تفاءل فإنك مسلم
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
إن الحمد
لله...
القارئون للتاريخ والناظرون في أحوال الأمم يرون أن هذا العصر هو أعنف عصور
البشرية، وأغزرها دماً، وأشدّها دماراً.
إن من المفارقات العجيبة، والمقارنات اللافتة أن يكون ذلك في وقتٍ وصلت فيه الثقافة
والعلوم والتعليم والمخترعات والمكتشفات إلى قوةٍ غير مسبوقة، فمن غير المنكور ما
يعيشه العالم كلُّه من تقدم ماديّ له منجزات خيّرة، وآثار نافعة في الاتصالات
والمواصلات، والآلات والتقنيات، والصحة والتعليم وأسباب المعيشة، في آثارٍ إيجابية
مشهودة في حياة الناس، ولكن ومع كلّ هذا النفع المشهود يصبح هذا العصر أعظم العصور
قسوةً ووحشية، غريب وعجيب أن يكون التنوير سبيل التدمير، ولكن يزول العجب وترتفع
الغرابة إذا استرجع المسلم قول الله -عز وجل-:
{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ} [(7) سورة الروم]،
غفلوا عن الآخرة، فنسوا ربهم، وجهِلوا حقيقة مهمَّتهم، شرّعوا لأنفسهم، واستبدّوا
في أحكامهم، {وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا}
[(21) سورة الفرقان].
لقد كَدّوا ذكاءهم، وسخروا علومهم، ووظّفوا مخترعاتهم في أسلحة الدمار الشامل وغير
الشامل، والصراع على موارد الخيرات، والتنافس غير الشريف.
إن الذي يستحق التوقف والتأمل أن هذا الجهد وهذا التنافس والتصارع الذي يُبذل على
وجه هذه الأرض في هذه الميادين، لو بُذِل أقل من نصفه في الأدب مع الله وتوقيره
وابتغاء مرضاته لكَسِبَ الناس الدنيا والآخرة جميعاً، لأظلهم الأمن الوارف، ولأكلوا
من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكن كثيراً منهم كذَبوا وظلموا وآذوا وأفسدوا وأوقدوا
حروباً وأشعلوا صراعات، وأثاروا مشكلاتٍ اقتصادية وسياسية، واستضعفوا أمماً،
واستنقصوا حقوقاً، فأُخذوا بما كانوا يكسبون، ولا يزالون تصيبهم بما صنعوا قارعة أو
تحل قريباً من دارهم.
ونحن المسلمون متفائلون جداً مع ما تمر به الأمة من محن وآلام، ونعلم يقيناً أن
الأمر سيؤول إلينا، لا إلى غيرنا من الشرق أو الغرب.
تفاءل -أخي المسلم- فإنه لا يمكن أن يسود العالم من اتصف بالكبر والغطرسة، فهذا
فرعون رفض دعوة موسى -عليه السلام- زاعماً أن قصد هذه الدعوة سلب الكبرياء والجبروت
من فرعون وجنده لتكون لموسى ومن معه كما قال الله سبحانه:
{قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}
[(78) سورة يونس]،
فاستحق عقوبة الله تعالى فأهلكه الله تعالى بالغرق، وغالب الذين رفضوا دعوات
الأنبياء -عليهم السلام- ويرفضون دعوات المصلحين في كل عصر ويحاربونها إنما هو لأجل
الكبرياء والجبروت واستعباد الناس وتسخيرهم لهم، وهذا ما فعلته الولايات المتحدة
منذ أن قامت إلى يومنا هذا؛ فهي ما قامت إلا على أجساد أكثر من ستين مليون أفريقي
أسود كانوا يُجلبون من إفريقيا في سفن يحشرون فيها حشراً فيموت أكثرهم ومن يصل منهم
يسخر لخدمتهم، ناهيك عما فعلته بأهل البلاد الأصليين "الهنود الحمر" الذين كانوا
يعاملون بالحديد والنار، وهذه النظرة الاستعلائية لساسة هذه الدولة لازمتهم رغم
التقدم والتكنولوجيا ورغم تطور مفاهيم حقوق الإنسان والحرية وسيادة النظام
الديمقراطي الذي يدعون إليه، ورأى ساستها عقب سقوط المنافس الشيوعي أن نظامهم هو
أصلح ما يكون للبشر، ولذلك سعوا لفرضه باستعلاء وكبرياء وبمنتهى الغرور والاعتداد
بالنفس وبحضارة الرجل الأبيض فأعلنوا عن النظام العالمي الجديد فقال قائلهم: "إن
النظام العالمي الجديد لا يعني تنازلاً عن سيادتنا الوطنية أو تخلياً عن مصالحنا،
إنه ينم عن مسؤولية أملتها علينا نجاحاتنا"، وهذه الزعامة تنطلق من شعورهم بالتفوق
على الآخرين والتميز عن باقي البشر وهذا الشعور بالفوقية والاستعلاء جعلهم ينظرون
إلى نظمهم وثقافتهم العلمانية الإلحادية المادية نظرة كمال مطلق قرروا بموجبها
تعميمها على العالم بأجمعه وليس تعميمها سيكون عن طريق التبشير بها والدعوة إليها
وإقناع غيرهم بصلاحيتها لهم، كما كان يحدث في السابق قبل سقوط الشيوعية وإنما سيكون
بفرضها بالقوة على اعتبار أنهم أدرى بمصالح البشر دون اعتبار لثقافات الآخرين
وأديانهم وأعرافهم وهذا الفرض تم ربطه بمؤسسات أممية ليكتسب الشرعية تحت شعار
العولمة أو الأمركة، أي عولمة الاقتصاد والثقافة والنظام الاجتماعي ليصبح في كل
العالم على النمط الأمريكي أو خاضعاً له وهذا جعل جموعاً من الغربيين يناهضون
العولمة ويتظاهرون ضدها، منادين بتجارة عادلة وليس بتجارة حرة كما تريد أمريكا.
