وقفات تربوية
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
إن الحمد لله …
إن الدعوة إلى الله من خير أعمال المسلم، التي يقوم فيها محتسباً طالباً للأجر من
الله؛ فقد جاء في الحديث: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)).
الدعوة إلى الله من عمل الأنبياء والمرسلين، ومن اقتدى بهم من العلماء والمصلحين
والدعاة والمربين، فهي مهمة بالغة الشأن لا يعلم قدرها إلا من تعلق قلبه بها وجعلها
محور حياته يفكر فيها ليل نهار؛ يبحث من خلالها عن نافذة للأمل أو مخرج من هذا
الضيق.
وإذا كانت الدعوة مؤكدة في كل عصر فهي في هذا العصر آكد؛ لأن الخبث قد كثر، وابتعاد
الناس عن الدين قد ازداد، وأعداء الملة وخصوم الشريعة صاروا يجاهرون بما لم يكونوا
يجاهرون به من قبل.
ولو نجح الدعاة والمصلحون على تماسك جبهتهم الداخلية رغم ما يوجه لها من ضربات
فإنهم يعتبرون قد أنجزوا شيئاً ليس بالقليل.
ولقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- على علم بأهمية الجبهة الداخلية، كما جاء في
البخاري عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت عن
مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتاني بالخبر، فإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر
ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذُكر أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا
منه، فإذا بصاحبي الأنصاري يدق الباب فقال: افتح افتح، فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل
أشد من ذلك، اعتزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أزواجه، فقلت: "رغم أنف حفصة
وعائشة".
واضح من سياق القصة أن الأنصاري يعتبر أن مشكلةً تحدث في بيوت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- أهم وأخطر من غزو الغساسنة للمدينة، وما فعله زعيم المنافقين عبد الله
بن أبي في قصة الإفك إنما كان يريد به تحطيم الجبهة الداخلية وتفكيك البناء
المتلاحم.
من هنا جاءت فكرة هذه المحاضرة والتي أسأل الله تعالى أن ينفعني وإياكم بها، وهي
عبارة عن نقاط تجمعت من خلال قراءات متفرقة في أوقات متباعدة، تدور كلها حول قضايا
الدعوة والتربية تهم الشباب من أمثالكم ممن يهمه أمر هذا الدين، ويهمه أن يغير وأن
يصلح الواقع الذي يعيش فيه، وممن له عناية بطلب العلم.
فالمحاضرة عبارة عن نقاط، قد لا توجد علاقة بين النقطة وما قبلها وما بعدها؛ كل
نقطة عبارة عن فكرة دعوية أو قضية تربوية، أو لفتة في جانب ينبغي أن يكون منك على
بال، ولأن النقاط كثيرة فهي قرابة خمسين نقطة، والقضايا متنوعة وغير محصورة فقد
جعلت المحاضرة على حلقتين تُقدم الحلقة الثانية -بإذن الله تعالى- في الأربعاء
القادم لعدم الإطالة والملل، فأبدأ مستعيناً بالله وحده:
أولاً: إن وجود ثلة ينذرون أنفسهم للدعوة إلى دين الله، أمرٌ مقدرٌ شرعاً وكوناً،
إنه موكب لن ينقطع أبداً؛ مضى به القول على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- حين
قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى
يأتي أمر الله)).
لذلك كان وجود الدعوة الربانية في هذه الأرض حتماً مقضياً؛ أرأيت لو زالت الشمس من
هذا الكون، أو زالت الجاذبية كم يكون الاضطراب؟!
فكذلك وجود دعوة الحق فإنها والشمس والقمر والجاذبية والماء والهواء من سنن الكون
التي يتحتم وجودها، لكنها سنة لن يراها إلاّ صاحب قلب سليم، كما لا يرى الجاذبية
إلاّ صاحب درس عليم. فكما أن للشمس ثباتاً وجاذبية وللأرض مداراً ودوراناً، كذلك
فإن للبشر هذا الدين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}
[(102) سورة آل عمران]
إن فَقَده البشر اختلّت أمورهم.
إن إسلامنا نبأٌ عظيم، وهو من مكملات الناموس الكوني الذي يختل بدونه، فلا بد إذن
أن يوجد في الأرض وأن يزول غيره، قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ *
أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ}
[(68) سورة ص].
لقد جاء هذا النبأ العظيم ليتجاوز قريشاً في مكة، ويتجاوز العرب في الجزيرة، بل
ويجاوز الجيل الأول الذي عاصر الدعوة في الأرض ليؤثر في مستقبل البشرية كلها في
جميع أعصارها وأقطارها منذ ذلك الوقت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولم يمر
بالبشرية في تاريخها كله حادث أو نبأ ترك فيها من الآثار ما تركه هذا النبأ العظيم.
