حوض نبيهنّ"(7). وكان أنس يقول: ما حسبت أن أعيش حتى أرى مثلكم ينكر الحوض. هذا في عهد من بقي من الصحابة، فما تظن الناس اليوم تعرف عنه؟ ولو عرفت فماذا أعددت لتلك الساعة ولتلك اللحظة؟!.
يخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غير ما حديث عن صفة هذا الحوض فهل لك أن ترعني سمعك بقلب حاضر وأنت تسمع هذه الأحاديث؟ يقول -عليه الصلاة والسلام-: ((إن حوضي أبعد من أيلة (بلدة بالشام) من عدن، لهو أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصُد الناس عنه كما يصُدّ الرجل إبل الناس عن حوضه)).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((أولُ الناس وروداً عليه فقراء المهاجرين، الشعث رؤوساً، الدُنُس ثياباً، الذين لا يَنكِحون المنعّمات، ولا تفتح لهم السُدد، الذين يعطُون الحق الذي عليهم، ولا يعطَون الذي لهم)).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن في حوضي من الأباريق بعدد نجوم السماء)).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((حوضي كما بين صنعاء والمدينة، فيه الآنية مثل الكواكب)).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منه فلا يظمأ أبداً)).
إنها صفات تسلب العقل، وتثير الإيمان، وتجدد العهد مع الله، والمؤمن الصادق إذا سمع بمثل هذه الأحاديث عن حوض النبي -صلى الله عليه وسلم- اشتاقت نفسه إليه، وعملت كل ما تستطيع حتى تشرب منه، شربة هنيئة تنالها من يد المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
الحوض موعدنا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-. الحوض مأوى أهل الإيمان قبل دخول الجنة. الحوض يُروى عنده الظمأى. الحوض يَأمن عنده الخائفون، الحوض يَسعد عنده المحزونون. الحوض يقف عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، وبقية الصحب الكرام. الحوض يقف عليه سادات الأمة وعلماؤها. الحوض يرتوي منه مصلحوا الأمة ودعاتها. الحوض بداية فرح المؤمن في الآخرة، لأنه لا يرده إلاّ وقد نجى من هولٍ عظيم وكربٍ جسيم.
وبعد هذا ماذا أعددّت للحوض؟ وماذا أعددّت للقيا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- على الحوض؟ أتعلم أنه يُطردُ أناس عن ذلك الحوض؟ أتعلم أن الحوض حرام الشرب منه لأهل الحدث والفجور؟ أتعلم أن الحوض لا يرده إلا المؤمنون الصادقون؟ يقول -عليه الصلاة والسلام-: ((إني لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتين أحدكم فيُذب عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقاً))
[رواه مسلم في صحيحه]. وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((إني فرطكم على الحوض، من مرّ بي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً وليردنّ عليّ أقوام، أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً، لمن بدّل بعدي)). قال أهل العلم: كل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه بما لا يرضاه الله ولم يأذن به، فهو من المطرودين عن الحوض، وأشدهم طرداً المبتدعة الذين يطعنون في الصحابة ويسبونهم، فهؤلاء مبدّلون لدين الله، محدثون في دين الله بما لا يرضاه الله، ولم يأذن به، وكذلك الظلمة المسرفون في الظلم والجور، وطمس الحق وإذلال أهله، وكذلك المعلنون بكبائر الذنوب، المجاهرون بها، الذين لا يستحون من الناس، ولا يستحون من الله. قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء". وقال: "وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق المعلنون بالكبائر". وقال القرطبي -رحمه الله-: "إن أشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدّلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع". انتهى.
