خدمة rss
عبد العزيز البدري

   

ملامح من سيرة الشيخ عبد العزيز البدري -رحمه الله-

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

إن الحمد لله..
أما بعد: لقد عُرف المسلمون الأولون بالحرص الشديد على تدوين سير أعلامهم والمشاهير منهم، كالعلماء والمفكرين والمبدعين والمجاهدين والشهداء، مما جعلهم في طليعة الأمم في هذا المضمار، فتركوا لمن جاء بعدهم ميراثاً ضخماً من سير المشاهير، رجالاً ونساءً تميز بالدقة والأمانة، كما تميز بالشمول والإحاطة، فجاءت شهادة حق منهم في الأشخاص والأحداث وكان دافعهم الرئيسي في ذلك هو حرصهم الصادق على الإسلام الذي صنعهم صنعاً جديداً بعد أن أعطوه حقه من أنفسهم وأموالهم وجهدهم، مما جعلهم بحق خير أمة أخرجت للناس.
ومن هنا انطلق المؤرخون المسلمون وكتاب السير نحو تدوين تلك السيرة العطرة التي أصبح تدوينها علماً من العلوم، وضعوا له القواعد والضوابط والشروط؛ لكي يكون مصدراً معتمداً من مصادر الحصول على المعارف والحقائق.
وعندما نتعرض لسيرة الشيخ عبد العزيز البدري -رحمه الله- بعد مرور أكثر من ربع قرن على وفاته فإن ذلك لعدة اعتبارات:
1- التأكيد على أن الإسلام لم يقتصر عطاؤه -سواء من الرجال الأفذاذ أو من الأفكار والحلول الناجعة
لمشاكل الإنسان- على عصر الصحابة والتابعين فحسب كما قد يتوهم البعض، وإنما هو عطاء متجدد متصل غير منقطع، مستمر دائم ما دام الإنسان وما دامت الحياة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إنه مثل ما قدم للبشرية في عصر من العصور أبا بكر، وعمر، وعلي، وحمزة، وأبا عبيدة، وبلال، وسلمان، وصهيب، وجعفر، وعمار، وياسر، وخالد، وخبيب، فإنه قدم بعدهم أفذاذا آخرين في جميع العصور التي أعقبت عصرهم، أمثال سعيد بن جبير، ومحمد بن القاسم ،وطارق بن زياد، وأبى حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، ومالك، وابن تيميه، وصلاح الدين، وعمر المختار، وعز الدين القسام، وابن باديس، وحسن البنا، وسيد قطب، وعبد العزيز البدري، وغيرهم من الأفذاذ من فقهاء، ومصلحين، ومجاهدين، ومجددين، وقادة فاتحين، وحكاماً عادلين، على امتداد العصور سلسلة لن تنقطع، وعطاء مستمر لا يتوقف، لعلها أحد المعاني المقصودة بحديث الصادق المصدوق: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).
2- الكشف عن دوافع الجريمة -جريمة اغتيال الشيخ البدري- وعن الذين خططوا لها وارتكبوها المباشر منهم، والمتسبب، والذين هيأوا ظروفها واختاروا المنفذ لها؛ لكي يقتل الشيخ البدري وأمثاله من الرجال الأفذاذ، بل لقتل شعب العراق كله بلا رحمة ولا شفقة.
3- إن اغتيال الشيخ البدري لم يكن حادثاً فردياً و لم يصدر عن نزوة منحرفة ومزاج عدواني، وإنما هو جريمة أفرزتها مخططات استعمارية صليبية وصهيونية متآمرة على هذه الأمة؛ بهدف الإجهاز عليها، وعلى دينها باغتيال دعاتها البارزين المؤثرين، وقادتها المجاهدين ضمن سلسلة الجرائم والمؤامرات إلتي أحيكت وتحاك ضد الإسلام ودعاته.
الشيخ عبد العزيز البدري ولد وعاش ومات في العراق في فترة الخمسينات، لذا أجدني مضطراً إلى أن أعطي لمحة سريعة عن تاريخ العراق في الفترة التي عاش فيها الشيخ.
كان العراق حتى عام 1917م جزءاً من الدولة العثمانية، وفي تلك السنة احتلت القوات البريطانية العراق، وكان الاحتلال إحدى نتائج الحرب العالمية الأولى التي كانت الدولة العثمانية طرفاً فيها، إلى جانب ألمانيا ضد كل من فرنسا، وإنجلترا، والنمسا، وروسيا القيصرية التي انسحبت منها قبل نهايتها، إذ في هذه الحرب هُزمت ألمانيا والدولة العثمانية، وتقرر على أثرها إزالة الدولة العثمانية من الخارطة السياسية للعالم، وذلك بتفكيكها وتحويلها إلى كيانات متعددة توزعتها بريطانيا وفرنسا مستعمرات ومناطق نفوذ؛ تنفيذاً لاتفاقية سرية كانت قد أبرمت بينهما أثناء الحرب عرفت بعد الكشف عنها باتفاقية "سايكس بيكو" إذ بموجب هذه الاتفاقية تقرر أن يكون العراق وشرق الأردن من حصة بريطانيا، في حين تكون سوريا ولبنان من حصة فرنسا، أما فلسطين فقد تقرر أن يقام فيها وطن قومي لليهود تنفيذاً لما يسمى بوعد بلفور.
احتل الإنجليز العراق ودخلت قواتها العسكرية بغداد، فكان المندوب البريطاني هو الحاكم الفعلي والرسمي للعراق، وبمساعدة معاونيه ومستشاريه من الإنجليز الذين استلموا كل مرفق من مرافق البلاد، إلى جانب مجموعة من العراقيين الخونة الذين لا تخل منهم أمة ولا دولة في جميع عصور التاريخ.
والشعب العراقي شعب مسلم والعراق كان حديث عهد بالانسلاخ من الدولة العثمانية، فكان والحالة هذه لا يزال يحمل ذكريات طيبة عن تلك الدولة، ولذلك سرعان ما اشتعلت في نفسه نار الثورة والغضب على المستعمرين الإنجليز، تلك الثورة التي عرفت بثورة العشرين والتي أخذت تسميتها هذه من تاريخ قيامها سنة 1920 م.
بدأت هذه الثورة في مناطق الفرات الأوسط استجابة لفتاوى علماء العراق في ذلك الوقت من أمثال الشيرازي والخالصى والحبوبى وغيرهم، متضمنة رفض الانتداب ووجوب مقاتلة الانجليز وجوباً شرعياً؛ لأن الإنجليز كفار ولا تجوز ولاية الكافر على المسلم، فاستجابت لتلك الفتاوى قبائل الفرات الأوسط التي شنت هجمات موفقة على القوات البريطانية المحتلة وقاتلتهم ببسالة، أنزلت بهم أكثر من هزيمة منكرة في أكثر من معركة، وقد حاول الإنجليز أولاً صبغها بالصبغة الطائفية متذرعين بأن قادتها الأوائل كانوا من الشيعة، في محاولة منهم لتحجيمها وعزلها عن قطاعات العراق الأخرى، ولكن كيدهم رد إلى نحورهم إذ سرعان ما استجابت لنداء الثائرين قطاعات العراقيين في الوسط والشمال والغرب، فتحولت مساجد العراق إلى مراكز للمقاومة، وارتفعت من مآذنها ومنابرها الدعوة إلى المشاركة في الجهاد لمقاتلة المستعمرين مما جعل وضع القوات الإنجليزية حرجاً وضعيفاً، أدى إلى ارتفاع أصوات المعارضة في مجلس العموم البريطانية تطالب بالانسحاب من العراق الذي كلفهم كثيراً من الخسائر المادية، ومرغ سمعتهم وأضعف معنوياتهم في كثير من مناطق العالم، وشجع شعوب مستعمراتهم الأخرى على التحرك ضدهم والانتفاض عليهم، فلجؤوا إلى خديعة أخرى، وذلك بتهدئة خواطر العراقيين واحتواء ثورتهم عن طريق منح العراق استقلالا صورياً، يدار بموجبه من قبل عراقيين متعاونين معهم.
وبهذه المناورة من الإنجليز انتهت ثورة العشرين بمنح العراق استقلالاً صورياً أهّله إلى أن ينضم إلى عصبة الأمم التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى، وقيام نظام ملكي حل محل الانتداب بعد فترة وجيزة ومعاهدة جائرة سمحت للإنجليز بإقامة معسكرات وقواعد عسكرية، إضافة إلى الامتيازات الاقتصادية التي حصلوا عليها، ومن أهمها امتياز تسويق التمور والقمح والشعير من قبل الشركات البريطانية.
وهكذا آل المآل المؤسف للعراق بانتهاء ثورة العشرين التي لقنت الانجليز دروساً بليغة، أهمها خطورة علماء المسلمين وقوة نفوذهم في تحريك الجماهير ضدهم، ومن ثم خطورة الإسلام وعمق جذوره عندما تتهيأ له القيادة القدوة الشجاعة، لذلك فكروا طويلاً وخططوا لإبعاده عن حياة الناس إبعاداً تاماً، وتشويه تعاليمه، والتأكيد على أنها قضية شخصية لا شأن له بسياسات الناس وسائر شؤونهم الحياتية من جهة، وإبعاد العلماء وعزلهم عن الأمة من جهة ثانية، وذلك عن طريق حصر نشاطهم في دائرة ضيقة، تلكم هي دائرة الوعظ والإرشاد إلى مكارم الأخلاق وإمامة الناس في صلواتهم في المساجد، أما التصدي للقضايا المصيرية للأمة من سياسية واجتماعية وإدارية وقيادة الناس في الشدائد والملمات فإن ذلك ممنوع عليهم.