والمسلمون اليوم يقفون من هذا النبأ كما وقف منه العرب أول الأمر، بل الأعجب أنهم
اليوم هم سبب عرقلته وهم حجر عثرته، لكن هذا النبأ العظيم -كما قلنا- حكمه حكم
الشمس إن خفت ضوءه، أو قلّت حرارته، فإنما هو كسوف لا غروب، والكسوف ساعات ثم
ينجلي، وكذلك وجود هذا الدين في الأرض عدم بروزه وظهوره في بعض الأوقات أو بعض
الأماكن إنما هو كسوف مؤقت لابد وأن ينجلي، وما استمرار وجود عصبة الحق إلاّ مصدر
أمل لعودة الإسلام إلى الحياة كلها، وفي الأرض كلها.
روى البخاري في صحيحه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله:
((ألا كل شيء ما خلا
الله باطل، رفعت الأقلام وجفت الصحف)).
ثانياً: البعض منّا يحزن على هذا الواقع الذي نعيشه، ويظن أنه بحزنه قد أبرأ ذمته،
وليس الأمر كذلك؛ فالمسلم الذي يُحزنه واقعه لابد أن يعمل ليغيّر هذا الواقع، وإلاّ
ما فائدة الحزن فقط.؟؟
قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "قد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه
ويُحمد عليه فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبة في
دينه وعلى مصائب المسلمين عموماً، فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر
وتوابع ذلك، ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب
منفعة ودفع مضرة نهي عنه". انتهى(1).
إن التحسر والتألم وتصعيد الزفرات ليست سوى وسيلة سلبية لا تجرح قوى الباطل بل ولا
حتى تخدشها، والحزن لا بأس به إذا كان حافزاً للعمل ومضاعفة الجهد، ولكنه ينقلب إلى
أمر بالغ الخطورة إذا لم يعقبه عمل إيجابي مثمر؛ إذ تكون وسيلة لامتصاص النقمة على
الأوضاع الفاسدة ومن ثم الركون إليها والعياذ بالله، وعلى أحسن الأحوال استمرار هذه
النقمة ولكن بشكل جامد لا حياة فيه، وليس أفضل لقوى الباطل من هذا الوضع.
مع كل أسف -والواقع كما تعرفون- وما يزال البعض يظن بأن التنعم بأنواع المآكل
والمشارب والملابس والمناكح والتفنن بأنواع الشهوات أن هذه هي الحياة، ولا ريب أن
هذه لذة مشتركة بين البهائم، بل وقد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ
الإنسان، أين هذه اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والأنعام وبين لذة ذاك
الذي استقبل الرمح بصدره وقال: "فزت ورب الكعبة"، ويستطيل الآخر حياته حتى يلقي
تمرات كانت في يده ويقول: إنها لحياة طويلة إن صبرت حتى آكلها، ثم يتقدم إلى الموت
فرحاً مسروراً. قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ
وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}
[(11) سورة المجادلة].
وقد أخبر سبحانه في كتابه برفع الدرجات في أربعة مواضع:
أحدها: هذا.
والثاني: في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ
دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}
[(2-4) سورة الأنفال].
والثالث: في قوله تعالى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ
فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى}
[(75) سورة طـه].
والرابع: في قوله: {وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا
عَظِيمًا* دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا} [(95-96) سورة النساء].
فهذه أربعة مواضع، في ثلاثة منها الرفعة بالدرجات لأهل الإيمان، الذي هو العلم
النافع والعمل الصالح، والرابع الرفعة بالجهاد، فعادت رفعة الدرجات كلها إلى العلم
والجهاد، ولا يمكن لك يا أخي الحبيب أن تصل إلى هذا العلم وهذا الجهاد إلاّ بهمة،
ومن ثمّ كانت الهمّة باب الدخول، فمن امتلكها لان له كل صعب، قال يحي بن معاذ:
الكلام الحسن حسناً، وأحسن من الكلام معناه، وأحسن من معناه استعماله.
فقم يا عبد الله إلى استعماله وتحرك واعمل:
وخل الهوينا للضعيف ولا تكن *** نؤوماً فإن الحزم ليس بنائم
ثالثاً: إن الدعوة تحتاج
منك أن تكون رجل عامة، ولك في سلفك الصالح أسوة حسنة.