فيا أخي الحبيب، إن الأمر جد {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}
[(13-14) سورة الطارق)] من كان على بدعة فلينتبه، ومن كان مجاهراً بكبيرة فلينتبه، ومن كان مصراً على معصية فلينتبه. عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)) فكان ابن أبي مليكة يقول: "اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا" [رواه البخاري]. كيف بك يا عبد الله وفي ذلك الموقف لو علم بك النبي -صلى الله عليه وسلم- أنك قد عملت بعده أشياء وأشياء. كيف لو علم أن أشخاصاً بأعيانهم من أمته صار يأكل الربا كما يأكل الطعام. هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. كيف لو علم أن من أمته وفي بيوت المصلين منهم يعرض الزنا والفجور بل والكفر بالله -عز وجل- عبر القنوات الفضائية، وهل بعد إدخال الدشوش في البيوت والتساهل في أمره من إحداث، هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. ألا تخشى يا عبد الله أن تطرد عن الحوض يوم العطش الأكبر بسبب ما عملت يداك.
ثم إن أهل البدع عامتهم مطرودون عن الحوض؛ لأنه يقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وقد قال هو -صلوات ربي وسلامه عليه-: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).
فاحذر أخي المسلم من البدع، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ومن شؤم البدع أن الله حجب التوبة عن صاحبها كما ورد بذلك الحديث. وذلك لأن البدعة تحلو في عين صاحبها، ويرى أنه يقوم بعمل جليل، فاحذر أيها المسلم من البدع وأهلها، واهجرهم هجراً جميلا. ومن بلايا هذا الزمان، أن البعض قد يبتلى بالعمل مع المبتدعة، إما رئيساً أو مرؤوساً أو قريناً في العمل، وهم أنجاس أرجاس، مطرودون عن حوض النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاحذرهم أخي المسلم، وقل لهم: لكم دينكم ولي دين.
ويوم القيامة يوضع منبر النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يخطب عليه في الدنيا على حوضه. قال -عليه الصلاة والسلام-: ((ومنبري على حوضي))
[رواه البخاري]. فتأمل ذلك الجلال وانظر إلى هذه المعاني التي تزيد المؤمن إيمانا. وقد زار النبي -صلى الله عليه وسلم- البقيع فقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنّا قد رأينا إخواننا؟ فقالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد. قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال أرأيت لو أن رجلاً له خيل غرّ محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلمّ، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: "سحقاً سحقاً ")). أهل الوضوء والصلاة يردون على النبي -صلى الله عليه وسلم- في حوضه، وتاركوا الصلاة لا يردون، لأن تاركي الصلاة لا يكونون غراً محجلين، كيف تكون لهم علامة التحجيل وهم لا يصلون؟. إن المحافظة على الوضوء والصلاة من مبشرات المرء للورود على الحوض، وهذا يدل على النجاة من جهنم وشرها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)). فالمحافظة على الوضوء من صفات أهل الإيمان. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الطهور شطر الإيمان)).
إنها أعمال ربما استقلها العبد، لكنها الفلاح والنجاح، إذا أردت الفوز بالجنة والورود على الحوض وعدم الطرد عنه، فحافظ على الوضوء، وصلِ الصلاة المفروضة مع الجماعة، وابتعد عن البدع، فلا سلامة إلا بذلك.
لقد كان الحوض موعداً لكل متظلم لا يجد من ينصفه من خصمه، وكان الحوض موعداً لكل من لا يؤدَى إليه حقه، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول للصحابة في آخر حياته كما في صحيح البخاري: ((إني فرطٌ لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)).
قد ترى أنك لم تُنصف في الدنيا، ولم تأخذ حقوقك كاملة، وهذا طبع في الناس، يرون الذي لهم وينسون الذي عليهم، يريدون من الدنيا أن تطبع على غير هذا. وهي كما قال الشاعر:
 

طبعت على كدرٍ وأنت تريدها *** صفواً من الأقذار والأكدار
ومتكلف الأيام ضد طباعها *** متطلبٌ في الماء جذوة نار


اصبر يا عبد الله، فإن موعدك الحوض، يا من تشعر بأنك مظلوم فاصبر فإن موعدك الحوض، يا من تحس بحرارة التمسك بالسنة في هذا الزمان اصبر فإن موعدك الحوض. ومع أول شربة من حوض النبي -صلى الله عليه وسلم- تنسى كل ما مرّ بك من المظالم والنقائص. فنسأل الله تعالى شربة هنيئة من حوض نبينا لا نظمأ بعدها أبداً.