استمر الحال هكذا، عراق مستقل صورياً إلى أن تولى الملك غازي بعد وفاة والده الملك فيصل بن الشريف حسين الذي تزعم الثورة العربية عام 1917م، وكان غازي قد نشأ في صفوف العراقيين وعاش في أوساطهم، واختلط بهم في طفولته ودرس في مدارسهم وفق رغبة والده، فتأثر بهم وشاركهم في أحاسيسهم وكراهيتهم للإنجليز خاصة، فكان كارهاً لهم ومعادياً أيضاً متبرماً من تدخلاتهم في شؤون العراق وسياساته، وفى عهده حدث أول انقلاب عسكري في تاريخ العراق الحديث، بل أول انقلاب في العالم العربي سنة 1936م قام له قائد الجيش الفريق بكر صدقي، وهو كردي الأصل، كان من نتائجه إبعاد السياسيين المتعاونين مع الإنجليز من السلطة، منهم نوري السعيد الذي أخذ يشق طريقه بسرعة؛ ليكون من أبرز السياسيين المعتمدين من قبل الإنجليز وأكثرهم تأييداً لسياساتهم، وقد اتهم الملك غازي بأنه كان محرضاً على الانقلاب المذكور، إلا أن بكر صدقي سرعان ما قتل في لواء الموصل وهو في طريقه إلى تركيا في زيارة رسمية، ثم ما لبث أن قتل الملك غازي أيضا في حادث سيارة غامض، ويقال: إن المدبر للحادثين هو نوري السعيد تنفيذاً لرغبات الانجليز.
وبمقتل الملك غازي ظهر على الساحة السياسية عبد الإله الذي عين ولياً للعهد ووصياً على عرش العراق؛ بسبب صغر سن فيصل الثاني ابن الملك المقتول، واشتراط الدستور أن لا يقل سن الملك عند تسليمه عن ثمانية عشر عاماً.
والذي يعنينا هنا ذكره هو أنه بمقتل كل من بكر صدقي قائد الجيش، والملك غازي تعرض العراق لهجمة جديدة من الإنجليز، إذ أطبقوا على الجيش العراقي، فأبعدوا كثيراً من ضباطه المشكوك في ولائهم لهم، كما طاردوا السياسيين العراقيين المعروفين بنفس الاتجاه، إلا أن هذا الوضع لم يدم طويلاً إذ سرعان ما استرد الجيش نفوذه في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات وأصبح بقبضة أربعة من الضباط هم كل من: العقيد صلاح الدين الصباغ، والعقيد فهمي سعيد، والعقيد محمود سلمان، والعقيد كامل شبيب، يؤيدهم ويساندهم مجموعة من السياسيين، إلا أن الشخصية التي كانت مؤثرة على هؤلاء جميعاً هو الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين، وقائد حركتها الوطنية الذي لم يقتصر نفوذه على العراق فقط، بل تعداه إلى العالم الإسلامي كله.
لقد اصطدم الضباط الأربعة بالسياسيين المتعاونين مع الإنجليز، وتفجّر الموقف مما اضطر كل من الوصي عبد الإله، ورئيس الوزراء نوري السعيد، ومعهما بعض السياسيين على مغادرة العراق واللجوء إلى إمارة شرقي الأردن، أعقبه قيام الضباط الأربعة رداً على ذلك بتعيين الشريف شرف وصياً على عرش العراق بدلا من عبد الإله، وهو من نفس الأسرة الهاشمية الحاكمة في العراق، وتعيين رشيد الكيلاني رئيساً للوزراء، وإلغاء المعاهدة العراقية البريطانية، ثم إقدام الحكومة الجديدة بضغط من هؤلاء الضباط الأربعة على إعلان الحرب على بريطانية، وكان ذلك في شهر مارس سنة 1941 م والوقوف إلى جانب دول المحور ألمانيا وإيطاليا واليابان.
ومن شرق الأردن زحفت القوات الأردنية نحو العراق؛ لتلتقي بالقوات البريطانية، ولتتجه جميعها بعد ذلك نحو بغداد؛ ليعود كل من عبد الإله ونوري السعيد، ويعدم الضباط الأربعة، ويعتقل من أيّدهم في حركتهم، وكان من ضمنهم مجموعة من العلماء الذين كانوا يحملون نفس الاتجاه المعادي للإنجليز.
ثم قامت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958م بقيادة ضابط من ضباط الجيش العراقي هو العميد الركن عبد الكريم قاسم، قتل فيها الملك فيصل الثاني، وولي عهده الوصي عبد الإله، ونوري السعيد، ومجموعة من السياسيين، وسرعان ما أقدم الانقلابيون على الخروج من حلف بغداد الذي كان يضم كلا من تركيا وإيران وباكستان وإنجلترا، إضافة إلى العراق، ثم إلغاء الاتحاد الهاشمي الذي كان قد أقيم بين العراق والأردن، ثم تشكيل محكمة برئاسة الضابط فاضل المهداوي لمحاكمة رجال العهد الملكي من عسكريين ومدنيين.
وما إن نجحت الثورة على النظام الملكي الهاشمي حتى أخذ بعض أطرافها يسعى للانفراد بالأمر وإلغاء الآخرين فقامت ثورة الرابع عشر من رمضان سنة 1963م بقيادة الرجل الثاني في العراق وهو عبد السلام عارف النائب العام للقوات المسلحة، ونائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية، فاتجه اتجاها قومياً وحدوياً ناصرياً، مما دفع عبد الكريم قاسم إلى تجريده من كل مناصبه وتعيينه سفيراً للعراق في ألمانيا، فأثار هذا الإجراء غضب العناصر القومية التي ناصبته العداء، فمد عبد الكريم قاسم يده إلى الشيوعيين لمواجهة المد الوحدوي العربي ومقاومته.
هكذا انقسمت الثورة على نفسها بانقسام قيادتها، وانتقل هذا الانقسام إلى صفوف الشعب، فبدأت المصادمات بين دعاة الاتجاهات الوحدوية والاتجاهات المعارضة للوحدة، بزعامة الشيوعيين الذين انفردوا بعد ذلك بالالتفاف حول عبد الكريم قاسم، وأنشأوا قوات شبه عسكرية من الرعاع أطلقوا عليها اسم- المقاومة الشعبية- فضايقت الشعب واعتدت على حرياته وأعراضه، كما أنشأوا منظمات سياسية مثل حركة أنصار السلام والشبيبة الديمقراطية، التي عمت البلاد بمهرجاناتها ومظاهراتها ونشراتها المؤيدة لعبد الكريم والمناوئة للوحدة العربية، حتى غدا العراق للناظر وكأنه دولة شيوعية متطرفة، فكان أحد ردود الفعل لهذا الاتجاه تمرد عسكري في مدينة الموصل سنة 1959م، بقيادة العقيد عبد الوهاب الشواف، بإسناد ودعم العناصر القومية والجمهورية العربية المتحدة لم يكتب له النجاح، فاغتنمها عبد الكريم وحلفاؤه الشيوعيون فرصة للتنكيل بخصومهم السياسيين، فأقاموا محاكم في مدينة الموصل أطلقوا عليها اسم المحاكم الشعبية، كانت تعقد بعض جلساتها في الشوارع والميادين العامة فقتلت الكثيرين من الأبرياء بأساليب وحشية، مثل: إكراه المحكوم عليهم بالموت حفر قبورهم بأيديهم قبل تنفيذ الحكم عليهم، والتمثيل بجثث البعض وصلبها على أعمدة الكهرباء كما قامت المنظمات الشيوعية هي الأخرى باستباحة مدينة الموصل أياماً، فقتلت النساء والأطفال والشيوخ والشباب إلى جانب سلب الأموال وانتهاك الأعراض، فكانت كارثة مروعة من الكوارث التاريخية التي مرت على مدينة الموصل عبر التاريخ، ثم تلت هذه المجزرة مجزرة أخرى في كركوك، ثم امتد الإرهاب إلى جميع المدن العراقية لمطاردة كل من هو غير شيوعي من ذوي الاتجاهات الأخرى، وكل من هو غير موال للثورة وزعامة عبد الكريم قاسم.
ومع كل هذا الجو الإرهابي الذي شمل كل أنحاء العراق، فإن الشعب العراقي أبدى مقاومة بطولية لهذا الإرهاب، ودخل في مصادمات دموية مع النظام وحلفائه الشيوعيين، اضطر عبد الكريم قاسم إلى التراجع والتخلي عن حلفائه متنصلاً من جرائمهم معلناً في خطبة له في كنيسة "ماريوسف" في بغداد بأنهم قتلة ومجرمون، وأنهم وحدهم يتحملون مسؤولية الجرائم التي ارتكبوها، فانهارت قواهم وفقدوا السلطة المساندة لهم وانطلق الشعب يطاردهم إلى أن كانت نهاية عبد الكريم قاسم بانقلاب ناجح نفذه التيار القومي، وتولى فيه عبد السلام عارف رئاسة الجمهورية، كان من نتائجه إلقاء القبض على عبد الكريم قاسم وآخرين من أنصاره منهم فاضل المهداوي ومحاكمتهم في دار الإذاعة محاكمة صورية، أصدرت أحكامها عليهم بالموت وسرعان ما نفذت فيهم الأحكام.