ولا شك في أن العولمة أو الأمركة الثقافية والاجتماعية أخطر من الاقتصادية
والسياسية؛ لأنها مسخ كامل للأمم وتحويل لها من أصل دينها وثقافتها ومنظومتها
الاجتماعية إلى ثقافة أخرى ودين آخر ونظام اجتماعي آخر، ولو نجحوا في مخططهم ووصلوا
إلى ما يريدون فإن ذلك يعني: انتقال المسلمين من الإسلام إلى العلمانية؛ لتكون
الأسرة المسلمة مثل الأسرة الغربية في تفككها وشذوذها وكثرة اللقطاء والزواج
المثلي، الرجال بالرجال والنساء بالنساء، عافانا الله وإياكم.
تفاءل -أخي المسلم- فإنه لا يمكن أن يقود العالم من شعاره الظلم: من طبيعة البشر
أنهم إذا تكبروا تجبروا، وإذا تجبروا ظلموا، ومن المعلوم في الأخلاق أن العلو
والاستكبار يقود إلى الظلم، وقلَّ أن تجد عالياً مستكبراً يقيم العدل في الناس
وينصفهم من نفسه، وكيف يكون منه ذلك وهو يرى أنه أعلى منهم ويتميز عليهم؟
ومن السنن الكونية التي أخبر عنها القرآن وتكررت في البشر: هلاك الأفراد وزوال
الأمم وسقوط الدول بسبب الظلم.، والقرآن مليء بأخبار الغابرين الذين أرداهم ظلمهم
وأهلكهم علوُّهم: {وَإِذَا أَرَادَ
اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}
[(11) سورة الرعد].
وحضارات أخرى سلط الله تعالى عليها جنداً أولي بأس شديد لا يخافون الله فيها ولا
يرحمونها، فاستباحوا ديارها وأبادوا خضراءها، كما حصل لليونان حينما طغوا وظلموا
واستعبدوا غيرهم، قال الله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء
الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ* وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ
وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا
زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ* وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}
[(100-102) سورة هود].
أي ظلم أعظم من أن يقف الغرب كله ضد الشعب الفلسطيني، وتقف منحازة مع إسرائيل،
وتستخدم حق النقض "الفيتو" في كل قرار ضد إسرائيل، حتى القرارات التي تدينها مجرد
إدانة؟! أي ظلم أعظم من أن يملأ الغرب مستودعات إسرائيل بكل أنواع الأسلحة الفتاكة
بما فيها الأسلحة النووية وتمنع جيرانها من امتلاك عُشر ما تمتلكه إسرائيل، وتلزم
الدول بالتوقيع على معاهدة نزع أسلحة الدمار الشامل والتخلص منها وهي ترفض التوقيع
على ذلك وتحمي إسرائيل من إلزامها بالتوقيع عليها؟! بل إن باكستان لما امتلكت
السلاح النووي عوقبت بالحصار والتجويع حتى صار حلالاً لها ولربيبتها إسرائيل ما هو
حرام على سائر البشر!.
أي ظلم أبشع من دولة مثل أمريكا، وقد أنعم الله تعالى عليها بخيرات وفيرة، وثروات
طائلة وأراض خصبة، فلم تكتف بذلك حتى مدت ذراعها الاقتصادي لنهب ثروات الشعوب
الأخرى، وكان من المفترض وهي زعيمة العالم -كما تدعي- أن تنفق على الدول الفقيرة،
لا أن تنهب ثرواتها وترمي فائض زراعاتها وصناعاتها في البحار؛ حفاظاً على ثبات
الأسعار، في الوقت الذي يموت فيه أمم بجوارها في المكسيك وسائر أمريكا اللاتينية من
الجوع، فضلاً عمن يموتون في إفريقيا، وهذا من أعظم الظلم والبغي والفساد الذي
يمارسه الغرب عموماً وأمريكا على وجه الخصوص.
والإحصائيات تذكر أن مليار نسمة من بينهم مئة مليون طفل يعيشون في حالة نقص في
التغذية ومجاعة مزمنة وهم يعيشون؛ لأنهم غير قادرين على الموت طوعاً حسب قول أحد
العاملين في منظمات الإغاثة، ويعترف رئيس البنك الدولي بأن البؤس الذي يسود كوكبنا
فضيحة أخلاقية وعار لا من الزاوية الإنسانية فحسب بل من الزاوية الاقتصادية أيضاً.
