خدمة rss
فلسطين والوعد الحق

   

فلسطين والوعد الحق

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


إن الحمد لله..
أما بعد: إن قلب المسلم ليتقطع وهو يتابع أخبار المسلمين في فلسطين فلا يكاد يغيب شمس أي يوم إلاّ والقتلى بالعشرات، والوحشية اليهودية تعدت كبار السن فوصلت الأطفال والنساء، والعالم كله شرقيه وغربيه يتفرج وكأن الأمر لا يعنيه.
لقد انكشفت عورة الدول الغربية، وبانت سوأتها عندما ادعت حماية حقوق الإنسان، وهي تتفرج على ما يحصل على أرض الإسراء والمعراج راضية بذلك بل داعمة لكل ما يحصل من وحشية وإجرام، بل إن دولة اليهود تمارس اليوم أنواعاً من الاستفزاز, الاستفزاز لجميع المسلمين على مرأى ومسمع من العالم كله, وبمباركة من الصليبين الغربيين، وفي مقدمتهم دولة عاد بل والأمم المتحدة.
إن أمة يهود أمة ملعونة في كتاب الله وعلى لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذه الأمة الملعونة هي التي تعتدي اليوم على مقدسات المسلمين، وعلى دمائهم وبيوتهم وأولادهم, إن قضيتنا مع اليهود قضية تاريخية, والمسألة مسألة شرعية, والقضية قضية عقائدية, اليهود لا يمكن مسالمتهم أبداً، وليس لهم عهد ولا ميثاق رغم أنف الذين يريدون أن يعقدوا معهم عهداً وميثاقاً، اليهود لا يؤمن شرهم, اليهود لا يؤمن مكرهم, اليهود خلق نجس ورجس شيطاني, اليهود أعوان إبليس، اليهود سبب شقاء البشرية مع غيرهم من ألوان الكفر والشرك في الأرض يقودهم إبليس إلى جهنم وبئس المصير، اليهود أعداؤنا، كرههم في قلوبنا، جهادهم عبادتنا وقربتنا إلى الله، اليهود كما قال الله تعالى عنهم: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ}
[(217) سورة البقرة]، هؤلاء الذين أظهر الله مكرهم وكشف سترهم وشرهم، أثبتت الأحداث -وما تزال تثبت كل يوم- استمرار عداوة اليهود للمسلمين، وكلما قارب السلم المزعوم على الانعقاد يجري الله حدثاً فتتفجر الانتفاضة من جديد.
يجب أن يُعلم ويقال بصراحة: إن هذه الأمة لم تُمكَّن أصلاً إلى اليوم من مواجهة اليهود، اليهود لم يواجهوا إلى الآن أمة الجهاد، ولم يمكَّن لكثير من الذين تسيل دموعهم شوقاً إلى الجهاد في سبيل الله، لم يمكَّنوا من إظهار حقيقة جبن اليهود وأعوانهم، لابد للأمة أن تعلم أن الهزائم المتكررة المعاصرة التي حصلت للمسلمين المستضعفين على يد اليهود كانت هزائم أنظمة وليست هزائم شعوب، كانت هزائم لرايات جاهلية، ولم تكن الرايات التي رفعت في يوم من الأيام في مواجهة دولة ما يسمى بإسرائيل رايات إسلامية، وإنما كانت رايات جاهلية إما قومية أو ناصرية أو بعثية وأحسن أحوالها أنها علمانية، وحينما تُرفع الرايات الإسلامية الصحيحة -بإذن الله تعالى- ستنكشف حقيقة اليهود وسيدخلون في جحورهم كما دخلت الشيوعية ودخل الروس في جحورهم عندما واجهوا رايات إسلامية صحيحة في أرض أفغانستان من قبل واليوم على أرض الشيشان الصامدة.
لقد تعرض الأقصى وعلى مدار تاريخها الطويل لعدد من الغزو والغصب والاعتداء وكان آخرها بعد انهيار الدولة الإسلامية التي كان يقوم عليها آل عثمان، وعلى وجه الخصوص بعد إقصاء السلطان عبد الحميد الثاني عن الخلافة عام: 1308هـ على يد اليهود يعاونهم الفرنسيون والإنجليز، ويساندهم الحاقدون من الصليبيين تحت سمع وبصر ما تسمى بالمنظمات الدولية، بداية بعصبة الأمم ونهاية بما يسمى بالأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرها، إذن: هذا الغصب لبيت المقدس قد حدث بعد انهيار الخلافة، ذلكم السياج الحامي للأمة الإسلامية وفي غفلة من أبناء المسلمين بعد أن ابتعدوا عن دينهم ونحَّوا كتاب ربهم وسنة نبيهم عن حياتهم.
إن الأرض المقدسة قطعة من العالم الإسلامي، بل هي تشكل فلذة كبده وستبقى قضية هذه الأرض حية في نفوس أبناء هذا الدين حيثما كانوا؛ لأنها جزء من ديار المسلمين وهي مرتبطة عندهم بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، فهي أولى القبلتين وثالث المسجدين، وهي أرض الأنبياء -عليهم السلام- ومبعثهم، فعلى أرضها عاش ابراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط وسليمان وداود وصالح وزكريا ويحيى وعيسى -عليهم السلام-، ويُسنّ شدّ الرِّحال إليه وزيارته قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تشدّ الرِّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى))
[رواه البخاري ومسلم]، وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- أن الصلاة فيه تعدل مائتين وخمسين صلاة فيما سواه من المساجد، ومِن على هذه الأرض عرج بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء بعد أن أُسري به إليها من البيت الحرام، قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [(1) سورة الإسراء].