ومما هو جدير بالذكر أن عبد الكريم قاسم كان شجاعاً في مقاومته، كما كان شجاعاً في استقبال الحكم الصادر عليه، وكانت وصيته عند إبلاغه بالحكم أن ينفذ به بملابسه العسكرية التي كان يعتز بها، وأن لا تعصب عيناه وأن لا يمثل في جسده بعد قتله، وقد استجيب له طلبه وكان ذلك في 14 رمضان سنة 1963م.
تسلّم حزب البعث السلطة لأول مرة في العراق على إثر هذا الانقلاب.
نشأ هذا الحزب في سوريا في أواخر الأربعينات يدعو إلى الوحدة العربية والقومية العربية من دون أي مضمون اقتصادي أو منهج سياسي للحكم، أسسه شخص نصراني اسمه ميشيل عفلق.
وميشيل عفلق الذي لقب بعد ذلك بالقائد المؤسس شخص غامض تحوم حوله الشكوك، غامض لا في كتاباته العامة الغامضة، وإنما هو غامض أيضاً في ماضيه وأصله، وارتباطاته، ودوافعه الحقيقية، وأهدافه المستترة. فمن قائل: إنه فرنسي يحمل الجنسية الفرنسية، ومن قائل: إنه يهودي يوناني الأصل.
ويحتج جميع الذين يشككون في أصله العربي، بأن العرب في تاريخها القديم كله لم تسمِّ أبناءها بهذا الاسم؛ لأن كلمة عفلق في اللغة العربية كلمة مشينة، فهي تعني كما وردت في قواميس اللغة ومعاجمها "فرج المرأة الكبير المتقيح" الذي توصف به الزانيات ومحترفات البغاء، تحقيراً لهن، واستصغارا لشأنهن.
ومثل ما حامت الشبهات حول نسب عفلق وشخصيته وعروبته، فإنها حامت حول دوافع تأسيس حزب البعث، فمن قائل: إن أميركا هي التي أوحت، أو أوصت بتأسيسه؛ لمقاومة الشيوعية في البلاد العربية.
وهنالك رأي آخر له اعتباره أيضاً يقول: إن قيام هذا الحزب لم يكن فقط لمقاومة الشيوعية، وإنما لمقاومة الاتجاه الإسلامي الذي بدأ بالنمو في البلاد العربية، ومنها سوريا في أواخر الأربعينات، وحجة الذين قالوا بهذا الرأي تتلخص في أن مهمة الحزب منذ أول قيامه كانت محاولة لتأطير الإسلام بأطر قومية عربية وضعية، بالتأكيد على أنه يمثل العبقرية العربية المتجددة، والطموحات العربية، والعقلية الخلاقة، إلى غير ذلك من الكلام الغامض، والمصطلحات البراقة، ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب.
ومن المعلوم الثابت أن دولة خليجية كانت هي الممول الرئيس للانقلاب حيث دفعت للبعث عشرات الملايين من الدولارات.
استلم البعثيون السلطة، فأقاموا حكماً استبدادياً إرهابياً، لا يختلف كثيراً في أساليبه وإرهابه عن أساليب الشيوعيين وإرهابهم؛ فقد طاردوا كل من هو ليس بعثياً من أصحاب الاتجاهات السياسية والفكرية، وملأوا السجون والمعتقلات، ومارسوا التعذيب، والاغتيال، والقتل الجماعي، وهتك الأعراض، وسلب الأموال، وأصبح الشعب في ضيق شديد، انتهى بقيام رئيس الجمهورية عبد السلام عارف وبعض الضباط بانقلاب عسكري أزاحهم عن السلطة بعد حكمهم للعراق قرابة سبعة شهور، ليبدأ العراق فترة جديدة هي فترة الحكم العارفي المتمثلة في حكم عبد السلام عارف ومن بعده شقيقه عبد الرحمن.
عُرف عبد السلام عارف في هذه الفترة بعدم الرغبة بالجمهورية العربية المتحدة، ومماطلته فيها، وحَذَرِه من عبد الناصر، وكان في مجالسه الخاصة يهمز ويلمز في قناته ويحمله مسؤولية سوء الأوضاع في مصر، وكان حكمه خليطاً من شعارات قومية غامضة ومشاعر إسلامية، وقد زاد من حذره من عبد الناصر إلى حد النفور حصول محاولتين انقلابيتين عسكريتين قام بهما الناصريون ضده، اعتبرهما هو أنهما كانتا من تدبير عبد الناصر نفسه.
واستمر حكم عبد السلام منذ بدأ فاقداً لمضامين واضحة وأهداف محددة، إلى أن قتل في حادث طائرة غامض في طريق عودته إلى بغداد من زيارة إلى مدينة البصرة الذي يعتقد أن عبد الناصر كان وراء هذه العملية ليخلفه أخوه عبد الرحمن في رئاسة الجمهورية.
وكان العراق عند مقتله تتنازعه قوى متعددة بعثية وقومية وناصرية وإسلامية تسربت في صفوف الجيش، إلا أن أية قوة منها لم تكن قادرة على حسم الموقف لصالحها بانقلاب عسكري بعد أن أصبحت الانقلابات الطريق الأقصر للوصول إلى الحكم، لذلك اختير شقيقه عبد الرحمن رئيساً للجمهورية، ليكون رجل تسوية بين القوى المتصارعة ريثما تتمكن إحداها من القفز إلى السلطة بانقلاب.
وعبد الرحمن عارف ضابط مسالم، لذلك كان عهده عهد تذبذب نمت خلاله جميع التيارات السياسية والفكرية، وتسربت إلى الجيش أكثر من عهد أخيه، فأصبح ألعوبة بيد تلك القوى التي تقاذفته فيما بينها، وقد جرت في عهده أكثر من محاولة انقلابية ضده، قام بها الناصريون والبعثيون أحبطها الحرس الجمهوري إلى أن انتهى بعمل عسكري محدود وسهل قام به قائد الحرس الجمهوري المقدم إبراهيم الداوود، والرائد عبد الرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية، إذ أعلنا عزل رئيس الجمهورية وتسفيره إلى الخارج وتشكيل حكومة ذات أغلبية بعثية، وأعطيت رئاسة الجمهورية لقطب من أقطاب البعث هو الضابط المتقاعد أحمد حسن البكر.
وعلى إثر هذه الحركة استتب الأمر للبعثيين، وبدأت الإجراءات القمعية، وفتحت أبواب السجون والمعتقلات، لتستقبل أفواج العراقيين الذين يمثلون تيارات ومراكز قوى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بلا تمييز، إضافة للاغتيالات الفردية لبعض الشخصيات العراقية في ظروف غامضة، وهكذا ساد العراق إرهاب وبطش وتنكيل لم يشهد له مثيلاً من قبل حتى في عهد الشيوعيين وعبد الكريم قاسم.
وبدأ اسم صدام حسين يتردد باعتباره واحداً من البعثيين الأقوياء المتنفذين، وأخذ يتسلق بسرعة سلم النفوذ والسيطرة من خلال عمليات اغتيال للعناصر القيادية في الحزب نفسه، كانت تسير في خط متوازي مع عمليات البطش والتنكيل والاغتيالات في أوساط الشعب العراقي على أوسع نطاق، كان من نتائجها اغتيال حردان التكريتي في الكويت، وإبعاد إبراهيم الداوود، ثم تبع ذلك إبعاد أحمد حسن البكر عن رئاسة الجمهورية باستقالة حُمل عليها بالإكراه، ليتبع ذلك مباشرة قتل عشرات القادة الحزبيين الذين عارضوا انفراده بالسلطة، إلى أن استتب له الأمر عبر مجازر كثيرة جداً، ويخلو له الجو ليزج بالعراق في حربين ذهب ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والمعوقين والمفقودين، ليتحول البلد إلى خراب وتخلف، يحتاج إلى عشرات السنين لإعادة البناء، وليفرض على العراق حكماً استبدادياً فردياً تخريبياً مستهتراً ليس له مثيل في تاريخ الأمم والشعوب.
هذا باختصار هو تاريخ العراق وهذه هي حقيقة الفترة التي مرت على العراق منذ الاحتلال البريطاني عام 1917م حتى استلام حزب البعث للسلطة فيه سنة 1968م.
إنها لفترة مليئة بالأحداث، استعمار بريطاني مباشر، ثورة سنة 1920م حمل رايتها وأطلق شرارتها الأولى علماء مجاهدون، ثم نظام ملكي، ثم انقلابات عسكرية مشبوهة أفرزت مجازر ودماء، وسجوناً ومعتقلات، وسلباً للحريات، واغتصاباً لحقوق الإنسان، وكبتاً وقهراً وتخريباً و حروباً.
أحداثٌ كبيرة عاصر الشيخ عبد العزيز البدري بعضها طفلاً، ثم صبياً، ثم شاباً مدركاً وأخيراً عالماً مجاهداً ثم قتيلاً في آخر المطاف، والتي لم يعاصر أحداثها مثل الاحتلال البريطاني وثورة العشرين فإنه قد عاصر آثارها ونتائجها ومخلفاتها النفسية والفكرية والعملية.
ولد الشيخ عبد العزيز البدري عام 1932م، وسمع من شيوخ العراق بعد أن بدأ الدراسة الشرعية واختار لنفسه أن يكون عالماً من علماء المسلمين.