المشهد الثالث: مشهد الصراط:
إذا كان يوم القيامة، بُعث الناس من قبورهم ويكون ذلك بالنفخ في الصور، يأمر الله جل جلاله إسرافيل فينفخ فيقوم الناس لرب العالمين.
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}
[(68) سورة الزمر]. فإذا قام الناس من قبورهم بدأ الحشر، {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [(85، 86) سورة مريم]، وقال سبحانه: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [(108) سورة طـه] فلا تسمع إلا همساً، من هول الموقف وخوف الناس من المصير الذي سيؤولون إليه. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يحشر الناس على ثلاث طرائق، راغبين راهبين، واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا)). فيقف الناس في الموقف في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، يعرق الناس حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم، يكون بعدها العرض والحساب والمناقشة. قال الله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ} [(83-85) سورة النمل]. عندها يبدأ المسائلة {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [(92-93) سورة الحجر]. ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة)). بعدها توزع الشهادات وتظهر النتائج {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ} [(19) سورة الحاقة] {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} [(25-27) سورة الحاقة]. ثم يضرب جسر جهنم ليمر الناس عليه، أخرج البخاري في صحيحة من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ويضرب جسر جهنم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فأكون أولُ من يجيز ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو)). إنها لمواقف، سوف نمر بها، يؤمر بك يا عبد الله، لكي تعبر الصراط، وهو الجسر المضروب على متن جهنم، تمشي على جسر وتحتك نار جهنم، نارٌ أُحمي عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، ثم يطلب منك أن تعبر هذا الجسر، وكما سمعت في حديث أبي هريرة أن هناك كلاليب، تشبه شوك السعدان لكن لا يعلم عظمها إلا خالقها، مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه، كما في صحيح مسلم ((وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به)) فما أنت فاعل يا عبد الله، والمرور والعبور كما سمعت في الحديث بحسب العمل في الدنيا، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل، ومنهم الناجي. أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا يا رسول الله، وما الجسر؟ قال مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب مفلطحة، لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد يقال لها السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحباً)).
إن الناس على الصراط كما سمعتم، منهم من يُسلّمه الله تعالى، فلا يحس بألم تلك الخطاطيف والكلاليب، وهؤلاء الناجين أيضاً ليسوا على درجة واحدة، فمنهم من يكون عبوره كلمح البصر، ومنهم من يكون عبوره كالبرق، ومنهم كسرعة الريح، ومنهم كأجاويد الخيل وهكذا حتى أن آخرهم يسحب سحباً، ومنهم من ينجو لكن يصيبه شيء من خدوش تلك الكلاليب، فتؤثر في جسده، ومنهم -والعياذ بالله- من تأخذه تلك الكلاليب فلا تدعه حتى تنتهي به في قعر جهنم، مكدوساً فيها، مسوقاً بشدة وعنف، من ورائه ليكون فوق من سبق، يكدسون كما تكدس الدواب في سيرها إذا ركب بعضها بعضاً. هذا حال الناس -أيها الأحبة- يومئذٍ على الصراط، وينفع العبد يومئذٍ الأمانة والرحم، كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الأمانة والرحم تقومان على جنبتي الصراط. إن الأمانة والرحم، ترسلان فتقومان جنبتي الصراط، ما هو السبب في قيامهما ذلك؟ السبب هو أداء الشهادة للشخص أو عليه، بما كان يفعله تجاههما، من القيام بهما، وأداء الواجب الذي أمر الله به نحوهما، والوفاء والتمام الذي كان يسير عليه في حياته الدنيا، أو تشهدان عليه بالخيانة والغدر وعدم القيام بالواجب نحوهما. فيا من في أعناقكم أمانات، وكلنا كذلك، وكل بحسبه، أد الأمانة، قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، في موطن تكون الزلة تحتها قعر جهنم {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}