أما الظلم الاجتماعي والأخلاقي: فلم تترك الغرب للناس حياتهم الاجتماعية التي
اختاروها فهي تضغط على الدول الإسلامية؛ لإفساد الأسرة وإخراج المرأة من بيتها
وإقحامها في الميادين السياسية، وجمعياتُها الماسونية المشبوهة تدعم المنحرفات من
النساء في الأقطار العربية بكل سبل الدعم، ورغم أن نظام الغرب الديمقراطي يأبى هذه
السياسة الظالمة، فإنها تمارسها بقوة في البلاد الإسلامية حتى رأينا نساءً لا قيمة
لهنّ من الناحية الثقافية والاجتماعية والشعبية يتصدرن المنابر الإعلامية والثقافية
بل والسياسية في كثير من دول الإسلام. ومن الظلم العظيم الذي يمارسه الغرب ربط
خطوات إفساد المرأة والأسرة في بلاد المسلمين بما تقدمه من مساعدات اقتصادية ودعم
سياسي مما جعل أكثر أصحاب القرار في دول الإسلام يصادرون اختيار شعوبهم في سبيل
إرضاء شرذمة قليلة من المنحرفين؛ لأن في إرضائهم إرضاءً للعم سام الذي تأتي منه
المعونات المنهوبة في الأصل من بلادهم.
ومع هذا فتفاءل -أخي المسلم- فإن الكثيرون ينظرون إلى الغرب على أنهم سيقودون
العالم، لكن العقلاء يستبعدون ذلك؛ بسبب الواقع المرير التي تعيشه هذه الدول مما لا
يؤهلها أن تقود نفسها فضلاً عن أن تقود غيرها.
إليكم هذا الاستقراء السريع من واقع المجتمع الأمريكي فقط: يستهلك الأمريكيون حسب
إحصائياتهم، وهم ما بين 4-5% من سكان العالم، 50% من استهلاك الكوكائين العالمي،
الأمريكيون يمتلكون 60 مليون مسدساً، و 120 مليون بندقية متنوعة، وهم يقتلون بعضهم
البعض بمعدل يصل إلى 19.000 كل عام بواسطة البنادق.
تبلغ معدلات جرائم القتل أربعة أو خمسة أضعاف مثيلاتها في أوربا، وتبلغ معدلات
الاغتصاب سبعة أضعاف معدلاتها في أوربا.
إن هذه الأرقام أرقام مخيفة في مجتمع يزعم قادته أنهم يعملون لنظام عالمي جديد، فأي
نظام عالمي ينوون بناءه؟ هل نظام المخدرات، أم مجتمع الجريمة والقتل والاغتصاب؟.
لا أحد ينكر وجود صراع بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، وهذا ما يسمونه هم
بصراع الحضارات، وإن مما يبعث على التفاؤل أن قادة العالم الغربي مهما حاولوا إخفاء
الطبيعة الدينية والحضارية لهذا الصراع ضد الإسلام بإعلان أن هناك فرقًا وتمييزًا
بين الإرهاب المزعوم وبين الإسلام فالحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها، وهي أن الإرهاب
ستار دخان وجزء من تسويق للحملة الصليبية الغربية في العالم الإسلامي، فحتى يمكن
حشد حكومات عالم الإسلام ضمن التحالف العدواني لابد من القول إن الحرب لا تستهدف
الإسلام لكنها تهدف إلى القضاء على الإرهاب.
وإن من التفاؤل أن نعتقد أنه لا يمكن للغرب أن ينتصر على المسلمين نصراً دائماً
شاملاً؛ لأنه مخالف للنصوص، ولا شيء يستفز المسلمين أكثر من مس العدو جانب الدين أو
المقدسات، وقد نمى الوعي الإسلامي في الآونة الأخيرة والحمد لله، بحيث أصبح استخدام
الأجواء مساساً بالمقدسات فكيف والغرب يستفز المسلمين بشعار كشعار "الحرب الصليبية"
أو "تجفيف المنابع" ونحوها.
إن المواجهة بين الغرب والعالم الإسلامي ستكون عنيفة للغاية ومدمرة، وسوف تحدث
شروخاً هائلة في الوضع القائم ما لم يتراجع الغرب عن خطتهم الغاشمة وعدوانهم
المستمر، وهو ما لا يُظن بهم على الأقل في المرحلة الراهنة، ومن هنا نرجو أن يكون
هذا استدراجاً لهم من الله مع كونه ابتلاءً وامتحاناً للمسلمين
إن هذا الهجوم السافر من الغرب اليوم على بلدان المسلمين يجب أن يكون مصدر تفاؤل
ورجاء لا يأس وخوف، وأسباب ذلك كثيرة منها:
أولاً: عدالة القضية: فالثبات على الموقف العادل نصر بذاته، والجندي المسلم يقاتل
عن دينه وأهله من هاجم بلاده ظلماً وعدواناً، والعالم كله يشهد أن الغرب قد تسرعوا
في الاتهام، وبادروا إلى العدوان قبل تقديم الأدلة، وقد صرح بذلك كثير من حلفائهم،
بل من عقلائها المنصفين وهذا يبشر بانتقام الله من الظالم ولو بعد حين، قال الله
تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا
ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا}
[(59) سورة الكهف].
