حي على الجهاد
16/1/1421هـ
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله..
أما بعد: الجهاد في سبيل الله، ذروة سنام هذا الدين، ناشر لوائه، وحامي حماه، بل لا
قيام لهذا الدين في الأرض إلا به.
أولئك الذين يريدون أن ينشروا دين الله عن طريق البرلمانات، أو الانتخابات، أو
المؤتمرات، كلهم يخطئون، فإن هذا الدين لا يقوم، إلا كما قام أول مرة، تحت ظلال
السيوف، به نال المسلمون العز والتمكين في الأرض، وبسبب تعطيله، حصل للمسلمين الذل
والهوان والصغار، واستولى علينا الكفار، بل تداعت علينا أرذل أمم الأرض كما تتداعى
الأكلة إلى قصعتها، وأصبحنا مع كثرتنا غثاءً كغثاء السيل، نزع الله المهابة من قلوب
أعدائنا ووضعها في قلوبنا.
أيها المسلمون: لقد حرص الأعداء على تشويه صورة الجهاد والمجاهدين، وتخذيل المسلمين
عنه، ووضع العراقيل دونه، وعلى قصر معناه على الدفاع فقط. بل حتى الاسم، لا بد أن
يكون دفاعاً لا حرباً ولا هجوماً ولا جهادا، وأصبحت وسائل الإعلام تطلق على
المجاهدين أنهم متطرفين ومجرمي حرب. بينما في المقابل تجد أن إسرائيل تُسمي
وزارتها، وزارة الحرب، كل ذلك وغيره خوفاً من أن يؤوب المسلمون إليه، فيهزموهم،
ويذلوهم، ويلزموهم الذل والصغار؛ لأنهم يعلمون أنه متى أعيد الجهاد، بصورته التي
كان عليها الرعيل الأول، فإنه لن تقوم لهم قائمة، ولن يقدروا على الصمود، أمام زحف
جحافل الحق، التي وعدت بالنصر والتمكين {وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
[(40) سورة الحج].
الجهاد لم يشرع عبثاً، ولا لتحقيق أهداف شخصية، أو مطامع مادية، أو مكاسب سياسية،
أو لبسط النفوذ وتوسيع الرقعة ولا لإزهاق النفوس وسفك الدماء، والتسلط على الناس
واستعبادهم، ولكن شرع الجهاد لتعبيد الناس لله وحده. وإعلاء كلمة الله في الأرض،
وإظهار دينه على الدين كله ولو كره المشركون. قال الله تعالى:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}
[(193) سورة البقرة].
وقال سبحانه:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه
فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
[(39) سورة الأنفال].
لقد شرع الجهاد، لرد اعتداء المعتدين على المسلمين، يقول الله تعالى:
{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}
[(190) سورة البقرة].
وقال تعالى: {أَلاَ
تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ
وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن
تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ} [(13) سورة
التوبة].
لقد شرع الجهاد لمنع الكفار من تعذيب
المستضعفين من المؤمنين والتضييق عليهم ومحاولة فتنتهم في دينهم
{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا}
[(75) سورة النساء].
لقد شرع الجهاد لتغيير الأوضاع والأنظمة
الشركية وما ينتج عنها من فساد في شتى مجالات الحياة. فإن هذه من شأنها أن تفتن
المسلم عن دينه، ولذلك فإن أهل الجزية من أهل الذمة ونحوهم، يمنعون من المجاهدة
بدينهم والتعامل بالربا وبإظهار الزنا؛ لأن هذه الأوضاع تفتن المسلم عن دينه.
لقد شرع الجهاد لمنع صد الكفار من تحت ولايتهم عن استماع الحق، وإقامتهم سياجاً منيعة أمام دين الله؛ لئلا يدخله الناس، فيجب أن يقام على هؤلاء الجهاد حتى يتسع المجال لدين الله أن يراه الناس ويعرفونه وتقوم عليهم الحجة به.
لقد شرع الجهاد
لحماية الدولة الإسلامية من شر الكفار ودفع الظلم والدفاع عن الأنفس والحرمات
والأوطان والأموال قال الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ *
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا
رَبُّنَا اللَّهُ} [(40) سورة الحج].
لقد شرع الجهاد لتأديب المتمردين والناكثين
للعهود المنتهزين سماحة الإسلام وأهله قال الله تعالى:
{وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ
فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَنتَهُونَ} [(12) سورة التوبة].