كان والده السيد عبد اللطيف البدري كثير التردد على مجالس العلماء التي كثيراً ما تعقد في الجوامع المشهورة في جانب الرصافة من بغداد، يسمع منهم كلمة طيبة، أو حديثاً فقهياً، أو وعظاً مفيداً، أو مناظرة علمية، أو تعليقاً سياسياً، بدلاً من أن يقتل وقته في مقاهي بغداد الكثيرة التي كانت تغص بالعاطلين عن العمل، والذين يريدون أن يعالجوا فراغهم القاتل.
ومن خلال مجالسته لهؤلاء العلماء سمع شكاواهم من واقع الحال المتمثل بالعزوف عن الإقبال على الدراسات الإسلامية وطلب العلم الشرعي؛ بسبب الحملات الاستعمارية على الإسلام وعلمائه، وتشويه سمعتهم، والتضييق عليهم، وعزلهم عن المجتمع ومشاكله، حتى أن كثيراً من الجوامع والمساجد قد عطلت فيها الصلوات؛ لعدم وجود العدد الكافي من الأئمة والخطباء، وأن المدارس الإسلامية كادت أن تغلق أبواها؛ بسبب عدم الإقبال عليها، وإحجام كثير من أولياء الأمور عن تسجيل أبنائهم فيها؛ تفضيلاً للمدارس الرسمية، التي تضمن لخريجيها وظائف محترمة، ومنازل مرموقة وفقا للمقاييس الجديدة السائدة، خلافاً للمدارس الدينية التي لا يتخرج منها إلا الذين أصبحوا في نظر الجيل الجديد رمزاً للتخلف وموضعاً للاستخفاف والتندر.
سمع السيد عبد اللطف كل هذا من الشيوخ الغيورين، ولمس فيهم الرغبة الصادقة والهمة العالية في مواجهة هذا الانحدار، والعمل على تغيير هذا الواقع المؤلم قدر الإمكان.
وكانت البداية التي اتفقوا عليها هي الاتصال ببعض الغيورين لإقناعهم بتوجيه بعض أبنائهم النابهين لدراسة العلوم الإسلامية، وتحصيل العلم الشرعي من العلماء؛ لسد الثغرة الحاصلة، ولمواجهة هذا النقص والفراغ الرهيب في العلماء، فلاقت هذه الفكرة قبولاً لديه، وقرر أن يشارك بالتنفيذ بتقديم واحد من أبنائه الستة لهذا المشروع، وكان ذلك في أواسط الأربعينات، فوقع اختياره على أكبر أولاده عبد العزيز طالب الدراسة المتوسطة الذي لم يبلغ الحلم بعد، وهو غير متأكد من قبول ولده اقتراحه هذا، ولذلك كانت دهشته كبيرة مثل ما كانت فرحته غامرة عندما وجد لدى الشاب عبد العزيز قبولاً وحماساً بدل التردد الذي كان يتوقعه، ومثل ما دُهش الوالد فقد دُهش مدرسو المدرسة التي كان يدرس فيها عبد العزيز البدري طالب الدراسة المتوسطة، هذا الشاب المتحرك، أو التلميذ المشاغب بتعبير الأساتذة، دهشوا من طلب هذا التلميذ من إدارة المدرسة بكل اعتزاز طي قيده فيها ومنحه شهادة النقل إلى مدرسة دينية يريد الانتساب إليها، وسرعان ما وضع عبد العزيز العمامة على رأسه، ولبس ملابس طلبة العلم، تاركا الملابس الإفرنجية التي كانت هي الزيّ الرسمي في المدارس الحكومية النظامية، وخرج بها إلى الشارع متخذها بكل فخر واعتزاز رغم صغر سنه لباسه الدائم، في وقت كان يخجل فيه كثير من طلبة كلية الشريعة من الظهور أمام الجمهور بهذا الزيّ، الذي كان يُنظر إلى صاحبه من قبل المتأثرين بالمظاهر الغربية نظرة ازدراء واستخفاف؛ باعتباره يمثل عهداً منقرضاً ينبغي عدم التفكير بالعودة إليه.
لازم البدري أربعة من كبار العلماء في العراق في ذلك الوقت وهم: الشيخ أمجد الزهاوي الفقيه المتبحر في فقه الأحناف، والشيخ قاسم القيسي عالم التفسير، والشيخ عبد القادر الخطيب عالم القراءات، والشيخ فؤاد الألوسي.
وفي أوائل الخمسينات مُنح الشيخ البدري الإجازة من شيوخه، وقد أهلته هذه الإجازة لأن يكون إماماً وخطيباً في أحد جوامع بغداد، كما أهلته لأن يواصل تعليمه في كلية الشريعة، فاختار الإمامة والخطابة.
في تلك الفترة كان النشاط الإسلامي المنظم في بدايته وفي حدود ضيقة، وكانت هناك جمعية الشبان المسلمين بقيادة مجموعة من الشخصيات المسالمة التي كانت تميل إلى التعايش السلمي مع أي نظام قائم، وكانت تحرص على جلب الشباب عن طريق الفرق الرياضية والكشفية، ولا بأس من بعض المحاضرات في بعض المناسبات الدينية مثل المولد والهجرة وغيرها.
وكان هناك الإخوان المسلمون الذين كانوا في بدايات تكوينهم في العراق، عن طريق بعض المدرسين المصريين الذين ابتعثوا أساساً للتدريس في العراق؛ لإقامة فرع للجماعة الأم في مصر، وكان أكثر نشاطهم في البداية محصوراً بنقل أخبار الإخوان المسلمون في مصر، وأخبار قائدها ومؤسسها حسن البنا -رحمه الله-، وكانت تصل بين الفينة والفينة بعض المنشورات بنسخ محدودة، فيقومون بتوزيعها لمن يقرأها.
بقي الوضع كذلك حتى تخرج الشيخ الصواف من الأزهر، وقد رشحه البنا ليكون مراقباً عاماً لحركة الإخوان في العراق.
وكان هناك جمعية الآداب الإسلامية التي تولى أمرها مجموعة من العلماء الذين عاصروا أو عملوا مع جمعية الهداية الإسلامية التي أسهمت في حركة المقاومة ضد النفوذ البريطاني.
وجد البدري جمعية الآداب الإسلامية أكثر بروزاً، وأوسع نشاطاً، فاختار الشيخ البدري العمل معها، لا باعتبارها المعبر عن طموحاته الإسلامية، ولا باعتبارها التنظيم الإسلامي النموذجي المؤهل لتحقيق الأهداف الإسلامية الكبرى، وإنما باعتبارها أحسن الموجود.
بدأ نجم البدري يظهر في العراق بالخطيب المفوه، وصار يجذب الكثيرين للحضور؛ لأنه خرج عن مألوف الخطب التقليدية، وصار يتحدث بكل جرأة ووضوح، ويتعرض لمشاكل الناس، وقضايا العصر، والأوضاع الفاسدة المنحرفة، مما لاقى استحسان قطاعات واسعة من العراقيين، وكان يجد التشجيع والمساندة من شيوخه الذين بقي عدد منهم على قيد الحياة، بل كانوا يدافعون عنه.
في الخمسينات تأسست جمعية أطلقت على نفسها (جمعية كبار العلماء) مكونة من كبار علماء العراق في ذلك الوقت برئاسة الشيخ أمجد الزهاوي، وكان نشاطها مقتصراً على الفتاوى وكتابة مذكرات، معظمها كان يأخذ جانب الوعظ والإرشاد.
والشيخ البدري لم يكن عضواً في هذه الجمعية؛ وذلك لصغر سنّه، لكنه كان محركاً لهؤلاء العلماء مؤثراً فيهم؛ لثقتهم به، ولما لمسوه فيه الوعي والإخلاص والعمل.
وكثيراً ما كان يوكل بكتابة بعض المذكرات، ثم تراجع من قبل الجمعية، وكثيراً أيضاً ما كان يتولى الكلام والمناقشة والرد والحوار نيابة عن الجمعية مما أثار عليه أمران: انتباه السلطة، واستياء الحسّاد.
بقي الأمر كذلك إلى أن تعرّف الشيخ على حزب التحرير ليبدأ مرحلة جديدة في العمل الإسلامي.
نشأ حزب التحرير في الأردن في أواخر الأربعينات من تحت مظلة الإخوان المسلمين؛ لتطوير العمل الإسلامي، وللتعبير عن ردة الفعل من منهجهم التربوي، والذي لم يكن موضع قناعة البعض الذي كان يرى إقامة الحكم الإسلامي بالانقلاب، فهو حزب انقلابي فكري يتخذ من الصراع السياسي طريقاً لإقامة الدولة الإسلامية، خلافاً للطريقة الإصلاحية التربوية التي اعتمدتها حركة الإخوان المسلمين.
أرسل الحزب بعضاً من دعاته إلى العراق في أوائل الخمسينات؛ لنشر أفكاره وأهدافه لإقامة فرع للحزب في العراق، فاتصل هؤلاء التحريريون ببعض المثقفين من الإخوان المسلمين واليائسين من الجهود المبذولة وبغيرهم، فكان الشيخ البدري واحداً ممن جرى الاتصال بهم؛ باعتباره عالماً شاباً لامعاً في الميدان الإسلامي بدأ بالبروز، فاستمع منهم، وقرأ كتبهم، وناقش آرائهم، فلاقت أكثرها استجابة في نفسه، وتطابقاً لما بدأ يختمر في ذهنه، فقرر السفر إلى الأردن؛ للتعرف عن كثب على رئيس الحزب ومؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني.