ثانياً: البغي والغرور اللذان اتصف بها العدو؛ مستكبراً بقوته، متناسياً قدرة الله
عليه، مثل ما أخبر الله تعالى عن عاد الأولى: {فَأَمَّا
عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ
مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ
مِنْهُمْ قُوَّةً} [(15) سورة
فصلت].
ثالثاً: كشف المنافقين ومرضى القلوب وعبدة الدرهم والدينار والوظيفة والجاه عند
الخلق: وهذا خير عظيم، كما حدث يوم أحد ويوم الأحزاب، قال الله تعالى:
{مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ
أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}
[(179) سورة آل عمران].
رابعاً: وضوح السبيل ونمو الوعي: وذلك من خلال إجماع العامة على الولاء للمسلمين
والبراء من الكافرين وإدراكهم لمخططات العدو الماكر، وهو ما كان مشوشاً في أزمات
سابقة؛ {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى
مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [(42)
سورة الأنفال].
خامساً: افتضاح العدو وظهور زيف شعاراته عن الحرية والإنسانية والحضارة وحق الشعوب
في تقرير المصير، حتى في تعامله مع مواطنيه من المسلمين:
{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر}
[(118) سورة آل عمران].
سادساً: إيقاف زحف العولمة ولو إلى حين: وهذه فرصة لالتقاط النفَس والاستعداد
لمواجهتها بخطط مدروسة وبرامج محكمة، وقد يؤدي ذلك إلى تركيز الاهتمام على التعامل
بين الدول الإسلامية، فتكون خطوة ثم تعقبها خطوات بإذن الله
سابعاً: تجفيف منابع الفساد ومن أهمها السياحة في الدول الغربية، فالمعاملة غير
الإنسانية للمسافرين والمقيمين وإن أصابت بعض الصالحين سينفع الله بها كثيراً من
الطالحين الذين ينفقون سنوياً عشرات البلايين في أوكار الفساد ومباءات الفجور هناك،
فالخليجيون وحدهم أنفقوا على السياحة سنة 1420هـ ما بلغ مائة وخمسين ألف مليون
ريال!!.
ثامناً: إحياء بعض المعالم الشرعية المندرسة: مثل فقه دار الكفر ودار الإسلام،
والراية، والملاحم مع أهل الكتاب، والإقامة في بلاد الكفر، والهدنة، والعهد، وأحكام
عصمة النفس والمال، وكذلك الأحكام المتعلقة بالتحالف أو الاستعانة بالمسلمين على
المشركين، وما أشبه ذلك مما سيكون مادة خصبة للاجتهاد والتفقّه، ووزن الأمور بميزان
الشرع المطهر.
تاسعاً: ظهور فتاوى محررة جماعية وفردية في أكثر بلاد المسلمين واهتمام الغرب بهذه
الفتاوى وإقبال الناس عليها، مما يؤصل مرجعية أهل العلم في أمور الأمة.
عاشراً: الإقبال غير المتوقع على الإسلام في الغرب، وقد سمعنا وقرأنا الكثير من
الشواهد على ذلك حتى أصبح في حكم المتواتر، وهذا في ذاته نصر عظيم وآية بينة على
صدق رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وغيظ للمنافقين المخذولين الذين شمتوا
بالمسلمين العاملين في حقل الدعوة هناك، بل اسْتَعْدَوا عليهم الكفار.
إن المواجهة بين المسلمين وأعدائهم لم تتوقف منذ فجر الإسلام، مصداقاً لقول الله
تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ
يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ}
[(217) سورة البقرة]،
فالمعركة مستمرة، وإن تعددت ساحاتها وتبدلت أسلحتها؛ لأن الشر من لوازم الخير، يقول
الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ
عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}
[(31) سورة الفرقان]،
فسنة التداول الحضاري من طبيعة الحياة، {وَتِلْكَ
الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}
[(140) سورة آل عمران]،
ولعل ذلك من أقدار الله الغلابة ومن ابتلاءات الخير والشر، فالمسلمون مستهدفون بأصل
إيمانهم وليس بسبب كسبهم أو فعلتهم في كثير من الأحيان، قال الله تعالى:
{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا
بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}
[(8) سورة البروج]
وسوف تتداعى عليهم الأمم؛ لتأكل خيراتهم وتستنـزف طاقاتهم، وتتحكم ببلادهم كما
تداعى الأكلة إلى قصعتها، وسوف تجتمع عليهم، ولن ترضى عنهم حتى يتخلوا عن دينهم
ويصبحوا أتباعاً لليهود والنصارى، {وَلَن تَرْضَى عَنكَ
الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}
[(120) سورة البقرة]
وهذا قد يكون طبيعياً من الأعداء، لكن المشكلة في غالب الأحيان إنما تتمثل في غفلة
المسلمين وسُبَاِتهم، وعدم اليقظة إلى مكر عدوهم، {وَدَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً}
[(102) سورة النساء].