لقد طغى الصهاينة وعثوا وداسوا ولوثوا، ولكن العزة لله ورسوله وللمؤمنين، والذل والصغار والمسكنة لمن غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، نقضوا العهود والمواثيق حرفوا الكلم عن مواضعه، سمّاعون للكذب أكالون للسحت، ملعونون على ألسنة أنبياء الله ورسله، يريدون في الأرض علواً وفساداً، يوغلون فيها عتواً واستكباراً، استعدَوا أمم الأرض، ولم يكن لهم فيما اغتصبوه من حق، ولكن تآمر قوى الكفر على أمة الإسلام تجزئةً وتقسيماً وتفرقةً وتدميراً.
لقد أكدت الأحداث وأثبتت الوقائع أنهم لا ينصاعون لمساومات، ولا يصدقون في محادثات، الخيانةُ خلقُهم، والكذب مطيتهم، والعمل في السراديب المظلمة عقيدتهم، وإني لأتصور أن عمل السراديب كان قديماً، فهم الآن ليسوا في حاجة إلى سراديب أو عمل خلف الكواليس؛ لأنهم علموا أنه ليس أمامهم أحد، فقد تمكنوا ممن حولهم، وكل من كان فيه غضبةٌ لدين أو نخوة، فإن إبر التخدير قد عملت فيه دورها، إنه لا حل لهذه القضية وكلِّ قضية يكون العدو الكافر طرفاً فيها إلا برفع راية الجهاد، والمواجهة بالمثل، وإلا فالذلة.
إنه حقاً على الأمة أن تربيها التجارب والوقائع، وتصقلهم الابتلاءات والمحن، إن الأمر كله لله، بيده مصائر الأمور، وكل شيء يجري في طريقه المرسوم، حتى يبلغ أجله المحتوم، إما موت وإما قتل، أمرٌ لا مفر من ملاقاته {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}
[(77-78) سورة النساء]. إنك لتعجب كيف يرضى بالذل وكيف يرضى بالقعود من يملك وسائل الجهاد والبذل، لا يذودون عن حرمة، ولا ينتصرون لكرامة، ولا يستشعرون صغاراً ولا ذلة!.
لابد أن نعلم أيها الأحبة، بأن وراء حب الدعة وإيثار السلامة، سقوط الهمة وذلة النفس، وانحناء الهامة، والتنكص عن المواجهة، كيف تحلو الحياة لمن يضيع دياره؟!، وإذا ضاع الحمى ذهبت كل التضحيات خسارة.
إن قضية القدس، واحتلال اليهود للأراضي المقدسة والمسجد الأقصى هي قضية العالم الإسلامي الأولى ويجب أن تكون هي الأولى.
والواقع المعاصر في معركتنا مع اليهود يشهد بأن اليهود أرادوا النفاذ إلى أعماقنا، واختراق خطوط هجومنا وجهادنا، وإزالة صمودنا وتحدينا، أرادوا إماتة أرواحنا، والسيطرة على نفوسنا، وقتل هممنا، وامتصاص ثوابتنا، واجتثاث وجودنا، وتركنا نفوساً مشوهة، وكيانات معوقة، وأفراداً قانطين يائسين محبطين، لكن هل نجحوا في ذلك؟ الجواب أنهم لم ينجحوا ولن ينجحوا -بإذن الله-، صحيح أنهم تمكنوا من النفاذ إلى أعماق وقلوب بعض منّا، فأصبحوا قانطين مستسلمين، لكنهم أفراد قلائل.
أما الشعب الفلسطيني المسلم المجاهد على أرضه فإنه يزداد كل يوم صموداً أمام اليهود، وتحدياً لهم، وثباتاً على إسلامه وجهاده، ورفضاً للوجود اليهودي، وكلما صعّد اليهود من بطشهم وتنكيلهم وقتلهم، كلما زاد هذا الشعب استعلاءً وتصميماً وجهاداً.
إنها حرب طويلة مديدة بيننا وبين اليهود، بدأت منذ بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسوف تستمر حتى خروج الدجال ونزول عيسى -عليه السلام- والقضاء على آخر يهودي في الأرض، هذه المعركة الطويلة لها جولات وجولات، وفيها كر وفر، يغلبنا فيها اليهود مرة، ونغلبهم مرات، ويهزمونا مرة، ونهزمهم مرات.
وإن أشد وأعنت وأقسى جولات هذه المعركة هي هذه الجولة التي نعيش فيها في هذا الوقت، والتي تحققت فيها غلبة اليهود علينا، وهزيمتهم لنا، ولكنها جولة، تتبعها جولات لنا فيها الظفر والغلبة والنصر -بإذن الله-.
وسيظل الغرب المستعمر يهزأ بنا ويسخر منا، ما دمنا نعالج مشكلة فلسطين على أساس أنها أرض عربية اغتصبها الاستعمار والصهيونية، وحينما نغير الخطة ونوجه سير المعركة وجهة أخرى، ونعلن أن فلسطين ليست أرضاً عربية فحسب وإنما هي ملكٌ لمليار مسلم يفتدونها بالأرواح والمهج؛ لأنها أرض مقدسة تربطهم بها روابط دينية وتاريخية أقوى من رابطة بضعة ملايين من اليهود بفلسطين، عندها ترجح كفتنا ويصبح زمام الأمر بأيدينا.
في نصوص الكتاب والسنة ربط متين صريح للأرض المقدسة والأرض المباركة بأصلها الأصيل، وهو الإسلام، فهو مستقبلها، وبه حياتها، ولن يتم لها أمر أو يعرض لها شأن إلا من خلال دين محمد –صلى الله عليه وسلم-، إن هذا الربط يعطي لقضية القدس والأرض المحتلة ولكل قضايا الأمة إطاراً رحباً وعمقاً عميقاً لا يتحقق من خلال نظرة إقليمية أو دعوة قومية، فمكة المكرمة والمدينة النبوية وبيت المقدس هي سر القوة التي جابت خيولها العالم.