ذكروا ثلاث خصال امتاز بها الإمام أحمد بن حنبل على غيره أحدها: أنه كان إماماً
للعامة، ووصفوا الأوزاعي بأنه كان رجل عامة، ومثله المحدث الفقيه أبو إسحاق الفزاري،
قالوا: كان رجل عامة؛ وهو الذي أدّب أهل الثغور الإسلامية التي في أعالي بلاد الشام
والجزيرة تجاه الروم، وخالد بن عبد الله الواسطي أحد المحدثين الثقات من شيوخ
البخاري وصفوه بأنه كان رجل عامة.
ولو تأملت سير هؤلاء الرجال لوجدت أنهم كانوا دعاة، يعلمون الناس، لم يحملهم علمهم
على حصر أنفسهم بين الجدران، بل كانوا ينـزلون إلى الجموع؛ تعليماً وتوجيهاً
وإرشادا، ولم يكونوا -رحمهم الله- بالذين ينسون الأعراب وأهل الأرياف، الكل له حظ
من تعلّم دين الله -عز وجل-.
نُقل في ترجمة الإمام الزهري -رحمه الله- أنه ربى أجيالاً من أهل الحواضر الإسلامية
وجعلهم أئمة في الحديث، وما كان ذلك يكفيه بل كان ينـزل بالأعراب يعلمهم.
قال الإمام الغزالي -رحمه الله-: "اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً
في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف؛
فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد، فكيف في القرى والبوادي،
ومنهم الأعراب والأكراد والتركمانية وسائر أصناف الخلق؟! وواجب أن يكون في كل مسجد
ومحِلّة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية، وواجب على كل فقيه فرغ من
فرض عينه وتفرّغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى ما يجاور بلده من أهل السواد ومن العرب
والأكراد وغيرهم ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم". انتهى كلامه رحمه الله(2).
ولعل كلام الغزالي -رحمه الله- يذكرك بشريط قديم عنوانه: مشروع مقترح، فيحسن أن
ترجع إليه.
رابعاً: شبهتان تثبطان البعض عن القيام بأمر الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر:
الشبهة الأولى: عدم وجوب الدعوة على جميع المسلمين، وأن هذا التكليف مختصٌ
بالعلماء.
الجواب: لاشك أن الدعوة إلى الله مشروط لها العلم، ولكن هذا العلم ليس شيئاً واحداً
لا يتجزأ ولا يتبعض، وإنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض، فمن علم مسألة وجهل أخرى فهو
عالم بالأولى جاهل بالثانية، ومعنى ذلك أنه يُعدّ من جملة العلماء بالمسألة الأولى
وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل، ولا خلاف بين الفقهاء
أن من جهل شيئاً أو جهل حكمه أنه لا يدعو إليه؛ لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي
شرط لصحة الدعوة، وعلى هذا فكل مسلم يدعو إلى الله بالقدر الذي يعلمه من هذا الدين،
ولا أظنك أخي المسلم تعدم خيراً.
وليس حديثنا الآن مع الذين يعلمون هذه المسألة لكنهم قعدوا بسبب الخوف أو الجبن أو
الحرص على الراحة أو الأسى على تفويت بعض المنافع الدنيوية.
الشبهة الثانية: الفهم الخاطئ للآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}
[(105)
سورة المائدة]: تعرفون الحديث المشهور في السنن والذي رد فيه أبو بكر الصديق -رضي
الله عنه- على هذه الشبهة عندما قال -وهو على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
"أيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن
يعمهم بعقاب منه)). لكن الذي قد يخفاكم كلام نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه
الله- حول هذه الآية في مجموع الفتاوى(3) قال -رحمه الله-: ولكن
في الآية فوائد عظيمة:
أحدها: أن لا يخاف المؤمن الكفار والمنافقين فإنهم لن يضروه إذا كان مهتدياً.
الثاني: أن لا يحزن عليهم ولا يجزع عليهم فإن معاصيهم لا تضره إذا اهتدى، والحزن
على ما لا يضر عبث، وهذان المعنيان مذكوران في قوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ
إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا
يَمْكُرُونَ} [(127) سورة النحل].
الثالث: أن لا يركن إليهم، ولا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان والمال والشهوات
كقوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ
وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [(88) سورة الحجر]، فنهانا عن الحزن عليهم والرغبة
والرهبة منهم في آية، فإن الإنسان قد يتألم عليهم ومنهم إما راغباً وإما راهبا.