وهذا الذي أتينا على ذكره من القرآن، يشكل قانوناً أو سنة من سنن النهوض والسقوط،
والتاريخ شاهد على ذلك في القديم والحديث، وكم غفل المسلمون أو تغافلوا عن هذا
القانون وركنوا إلى الذين ظلموا، ووالوا أعداء الله، واتخذوا بطانة من دونهم لا
يألونهم خبالاً، وخودعوا بعهود ووعود، فكان السقوط وكان التخلف وكانت الهزيمة
الثقافية والسياسية والعسكرية، لكن من نعمة الله على المسلمين، أن تسليط عدوهم
عليهم ليس تسليط استئصال وإبادة؛ لأنهم أمة النبوة الخاتمة، وإنما تسليط إيذاء
وعقوبة على المعاصي الفكرية والمعاصي السياسية والمعاصي الأخلاقية التي يقعون فيها،
قال الله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى}
[(111) سورة آل عمران]،
هذا الأذى ليس هو شراً دائماً، بل هو في كثير من الأحيان خير،
{لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ
لَّكُمْ} [(11) سورة النــور]؛
لأنه أشبه بالمحرّضات والمنبهات الحضارية، التي تشعر الأمة بالتحدي وتبصَّرها
بمواطن التقصير، وتقضي على الجوانب الرخوة في حياتها، فتستعد للإقلاع من جديد،
فالغريب أن تتوقف المعارك ويتوقف الأذى، والغريب ألاّ يدرك المسلمون ذلك حق
الإدراك، وهم يتلون القرآن ويقرؤون التاريخ.
لقد مرَّ على الأمة الإسلامية من الحروب والمواجهات والعداوات ما يكفي لإلغائها،
ليس من الحاضر فقط، وإنما لاقتلاعها من الماضي أيضاً، والذي يعرف طرفاً من هذه
الحروب والمواجهات والعداوات المتسمرة، قد لا يفاجأ بالواقع هنا وهناك، وإنما يرى
ذلك شيئاً طبعياً، ونستطيع أن نقول: إنه على الرغم من شراسة المعركة، ووحشية الهجمة
على الإسلام والمسلمين في كل مكان، وضخامة الضحايا والتضحيات، إلا أن ذلك لا قيمة
له إذا ما قيس بالمكاسب التي تتحقق يومياً لعالم المسلمين والحقائق التي تتكشف
يومياً أمام من كانوا غافلين عن طبيعة الصراع إلى زمن قريب، وكانوا يحسنون الظن
بقيم الحضارة الغربية، ويتوهمون أنها قيم عالمية إنسانية، تساهم باستنقاذ الإنسان
من الظلم والعدوان، وتمنحه الحرية والعدالة والمساواة، وإذا بها شعارات للمخادعة
والتضليل السياسي طرحت في بلاد المسلمين لإخراجهم عن قيم دينهم وحضارتهم، وتأمين
ارتهانهم السياسي والثقافي للغرب وحضارته وبمجرد أن تعجز هذه القيم الغربية عن
تأمين العمالة الثقافية وتحقيق الغايات والأهداف التي طرحت من أجلها، فإن الغرب
يكون أول المضحَّين بها والمتنكرين لها، وشواهد الإدانة واضحة في البلقان وفلسطين
وأفغانستان والعراق وغيرها كثير، وكل هذا يبعث على التفاؤل.
لا أحد ينكر ما يحيط بالأمة من أخطار وأعداء من كل مكان، من الداخل ومن الخارج، لكن
أكثر ما يخيف الناس وبعض ضعافي الإيمان ما يمتلك العدو من أسلحة هائلة مخيفة.
وقد يخالط بعض المسلمين رعب وخوف من هذه الأسلحة ومن هذه القوة المدمرة ومما يملك
العدو من ترسانة عظيمة، من قنابل محرقة، وطائرات مخيفة، وصواريخ مدمرة، وينشأ عن
ذلك أحياناً يأس وإحباط، فكيف يمكن للأمة المسلمة أن ترد عدوان هذا الثور الهائج،
صاحب القرون النووية الفتاكة؟ وربما ترتب على ذلك الهزيمة النفسية التي يريد العدو
إيقاعها بنا. فنخاف من محاصرتهم لنا اقتصادياً كما يهددون بين الفينة والأخرى،
ونخاف من ضربة استباقية كما يزعمون، ونسينا أن قوة الله أعظم وجبروته أكبر،
{وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [(21)
سورة يوسف]، قال الله تعالى:
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}
[(10) سورة محمد]، وقال تعالى:
{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ
اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [(7)
سورة الفتح]، وقال تعالى:
{أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ
قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ
لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ}
[(21) سورة غافر]، وقال تعالى:
{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا
يَجْحَدُونَ* فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ
لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ
الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ}
[(15-16) سورة فصلت].
إن الثقة في الله -جل وتعالى- وتذكّر قوته وعظمته، وأنه القادر على كل شيء، وأن له
ما في السماوات وما في الأرض، وأنه وحده المتصرف في الكون هي من أبجديات عقيدة
المسلم، ومما يبعث على التفاؤل، ولكن المسلم أحياناً يضعف يقينه بالله في الأزمات
والفتن، فيطغى عليه الخوف وتتنازعه الهواجس ما لم يتداركه الله برحمته، فيعود لكتاب
الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ليستظل في ظلها حيث السكينة والطمأنينة والثقة
بنصر الله ووعده.