إن قضية الأرض المقدسة لا تنفصل أبداً عن قضية الإسلام الكبرى باعتباره عقيدةً ومنهجَ حياةٍ وشريعةً تحكم المجتمعات وتسوسها، فلولا ضعف الإسلام في نفوس أتباعه وأهله وأبنائه، ما استطاعت الصهيونية أن تجد لها وطناً في قلب دار الإسلام، ويوم تعالج قضية الإسلام نفسها، ستعالج معها قضية الأرض المقدسة بل وكل قضايا المسلمين المعلقة.
ويوم تسود شريعة الإسلام وعقيدته وأخلاقه ومفاهيمه وآدابه وشعائره وتتجسد هذه كلها في مجتمع -مهما يكن هذا المجتمع صغيراً في حجمه ورقعة أرضه-، وفي حكمٍ يقود هذا المجتمع باسم الله، يومئذ لا تستطيع دولة اليهود أن تبقى وتعيش.
لقد قال هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول لزعماء قومه: "إن عودتنا إلى صهيون يجب أن تسبقها عودة إلى الصهيونية". وإذا كان المؤمن ينتفع بالحكمة ولو من فم عدوه فعلينا أن نقول: "إن عودتنا إلى فلسطين يجب أن تسبقها عودة إلى الإسلام".
إن فلسطين هي المؤشر على القوة العالمية المهيمنة عبر التاريخ البشري، فالذي يحكم فلسطين هو الذي يحكم العالم، فيوم حكم الرومان فلسطين حكموا العالم، ويوم حكم المسلمون فلسطين حكموا العالم، ويوم حكم اليهود فلسطين حكموا العالم عبر الولايات المتحدة الأمريكية، ويوم يعود المسلمون ليحكموا فلسطين -وهو يوم قادم لا نشك في ذلك بخبر الصادق المصدوق- فسيحكمون العالم، ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولن يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله)).
إن النصر قادم لا محالة، بنا أو بغيرنا {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}
[(33) سورة التوبة]، ودين الله منصور بنا أو بغيرنا {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [(39) سورة التوبة] والحق سيعلو على أيدينا أو أيدي غيرنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} [(54) سورة المائدة] والباطل سيزهق بجهودنا أو بجهود غيرنا {هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [(38) سورة محمد]، ولكن لماذا لا يطلب المسلم الخير لنفسه؟ لماذا لا يكون لبنة في طريق النصر وسهماً من سهام الحق وأداة لإزهاق الباطل.
ومما ينبغي أن يعلم بأن وجود اليهود الآن على الأراضي المقدسة إنما هو بحبل من الله -عز وجل- وحبل من الناس كما قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ}
[(112) سورة آل عمران] وحبل الله -جل و تعالى- هو قدره النافذ وحكمته البالغة ومشيئته بأن يكون لليهود وجود على هذه البقعة من الأرض، أما الحبل من الناس فهي بعض الحبال البشرية التي تمكّن لليهود فمنها:
1- الحبل الأوروبي: فقد كان لأوروبا دور كبير في تمكين اليهود على أرض فلسطين منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث قضوا على الخلافة الإسلامية في تركيا، وقسَّم إتفاقيةُ سايكس بيكو البلاد إلى دول وأقطار مستعمرة، وتعهدت انجلترا بإقامة وطن يهودي على أرض فلسطين، فأصدر وزير خارجيتهم بلفور وعده المشئوم لليهود، وامتد الحبل الانجليزي واشتد حتى أقام اليهود ما يسمى بدولة إسرائيل وما زال هذا الحبل ممتداً إضافة إلى حبال الدول الأوروبية الأخرى.
2- الحبل الأمريكي: عمل اليهود على تأمين حبال أخرى لهم بجانب الحبل الأوروبي خشية ضعفه أو انقطاعه لمعرفتهم بعجزهم بدون هذه الحبال، فأوجدوا الحبل الأمريكي الذي يمدهم بكل شيء، ويتعامل معهم وكأنهم ولاية أمريكية، والدعم الأمريكي اليوم لليهود واضح كالشمس لا يحتاج إلى برهان فها هي صحفهم تنشر مقدار الأموال والميزانيات الضخمة التي تخصصها أمريكا سنوياً لدولة إسرائيل، ويكفيك أن تعرف وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام: 48م حيث أعلن الرئيس الأمريكي وقتها "هاري ترومان" اعترافه بهذه الدولة الوليدة قبل أن تطلب منه إسرائيل ذلك رسمياً، ثم بادرت الولايات المتحدة بتقديم منحة مالية لإسرائيل قدرها مئة مليون دولار، وهي تعادل ميزانية مصر والعراق ودول بلاد الشام مجتمعة في ذلك الوقت، ناهيك عن أحدث الأسلحة الأمريكية التي تزود بها إسرائيل أولاً بأول، وأما اليوم فقد أصبح التواطؤ الأمريكي الإسرائيلي واضحاً ظاهراً بل وتتناقله وكالات الأنباء على مرأى ومسمع من العالم دون خجل أو حياء.
3- الحبل الروسي: إن الشيوعية صناعة يهودية، وأيدي اليهود في روسيا ودول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق واضحة، وقد تمثل هذا الحبل في اعترافهم بإسرائيل، وبقدوم مئات الآلاف من اليهود من تلك البلاد للاستيطان في فلسطين المحتلة.