لقد شرع الجهاد لإرهاب الكفار وإخراجهم
وإذلالهم وإغاظتهم {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ
وَعَدُوَّكُمْ} [(60) سورة الأنفال]. ويقول تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ
اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ
قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [(14) سورة التوبة].
لهذا ولغيره شرع الجهاد.
أيها المسلمون: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ
غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}
[(123) سورة التوبة].
إن مواجهة الكفار، وقتال الكفار، حتم لابد
منه، ما دام أن هناك إسلام في الأرض وكفر، فإن حتمية المواجهة لابد منها. ولهذا
ينبغي أن نعلم بأن قتال الكفار أصل في دين الإسلام، لا يمكن أن يتغير بتغير الزمان،
وعليه فإن مصطلح التعايش السلمي مصطلح كاذب تخالف شريعة رب العالمين.
الكفار في الإسلام لنا معهم ثلاث حالات معروفة مضبوطة في ديننا، إما أن يسلموا فلهم
مالنا وعليهم ما علينا، أو يبقوا على دينهم ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وهذا قال بعض أهل
العلم بأنه خاص بأهل الكتاب، أما الكفار فإما الإسلام أو الثالثة وهو السيف. قال
ابن كثير -رحمه الله- تعالى عند تفسيره لقول الله جلا وعلا:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ
عَلَيْهِمْ} [(73) سورة التوبة].
عن علي بن أبي طالبٍ قال: بُعث رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- بأربعة أسياف: سيف للمشركين "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
المشركين" وسيف لكفار أهل الكتاب {قَاتِلُواْ الَّذِينَ
لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا
حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}
[(29) سورة التوبة].
وسيف للمنافقين: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [(73) سورة التوبة].
وسيف للبغاة:
{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى
أَمْرِ اللَّهِ} [(9) سورة الحجرات]".
أيها المسلمون: إن الآية التي قرأتها قبل
قليل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ
الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}
[(123) سورة التوبة].
علق عليها الحافظ ابن كثير -رحمه الله-
تعليقاً نفيساً جداً أقرأه بطوله؛ لأنه يبين، بأن الجهاد والقتال أصل في شريعة
الإسلام، وأنه يجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
الأقرب فالأقرب، وأن هذا كان نهج ولاة المسلمين.
قال -رحمه الله-: "أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً فأول، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام ولهذا بدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهَجْر وخيبر وحضرموت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجاً، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لكونهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال وكان ذلك سنة تسع من هجرته -عليه السلام-.
ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجة الوداع ثم عاجلته المنية -صلوات الله وسلامه عليه- بعد الحجة بأحد وثمانين يوماً فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر -رضي الله عنه- وقد مال الدين ميلة كان أن ينجفل فثبته الله تعالى به، فوطد القواعد، وثبت الدعائم ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله.
ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الله.
وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده وولي عهده، الفاروق الأواب -شهيد المحراب- أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقاً وغرباً، وحُملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم، بعداً أو قرباً، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي.
ثم لما مات شهيداً وقد عاش حميداً أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان شهيد الدار، فكسا الإسلام رياسة حُلةٍ سابغة. وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما علو أمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالاً لقوله تعالى: "{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ}[(123) سورة التوبة]". انتهى..
اللهم إن حانت وفاتي فلا تكن *** على شرجعٍ يُعلى بخضر المطارف
ولكن قبري بطرُ نسرٍ مقيله *** بجو السماء في نسور عواكف
وأمسي شهيداً ثاوياً في عصابةٍ *** يصابون في فج من الأرض خائف
فوارس من عدنان ألّف بينهم *** تقى الله نزّالون عند التزاحف
إذا فارقوا دنياهمو فارقوا الأذى *** وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله..
أما بعد: أيها المسلمون: إن هذه الأمة، ما خلقت لكي تتمتع بحطام الدنيا، وإن هذه
الأمة لم توجد، لكي تكون تابعة لغيرها، لكنها وجدت لنشر دين الله ووجدت لكي تقود
الأمم، لا أن تقاد، وهذا لن يكون إلا، بفتح باب الجهاد على مصراعيه، وقد وردت نصوص
كثيرة، تحذر من ترك الجهاد وتبين عواقب تركه، وتصف الناكلين عنه بأقبح الأوصاف، ولو
تأملنا في بعضها، بل فيها جميعاً، لرأيناها منطبقة على حالنا الآن: ترك الجهاد سبب
للهلاك في الدنيا والآخرة، أما هلاك الدنيا فبالذلة والاستعباد، وتسلط الكفار
علينا، واستعمارنا، الاستعمار المباشر وغير المباشر، وأما هلاك الآخرة فقول الله
-تبارك وتعالى-: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ
تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ} [(195) سورة البقرة].
ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه قال الله تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [(39) سورة التوبة].
ترك الجهاد والفرح
بالقعود من صفات المنافقين قال الله تعالى: {فَرِحَ
الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن
يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ
تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا
يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [(81-82)
سورة التوبة].
ترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على
دينهم، قال الله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ
عَلَى الْعَالَمِينَ} [(251) سورة البقرة].
ترك الجهاد قد يعرض
لعقوبة عاجلة تنزل بالقاعدين عن الجهاد، كما قص الله تعالى من خبر بني إسرائيل لما
طلب إليهم موسى -عليه الصلاة والسلام- أن يدخلوا الأرض المقدسة فقالوا:
{يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا
دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ *
قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [(25) سورة
المائدة].
وقد وعى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- هذا الدرس جيداً، ففي يوم بدر لما استشارهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
في القتال قال له المقداد: "يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل
لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن امضي ونحن معك.
[رواه البخاري]. وقال -صلى
الله عليه وسلم- ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا
بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلم
يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم)) [رواه الإمام أحمد].
ترك الجهاد سبب للذل
والهوان قال الله تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ
تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
[(39) سورة التوبة].
ومن الذي ينكر أن الأمة الآن لا تعيش في أقصى
درجات الذل والهوان، والمشكلة ليس في إعلان الجهاد الآن، المشكلة أن الأمة إلى
الآن، لم تتحرك ولا حتى في مرحلة الإعداد، والتهيؤ النفسي والشعوري، وبث هذه القضية
في روح أبناء الأمة. تجد أن التوجه، وتربية الناشئة على الدفاع، وزرع فكرة الأمن
العام، والتعايش السلمي، وغيرها من العبارات العائمة حتى أن الناس تربوا على الخوف
والجبن، والرغبة في الحياة، وعدم التفكير في البذل والعطاء والتضحية، واقتنع الناس
شيئاً فشيئاً بمبدأ عدم اعتداء دولة على أخرى، والأعداء لم يقصدوا من ترسيخ هذه
المفاهيم إلا منع حركة الجهاد، بينما إعتداءاتهم هم في وضح النهار، ويبرر لها بألف
تبرير. ولا يمكن إيقاف هذه الألاعيب، ولن يرجع العدل إلى نصابه إلا بعودة الأمة إلى
الجهاد.
وإقامة الجهاد، ليست
قضية سهلة، بل يجب أن يسبقها مراحل وخطوات وجهود، في مقدمتها تحكيم الشريعة أولاً،
وتربية الناس على الإسلام ثانياً، والتهيؤ والإعداد ثالثاً، وهكذا
أيها المسلمون: كل هذا من جانب، فكيف لو أشير إلى الجانب الآخر وهو فضل الجهاد في
هذا الدين، وما الذي أعدّه الله للمجاهدين، وما هي منزلة الشهادة في سبيل الله.