ما من شك في أن الإعداد واتخاذ الأسباب الممكنة لمواجهة الأعداء واجب شرعي وأمر
مطلوب كما قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ
اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ
يَعْلَمُهُمْ} [(60) سورة
الأنفال]، ولكن الأمة المسلمة
كغيرها من الأمم تمر بها فترات قوة وضعف، ونصر وهزيمة، ولربما تراكمت عليها المحن
والأزمات وقادها أصحاب الشهوات والمصالح الخاصة فأضعفوها وأفرغوها من قواها حتى
تصبح أشباحاً أمام أعدائها، ولذلك فلا بد لها والحالة هذه أن تتذكر أن لديها من
السلاح الفتاك ما تستطيع به النهوض من كبوتها، فهي ليست كغيرها من الأمم، فيد الله
ترعاها وإن قصّرت أحياناً، وقوة الله تحميها وإن ضعفت أحياناً، فلها حبل متين مع
القوة الإلهية العظمى مهما أصابها من ضعف وهوان وتسلط للأعداء،
{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [(139)
سورة آل عمران]، وهذا من التفاؤل.
والعجيب أن هذه الأسلحة الفتاكة التي تختص بها الأمة المسلمة لا يستطيع عدوها
كائناً من كان أن ينتزعها منها إلا أن توافق هي بإرادتها فتتخلى عنها عجزاً وكسلاً
وخذلاناً، {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}
[(30) سورة الشورى].
وهل حقاً تملك هذه الأمة وفي هذا الوقت من الأسلحة التي يمكنها أن تواجه به أسلحة
ما تسمى بالدول العظمى؟ الجواب: نعم.
إليك بعض هذه الأسلحة التي تملكها الأمة ما يمكّنها من منازلة عدوها وقهره بإذن
الله وحوله وقوته:
السلاح الأول: الإيمان بالله سبحانه: والإيمان بالله له شأن عظيم فهو يزرع اليقين
والثقة بوعد الله ونصره، وهو من أعظم أسباب الثبات في المعارك مع الأعداء، فالمؤمن
لديه قوة وشجاعة وإقدام وتوكل على الله سبحانه، ولديه يقين بأن ما أصابه لم يكن
ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه قال الله تعالى: {قُل
لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
[(51) سورة التوبة]،
فمن لديه الإيمان بقوة الله المطلقة فلن يخاف إلا الله ومهما امتلك الأعداء من
الطائرات المدمرة، والسفن الهائلة، والمدرعات المحرقة، وصواريخ عابرات القارات، فهي
تحت قدرة الله وملكه، فلو شاء لعطلها جميعاً فالسماء سماؤه، والأرض أرضه، والبحر من
جنوده، فأين يذهبون؟.
السلاح الثاني: الرعب: وهذا سلاح فتاك يلقيه الله في قلوب الكافرين متى صدق
المؤمنون مع ربهم ونصروا دينه وأخلصوا له العمل قال الله تعالى:
{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ
بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ
النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}
[(151) سورة آل عمران]،
وقال تعالى: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا
تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}
[(26) سورة الأحزاب]،
ومن ثم فحينما يركن المسلمون إلى الدنيا وشهواتهم يسلط الله عليهم ذلاً وينـزع
مهابتهم من قلوب أعدائهم كما ورد بذلك الحديث.
رعب وخوف الكفار من المؤمنين أمر أوجده الله في قلوبهم، فلا نحتاج أن نبذل شيئاً
لإيجاده، وقد صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
((نصرت بالرعب مسيرة شهر))، فالواجب علينا الاستعداد
والمسير، ولا يجب علينا أكثر من ذلك، وكم نقرأ هذه الأيام تقارير ينشرها الغرب نفسه
عن أحوال تصيب بعض جنودهم في بعض بلدان المسلمين التي دخلوها، وأنه أصاب أعداداً
منهم أمراضاً نفسية وخوف وذعر غير طبيعي، وصدق الله العظيم:
{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ
بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ
مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [(151)
سورة آل عمران].
السلاح الثالث: الملائكة: وهم جند من جنود الله، يؤيد الله بهم عباده المؤمنين،
والسيرة مليئة بقصصهم في قتالهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع الصحابة -رضوان
الله عليهم- قال الله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ
النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء
لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ* إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى
الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي
قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ
وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}
[(11-12) سورة الأنفال].
لقد شهدت الملائكة عدداً من الغزوات مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا ليس خاصاً
بذلك الجيل القرآني الفريد، بل متى ما صدق المسلمون وأخلصوا لله في قتالهم، قاتلت
معهم الملائكة، وعندها لا ينفع الكفار أي نوع من السلاح استخدموه.
السلاح الرابع: ذكر الله الدائم: وهذا له أثر عظيم في صلة المؤمنين بربهم وثباتهم
ولذلك أوصى الله عباده المؤمنين بذلك في قوله: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ
اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}
[(45) سورة الأنفال]،
وقد ورد في الأثر أن المسلمين يفتحون مدينة على البحر بالتكبير، فيكبرون التكبيرة
الأولى فيسقط جانبها الأول، ثم يكبرون التكبيرة الثانية فيسقط جانبها الآخر، فسبحان
من أمره بين الكاف والنون، وما أعظم هذه الكلمة لو وعاها المسلمون؛ فلها وقع عظيم
في نفوس الكافرين، بل إنها سرعان ما تزلزل قلوبهم فلا يلوون على شيء إذا قرعت
آذانهم.