4- الحبل العربي: ويتمثل بحالة الانهزامية التي تسود العالم العربي، وبهرولة الكثيرين نحو الاستسلام لليهود والجلوس معهم على موائد مفاوضات ما يسمى بالسلام، ولا ندري ما هو هذا السلام الذي يريدون، هل هو سلام من طرف واحد؟ ندع الجواب لهم، لكن الذي نعلمه ونعتقده أن جميع هذه الحبال ستتقطع -بإذن الله- في يوم من الأيام وسيعود المسلمون إلى دينهم، وسينتصرون على اليهود {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ}
[(4-5) سورة الروم] {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [(6-7) سورة المعارج].
عندما تنعدم الخيارات أمام المظلوم وتضيق المدائن بشعب مقهور فإن كل سلوك متوقع وكل سياسات يمكن فهمها وإن صعب تبريرها، غزارة دم يسيل، وحرارة دم يغلي، ليسا طرفين متكافئين جيش احتلال مسلح ضد شعب أعزل، القتلى والضحايا في طرف، والقاتل والجلاد الذي يطلق النار في طرف آخر، قاتل ومقتول، وجلاد وضحية، إن القوة والقهر والظلم لا يمكن لها أن تنشىء حقاً أو تقيم سلاماً، إن العدوان لا يولد إلا العدوان، وإن مشاعر الشعوب هي معيار الضغط النفسي وهي مقياس بواعث الانفجار.
إن ما يجري في بيت المقدس وفلسطين المحتلة اليوم امتحان شديد لأمة الإسلام، أمة الإسلام أمة معطاء، تجود ولا تبخل، في تاريخها المشرق الطويل قدمت ما يشبه المعجزات، وهي اليوم تعيش مفترق طرق خطير يحيط بها وبقدسها وبأجزاء محتلة من ديارها، إنها لم تعجز عن إيجاد آلية منصفة قوية متزنة تعيد الحق إلى نصابه، وترد المغتصب إلى صوابه.
أمة محمد –صلى الله عليه وسلم-، أمة الإسلام وأمة الجهاد، وأمة عزة، لا تعجز -بإذن الله- أن تجد لنفسها -بتوفيق الله وعونه- مخرجاً من أزمتها، والقدس والأرض المباركة أغلى وأثمن وأكبر من أن تترك لمفاوضات أو لمساومات سلام مزعوم، وما أخذ بالقوة فإنه لا يرجع إلا بالقوة.
واليهود قوم جبناء وهم مع كل أسف لم يواجهوا إلى الآن أمة الإسلام المجاهدة، لم يواجهوا إلا أبناء فلسطين فقط العزّل من كل شيء إلا الحجارة، ومع ذلك لم يدعوهم ينامون قريري العين.
إن قضية بيت المقدس وقضية فلسطين لا تنفصل البتة عن قضية الإسلام كله، إنها ليست أرضاً فلسطينية أو عربية فحسب، بل إنها قبل ذلك وبعده أرض المسلمين أجمعين، تُفدى بالأرواح والمهج، وإذا ضعف الإسلام في نفوس الأتباع ضعفت معه روابط الحقوق والحماس والفداء في قضاياه كلها، ويوم يترسخ الإيمان ويصفو المعتقد وتسود الشريعة وتعلو الشعائر، ستحيا كل القضايا وسيتحقق كل مطلوب.
إن من البشائر مما يبعث الأمل ويقوي العزائم هذا التفاعل الذي شهده المسلمون وقرت به الأعين، هذا التفاعل من الأمة كلها في الأقطار الإسلامية كافة، جراء هذه الاعتداءات الآثمة من هذا العدو الصهيوني المحتل الغاشم، والمآسي التي يتعرض لها إخواننا في فلسطين، -وإن كان معظم من يتفاعل لا يستطيع أن يقدم سوى المال والدعاء-، فنقول بأن هذا شيء من الدعم الذي يجب أن يستمر ليبقى الشعب الفلسطيني شوكة في حلق اليهود، فلا بد أن ندعم هذا الشعب المسكين بكل ما نستطيع ولا نتوقف أبداً حتى يُنحر آخر يهودي على أرض فلسطين.
إن الذي ينظر إلى القضية بمنظار القرآن لن يخدع أبداً، فالقرآن الكريم يقول: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}
[(100) سورة البقرة] ويقول: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [(64) سورة المائدة]، ومن يتزود بزاد القرآن فلن يضعف أبداً {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [(14) سورة الحشر]، {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [(14-15) سورة التوبة].
ومن يتعامل مع قضاياه على هدي القرآن فلن يضل أبدًا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}
[(51) سورة المائدة] {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [(120) سورة البقرة] {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} [(217) سورة البقرة] ومن صدّق بما في القرآن فلن يتنازل عن حق أبدًا، {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا} [(7) سورة الإسراء]، لكن مع الأسف إذا كان الإسلام ذاته في عقول بعض المسلمين وكتاباتهم وإعلامهم لا يستحق أن يحظى منهم بتفكير واهتمام، بل إذا كانت العقيدة عند بعضهم أهون من الأرض!، والشريعة أرخص من التراب!، فهيهات أن تنتصر القضية أو يتنـزل نصر.
كان اليهود شراذم وأقليات في بقاعٍ شتى من العالم فعزموا على إعادة بناء أنفسهم بجدية، فأنشؤوا حركة صهيونية تعمل وفق خطة مدروسة واضحة المعالم بوصاية بريطانية وبدعم من قادتهم واجتمع هدف اليهود والنصارى اللذين لم ينسوا الأحزاب وخيبر وبلاط الشهداء وحطين.