اسمع يا عبد الله لما قاله ابن النحاس -رحمه الله- تعالى في كتابه مشارع الأشواق إلى مصارع الأشواق: "فإن مما يجب اعتقاده أن الأجل محتوم، وأن الرزق مقسوم، وأن ما أخطأ لا يصيب، وأن سهم المنيّة لكل أحد مصيب وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن الريّ الأعظم في شُرب كؤوس الحتوف، وأن من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار، وأن الشهداء عند الله من الأحياء، وأن أرواحهم في جوف طير خضر تتبوأ من الجنة حيث تشاء، وأن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه وخطاياه، وأنه يشفع في سبعين من أهل بيته ومن والاه، وأنه يأمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وأنه لا يجد كرب الموت ولا هول المحشر، وأنه لا يحس ألم القتل إلا كمس القرصة، وكم للموت على الفراش من سكرةٍ وغصّة، وأن الطاعم النائم في الجهاد أفضل من الصائم القائم في سواه، ومن حرس في سبيل الله لا تبصر النار عيناه، وأن المرابط يجري له أجر عمله إلى يوم القيامة، وأن ألف يوم لا تساوي يوماً من أيامه، وأن رباط يوم خير من الدنيا وما فيها، وأنه يُأمّن من فتنة القبر وعذابه، وأن الله يكرمه يوم القيامة بحسن مآبه، فوا عجباً كيف أن ذروة السنام قد درست آثاره فلا ترى! وطمست أنواره بين الورى! وأعتم ليله بعد أن كان مُقمَراً! وأظلم نهاره بعد أن كان نيّراً! وذوى غصنه بعد أن كان مورقاً! وانطفأ حسنه بعد أن كان مشرقاً! وقفلت أبوابه فلا تطرق، وأهملت أسبابه فلا ترمق، وصفنت خيوله فلا تركض، ورُبطت أسوده فلا تنهض، وامتدت أيدي الكفرة الأذلاء إلى المسلمين فلا تُقبض، وأغمدت السيوف من أعداء المسلمون إخلاداً إلى حياة الدعة والأمان، وخرس لسان النفير إليهم فصاح نفيرهم في أهل الإيمان، ونامت عروس الشهادة إذ عدمت الخاطبين، وأهمل الناس الجهاد كأنهم ليسوا به مخاطبين، فلا نجد إلا من طوى بساط نشاطه عنه، أو تركه جزعاً من الموت وهلعا، أو جهل ما فيه من الثواب الجزيل، ورضي بالحياة الدنيا من الآخرة، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، وقد أخبرنا الله عن حياة الشهداء عنده فقال تعالى وهو أصدق القائلين {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [(169-171) سورة آل عمران].
هؤلاء الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قد أمنوا من عظيم الأهوال والكربات، وسكنوا في أجل المحالّ في أعلى الغرفات، وكرعوا من النعيم أكواباً، وادرعوا من التنعيم أثواباً، ومتعوا بجنان الفردوس مستقراً ومآباً، وتمتعوا بحورٍ عينٍ كواعب أتراباً، أرواحهم في جوف طير خضر تجول في الجنان تأكل وتشرب، وتأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن، يتمنون الرجوع إلى هذه الدار ليقتلوا في سبيل الله مرات ومرات، لما بهرهم من ثواب الله الجزيل، فما أقبح العجز عن انتهاز مثل هذه الفرص، وما أنجح الاحتراز بالجهاد عن مقاساة تلك الغصص، وليت شعري بأي وجه يلقى الله غداً من فر اليوم من أعدائه، وماطله بتسليم نفسه بعد عقد شرائه، ودعاه إلى جنته ففر وزهده في لقائه، وبأي عذر يعتذر بين يديه من هو عن سبيله ناكب، وعمّا رغّبه فيه من الفوز العظيم راغب، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن للشهيد عند ربه سبع خصال، أن يغفر له في أول دفعة في دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلية الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه))". انتهى..
هل من يموت بميدان الجهاد كما *** موت البهائم في الأعطان تنتحر
كلا وربي فلا تشبيه بينهمُ *** قد قالها خالد إذ كان يحتضر
أهل الشهادة في الآثار قد أمنوا *** من فتنةٍ وابتلاءاتٍ إذا قبروا
ويوم ينفخ صور ليس يزعجهم *** والناس قائمةٌ من هوله ذعروا
وما سوى الدّين من ذنب وسيئةٍ *** على الشهيد فعند الله مغتفر
أرواحهم في عُلى الجنات سارحةٌ *** تأوي القناديل تحت العرش تزدهر
وحيث شاءت من الجنات تحملها *** طير مغرّدةٌ ألوانها خضر
إن الشهيد شفيع في قرابته *** سبعين منهم كما في مسندٍ حُصِرُ
والترمذي أتى باللفظ في سنن *** وفي كتاب أبي داود معتبر
مع ابن ماجة والمقدام ناقله *** في ضمن ست خصال ساقها الخبر
ما كل من طلب العلياء نائلها *** إن الشهادة مجد دونه حفر
وقد تردد في الأمثال من زمن *** لا يبلغ المجد حتى يُلعق الصَّبِر
ربي اشترى أنفساً ممن يجود بها *** نعم المبيع ورب العرش ما خسروا
فنسأل الله -عز وجل-
أن يعجل فرج هذه الأمة اللهم أقم علم الجهاد واقمع أهل الزيغ والفساد وانشر رحمتك
على العباد. يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.
اللهم رحمة اهد بها..
التعليقات
cghhzgb
guEnJj ganzrvcydiwd, [url=http://ccucigfzayjp.com/]ccucigfzayjp[/url], [link=http://jdlufsyoywwd.com/]jdlufsyoywwd[/link], http://lnjqpkeqszax.com/