[(72) سورة الأحزاب] الوضوء أمانة، والغسل أمانة، والعمل أمانة، والبيت والأولاد أمانة، والدعوة أمانة، والعلم أمانة، والولاية أمانة، ألا فليؤد كل مُؤتَمَنْ أمانته. أما الرحم، فيوم خلقها الله تعلقت به -عز وجل- وقالت: ((هذا مقام العائذ بك يا رب، فقال لها: أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ فقالت بلى يا رب، قال فذلك لك)). فليحذر قاطع الرحم، من خطورة الموقف {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [(22-23) سورة محمد] ثم إن دعوى الأنبياء يومئذٍ على الصراط، اللهم سلم سلم، روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ثم يوضع الصراط بين ظهري جهنم، والأنبياء بناحيتيه، قولهم اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم)). فإذا كان هذا دعوى الأنبياء، اللهم سلم سلم، فماذا يقول غيرهم، ماذا عساه أن يقول قاطع الرحم أو مضيع الأمانة، أو مهمل الصلاة، أو تارك الزكاة، ماذا عساه أن يقول آكل الربا، وظالم العمال، وشارب الخمر، إذا كان الأنبياء الذين عملهم الدعوة إلى دين الله دعواهم يومئذٍ اللهم سلم سلم. فماذا يقول من همه محاربة الدعوة، ومنابذة الشريعة، ومخاصمة الملة. عن أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يُحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فَتَقَادع بهم جنبتا الصراط، تقادع الفراش في النار، قال فينجي الله -تبارك وتعالى- برحمته من يشاء)) [رواه الإمام أحمد]. فإذا عبرت الأمم، وسقط من سقط، ونجى من نجى، وكلٌ أخذ مكانه جيء بالموت، فيوقف على الصراط، ويذبح هناك. أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا نعم هذا الموت قال: فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين كليهما: خلود فيما تجدون، لا موت فيها أبداً)). إن الصراط ممر رهيب، وعقبة خطيرة، عليه من أنواع التعذيب ما لا يعلمه إلا الله، عليه كلاليب كشوك السعدان، لا يتكلم عليه أحد غير الرسل من هول الموقف، وهو دحض مزلة، ينـزلق فيه المارة بسرعة، أول من يجيزه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمته، إكراماً وتشريفاً لهم، والناس عليه حسب أعمالهم فاستعدوا لخطورة الصراط والمرور عليه، إذ هو مظنة الهلكة إن لم يكتب الله السلامة لمن يجتازه. فهذا يسقط، وهذا يزحف، وهذا يمر مسرعاً، وهذا تصيب جوانبه النار وهذا تخطفه الكلاليب، حقاً إنه لممر عصيب ومسلك رهيب. أعاننا الله عليه بفضله ورحمته. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد أنه قال: ((بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف)). ثم إن الصراط يكون مظلماً، تخيل تسير على جسر أدق من الشعر وأحد من السيف والطريق مظلم، وتحتك جهنم، وعندها تقسم الأنوار على العباد بحسب أعمالهم، ليروا الطريق أمامهم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة، ويطفأ مرة، إذا أضاء قدّم قدمه، وإذا أطفأ قام – إلى أن قال – فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار)) [أخرجه الحاكم في المستدرك]. وأهل النفاق، الذين كانوا يتظاهرون في الدنيا بالصلاح، ويظهرون الحرقة على الدين، وربما نسبوا لأنفسهم مشاريع إسلامية، وهم في الحقيقة منافقون إنما يفعلون ما يفعلون لمصالح شخصية. هؤلاء ينكشفون عندما تقسم الأنوار، فيعطى المؤمن نوراً، ويترك ذلك المنافق الذي قد انطفأ نور الإيمان في قلبه في الدنيا، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [(40) سورة النــور] فيريد المنافق أن يستضيء من نور المؤمن، لكن لا حيلة {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [(13 -15) سورة الحديد]. وهناك نوعيات من البشر بمجرد ركوبهم على الصراط فإنهم يمنعون من عبور الصراط، فتخرج عنق من النار تلتقطهم وترميهم في جهنم -والعياذ بالله-. أخرج الإمام أحمد بسنده من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، تقول: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين)) وفي رواية أبي سعيد: ((ومن قتل نفساً بغير نفس)) بدل المصورين.