لقد كان التكبير شعار المسلمين المقاتلين في القادسية واليرموك ونهاوند وغيرها من
معارك الإسلام الكبرى فعملت عملها بإذن الله في نفوس المسلمين، وألقت الرعب في قلوب
الكافرين، وجاء بعدها نصر الله.
السلاح الخامس: الريح: وهي من جنود الله التي نصر بها عباده في مواطن عديدة، منها
ما حصل يوم الخندق يوم تحزّب الكافرون لاستئصال النبي -صلى الله عليه وسلم- والقلة
المؤمنة التي كانت معه في المدينة فقال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [(9) سورة
الأحزاب].
السلاح السادس: الدعاء: وهو سلاح عظيم به يتنـزل النصر، وقد كان النبي -صلى الله
عليه وسلم- يبدأ معاركه بالدعاء، وما قصته -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر إذ سقط عنه
رداؤه من شدة مناشدته ربه في الدعاء إلا دليل على أهمية الدعاء في ساحات المعارك
وفي مقارعة أعداء الله، ورُب دعوة ضعيف من المسلمين كانت سبباً في نصرهم وفي الحديث
قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما تُنصرون وترزقون
بضعفائكم)).
أتهـزأ بالدعــــــاء وتزدريــه *** ومـا تـدري بمـا
فعـل الدعـــاء
سهـام الليـل لا تخطـي ولكــن *** لها أمــد وللأمــد
انقضـاء
السلاح السابع: الشوق إلى الجنات: قال الله تعالى: {إِنَّ
اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}
[(111) سورة التوبة]،
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحث أصحابه على الجهاد ويشوقهم إلى الجنات، حتى
قال عمير بن الحُمام -رضي الله عنه- وهو يأكل تمرات: "أما بيني وبين الجنة إلا أن
يقتلني هؤلاء". ثم ألقى التمرات ومضى مجاهداً إلى ربه حتى استشهد -رضي الله عنه
وأرضاه-.
وذاك أنس بن النضر يقول -رضي الله عنه- وهو منطلق لقتال الكفار: "واهٍ لريح الجنة،
والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد".
وهذا الشوق من أعظم ما يدفع المؤمنين لمبارزة العدو. وكيف لا يبذل المسلم روحه في
سبيل الله، وكيف لا يشتاق إلى جنة الله في وسط لمعان السيوف وتطاير الرؤوس وصوت
البنادق وتدمير القنابل، وقد حفظ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
((إن للشهيد عند ربه سبع خصال: أن يغفر له في أول دفعة في
دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلية الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع
الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج
اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه)).
هـل مـن يمـوت بميدان الجهاد كـما *** مـوت البهائـم فـي
الأعطان تنتـحر
كلا وربـي فلا تشبيـه بينهمـو *** قـد قالها خالـد إذ
كـان يحتضـر
أهـل الشهادة فـي الآثـار قـد أمنـوا *** مـن فتنـةٍ
وابتلاءاتٍ إذا قُبــروا
ويـوم ينفـخ صـور ليـس يزعجـهم *** والناس قائمـةٌ مـن
هولـه ذُعـروا
ومـا سـوى الدَّيـن مـن ذنـب وسيئـةٍ *** علـى الشهيــد
فعنـد الله مغتفــر
وحيـث شاءت مـن الجنــات تحملها *** طيــر مغــرّدةٌ
ألوانـها خضــر
إن الشهيـد شفيـع فـي قرابتـه *** سبعيـن منهـم كمـا في
مسنـدٍ حصـر
والترمـذي أتـى باللفـظ فـي سنـن *** وفـي كتـاب أبـي
داود معتبــر
مع ابن ماجـة والمقـدام ناقلـه *** في ضمـن سـت
خصال ساقها الخبــر
مـا كـل مـن طلـب العليـاء نائلها *** إن الشهادة مجــد
دونــه حفــر
وقـد تردد في الأمثال مـن زمـن *** لا يبلغ المجـد حتـى
يلعـق الصَّبـِر
ربـي اشتـرى أنفسـاً ممن يجـود بها *** نعـم المبيـع ورب
العـرش ما خسـروا
أرواحـهم فـي عُلى الجنـات سارحـةٌ *** تأوي القناديـل
تحـت العرش تزدهـر
السلاح
الثامن: السكينة والطمأنينة: وهي من أسباب الثبات في المعارك قال الله تعالى:
{ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ}
[(26) سورة التوبة].
السلاح التاسع: الصبر ومضاعفة العدد: قال الله تعالى:
{الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم
مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ
أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}
[(66) سورة الأنفال].
إن لهذه الأسلحة الخفية أثراً عظيماً في قوة المسلمين وثباتهم وانتصارهم فمتى ما
صدقت الأمة ربها ونصرت دينه جاءهم نصر الله ومدده، {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ} [(7) سورة محمد]،
ومهما بلغت قوة الأعداء فإن الله أقوى منهم، {فَإِذا
لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ
فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ
الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن
لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن
يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ
الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}
[(4-6) سورة محمد].