الرابع: أن لا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم أو نهيهم
أو هجرهم أو عقوبتهم، بل يقال لمن اعتدى عليهم: عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا
اهتديت؛ كما قال تعالى: {وَلاَ
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى} [(8) سورة المائدة]، وقال
تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ
تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}
[(190) سورة البقرة]، وقال
تعالى: {فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}
[(193) سورة
البقرة]، فإن كثيراً من الآمرين الناهين قد يتعدى حدود الله إما بجهل وإما بظلم،
وهذا باب يجب التثبت فيه، وسواء في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين
والعاصين.
الخامس: أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع، من العلم والرفق والصبر وحسن
القصد وسلوك السبيل القصد؛ فإن ذلك داخل في قوله: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ}
[(105)
سورة المائدة]، وفي قوله:
{إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}
[(105) سورة المائدة]، فهذه خمسة
أوجه تستفاد من الآية … الخ كلامه -رحمه الله-.
خامساً: لا يخدعنّك الفساد الظاهر ولا الشر المستشري، ولا يهولنّك ذكر فلان وفلان
من المفسدين، ففي الأمة أخيار أكثر ممن تعدون من الأشرار، ولكنها راية رفعت للشر
فآوى إليها أشرارها، ونفر منها الأخيار فلم ينحازوا إليها ولم تسمع أصواتهم حولها،
ولو رفعت للخير راية لانحاز إليها الأخيار، والتفوا حولها ولسكنت أمة الأشرار وقل
جمعهم وخفت ذكرهم.
إن في الأمم خيراً وشراً وفساداً وصلاحاً ومصلحين ومفسدين، فإن رفعت راية الخير
انضوى إليها الأخيار في كل طائفة، وغلب بها الخير في الأنفس التي يغلب شرها خيرها،
ونبت خير في نفوس لا خير فيها، فإن الإنسان لا يخلو وإن عظم شره واستشرى داؤه من
نزعةٍ للحق كامنة، وعاطفة للخير مستترة، فهل من راية للخير ترفعها، أو على أقل
تقدير تبحث لك عن راية للخير تكون حولها؟
ولا أظنك تغفل أنه لما استحكم الشر وعلا أمر الجهمية والمعتزلة أيام المأمون
والمعتصم والواثق، رفع راية السنة الإمام أحمد بن حنبل، فكان الثبات والتثبيت،
وتفرقت جموع المبتدعة فشرد بهم من خلفهم.
ولعلي أهمس في أذنك بكلام ابن القيم -رحمه الله- يشرح لك أمرك حين يقول: "ليس الدين
بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة إلى الله، وأكثر
الديّانين لا يعبأون منها إلاّ بما شاركهم فيه عموم الناس، وأما الجهاد، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه
وكتابه، فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلاً عن أن يريدوا فعلها، وفضلاً عن أن
يفعلوها، وأقل الناس ديناً وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا
جميعها، وقَلّ أن ترى منهم من يحمّر وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته ويبذل عرضه في
نصرة دينه" انتهى.(4).
سادساً: لماذا نردد دائماً أنه لابد من الهمّة العالية لدى الشباب الملتزم؟
الجواب: لأن من بدأ أيّ عمل أو أمر بحزم وعزم وجد ضُمن له الاستمرار، ومن بدأ
التزامه ودعوته بلين وتراخ لزمه هذا اللين، وظل متأرجحاً وربما لم ينفعه الاستدراك
إذا أراد النهوض مهما حاول.
إذن: هي الأيام الأولى واللحظات الأولى التي تحدد سمت الرجل وقوته وجدّه من لينه
وضعفه، وبهذه المناسبة أحذرك من الالتفات، فإذا بدأت طريقك بعزم وجدّ إيّاك ثم إياك
والالتفات، فما تأخّر من تأخر إلا من الالتفات أثناء السير.
ذكروا من أخبار الظبي أنه أشد عدواً من الذئب والأسد، لكن الذئب يدركه وذلك لعادةٍ
سيئةٍ فيه وهو أنه يلتفت أثناء العدو، فيخف عدوه فيدركه الذئب أو الأسد.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "لا وقوف في السير، بل إما تقدم وإما تأخر، كما قال
تعالى: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}
[(37) سورة المدثر]،
فلا وقوف في الطريق؛ إنما هو ذهاب وتقدم أو رجوع وتأخر"(5).
انتهى.
وهذا تاريخ الإسلام يرينا دوماً أن القانع قابع، والتوّاق سبّاق، والذي يريد السبق
ودخول الجنة فيجب عليه أن يأبى القناعة بالدرجة التي وصل إليها من الخير، ويكون
ديدنه أن يتابع السير ويرتقي في درجات الفضل.
قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "إن لي نفساً توّاقة، لم تتق إلى منـزلة
فنالتها إلا تاقت إلى ما هي أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنـزلة التي ليس بعدها
منـزلة، وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة".
سابعاً: قالوا: إن الداعية:
شهّاد أنديةٍ، شدّاد
ألويةٍ *** قتّال طاغيةٍ فكّاك أقادِ
قوّال محكمةٍ نقّاض مبرمةٍ *** رفّاع أبنيةٍ فتّاح أسدادِ
شهاد أندية: يتجول بين
الناس يغشاهم في مجالسهم ودواوينهم، لا يرضى لنفسه الانزواء، بل هو الظاهر في
المجالس يشهدها وينصح أهلها ويصدع بكلمة الحق فيها.
شداد ألوية: لما كان همّة الرجل الدنيوي كسب ريالات الناس، كان همّة الداعية كسب
قلوب الناس، يرفع راية الخير، ثم يتفرس في وجوه القوم، فما رأى من وجه فيه عزيمة
وشجاعة وذكاء انتقاه، وبقية الوجوه تستظل تحت رايته.
قتال طاغية: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وسيوف المسلمين تنصر هذا
الشرع وهو الكتاب والسنة كما قال جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما-: "أمرنا رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- أن نضرب بهذا –يعني السيف– من خرج عن هذا –يعني المصحف–
قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ
الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ
وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}
[(25) سورة الحديد].
فبين سبحانه –والكلام لا يزال لشيخ
الإسلام– فبين -سبحانه وتعالى- أنه أنزل الكتاب،
وأنزل العدل وما به يُعرف العدل؛ ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فمن خرج عن
الكتاب والميزان قوتل بالحديد"(6).
فكاك أقياد: لأن الناس أسارى الأوهام وتقيدهم المطامع الدنيوية والشهوات الرخيصة،
وليس بعد الله غير الداعية المسلم الذي يحرر الناس من رق عبوديتها وفك قيودها
وأغلالها.
قوَّال محكمة: ينطق بالحكمة وبالنافع وبالذي يصلح أمر الناس، لا لغو ولا كلام بغير
فائدة وهذه هي البلاغة الحقيقية وإن كانت العبارات سهلة، فكم تغيرت وجهات أنظار،
وكم تبدل ميول أناس، وكم حدث انقلاب عقلي وفكري عند كثيرين بسبب كلمات محكمة خرجت
من قلب صادق في وقت مناسب فنفعت -بإذن الله- وآتت أكلها ضعفين؟!
نقاض مبرمة: فأعداء الإسلام يبرمون أمرهم، ويضعون خططهم، ويخفون كيدهم، فيأتي
الداعية -بعد توفيق الله- فيكشف ما وضعوا، ويفضح ما خططوا، وينقض ما أبرموا.
رفاع أبنية: فهو يرفع ويبني أبنية الإسلام المعنوية، ويؤسس مؤسسات الإيمان القلبية،
يرفع بناء قال الله، وقال رسول الله، وبناء قول السلف الصالح ويعمرها ويُعليها؛
لتكون منارت يهتدي بها التائه في ظلام الجاهلية مثل ما يساعد في رفع أبنية المساجد
والمدارس الشرعية.
فتاح أسداد: له مفتاح من الوعي والبصيرة ومفتاح من الاطلاع على الواقع الذي يعيش
فيه، يفتح به مغاليق الأمور وأبواب أسوار الحصار الفكري الذي أحاط بعقول وقلوب كثير
من أبناء الأمة من فكر الغرب أو الشرق، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً مفاتيح
للخير مغاليق للشر.
ثامناً: لا توجد قاعدة عامة في الهداية: فقد يخرج الحي من الميت وقد يخرج الميت من
الحي، فلا يخطرنّ ببالك أيها المصلح أن تدعو أبناء الفقراء وتدع أبناء المترفين
وتقول بأن هؤلاء أكثر نفعاً للدين، أو تهتم بإصلاح أبناء المصلين وتدع أبناء
الملاحدة والعلمانيين وتقول إنه لا فائدة منهم، أو لا تفكر أصلاً بدعوة أهل البدع
من الباطنية وغيرهم وتقول بأنه لا حيلة والأمر أكثر من المستحيل؛ فإنه لا قاعدة
عامة في الهداية والله -جل وتعالى- هو الذي يخرج الحي من الميت وهو الذي يخرج الميت
من الحي، فرُبّ أبٍ مصلٍ وبعض أولاده زنادقة، ورُبّ أبٍ فاجرٍ فاسق وبعض أولاده من
خير عباد الله.