إن اليهود رفعوا -منذ بدأت معركتهم- رايةً واحدة هي راية التوراة، واندفعوا وراء غاية واحدة، هي أرض الميعاد، فأسموا دولتهم باسم نبي هو يعقوب -عليه السلام- أو إسرائيل، وجعلوا دستور دولتهم التوراة، وخاضوا معاركهم خلف الأحبار والحاخامات، وجعلوا لدولتهم -بكل توجهاتها- شعاراً واحداً هو نجمة داود، وقبلتهم هيكل سليمان الذي يريدون بناءه مكان المسجد الأقصى -كما يزعمون-، إنها أكثر من خمسين سنة على قيام دولة يهودية أثبتت كل الشواهد خلالها الفشل الذريع، والهزائم المنكرة، والتراجع المذهل للاتجاه العلماني بأثوابه المتعددة من اشتراكيةٍ وقومية وتقدمية أو بعثية أو رافضية، إنّ الذي هُزم وتراجع أمام اليهودية ليس هو الإسلام، بل مسميات أخرى بعيدة عنه مُشوِّهة له، والذي ألقى السلاح وطلب الاستسلام ليس هو الإسلام بل العلمانية، الإسلام الذي لم يمكَّن حتى الآن من التصدي لتلك المعركة العقائدية مع اليهود.
فهل بعد كل هذا نستفيد من التاريخ؟ هل نرجع إلى الماضي لنقوِّم الحاضر؟ هل لليل فلسطين من آخر؟ وهل لفجرها من موعدٍ؟ إن اليهود بما يملكون من قوى سياسيةٍ أو عسكرية أو اقتصادية أو إعلامية هم أضعف بكثير مما يتصورهم عدد من الناس، لكننا لا نستطيع مواجهتهم والوهن كامنٌ في نفوسنا، والمهابة منـزوعة من صدور أعدائنا، وإعلامُهم ونظامُهم ينسج الحقيقة من وجهة نظرهم وحدهم.
إننا لا نستطيع مواجهتهم إلا بالإسلام، وبالإسلام وحده ننتصر بإذن الله وبالإسلام يتصحّح الخلل وتُستمد أسباب النصر، ومقومات الصمود، فليس الصراع مع اليهود صراعاً موسمياً، بل بدأ صراعنا معهم منذ نبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وجاهر بها أسلافهم بعد ذلك من بني قريظة وقينقاع وبني النضير وعبد الله بن سبأ وميمون القداح.
إن قضية فلسطين قضية إسلامية بالدرجة الأولى، وإن الصراع سيستمر، وهو صراع بين الإسلام والتحالف الغربي الصهيوني، والجهاد الذي بدأه الأوائل سيستمر بإذن الله، ويجب أن يعلم المسلمون ألا ثقة بوعود الغرب ودولة عاد هي راعية السلام المزعوم، وأنه من السذاجة وهزال الرؤية أن نستجدي الغرب ليساعدنا على اليهود أو يوقفهم عن ارتكاب المجازر في حق شعب يعتبرونه همجياً وإرهابياً!، وإن نكبةً مثل فلسطين لا تسترد بالحلول السهلة أو بالمؤتمرات والخطب فقط، أو بالجلوس مع يهود في مفاوضات سلامٍ لا تبحث إلا عن رضاء يهود ومصالح يهود، وإن البحث عن حل لهذا الواقع المتردّي هو أول الوسائل للنصر.
لقد هانت هذه الأمة حين ظهر فيها تفرق الكلمة، واختلاف الأغراض، وتجاذب الأهواء، لقد برزت فيها الأحقاد، شُغل بعضهم ببعض، انقسموا إلى قوميات، وتفرقوا في دويلات، لهم في عالم السياسات مذاهب، ولهم في الاقتصاديات مشارب، استولت عليهم الفرقة ووقعت عليهم الهزيمة، بل نهش بعضهم بعضاً وسلب بعضهم حقوق بعض، حتى صيح بهم من كل جانب، فانصرفوا عن قضاياهم الكبرى، واستغل الأعداء الأجواء، وفي هذه الأجواء المظلمة، والأحوال القاتمة يزداد الصهاينة في مقدساتنا عتواً وفساداً وتقتيلاً وتخريباً، يريدون -في زعمهم- أن يبنوا هيكلهم المزعوم على أنقاض ثالث المسجدين، ويُجهضوا انتفاضة الحجر لأطفال فلسطين ورجالها ونسائها، ألا ساء ما يزعمون، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والذلة والصغار والمسكنة لمن غَضِبَ عَلَيْهِ {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ}
[(60) سورة المائدة].
لقد تبين لكل ذي لب أن النـزاع مع هؤلاء الصهاينة نزاع هوية ومصير وعقيدة ودين، وأن حقوق الأمة لن تُنال بمثل هذا الخور، لقد أوضحت الانتفاضة -كما أوضحت البوسنة والشيشان وغيرها من بلاد الله-، أن الجهاد في سبيل الله هو السبيل الأقوم والطريق الأمثل لأخذ الحق والاعتراف به، وأيقن المسلمون أن راية الدين إذا ارتفعت تصاغرت أمامها كل راية.
إن حقاً على أهل الإسلام أن تربيهم التجارب والوقائع، وتصقلهم الابتلاءات والمحن، وإن بلوى نكبة فلسطين وتكرار ذكرها ينبغي أن يكون دافعاً لنا لا محبطاً، محركاً للجهود لا جالباً لليأس من عدم النصر فـ {لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}
[(87) سورة يوسف].
إن الله سائلنا ولا شك عما قدمناه من نصرة لهؤلاء الضعفاء الذين خذلهم القريب قبل البعيد، أين أبسط أدوار المناصرة التي نقدمها إلى فلسطين؟ إنه ليس من عذرٍ لأحد اليوم يرى مقدساته تنتهك، ويرى أطفالاً أبرياء يقتلون في أسرهم، ويهود متسلطون، ثم لا يدعم إخوانه هناك، ولا يتأثر لمصابهم، بل قد يتلهى عنهم بأنواع من الملهيات فأين أخوة الإسلام؟ بل أين نخوة عرب وعدنان؟ ألم تروا جنائز الشهداء وتسمعوا بكاء النساء؟!.