رجع الشيخ البدري إلى العراق حزبياً تحريرياً، وبعودته شارك من سبقه لهذا الحزب، وتقدم إلى الدولة يطلب تأسيس الحزب رسمياً، وهو يعلم مقدماً الرفض، ولكنه اعتبر ذلك أسلوباً للتعريف بالحزب، وإحراجاً للسلطة. وفعلاً كانت النتيجة مثل ما توقعوا، قابل البدري السلطة بالتحدي معلناً قيام الحزب؛ لأن عملهم هذا فريضة شرعية لا يتوقف على الإجازة من الحكومة.
أُحيلوا للقضاء فازدادوا تحدياً وصلابة، وصعّدوا الأمر بالبيانات والمنشورات والخطب في المساجد، وعندها قُدموا للمحاكم، وهكذا أصبح الحزب حقيقة موجودة.
صدرت ضدهم أحكام بالسجن استقبلوها برحابة صدر وتحد، وبعد خروجهم من السجن وانقضاء المدة خرجوا أشد عزماً، وأكثر تصميماً على السير في نفس الطريق.
وغدا الشيخ البدري بصفة خاصة علماً من أعلام المعارضة البارزين في الكفاح السياسي رغم صغر سنه وحداثة عهده، ثم ما لبث أن أصبح رئيسا للحزب في العراق وواحداً من قياداته العامة مع الشيخ النبهاني، وبقى هذا حاله وتلك منـزلته حتى سنه 1956م حيث اختلف مع الحزب وتركهم؛ لما لاحظه من وقوع الحزب بمرور الزمن بالمبالغة في تأثير الفكر، واعتباره المؤثر الوحيد والحتمي، من دون اعتبار لأي عامل آخر، حتى ولو كان عاملاً مساعداً، مما ولد القناعة عند الشيخ أن الحزب بهذا الغلو قد تحول، أو كاد أن يتحول إلى فرقة كلامية جدلية.
لقد توصل الشيخ إلى قناعة أن هذا الأسلوب في العمل أسلوب عقيم وغير مجد؛ فهو يشبه إلى حد كبير الفكر الشيوعي في ربطه بين المادة والسلوك.
انسحب الشيخ من حزب التحرير، لكنه انسحاب شريف ينمّ عن أخلاقية رفيعة وأدب نموذجى في الخلاف. لقد اختار أن ينسحب انسحاباً من دون إثارة أو اتهامات أو مجرد تصريح أو تلميح بهذا الانسحاب، وقيادة الحزب في الأردن هي الأخرى كانت قد قدرت ذلك، وأكبرت في الشيخ موقفه النبيل، وراعت نفس الاعتبارات التي راعاها، فكتمت أمر انسحابه فترة طويلة، فكانت من محصلات هذا الموقف أن اعتقل الشيخ البدري أكثر من مرة من قبل السلطات الحاكمة في العراق؛ بسبب نشاطٍ للحزب، أو نشرة حزبية يهاجم فيها واقعاً سيئاً، أو يندد بسياسات استعمارية، ظناً منها بأنها صادرة عن الشيخ البدري باعتباره رئيساً للحزب المذكور في العراق، وكان الشيخ يتحمل ذلك ويحتسبه في سبيل الإسلام، مما اضطر الحزب بعد سنوات لأن يسرب هو خبر استقالة الشيخ البدري رأفةً به ووفاءً له.
وبعد هذه الاستقالة برز أكثر من ذي قبل علماً من أعلام المعارضة، فقد تحولت المساجد التي كان يقيم فيها صلاة الجمعة ويلقى فيها خطبه ودروسه إلى مراكز للتوعية الإسلامية، فاعتقل بسببها أكثر من مرة، ومنع من الخطابة والتدريس أكثر من مرة، واستدعي للتحقيق مرات متعددة، وقد أصبح مألوفاً لديه ولدى العارفين به والملتفين حوله أن يستدعى الشيخ بعد كل درس، أو محاضرة، أو خطبة للتحقيق، أو أن يحتجز، أو يعتقل، ولذلك هيأ للاعتقال عُدّةً خاصة، من فراش سفري، وغطاء وملابس داخلية، خصصها لهذه الظروف المتوقعة باستمرار، ووضعها قرب باب بيته البسيط، وكان يجد من شيوخه الزهاوي والآلوسى والخطيب تأييداً ومساندة صادقة بعد أن توسموا فيه الأهلية لحمل راية الإسلام التي كانت مفقودة في الوسط الإسلامي في حينه.
ففي العهد الملكي كان الشيخ خلال الفترة التي قضاها مع حزب التحرير وبعدها أيضاً معارضاً أسلوب ومن ثم كان في هذا العهد إما معتقلاً وإما مجمداً ممنوعاً من الخطابة أسلوب أو مكفوف اليد من وظيفته أسلوب أو مطارداً مختفياً داخل العراق أو خارجه.
واستمر الحال على هذا المنوال حتى 14/7/1958م حيث قامت الثورة التي أشرنا إليها ليبدأ الشيخ البدري عهداً جديداً بمواقف إسلامية جهادية على مستوى الأحداث المثيرة والعنيفة والمؤلمة والدموية.
في عام 1959م فوتح الشيخ عبد العزيز البدري من قبل بعض الشباب الإسلامي الذي تأثر بأطروحاته، واقتنع بتوجيهاته، وأساليبه الحركية بأن يتولى أمرهم في كيان تنظيمى، يأخذ بنظر الاعتبار المستجدات السريعة والحادة؛ لتكون الفائدة أعم وأشمل، وليكون مكملاً لما هو قائم في الأوساط الإسلامية التي يغلب على بعضها الطابع الدعوي، والبعض الآخر الطابع الجدلي، فوافقهم الشيخ بعد تأمل وتفكير من قبله، وإصرار وإلحاح عليه من قبل الشباب، وتقرر أن يكون العمل باسم الحركة الإسلامية، وتم صياغة منهجها، متضمناً مجموعة من المفاهيم الأساسية لتكون منطلقاتٍ للعمل، وقد عرض المنهج قبل إصداره على الحاج محمد أمين الحسيني -رحمه الله- حيث كان يقيم في لبنان، فاستحسن الفكرة والمنهج بعد أن أبدى بعض الملاحظات والتوجيهات بأسلوبه المؤدب وأدبه الجم المعروف عنه
بعد هذا بدأت تصدر باسم الحركة الإسلامية دراسات وتعليقات وتوجيهات دورية كانت توزع على نطاق محدود على بعض العناصر الإسلامية، فكان نشاط الحركة في تلك الفترة تنظيمياً حركياً مقتصراً على العناصر الإسلامية الملتزمة أكثر منه دعوياً، إلى أن صدر أول بيان عام يندد باسم الحركة، وزع على نطاق واسع، يندد بالهجوم العدواني الذي قام به الشيوعيون في مدينة الزبير جنوب العراق أدى إلى إحراق مكتبتها الإسلامية التي كانت تحتوي على مئات المخطوطات الإسلامية الثمينة، وكان له وقع في أوساط العراقيين، ثم أعقب ذلك بيان آخر يندد بالهجوم الذي قام به الشيوعيون أيضاً على مركز جمعية إسلامية في بغداد التي كان يترأسها فقيه العراق الشيخ أمجد الزهاوي.
وعلى إثر هذا بدأت السلطة تبحث لمعرفة قيادة الحركة، إلا أنها لم تعثر على دليل قاطع، وإنما كانت القرائن تشير إلى الشيخ البدري في البيانات الصادرة عنها، وقد لجأت الحركة إلى إخفاء شخصيات قياداتها بسب الظروف الإرهابية.
وبعد مرور أقل من عام على إصدار البيانات اتصلت بالشيخ مجموعة عسكرية إسلامية فعرضت عليه أن يتولى قيادتها السياسية، فوافق على ذلك، ونتيجة ذلك تم التوصل إلى التقاء مجموعتين في عمل موحد باسم الكتلة الإسلامية برئاسة الشيخ، على أن يبقى كل من التنظيمين محافظاً على كيانه التنظيمي مع التنسيق الكامل وعمل كل منهما في ميدانه.
في هذه الفترة بالذات مارست الحركة نشاطاً جهادياً رغم حداثة تشكيلها، وقررت التصدي للإرهاب الشيوعي تصدياً مباشراً، فضربت بعض مؤسسات الشيوعيين ومراكزهم، فارتفعت معنويات الشعب بذلك.
تولى الحكم عبد الكريم قاسم كما ذكرنا، ومن أول جمعة بعد استلام عبد الكريم الحكم خطب الشيخ البدري في بغداد محذراً من قيام حكم استبدادي بديلاً عن الحكم الزائل، فرفع الشيخ راية المعارضة الصريحة، وصار يهاجم الشيوعية بعنف، وأنه مبدأ فاسد وفكر منحرف، ونظام فاشل، كما أخذ يهاجم عبد الكريم قاسم بالذات وبالاسم، واصفاً إياه بالأرعن والمجرم، وأنه عدو الإسلام، كما كان هجومه على محكمة المهداوي وهي في عنفوانها.