اسمع لهذين الخبرين: الأول: خبر جُوان بن عمر بن أبي ربيعة، كان عمر بن أبي ربيعة
رجلاً فاسقاً يتغزل بالنساء في شعره، بل وصل به الأمر أنه كان يتعرض للنساء في
المسجد الحرام، لكن ولده جُوان نشأ على النقيض من أبيه تماماً، فكان فتىً صالحاً
عفيفاً متديناً زاهداً من أصحاب العبادة والأمانة، حتى كان أهل مكة يأتونه ليحكم
بينهم ويَدَعُون قضاة الدولة.
الخبر الثاني في مقابل هذا: الشاعر السفيه المعروف بالأحوص واسمه عبد الله، وهو ابن
محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، جدّه عاصم بن ثابت من
الصحابة الذي قتل يوم الرجيع مع خُبيب بن عَديّ، وهو الذي أقسمت امرأة من قريش أن
تشرب الخمر بقحف رأسه؛ لأنه قتل جميع أهلها في أحد الغزوات فأقسم هو أن لا يمسه
المشركون حياً أو ميتاً، فلما قُتل حماه الله بالزنابير تلدغ من يمد يده إلى جثته،
حتى أمر الله السماء أن تمطر وجاء السيل وأخذ جثته الزكية فدفنها ولم يعثروا عليها،
وكانت زوجة عاصم بن ثابت هي أخت حنظلة غسّيل الملائكة الذي استشهد يوم أحد وهو جنب
فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم- الملائكة تغسله.
هؤلاء الكرام يخرج من أحفادهم مثل الأحوص الذي كان يوصف بالسفاهة ويُتهم بأمور
قبيحة منكرة، وله شعر فخر بأجداده، وتعالى بهم على النبي -صلى الله عليه وسلم- مما
يوجب الكفر والعياذ بالله، فكم من الأمثلة من مثل جوان والأحوص، إنه لا قاعدة عامة
في الهداية وإنما توفيق الله -عز وجل- لعبده.
وحّد قس بن ساعدة وما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ونافق ابن سلول وقد صلى معه.
دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيت يهودي يعود ابنه، فقال له النبي -صلى الله
عليه وسلم-: ((أسلم))، فنظر الولد إلى أبيه فقال له الأب: أطع أبا القاسم، فأسلم
الولد وهو ينازع الموت فنجا في آخر لحظة ومات الناصح له على اليهودية.
انقلب عمر بن الخطاب ليفتك بأخته لمّا بلغه الخبر أنها أسلمت هي وزوجها، فلمّا دنا
من الصفا صفا، وما خرج من عندها إلا وهو يقول: أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن
محمداً رسول الله.
لمّا عمّ نور النبوة الآفاق رآه سلمان الفارسي -رضي الله عنه- من خلف الصحاري، وحجب
هذا النور عن عمّه وبعض عشيرته وهم في مكة، فسبحان من أعطى ومنع، فإنّ سُلّم
التوفيق قريب المراقي، وبئر الخذلان بلا قعر، إنه لا قاعدة عامة في الهداية.
تاسعاً: العملية التربوية في أوساط المسلمين يمكن أن تأخذ جانبين:
الجانب الأول: إصلاح الفسّاق.
الجانب الثاني: التربية التكميلية التي تتولى تفقيه العناصر الصافية وتوعيتها،
وتكميل ما ينقصها من فنون العمل أو صفات الإيمان العالية.
وبناءً على هذا التقسيم فيمكن أن نقسّم الترغيب والترهيب الذي هو أحد أدوات العملية
الإصلاحية إلى قسمين؛ كل قسم يصلح لنوعية من المسلمين:
الأول: أسلوب الترهيب من التقصير بذكر النموذج الإيماني، واستمداد الترغيب بذكر
نماذج الانحرافات البالغة السوء التي لابد أن يكون المخاطب أحسن حالاً منها، وكيفية
ذلك أن يعرض صوراً نموذجية عالية من أفعال الخير الإيمانية كي يقيس الشخص نفسه بها
دائماً، فيتضح له ما هو فيه من التقصير، فترهبه المنـزلة الواطئة المتأخرة، فيشمّر
للارتقاء، ويعرض المربي صوراً من الإفراط في السوء والشر والغفلة وتحكيم الهوى
وتفضيل حظوظ النفس؛ ليشعر الشخص ويربأ بنفسه عن مثلها وأنه على بقية من خير فتأخذه
عزة إيمانية ترغبه برحمة الله، وبهذا التردد بين الرغبة والرهبة تدوم استقامته بإذن
الله تعالى.