وفي المحيا سؤال حائر قلق *** أين الفداء وأين الحب في الدينِ؟
أين الرجولة والأحداث دامية؟ *** أين الفتوح على أيدي الميامينِ؟
ألا نفوس إلى العلياء نافرة *** توَّاقة لجنان الحور والعينِ؟
يا غيرتي أين أنتِ أين معذرتِي *** ما بال صوت المآسي ليس تشجيني؟

إن الناظر فيما أصاب المسلمين من ابتلاءٍ هذه الأيام يرى اختلافاً في مواقف الناس من صابر ثابت، وجزعٍ خائف، ظهر في بعض مسالك أقوام تعلقٌ بغير الله واعتمادٌ على أسباب لا تغني عنهم من الله شيئاً، ومن هنا فحقيقٌ بالأمة أن تعي حالها وتنظر في واقعها لمستقبلها.
إن المأساة أليمة والخطب جسيمٌ والذي يحدث هو مسؤولية على كل من رآه أو علم به، وإننا والله مسؤولون عن مناظر القتل التي يمارسها يهود على إخواننا في فلسطين، وكثير منا لا يحرك ساكناً، بل لديهم الوقت لمتابعة مباراة كروية، أو حفلات غنائية!، والله إننا نخشى أن يصيبنا الله بعقوبة من عنده إن لم نقم بأدنى واجبات النصرة لهم.
واليوم انتفض أبناء الحجارة يحملون حصى أرضهم وترابها ليرموا بها وجوه الدخلاء الغاصبين، لقد نطقت حجارتهم حين أُخرست المدافع ووقّعوا بدمائهم شهادة ميلاد جيل جديد لا يؤمن بالخوف ولا يعترف بالعجز ولا يرضى بالهوان حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وهو يوم قادم -بإذن الله تعالى- نقول ذلك تحقيقاً لا تعليقاً.
وختاماً فثمة أمور يمكن أن نساهم فيها جميعاً وأن نقدم شيئاً لإخواننا في فلسطين نوجزها في النقاط التالية:
أولاً: نشر الوعي العقدي في الأمة قاطبة والعقيدة الصحيحة على كافة المستويات، -لاسيما عقيدة الولاء والبراء-, وأن نعلنها إسلامية، نعلنها أنها معركة إسلامية، وأن نعلم أن كل ما يحصل مع ما يسمى بإسرائيل فإنه لم يمثَّل فيه الإسلام ولم نسمع فيه: قال الله ولا قال رسوله –صلى الله عليه وسلم- أو أن القدس إسلامية، نعم، إن القضية إسلامية لا تخص الفلسطينيين وحدهم ولا العرب وحدهم ولا المسلمين المعاصرين فقط، بل هي قضية إسلامية تهم كل المسلمين إلى قيام الساعة وهذه قضية يمكن أن يشارك فيها الجميع.
ثانياً: يجب توحيد صفوف أهل السنة والجماعة في جميع أنحاء العالم على منهج صحيح واضح هو منهج السلف الصالح النقي الخالي من الشوائب.
ثالثاً: التنبه الشديد لمسألة التطبيع مع اليهود وأكذوبة السلام وإحياء الآيات والأحاديث، نعم، لابد أن نحيي الآيات والأحاديث التي تبين موقف المسلم من اليهود والنصارى وتبين خبث اليهود وخبث النصارى، وهذا الدور يمكن أن يقوم به كل العلماء وطلاب العلم وشباب الصحوة دون استثناء.
رابعاً: يجب أن نبعث التفاؤل في الأمة، وأن نذكرها بوعد الله -تبارك وتعالى- حتى لا يدبَّ اليأس إلى قلوب الكثيرين.
خامساً: يجب علينا أن ننشِّط الدعوة إلى الله في كل مكان، وأن نرصد خطط الأعداء وحركات المتآمرين. وهذه أيضاً يمكن أن يشارك فيها الجميع.
سادساً: الوقوف الحقيقي -بكل قوة- مع الشعب الفلسطيني المقهور المظلوم الذي صودرت حريته داخل أرضه، وأن نمده إمداداً متواصلاً بالدعوة إلى الله والكتب والمال وجميع المساعدات وكل ما يحتاجه في جهاده مع اليهود، وأن نحرص على إبقائه شوكة في حلق اليهود في الأرض المحتلة، وأن نسعى في زيادة عدده، وهذا ما يُفقد إسرائيل توازنها البشري والسياسي والمعنوي، إن الكفار يتبرعون لإخوانهم اليهود في إسرائيل بمئات المليارات، فأين نحن عن الفلسطينين؟ والله المستعان. وهذه أيضاً يمكن أن يشارك فيها الجميع.
سابعاً: يجب علينا محاربة الترف، ومحاربة الإسراف والفراغ الذي تعيشه هذه الأمة، وأن نحشد كل طاقاتنا لمواجهة هذا العدو الحقود، إن المعركة يا عباد الله ليست معركة غالب مغلوب، ولكنها معركة وجود أو عدم.
ثامناً: لابد من إعادة الفريضة الغائبة فريضة الجهاد في سبيل الله، لابد أن نمتثل قوله -تبارك وتعالى-: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ}
[(60) سورة الأنفال]، لابد من التربية الجهادية، لابد أن يعلم كل أحد ينتمي إلى الإسلام أن العزة لهذه الأمة مربوطة بالجهاد في سبيل الله، ولابد أن نحفِّظ أنفسنا ونساءنا وأطفالنا وشيوخنا قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) [رواه أبو داود عن ابن عمر -رضي الله عنهما]. وقد أثبتت التجارب أن اليهود لا ينصاعون لعهد، ولا ينقادون لميثاق، وأن ما أخذ بالقوة لا يمكن أن يرجع إلا بالقوة.
إنه لا حل لقضية فلسطين إلا بإعلان الجهاد الإسلامي، وهو كما قلنا لم يحصل إلى الآن، والأمة بانتظاره،
{قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً} [(51) الإسراء].