لقد تحول مسجد الشيخ البدري في منطقة الكرخ إلى مركز من مراكز التوعية الثورية والمقاومة الشعبية للنظام، وأخذت الجماهير تزحف إليه يوم الجمعة خاصة في وقت مبكر؛ لتضمن لها مكاناً قريباً من الشيخ، وتحولت المقاهي والأزقة والأسواق المحيطة به إلى جزء منه، حيث تضطر الجموع التي يضيق المسجد الجامع بها إلى تحويل هذه المرافق إلى مصلى؛ لتستمع إلى هذا الشيخ العالم المجاهد الجريء، مما اضطر المهداوي إلى الشكوى في محكمته من هذه الظاهرة، وإلى التحذير من خطورتها، وإلى وصف مسجد الشيخ البدري بوكر التآمر والخيانة، فتحولت منطقة مسجد الشيخ إلى منطقة مقاومة صريحة معلنة ضد الشيوعيين، بل إلى قلاع وحصون، ولكن الشيوعيون وبتحريض من المهداوى وبعلم وموافقة عبد الكريم قاسم نفسه قاموا بمحاولة للهجوم المسلح على المنطقة، وفى مساء أحد الأيام بدأ الزحف الشيوعي على المنطقة بادعاء وجود مؤامرة جاءوا لإحباطها، فاستعد الناس الذين تحصنوا في الشوارع والبيوت والعمائر لرد المهاجمين، وخرج الشيخ البدري بسلاحه الشخصي وعمامته المتميزة يحرض على المقاومة والاستبسال مبشراً المؤمنين بالنصر، مردداً بصوته الجوهري: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}
[(65) سورة الأنفال] فكانت معركة شوارع مسلحة دامت ساعات عدة حامية الوطيس مشهودة، دحر فيها الشيوعيون وقتل أحد قادتهم فكانت أول مواجهة مسلحة ينهزم فيها أنصار النظام بعد أن أرهبوا الشعب قبل ذلك مما ارتكبوه من مجازر يندى لها جبين الإنسانية في الموصل وكركوك وغيرها.
وعلى أثر ذلك أصدر الشيخ فتواه بتكفير الشيوعيين، فكانت في الحقيقة بداية النهاية لهم؛ إذ أنها لاقت تجاوباً شعبياً عجيبا،ً فقد تحرك العراق من أدناه إلى أقصاه يطارد الشيوعيين ويقتص منهم.
فلما شعر عبد الكريم قاسم أن الأمر يكاد أن يفلت من بين يديه، وأن العاصفة الشعبية بدأت تتجه نحوه متهمة إياه بالمسؤولية، أعلن تنصله من ذلك فتبرأ من أعمال الشيوعيين، واصفاً إياهم بالهمج والمجرمين بخطاب مشهور ألقاه في كنيسة "ماريوسف"، فاغتنمها الشعب فرصة جديدة ليزداد انتقاماً منهم.
ثم أفتى الشيخ بإسقاط عبد الكريم قاسم وإهدار دمه، فكان لفتواه صدىً واسعاً، فأقدمت السلطة على فرض الإقامة الإجبارية عليه في داره في منطقة الكرخ، ولم تستطع أن تتخذ ضده أي إجراء أشد خشية من المضاعفات، واستمرت الإقامة الإجبارية حوالي سنة كاملة بدأت بتاريخ 20/12/1959م إلى أن أقبلت أشهر الحج وبدأت استعدادات العازمين على السفر إلى الديار المقدسة، وكان الشيخ من الحريصين على مشاركة المسلمين في الحج كل عام، إلاّ أن تحول بينه وبين ذلك ظروف قاهرة، لذلك عزم على السفر وأرسل جواز سفره إلى الجهات الأمنية لمنحه الترخيص المطلوب، إلا أنها رفضت طلبه باعتباره معتقلاً أو بالأحرى سجيناً في بيته، فأرسل رسالة إلى عبد الكريم قاسم يشعره فيها بنيته على السفر إلى الحج، وفي حالة الإصرار على منعه فإنه سيمارس حقه الشرعي في أداء مناسك حج المحصر، وهو أنه سيحرم في المكان الذي منع من مغادرته، ثم ينحر هديه، وسيعرف الناس أنه هدي حاج مظلوم محصر في بلده ثم يتحلل من إحرامه فيكون له بذلك أجر الحاج الذي أدى المناسك.
فسأل عبد الكريم بعض علماء السوء المتزلفين له عما يمكن أن يترتب إذا أقدم الشيخ البدري على تنفيذ تهديده، فأخبروه بأن الشيخ البدري إذا نفذ تهديده، وهم لا يستبعدون ذلك منه، فإنه سوف يفتح عليه باباً يصعب إغلاقه، لذلك يستحسن أن يسمح له بالسفر من قبيل الأخذ بأخف الضررين، وعلى ضوء ذلك أرسل عبد الكريم إلى الشيخ البدري واحداً من مرافقيه؛ يدعوه لمقابلة الزعيم في مقره في وزارة الدفاع، وهناك استقبل عبد الكريم الشيخ استقبالاً حافلاً واصفاً إياه بالمجاهد، والعالم الشجاع النظيف، مستنكراً اعتقاله مدعياً بعدم علمه بذلك، متهماً الحاكم العسكري الذي ما كان له أن يعتقل الشيخ البدري وأمثاله ممن يجب عدم إنكار جهادهم ومواقفهم المشرفة في العهد الملكي، والشيخ البدري صامت لا يتكلم؛ فقد آثر الاستماع لهذه المهزلة ومشاهدة هذه المسرحية العجيبة، وإذا بالزعيم يرفع سماعة الهاتف ويكلم مدير الأمن العام يطلب منه منح الشيخ البدري تصريحاً بالسفر إلى الديار المقدسة على الفور، وعندما همّ الشيخ بالانصراف أبى عبد الكريم إلا أن يوصله إلى الباب، وإذا به وهو برفقته يطمئنه على أولاده وعائلته خلال فترة سفره، وعندما استفسر منه الشيخ عن قصده، أجابه بأنه سوف يرسل إليهم هدية بمناسبة العيد؛ لأنه يعتبرهم أولاده، وهو أبو الشعب.
وهنا انتفض الشيخ ومسك الزعيم من كتفه وهزه هزة عنيفة محذراً إياه من الإقدام على ذلك؛ لأنه ليس من المتاجرين بالدين، ولا من المتسولين الذين يقبلون عطاء السلاطين، وأنه إن عاد من الحج وثبت له أنه قد أرسل لعائلته شيئاً، فسيكون له موقف لا تحمد عقباه، وأن أقل ما سيفعله هو فضحه على هذه الفعلة الدنيئة. وأمام هذا التهديد الغاضب تراجع الزعيم مدعياً بأنه أراد أن يختبره ليس إلا.
سافر الشيخ البدري لأداء مناسك الحج، بعدها عاد إلى بغداد من الديار المقدسة، وهو أكثر صلابة، وأشد اندفاعاً وعاد مشحوناً بطاقة روحية من خلال أداء مناسك الحج.
ولم يكتف بخطب الجمعة بل أخذ يقيم الاحتفالات الجماهيرية في المناسبات، فضاق عبد الكريم قاسم ذرعاً بالشيخ بعد أن عجز عن احتوائه، فأمر بالإقامة الجبرية عليه مرة أخرى في داره بدأت من 7/8/1961م إلى 24/12 من نفس العام انتهت بعفو عام أصدره عبد الكريم عن جميع المسجونين والمعتقلين بمناسبة نجاته من محاولة اغتيال.
سقط عبد الكريم قاسم بانقلاب عسكري عليه عام 1963م تزعمه عبد السلام عارف، كما سبق ذكره، ليستقبل الشيخ البدري عهداً جديداً من الجهاد.
أصبح عبد السلام عارف رئيساً للدولة خلفاً لعبد الكريم قاسم، فتسلم البعثيون الحكم وانفردوا بالسلطة ولم يكونوا أقل من الشيوعيين إرهاباً للشعب؛ فقد ملأوا السجون والمعتقلات من جديد لكل من هو غير بعثي، فتصدى لهم الشيخ البدري، مندداً بالممارسات غير الإنسانية بالمواطنين، كما تصدى لفكر البعث بالنقد والتحليل، ولحزب البعث أيضاً وما قيل عن نشأته وارتباطاته، وعن الجهات الأجنبية التي مولته وساندته وخططت له، وعن التمويل المالي من الدولة الخليجية وشركة البيبسى كولا الأميركية.
واعتقل الشيخ في هذا العهد أكثر من مرة، وجرت محاولة لاغتياله من قبل الحرس القومي، لكن سلّمه الله. وفي أحد أيام الجمع والشيخ يلقى خطبته على المصلين في بغداد دخل عبد السلام المسجد للصلاة، ومعه مجموعة من وزرائه وحرسه وكبار ضباطه، فغيّر الشيخ موضوع الخطبة وقد كان -يرحمه الله- سريع البديهة متمكناً من الكلام، فأخذ يوجه الكلام لعبد السلام بقوله: اسمع يا عبد السلام -من دون أن يخاطبه بالرئيس- وقد ذهل المصلون من كلام الشيخ، وكأنه كلام مكتوب معد لهذه المناسبة، وكذلك ذهل الوزراء والمرافقون العسكريون لهذه الصراحة من الشيخ وهذه الجرأة المتناهية، فكان ذلك الكلام الواضح الجريء بداية المواجهة بين الشيخ البدري وعبد السلام عارف، فكانت النتيجة صدور الأوامر بمنع الشيخ من الخطابة، وفرض الإقامة الإجبارية عليه في داره، وعزله عن التدريس، وقد استمرت الإقامة الإجبارية أكثر من شهرين، سمح له بعدها بالخروج؛ نتيجة للضغط على عبد السلام عارف من أوساط عراقية؛ استنكرت عليه تصرفه هذا، إلا أن الشيخ بقي ممنوعاً من الخطابة، كما بقي مبعداً عن التدريس، ثم ما لبث أن اعتقل في داره مرة أخرى، واستمر الشيخ في الاعتقال أربعة أشهر، ثم أطلق سراحه بعدها.