الطريقة الثانية: يكون الترهيب بذكر آيات النار وأخلاق الكافرين والمنافقين
والترغيب بذكر آيات الجنة وأخلاق المؤمنين وتتضمن هذه الطريقة استمداد نوع رهبة من
التقصير وحياء عند ذكر أوصاف المؤمنين ونوع رجاء وشعور بالعزة عند ذكر أوصاف الكفر
والنفاق.
وواضح أن هذا الأسلوب إنما يتبع مع من قوي أصل الإيمان في قلبه وأحاطته مجرد
الغفلة، وأن الأسلوب الأول إنما يتبع مع من أسرف على نفسه وضمرت معاني الإيمان في
قلبه، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.
عاشراً: من أهم المواضيع في قضية الدعوة موضوع القدوة: والشاب الصالح ينظر إليه
غيره سواءً ممن هم في أول الطريق أو حتى من عامة الناس على أنه قدوة، ولهذا صار
مركزه حساساً ودقيقاً جداً؛ لأنه إمام لمن حوله شاء أم أبى.
ولذا لمّا همّ إمام مصر الليث بن سعد بفعل عمل مفضول ينافي العزيمة قال له إمام
المدينة يحي بن سعيد الأنصاري: لا تفعل فإنك إمام منظور إليك(7)،
ويقول أبو عمرو السلمي: من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب(8)،
وقال الشافعي -رحمه الله-: من وعظ أخاه بفعله كان هادياً(9).
ولهذا فالذي يعظ الناس وينصحهم لكن هو لا يسبقهم إلى ذلك العمل فهذا ربما يضر أكثر
مما ينفع، ولهذا كان يقول عبد الواحد بن زياد: ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلاّ
لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه.
وقال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما تزل
القطرة عن الصفا(10)، أي عن الصخرة الملساء.
فلا نتساهل أيها الشباب في الأمر، ولا نخدع أنفسنا بأن يقول الواحد: لست بقدوة، مما
يجعله يبرر لنفسه فعل أشياء وأشياء تحت هذه المظلة.
إن الموعظة التي تقدمها لا روح فيها ما لم تترجمها حياتك اليومية، وإلاّ فلا تعدو
أن تكون هذراً منفراً؛ إن النفوس لا تغيرها إلاّ نفوس حية يتطابق أقوالها وأفعالها.
الحادية عشرة: إن وجود المعصية شأنها خطير في كل وسط، خصوصاً في الأوساط التربوية،
اسمع لهذا التحذير من مجرب يقول لك: إن مشاهدة الفسق تهون أمر المعصية على القلب،
وتبطل نفرة القلب عنها(11). كيف نستفيد من هذه النصيحة؟
نستفيد منها بأن نعلم بأن بقاء بعض الفسق بمعناه الشرعي عالقاً ببعض الأشخاص الذين
نربيهم، فإن هذا سيؤدي إلى احتمال سريان عدواه إلى العناصر النظيفة، لما في التعايش
من المشاهدة ما يؤدي إلى تهوين الأمر شيئاً فشيئاً والذي قد يؤدي إلى التقليد وهذا
مكمن الخطر، ولهذا لا غرابة عندما ينصح الناصحون أولئك الذين يتعاملون مع الجماهير
العامة والأوساط الضعيفة أنه يجب عليهم وجوباً التردد المستمر على مجتمعهم الصافي
ليروا من مناظر الإيمان ما يضاد مناظر الفسق الذي يكثر عند العوام مشاهدته، وبمثله
ينصح كل من له عناية بتغيير المنكر، والذي يكثر تعاملهم مع المنكرات والفسوق
العصيان أن لا يطيلوا البقاء في تلك الأجواء، ولا بد لهم من جرعات مستمرة متقاربة
يأخذونها من أوساطهم النقية الصافية، والله -جل وتعالى- هو الذي يحفظ عباده.
الثانية عشرة: أرأيتم الدول النامية كيف تركز حكوماتها في أول أمرها على الصناعات
الثقيلة؛ لأنها مفتاح كل صناعة أخرى؟
فكذلك الصحوة تحتاج في أول أمرها أن تركز على مصنع الرجال الثقيلة ممن أخذوا قسطاً
كافياً من التربية الإيمانية والعلمية ممن يكون الرجل منهم بعدد من الرجال؛ كل ذلك
لمجابهة الميادين التي يفتحها عليهم أعداؤهم بين فترة وأخرى، ولا بد من رصد
الكفايات والإمكانات والأموال لخدمة هذا المصنع.