فاصبري أمة الإسلام واثبتي، وأَقبلي على ربك ولا تخشي ما عند الأعداء من قوة؛ فإن
الباطل مهما انتفش فهو هباء؛ {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ
زَهُوقًا} [(81) سورة الإسراء]
قال الله تعالى: {لِيُحِقَّ
الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}
[(8) سورة الأنفال]،
وقال تعالى: {ذَلِكُمْ
وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}
[(18) سورة الأنفال].
ومع أن واقع الأمة صعب للغاية، فإن من التفاؤل أنْ نرجو أنّ يَخرج الله من أصلاب
هذا الجيل من يطرد الغزاة من ديار المسلمين كلها، هذا التفاؤل مطلوب مع الإقرار
بالضعف وعظم المصاب ووجوب التغيير، وذلك إيماناً بالله، وثقة بالنصر الموعود، كما
قال -صلى الله عليه وسلم-: ((والله ليتمّنّ الله هذا الأمر
حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئبَ على غنمه، ولكنّكم
تستعجلون))، وذلك عندما اشتكى إليه بعض الصحابة تعذيب قريش لهم.
فأبشروا بخراب الغرب، فقد قال الله تعالى: {فَتِلْكَ
بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ} [(52) سورة النمل]،
فقد ظلموا العالم وكسبوا عداوته، ولوثوا البيئة وانتهكوا الحريات وحقوق الإنسان في
بلادهم كما فعلوا في غيرها، وأصبحت محاكمهم مثل محاكم التفتيش وإجراءاتـهم القضائية
أسوأ من إجراءات قانون الطوارئ والأحكام العسكرية في العالم الثالث.
ومع كل هذا فإن هذه الفواجع تحمل في رحمها نوراً ساطعاً، وبشرى لا تخفى على ذي
عينين، ستنير ما بين المشرق والمغرب بإذن الله.
ولقد أرشدنا -صلى الله عليه وسلم- وعلّمنا كيف يكون التفاؤل في أقسى الظروف
والأحوال، فها هو -صلى الله عليه وسلم- وهو يحدث عائشة -رضي الله عنها- ويجيبها عن
سؤالها: هل مرّ عليه يوم أشد من يوم أحد فقال: ((لقد لقيت من
قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد
كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن
الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني،
فقال: إن الله -عز وجل- قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك
الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثم قال: يا
محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك؛ لتأمرني
بأمرك فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟)) فقال له الرسول -صلى الله
عليه وسلم-: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله
وحده لا يشرك به شيئا)) [رواه مسلم].
أي تفاؤل أعظم من هذا التفاؤل؟ يخرج هائماً على وجهه من شدة ما يلاقي من قومه، ومع
ذلك يقول لملك الجبال تلك المقالة.
إنها تدل على قوة إيمان، وثقة بالنصر، وبعد عن اليأس، وأمل مشرق، وتفاؤل لا يحدّه
حدّ، فلم تكن تلك الظروف المحيطة به مع ما فيها من آلام وأحزان لتحول بينه وبين هذا
الأمل، واستشراف المستقبل، وحسن الظن بالله.
إنه قد خرج عن الدائرة الضيقة التي يعيش فيها إلى الأفق الرحب، والأمل الواسع،
والتطلع إلى المستقبل بثقة لا تعرف اليأس والقنوط.
إن تربية النفس على التفاؤل في أعظم الظروف وأقسى الأحوال منهج لا يستطيعه إلا
أفذاذ الرجال، والمتفائلون وحدهم هم الذين يصنعون التاريخ، ويسودون الأمم، ويقودون
الأجيال، أما اليائسون والمتشائمون فلم يستطيعوا أن يبنوا الحياة السوية، والسعادة
الحقيقية في داخل ذواتهم، فكيف يصنعونها لغيرهم، أو يبشّرون بها سواهم، وفاقد الشيء
لا يعطيه.
ومكلّـف الأشيـاء ضـد طبـاعها *** متطلّـب فــي الماء
جـذوة نـار
إننا بحاجة
إلى أن نربى الأمة على التفاؤل الإيجابي، الذي يساهم في تجاوز المرحلة التي تمرّ
بها اليوم، مما يشدّ من عضدها، ويثبّت أقدامها في مواجهة أشرس الأعداء، وأقوى
الخصوم؛ ليتحقق لها النصر بإذن الله.
والتفاؤل الإيجابي، هو التفاؤل الفعّال، المقرون بالعمل المتعدي حدود الأماني
والأحلام، المتمشّي مع السنن الكونية، أما الخوارق والكرامات فليست لنا ولا يطالب
المسلم بالاعتماد عليها، أو الركون إليها، وإنما نحن مطالبون بالأخذ بالأسباب، وفق
المنهج الرباني.
والمتأمل للواقع اليوم يرى من المبشّرات مالا يستطيع جاحد أن ينكره، ويكفي من ذلك
أن هذه الأمة أصبحت الشغل الشاغل للعالم يحسب لها العدو ألف حساب، وما تحالف العالم
اليوم ضد المسلمين باسم مكافحة الإرهاب، إلا دليل على قوة شأن الأمة، وأنها بدأت
تسير نحو طريق العزة والكرامة، والمجد والخلود، وصدق رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- ((ولكنكم تستعجلون)).
والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد،
وعلى آله وصحبه وسلم...