وجاء موسم الحج مرة أخرى، فعزم الشيخ كعادته على حضور الموسم للالتقاء بإخوانه، فالتقى بالحاج أمين الحسينى مفتي فلسطين السابق -رحمه الله-، كما التقى بأبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، وبعض قيادات الإخوان المسلمين في مصر، وتدارس معهم أوضاع المسلمين وهمومهم ومنطلقات العمل الإسلامي وغيرها من المواضيع.
تسلّم الحكم عبد الرحمن عارف بعد أخيه عبد السلام كما مر معنا، ثم حصل بعدها هزيمة 67م للعرب أمام إسرائيل، فألقى الشيخ خطبة نارية يوم الجمعة، حمّل فيها مسؤولية الهزيمة للحكام العرب، واتهمهم بالخيانة والعمالة، وطالب بمعاقبتهم والتخلص من الأنظمة الفاسدة، وأرسل برقيات إلى جميع حكام العالم الإسلامي يحمّلهم المسؤولية، وأنهم هم سبب الهزيمة.
شكّل الشيخ بعدها وفد إسلامي شعبي، كان الشيخ قد اقترحه وشارك فيه، فتوجه الوفد إلى كل من الهند وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وأفغانستان، يشرح أسباب الهزيمة باعتبارها هزيمة أنظمة لا إسلامية، فكان هذا الوفد موضع إزعاج للسفراء العرب في كل الدول، فأرسلت الحكومات العربية إلى الحكومة العراقية تعتب عليها سماحها للوفد بالسفر، وتطالب بمحاسبته، ثم حاولت إحدى الدول الخليجية استغلال الصراع الذي ظهر على الساحة بين الشيخ البدري وبين الفكر القومي الاشتراكي، فاتصلت به في محاولة لاحتوائه، وقطف ثمار معركته لصالحها وصالح أسيادها، فأرسلت إليه واحداً من رسلها يعرض عليه المساعدة والدعم المادي الذي يطلبه لاستخدامه في معركته ضد الاشتراكية، فكان رد الشيخ عليه وعلى من أرسله درساً بليغاً، وموقفاً رائداً في النـزاهة والتعفف والوعي، لقد طلب منه أن يخبر الجهة التي أرسلته أنه على طرفي نقيض معها، مثل ما هو على طرفي نقيض من الأنظمة الثورية القائمة، فهو لم يعارض الاشتراكية؛ لأنها تعادي الرأسمالية، وإنما يعارضها؛ لأنها تختلف مع الإسلام الذي يؤمن به، بينما هم يعادونها؛ لأنها تعارض النظام الرأسمالي الذي تجري معاملاتهم الاقتصادية وفقاً لأحكامه.
فعاد هذا المبعوث إلى من أرسله بخفي حنين فاشلاً خجلاً، ولكن الشيخ البدري لم يترك الحادثة تمر إذ ألّف كتاباً بعنوان: (الإسلام حرب على الرأسمالية والشيوعية) إلا أن مسودة هذا الكتاب أخذت من بيته بعد اعتقاله.
عاد الشيخ مع الوفد إلى العراق واستمر في تنديده بالأنظمة الاستبدادية القائمة في البلاد العربية، معتبراً إياها سبباً رئيساً من أسباب الهزيمة.
عندها وجهت حكومة العراق دعوة لشخص لبناني يعيش في كندا ويحمل جنسيتها اسمه: نديم البيطار، وهو مفكر ومنظّر من منظري الفكر القومي الاشتراكي، وجهوا له دعوة لزيارة العراق، وإلقاء محاضرة يرد على اتهامات الشيخ البدري، ويؤكد على أن الفكر الإسلامي بما تضمنه من الإيمان بالغيبيات كان هو السبب الرئيس في الهزيمة.
بدأ الداعون يهيئون الأجواء النفسية للمحاضرة والمحاضر، مستخدمين في ذلك جميع وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية المتاحة لهم.
تصدى الشيخ لهذه الهجمة العنيفة الجديدة بأن طالب السلطة بأن تسمح له بمناقشة المحاضر على أطروحاته في زمان ومكان المحاضرة، وإما أن تسمح للشيخ أن يلقى في نفس المكان محاضرة، يحدد هو تاريخها؛ لتفنيد ما سيطرحه المحاضر من آراء، وإما أن تلغى محاضرته لدواعي أمنية أو لنتائج قد تحصل لا يعلم إلا الله عواقبها؛ لأن الشيخ سيمارس حقه بل سيقوم بواجبه الشرعي لمنع المحاضر بالطريقة التي يرتئيها، حتى ولو استخدم القوة.
إلا أن السلطة الفعلية أصرت بتحدٍ سافر على إلقاء الدكتور البيطار محاضرته في الزمان والمكان المحددين، ورفض جميع الاختيارات التي عرضها الشيخ البدري مما اضطره لأن يعلن من فوق منبره في صلاة الجمعة بأنه قرر أن يخرج يوم المحاضرة من جامعه هذا؛ لمنع المحاضر من إلقاء محاضرته، ولو كلفه ذلك دمه ونفسه، فمن أراد الخروج معه أداءً للواجب الشرعي فهو مأجور على ذلك، وإلا فإنه عازم على ذلك، ولو لوحده.
وفي عصر اليوم المحدد تجمهر عدد من الناس في الجامع راغبين في المشاركة، فانطلق الموكب في مظاهرة كبيرة لم يشهد العراق مثلها حيث يقود المظاهرة عالم بزيّه الشرعي، وكان المتظاهرون يكبرون متجهين إلى قاعة المحاضرة، وبدأ العدد يزداد ويتضاعف كلما قطع الشيخ مسافة من الطريق، وكلما شاهد المواطنون الشيخ البدري في مقدمتها شاهراً سلاحه.
وأرسلت الحكومة على عجل مجموعة من رجال الأمن والمخابرات والشرطة لمنع المظاهرة من الوصول إلى هدفها إلا أن بعض ضباط الحرس الجمهوري تعاطفوا معه فسلموه سلاحاً، وبعضهم أخبره بأنه سيشارك معه.
وصل الشيخ إلى قاعة المحاضرة فأطلق عدة عيارات، وهجمت جموع المتظاهرين على قاعة الاجتماع عنوة بعد أن مُنعت من الدخول، عندها تأكد المحاضر والحضور من أن الأمر جد وما هو بالهزل، فانفرط عقدهم وتمزق جمعهم وأخذ كل واحد منهم يبحث عن منفذ للهرب منه بما فيهم المحاضر وهربوا من الجهة الثانية لقاعة المحاضرة، وأخذوا معهم كبيرهم الذي علمهم السحر إلى المطار ليستقل أول طائرة مغادرة أرض العراق، أما الشيخ البدري فقد اعتقل في مركز المنصور أياماً عدة، أطلقت السلطة سراحه بعدها نتيجة للضغط الشعبي عليها.
استلم حاكم العراق الحالي الحكم عام 1968م. وأيضاً في تلك السنة توجه الشيخ إلى الحج، وهناك جاءت الأخبار أن الوضع في العراق متأزم جداً، فاقترح عليه بعض محبيه التريث في العودة إلى العراق، وعدم التعجل ريثما ينجلي الموقف وتهدأ العاصفة؛ بعد أن تناقلت الأنباء صدور قرار حزبي سري يقضي بالقيام باغتيالات لعدد من الشخصيات الفكرية والسياسية المرموقة للتخلص منها ولإرهاب الشعب وأن عبد العزيز البدري أحد المشمولين بهذا القرار.
رفض الشيخ هذا الاقتراح وأصر على العودة والعودة السريعة لكي يكون إلى جانب الشعب في محنته، مع أنه أجاز لغيره البقاء وعدم العودة معتبراً ذلك رخصة شرعية للبعض، أما هو فلم يمنح نفسه هذه الرخصة؛ لأنه عالم، والعالم يتعين عليه أن يكون قدوة لغيره.
فبعد أن أنهى مناسك الحج قفل راجعاً إلى العراق عن طريق البر، حتى إذا وصل إلى الرياض أخبره بعض المقيمين فيها بأنهم سمعوا من بعض الإذاعات خبراً مفاده أن الحكم الجديد قد أعد قائمة تتضمن اغتيال مجموعة من الشخصيات والقيادات العراقية، وأنه من ضمن الذين وردت أسماؤهم فيها، ولذلك يتمنون عليه التريث في العودة إلى أن ينجلي الموقف وتتكشف الحقائق، وعندها يكون لكل حادث حديث، إلا أن الشيخ أبى معللاً عدم عودته هو بالذات سيفسر على أنه ضعف وهزيمة ستضعف الآخرين من إخوانه في العراق وستولد في نفوسهم بأساً، ولذلك لابد من العودة وبالسرعة الممكنة ولو كلفه ذلك حياته.