غضَّ المفاوض صوته فتكلمي *** بلسان نار يا كتائب أو دمِ
لم يفهم المحتل من خطبائنا *** فلتُفهمي المحتل ما لم يفهمِ
ما أيد الحق المضاع كمنطقٍ *** تدلي به شفة السلاح الأبكمِ
تتحرر الأوطان بالدم وحده *** إن الخطابة رأس مال المعدمِ
بثوا له الأشواك إن يمشي وإن *** يشربْ فشوبوا ماءَه بالعلقمِ
ودعوه إن يلفظْ يعش فزعاً وإن *** يرقد بغارات الكتائب يحلمِ
حتى يظن النار حشو رغيفه *** فإذا تناوله تفجر في الفمِ

تاسعاً: الدعاء وقد صح عنه –صلى الله عليه وسلم- ((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم)) الدعاء سلاح المؤمن {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [(62) سورة النمل] والآيات والأحاديث في فضله وأهميته كثيرة، فندعو لإخواننا المسلمين، وندعو على عدونا، وندعو لدين الله بالتمكين. وهذه أيضاً يمكن أن يشارك فيها الجميع.
عاشراً: دراسة تاريخ القدس وتدريسه في المساجد والحلق؛ لأن الدراسة المنهجية في المدارس لا تكفي، فيجب معرفة القضية المعرفة التفصيلية، وربطها بجذورها الإسلامية، وعدم جعلها قضية خاصة بالفلسطينيين وحدهم، ولا بالغرب وحدهم بل هي قضية المسلمين جميعاً.
الحادي عشر: دراسة أسباب البلاء، ومعرفة مكمن الخطر ونقاط الضعف فينا، ومن أين أُتينا، فتشخيص الداء أعظم معين على صرف الدواء، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
الثاني عشر: تجديد الولاء والبراء في نفوس الأمة، وصرف الولاء في المسلمين والبراء من الكافرين واستبانة سبيل المجرمين {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}
[(55) سورة الأنعام]. وهذه أيضاً يمكن أن يشارك فيها الجميع.
الثالث عشر: تحديث النفس بالغزو ((من لم يغزُ أو يحدث نفسه بالغزوِ مات على شعبة من النفاق)) ((إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم مسيراً أو قاطعتم وادياً إلا شاركوكم في الأجر، حبسهم العذر)). وهذه أيضاً يمكن أن يشارك فيها الجميع.
الرابع عشر: يجب على الأمة المسلمة ضرب اقتصاد عدوها بسحب أرصدتها منه، وهي الأرصدة التي أهينت الأمة المسلمة بسببها، فكم تدخل عدونا وفرض سياسته الماكرة على دول مسلمة فقيرة بفعل الضغط المالي الذي يمارسه عليها عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي يهيمن عليه الغرب ومن سار في فلكهم، ويُدعم أكثره بكل أسف من أموال الدول الإسلامية الغنية، فأموال المسلمين تعطى لعدوهم ليسيطر ويتدخل في سياسات دول مسلمة أخرى، ويفرض عليهم ما يريد، فمتى يكون صندوق النقد الإسلامي أو الدولي بأيدي المسلمين. ولو تفاعل مع القضية التجار المسلمون -ولا يلزم الدول- وسحبوا أرصدتهم لخلخل هذا في اقتصاد الغرب الذي يدعم العدو الصهيوني جهاراً نهاراً.