اللهم هون علينا عبور الصراط، واجعلنا اللهم ممن يسوقه عمله كالطرف..
المشهد الرابع: مشهد الشفاعة:
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن ينـزل ويتجلى على عباده في الموقف يوم القيامة بالجلال والجبروت، ونعلم أن الناس يكونون في الموقف، وأن الشمس تدنو من الخلائق وتكون منهم بمقدار ميل، فيغرقون في عرقهم كل بحسب عمله، حتى يتمنى بعض الناس الانصراف ولو إلى النار من شدة ما هم فيه، ولو علموا حقيقة النار لما تمنوا ذلك. فيرحم الله بعض خلقه المستحقون للرحمة، بعدة رحمات منها الشفاعة، بالشفاعة يعرف المسلم قدر رحمة الله، ويعرف تفضله على أنبيائه عموماً وعلى نبينا خصوصاً؛ لأن له المقام الأول والحظ الأوفر من الشفاعة. الشفاعة جعلها الله كرامة للشافع ورفعاً لدرجته، ونفعاً للمشفوع له خصوصاً أهل المعاصي من أمثالنا -والله المستعان- ممن توقفت سعادتهم للحصول عليها. الشفاعة من العقائد المسّلم بها عند أهل السنة، وقد خالف وأنكرها بعض أهل البدع ممن ينتمي إلى أهل القبلة. وخلاصة الشفاعة أنها طلب الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو غيره من الله تعالى في الدار الآخرة حصول منفعة لأحد من الخلق. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجّل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً)).
قال الله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}
[(255) سورة البقرة]، وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [(28) سورة الأنبياء]، وقال سبحانه: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [(109) سورة طـه]، وقال -جل وعلا-: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى} [(26) سورة النجم].
وأعظم الشفاعات يوم القيامة شفاعة نبينا -صلى الله عليه وسلم- لفصل القضاء بين الناس، عندما يكون العباد في قلق شديد وكرب عظيم لا يدرون كيف يهتدون إلى الخلاص مما هم فيه، فيلهم الله تعالى بعض عباده طلب الشفاعة من الرسل إلى الله تعالى لفصل القضاء وإراحتهم مما هم فيه. فيأتون آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى -عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم-، حتى تنتهي بنبينا -صلى الله عليه وسلم-. روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام ثم يأتون نُوحًا عليه السلام ثم يأتون إِبْرَاهِيمَ عليه السلام ثم يأتون مُوسَى عليه السلام ثم يأتون عِيسَى عليه السلام وكل نبي يحيلهم إلى غيره قائلاً إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله اذهبوا إلى غيري حتى تنتهي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى)). وهذه الشفاعة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم وهي المقام المحمود المراد بقول الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}
[(79) سورة الإسراء]. وهناك شفاعة في أهل الكبائر من هذه الأمة ممن يرتكبون الفواحش والمخالفات فقد يرحم الله بعضهم بشفاعة، فعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أَذِن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر (أي جماعات) فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل)) [رواه مسلم]. وهناك شفاعة لطائفة من المؤمنين بدخول الجنة بغير حساب ولا عذاب وعددهم سبعون ألفاً، ((وهُمْ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)). وهناك شفاعة للرسول -صلى الله عليه وسلم- لمن سكن المدينة ومات بها، فالله -جل وتعالى- شرّف المدينة بخيرات عديدة فهي مُهاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعاصمة الإسلام الأولى، والإيمان يأرز إليها كما تأرز الحية إلى جحرها، ومن هذه الميزات شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهلها لمن مات بها صابراً محتسباً ففي صحيح مسلم: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ولا يثبت أحد على لأوائها وجَهدها إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة)).