رجع الشيخ للعراق وبعد شهور قليلة من عودته ألقي القبض عليه، أو على الأصح اختطف اختطافاً وهو في طريق عودته إلى بيته مساء بعد صلاة العشاء، وكان بصحبته المهندس عبد الغني رؤوف شنداله الذي رغب أن يوصل الشيخ البدري إلى بيته بسيارته.
لم يرجع الشيخ البدري إلى داره في ذلك اليوم كما لم يرجع الأستاذ عبد الغني إلى داره أيضاً، وفي صباح اليوم التالي بدأ البحث والسؤال عنهما، فكان الجواب: لا جواب تارة، والنفي القاطع من قبل الجهات الحكومية بأنهما معتقلان تارة أخرى، وبعد مرور حوالي أسبوع من الاختفاء أطلق سراح عبد الغني، ليخبر بأنه كان والشيخ في المعتقل وأنه بعد إطلاق سراحه لا يعلم عن الشيخ البدري شيئاً، وعلى ضوء هذه المعلومة أعيد البحث والسؤال عنه من قبل أشقائه ومحبيه، فكانت إجابات السلطة هذه المرة غامضة، ولكنها ليست نافية للاعتقال، وملخصها أنه محجوز في مكان مريح، وأنه سيطلق سراحه قريباً بعد انتهاء التحقيق معه حول أمور بسيطة لا يستطيعون الكشف عنها، وأن الشيخ لا يحتاج إلى شيء حيث أمّنت له جميع احتياجاته.
وبعد مرور فترة وجيزة أخذت الإشاعات تحمل أخبار تعذيب الشيخ البدري، مما أقلق العراقيين العارفين منـزلة الشيخ، وكانت أجهزة الحزب الحاكم ترد عليها بالنفي والتكذيب، إلى أن كان يوم 26/6/1969م حيث سلمت جثته إلى عائلته، ومعها شهادة طبية تتضمن أن الشيخ قد توفي بالسكتة القلبية، ومع الشهادة تحذير وتهديد من الكشف على الجثة التي جرى غسلها وتكفينها من قبل السلطة، أو تشييعها بموكب كبير، وإنما ينبغي ألا يشارك في التشييع سوى أفراد العائلة من دون إثارة أو إعلان، ومع هذا فسرعان ما انتشر الخبر وتقاطر المشيعون متحدين السلطة وتهديداتها، وحمل نعش الشيخ في موكب كبير للصلاة عليه في جامع الإمام أبي حنيفة، ثم دفنه في مقبرتها إلى جانب شيخه العلامة أمجد الزهاوي، إلا أنه بعد الصلاة عليه، وقبل دفنه حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ أقدم شقيقه "محمد البدري" على الكشف عن الجثة ليظهر جسد الشيخ ممزقاً بالتعذيب التي كانت آثاره واضحة، كسور في الأطراف، وكي بالنار، وجروح بآلات قاطعة وكدمات متعددة، وكلها تنفي حصول الوفاة بالسكتة القلبية.
وأمام هذا المشهد المؤلم ضج المشيعون بالاستنكار معلنين اتهامهم السلطة بارتكاب جريمة القتل بهذا الأسلوب الوحشي الجبان، ثم دفن الشيخ بعد ذلك لتعقبه اعتقالات لبعض المشيعين الذين أظهروا حزنا على خسارتهم للشيخ البدري العالم المجاهد، ويحال أولئك المعتقلون إلى محاكم خاصة لتصدر عليهم أحكاما بالسجن وصلت للبعض منهم إلى خمسة عشر عاماً، ولتتكشف الحقائق بعد ذلك على لسان معتقلين كانوا معه في نفس المكان كتبت لهم الحياة وأطلق سراحهم، فأجمعوا في شهادتهم على أن الشيخ البدري كان قد عذب تعذيباً شديداً من قبل السلطة.
يقول أخوه محمد البدري: في صبيحة يوم 26/6/1969م تسلمت شهادة طبية صادرة عن مستشفى الرشيد العسكري تحمل توقيع الطبيب صباح بولس، مفادها أن الشيخ البدري توفي بسبب هبوط في الدورة الدموية، يقول: وقد انتقلت إلى بيته فوراً فوجدت الشيخ موضوعاً في صندوق خشبي وتحيط بداره مجموعة من رجال المخابرات، منعتني من فتح التابوت حين أردت ذلك، وأخبرتني المجموعة أن الشيخ قد غسل وكفن من قبل السلطة فلا حاجة إلى فتح التابوت، وأخذ الأخوة يبلغ بعضهم بعضاً، وتقاطروا إلى البيت واقترح عليّ أحدهم أن نصور جثمان الشيخ وخاصة أماكن إصابته، وحين فتحت التابوت ونزعت الكفن عن الشيخ، ظهرت الإصابات الكثيرة في جسده، فالدم كان يغطي أذنه اليمنى، ولحيته الكثة قد قطعت خاصة من الجهة اليمنى التي كانت منـزوعة بشكل كامل، وعلى رجليه آثار الكسور في أكثر من مكان، إضافة إلى الكدمات الكثيرة في أنحاء جسمه كافة.
وفي المقبرة قبيل الدفن أعدت كشف الجثة وخطبت في الناس بأن الشيخ لم يمت بسبب هبوط في الدورة الدموية كما تدعي السلطة، ولكن بسبب التعذيب الذي دام 17 يوماً، وطلبت من المشيعين أن يلقوا نظرة على جسد الشيخ ليتأكدوا بأنفسهم من ذلك.
أشرف على تعذيب الشيخ كثيرون من مرتزقة حزب البعث، أبرزهم ناظم كزار مدير الأمن العام آنذاك، وقد شاء الله -عز وجل- أن يعجل بالانتقام من ناظم هذا، إذ اختلف مع زملائه وتآمر عليهم مؤامرة انتهت بالفشل، اعتقل بعدها ووضع تحت التعذيب، وقطعت يداه ورجلاه، وقطع لسانه، وسملت عيناه، ثم قطع رأسه، فذاق من نفس الكأس التي سقى منها الآخرين، وكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
حاوره ناظم كزار أثناء التحقيق واتهمه بأنه عميل للإمبريالية؛ لأنه ألف كتابه (حكم الإسلام في الاشتراكية) فما كان من الشيخ الجريء إلا أن رد عليه قائلاً: إنكم أنتم العملاء، وقد فضحكم علي صالح السعدي حين قال: " لقد جئنا للحكم بقطار أنجلو أمريكى".
عندها غضب ناظم كزار وصفع الشيخ على وجهه، فما كان من الشيخ إلا أن هجم على ناظم وضربه وبصق في وجهه، فصدع ناظم وجلاوزته وبهتتهم المفاجأة غير المتوقعة، فما كانوا يتوقعون مثل هذا الرد الجريء من رجل أعزل،
وهجم كلاب ناظم وجلاوزته على الشيخ بالعصي والهراوات والأسلاك الكهربائية ولم يتركوه إلا وأغمى عليه والدم ينـزف منه، ثم حملوه إلى الزنزانة، وحين أفاق الشيخ في اليوم التالي قص على المعتقلين ما جرى له.
وعندما أراد الشيخ أن يصلي لم يستطع الوقوف نتيجة للحالة التي كان عليها فصلى مستلقياً، وفي المساء أخذه المرتزقة فغاب عن زملائه المعتقلين خمسة عشر يوماً ولم يروه بعدها إلا وهو في الرمق الأخير، وكانت الكسور والجراحات والنـزوف تملأ جسده الممزق، غائبا عن الوعي.
فارق الشيخ البدري الحياة ولم يبلغ الأربعين عاماً، دخل السجن فترة جهاده 14 مرة سوى الإقامات الجبرية.
لقد حاربته السلطة في كل العهود، حاربته في رزقه، ومارست كل ما لديها من وسائل حقيرة للتضييق عليه في عيشه، فكان راتبه الشهري البسيط كثيراً ما يحسم كله أو بعضه بسبب اعتقال أو إقامة جبرية في بيته، تمنعه من مزاولة نشاطه، أو الالتحاق بوظيفته، وكان هذا الراتب الضئيل هو مورده الرئيس بل الوحيد، ثم تأتي السلطة وهو في وضع مادي حرج حيث الزوجة والأطفال وما يتعلق بذلك من متطلبات الحياة وتعرض عليه من متاع الدنيا الشيء الكثير وهو أحوج ما يكون إليه فيرفضها.
وكان في بعض الأحيان لا يملك قوت يومه، وكان أحياناً أخرى لا يملك أجر الطبيب له ولزوجته وأولاده. ومع هذا الوضع المادي المحرج فقد كان الشيخ كريماً إلى أبعد حدود الكرم، وكثيراً ما كان يقترض للآخرين.
انتشر خبر وفاة الشيخ فنشرت أكثر من صحيفة خارج العراق ظروف استشهاده وكتبت عن سيرته الجهادية، وأرسلت شخصيات إسلامية برقيات استنكار للجريمة، كان في مقدمتهم مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني -رحمه الله- وفى باكستان أيضاً كتبت عنه الصحف الإسلامية خاصة، وأرسلت شخصيات باكستانية برقيات استنكار في مقدمتهم العلامة أبو الأعلى المودودي -رحمه الله- ومثل ذلك حدث في إندونيسيا وماليزيا.
رحم الله الشيخ عبد العزيز البدري رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

57.13