يَكْفي الْقَوَافِي، وَيَكْفي حِينَ أُلْقِيهَا *** أَنّي إلى ثالِثِ البَيْتَيْنِ أُهْدِيهَا
قَلبِي يَتُوقُ إلى تِلْكَ الْبِقَاعِ بِهَا *** صَلّى الرّسُولُ وَأَسْرَى من نَوَاحِيها
وَالمُرْسلونَ لهُمْ ذِكرٌ وَسَابِقَةٌ *** صَلّى بِهمْ مُنْقِذُ الدّنْيَا وَهَادِيهَا
كَانَتْ فِلَسْطِينُ بِالأَخْيَارِ حافِلةً *** وَاليَومَ أنْذَالُ صُهيونٍ تُرَدّيهَا
كَانَتْ تُعَانِقُ أَمْجَاداً إذا ذُكِرَتْ *** حَنّ الفُؤَادُ، وَفَاضَتْ عَينُ بَاكِيهَا
وَالله لَوْ كَانَ فِينا مِثْلُ مُعْتَصِمٍ *** لَمَا ترَبّع شارون بعَالِيهَا
وَلو رَأَى عُمَرُ الْفَارُوقُ ذِلّتَنَا *** لَعبّأَ الجَيْشَ يَرْعَاهَا وَيَحْمِيهَا
وَلَوْ رَآنَا صَلاحُ الدّينِ فِي خَوَرٍ *** لجَرّدَ السّيفَ يَفرِي مَنْ يُعَادِيهَا
مِنْ أَينَ يَهْنَؤُنَا عَيْشٌ وَعَافِيَةٌ *** وَفي فِلِسْطينَ آلامٌ تُعَنّيهَا؟
مَعَاوِلُ الْهَدْمِ فِي أَرْجائِهَا عَمِلَتْ *** هَدْماً وَنَسْفاً وَتَخْرِيباً وتشْوِيهَا
ضَغائنٌ في صدورِ القومِ شاهدُهَا *** في مُحْكَمِ الذّكْرِ آياتٌ تُجَلّيهَا
حوادِثٌ يَسْتَدِرّ الدّمْعَ مَنظرُهَا *** وَيَصْرِفُ النّفْسَ عَنْ أَحْلى أَمانِيهَا
هَلْ مِنْ غَيُورٍ على الإسلامِ يُعْلنُهَا *** حَرْباً ضرُوساً وَقُودُ الدّين يُذْكيهَا؟
هَلْ من مُحبّ لأَرضِ القُدسِ يَنْثُرُ في *** رُبُوعِها مِنْ صُنُوفِ الْوَرْدِ زَاهِيهَا؟
قَدْ حَصْحَصَ الْحَقّ لا سِلمٌ ولا كَلِمٌ *** مَعَ اليهودِ وقدْ أبدَتْ عَوَادِيهَا
قَدْ حَصْحَصَ الْحَقّ لا قولٌ وَلا عَمَلٌ *** وَلا مَوَاثِيقُ صِدْقٍ عِنْدَ دَاعِيهَا
أَينَ السّلامُ الّذِي نَادَتْ مَحافِلُكُمْ؟ *** أَيْنَ الشّعَارَاتُ يَا مَنْ بَاتَ يُطْرِيهَا؟
أَيْنَ المْوَاثيقُ، بَلْ أَيْنَ الْوُعُودُ وَمَا *** قَالَتْهُ مَدْرِيدُ في أيّامِ مَاضِيهَا؟
تآمُرٌ ليسَ تَخْفانَا غَوَائِلُهُ *** وَفِتنةٌ نَتوَارَى من أَفَاعِيهَا
بُشْرَاكَ يَا أَيّهَا الأقصَى بَموْعِدَةٍ *** قَدْ قَالَهَا المُصْطَفَى والله مُجْرِيها
بُشْرَاكَ صَحْوَتُنا شَعّتْ طَلائِعُهَا *** وَلاحَ في الأُفْقِ يَحْدُونَا مُنَادِيها
شبَابُنَا لأصُولِ الدّين قَدْ رَجَعوا *** بِعَزْمَةِ الحَقّ مَا كفّتْ غوَادِيها
أَبْصارُهُمْ نَحْوَ بََيْتِ الله شاخِصَةٌ *** وَقُوّةُ الدّينِ مَا اهْتَزّتْ رَوَاسيهَا
بَشّرْ زَبانِيةَ اللّيكُودِ أَنّ لَهُمْ *** يَوْماً عَبُوساً سَيَنْعي فِيهِ نَاعِيهَا
بَشّرْ شَرَاذِمَةَ الآفَاقِ أَنّ لَهُمْ *** مَقامِعاً من حَدِيدٍ سَوْفَ تُلْفِيهَا
لا وَعْدُ بِلْفُورَ يَبْقَى ذِكْرُهُ أَبَداً *** وَلا لَقِيطُ يَهُودٍ في مَبَانِيهَا
لَنْ تَسْتَمِرّ يَهُودٌ في غِوَايَتِهَا *** وَسَوفَ يُجْتَثّ قَاصِيهَا وَدَانِيهَا

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..


  

التعليقات

bpmntoffqj

38cSMQ lihvqegbrxyb, [url=http://bfaabnntcfst.com/]bfaabnntcfst[/url], [link=http://xwyboggplgyr.com/]xwyboggplgyr[/link], http://tikrhxvstpmr.com/

tuhiplj

KCk987 pqtgdvjqdymt, [url=http://ptdydhkcysdy.com/]ptdydhkcysdy[/url], [link=http://ndysevzrxcvw.com/]ndysevzrxcvw[/link], http://cepdhhzjkrvb.com/


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

73.1