وأيضاً هناك شفاعة لرفع درجات أهل الجنة، فهؤلاء قد دخلوا الجنة ومع ذلك تنالهم شفاعة فترفع درجاتهم كرماً من الله -جل جلاله-، إن من عباد الله من يقدمون أعمالاً يدخلهم المولى الجنة برحمته، وفوق هذا ينالهم كرم الله فوق ذلك فتنالهم شفاعة ترفع منـزلتهم في الجنة. أخرج البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى -رضي الله عنه- أنه قال: ((لما فرغ النبي -صلى الله عليه وسلم- من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقُتل دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرُمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته. فانتهيت إليه فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى، فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنـزعته، فنـزا منه الماء، قال: يا ابن أخي أقريء النبي -صلى الله عليه وسلم- السلام وقل له: استغفر لي، واستخلَفني أبا عامر على الناس فمكث يسيراً ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيته على سرير مرمّل وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال: قل له: استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس، فقلت: ولي فاستغفر، فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً)). قال أبو بردة: أحدهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى. وعن أم سلمة ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه))
[رواه مسلم]. وهناك شفاعة خاصة لأبي طالب عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تخفيف العذاب عنه والكفار كما نعلم لا شفاعة لهم والأصل في حقهم قول الله تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [(48) سورة المدثر] لكن لما كان لأبي طالب مواقف عظيمة مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومساندته له في دعوته ومناصرته والذب عنه وهي أعمال فاضلة، أُذن للرسول -صلى الله عليه وسلم- الشفاعة في عمه فقط وهي شفاعة تخفيف لا شفاعة إخراج من النار. ففي البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر عنده عمه فقال: ((لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)). وعند مسلم من حديث ابن عباس: ((أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو مُنتعل بنعلين يغلي منهما دماغه)). فنسأل الله أن يرحمنا برحمته. وهل تنتهي الشفاعات عند هذا؟ لا. كرم المولى ورحمته بخلقه أعظم من هذا فقد ثبت في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يشفع في أمته عدّةَ مرات وفي كل مرة يرحم الله فيها طائفة من الناس قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ قُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا ثُمَّ أَشْفَعْ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنْ الْخَيْرِ ذَرَّةً)). وهل تنتهي الشفاعات عند هذا؟ لا. وبعد هذه الشفاعات يقول الله -جل جلاله- شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوماً لم يعملوا خيراً قط. فنسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن تنالنا في ذلك اليوم شفاعة، تنجينا من عذاب الله.
إن الله تعالى يشفع في ذلك اليوم ويشفع الأنبياء والرسل ويشفع الملائكة. وممن يشفع أيضاً الشهداء الذين قد أراقوا دمائهم في سبيل الله هؤلاء يكرمون يوم القيامة بأن يسمح لهم بالشفاعة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((للشهيد ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه))
[رواه الترمذي وغيره].
وممن يشفع أيضاً الولدان كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا القسم))
[رواه البخاري].
وأيضاً سيشفع القرآن، هؤلاء الذين أقبلوا على القرآن هنا في الدنيا، هذا القرآن سيشفع لهم عند الله تعالى، والجزاء من جنس العمل، فقد ثبت أن سورتي البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، تحاجان عن صاحبهما. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)).
ومما يوجب الشفاعة بإذن الله: طلب الوسيلة للرسول -صلى الله عليه وسلم- والإكثار من الصلاة عليه: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منـزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا هو، فمن سـأل لي الوسيـلة حلت له الشفاعة))
[رواه مسلم].
ويوجب الشفاعة أيضاً: قول لا إله إلا الله بإخلاص والموت عليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه)). ويوجب الشفاعة أيضاً: الإكثار من السجود: فعن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم عن خادم النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مما يقول للخادم: ((ألك حاجة؟ حتى كان ذات يوم قال: يا رسول الله، حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة، قال: فأعني بكثرة السجود))
[رواه أحمد وسنده صحيح].
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

______________________________________

1- الفتاوى 18/175.
2- الفتاوى 28/120.
3- الفتاوى 7/63-64.
4- الفتح 11/466.
5- الفتح 11/466.
6- الفتح 11/467.
7- الفتح 11/468.



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

83.7