ولا يسوغ لهذا المصنع أن يفتح أبوابه انفتاحاً واسعاً في العمل قبل تأكدها من وجود
عدد كاف يستوعب هذا الانفتاح؛ فإن حماس البعض في استدراك التقصير والربء بنفوسهم أن
يسبقهم الأرضيون والمنحرفون والحرص على تغطية كل ميادين العمل الثقافي والسياسي
التي يتم فيها توجيه الناس، كل ذلك قد يدعوهم وينقلهم إلى تقليد الأحزاب الأرضية في
خطط عملها بلا مراجعة للرصيد، ويقذفهم إلى مواجهة أهل الضلال في جميع الميادين
والجبهات قبل الاستعداد الكافي، فيحصل تشعب العمل وتبدد جهود ذوي الكفايات، فيقل
التأثير في كل الميادين، ويكون التعب والإرهاق المستنفذ للطاقة تماماً كالذي يحدث
في المعارك الحربية؛ فإن التاريخ الحربي يظهر نماذج كثيرة لقادة فقدوا دقة التخطيط
الاستراتيجي ففتحوا جبهات متعددة في آن واحد، وزعت قواهم ولم يصفوا أعداءهم واحداً
بعد الآخر فكانت الهزيمة، ولا تزال فنون التعبئة العسكرية توصي القادة بألاّ يطيلوا
جبهة المعركة الواحدة، وأن يهاجموا بالعمق الذي يكفل تعدد وجبات الهجوم إن أخفق
الهجوم الأول ويضمنوا وجود الاحتياطي لدرء المفاجآت وحركات الالتفاف، وهذا ليس دعوة
للراحة؛ فإن الراحة موت، وليست دعوة للبرود؛ فإن فيه الفوت، وليست أيضاً دعوة
لتحريم الاستفادة من فنون العمل التي برع فيها الجاهليون؛ فإن الأمر يسع الاقتباس
ما لم يخالف نصاً شرعياً، لكنها دعوة إلى تقدير واقع الطاقة، وتركيز للجهود وتجزئة
لمحاولة تغطية المجالات حسب أهميتها، فتأمل..
الثالثة عشرة: المطلوب منك أيها الشاب الملتزم الحرص على الصلاة جماعة في المسجد كل
فرض وفي الصف الأول، بعد تثبيت العقيدة والتوحيد، الالتزام بأدب الأخوة، الفرح
بالبذل والتعب اليومي في سبيل نشر الدعوة وإصلاح الأوضاع، التقلل من الدنيا وطلب
الخفة، ترقب الموت ونسيان الأمل، حب الله تعالى في رجاء يضبطه خوف، مفاصلة الذين
كفروا والذين نافقوا، الصبر على المحن.
كما يطلب من شباب الصحوة اليوم أن يبدأوا من المسجد وأن يكثروا من ارتياد المساجد،
وأن يطيلوا المكث فيها؛ ففيها جماع الخير، وزاد الانطلاق.
قال الحسن بن علي: "من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثماني خصال: آية محكمة، وأخاً
مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمة منتظرة، وكلمة تدله على هدى أو تردعه عن ردى،
وترك الذنوب حياء أو خشية"(12)
المسجد هو في حقيقته موضع العقيدة الصحيحة، والمنهج القويم، والفكرة الواحدة
الطاهرة المصححة لكل انحراف، وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم، يقام
المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله.
المسجد تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويضطرب، إن الحياة مليئة بأسباب الزيغ
والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد؛ إذ يجمع الناس
مراراً في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب، وروحانية النفس، لا يدخل المسلم
بناء المسجد إلاّ بعد تطهر سابغ على حدود جسمه من أعلاه وأسفله، شعار الطهر الذي
يسمى الوضوء، كأنما يغسل المسلم آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد.
يمشون نحو بيوت الله إذ
سمعوا *** الله أكبر في شوق وفي جذلِ
أرواحهم خشعت لله في أدب *** قلوبهم من جلال الله في وجل
نجواهمُ ربنا جئناك طائعة *** نفوسنا وعصينا خادع الأمل
إذا سجى الليل قاموه وأعينهم *** من خشية الله مثل الجائد الهطل
هم الرجال فلا يلهيهمُ لعبٌ *** عن الصلاة ولا أكذوبة الكسل
قال رسول -صلى الله عليه
وسلم-: ((من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله
كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة))
[رواه مسلم]، وقال:
((من غدا
إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح))
[رواه البخاري]، وقال:
((أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها
مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام))
[رواه البخاري]، وقال:
((ما من امرئ
مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلاّ كانت كفارة لما قبلها من
الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله))
[رواه مسلم]، وقال:
((من صلى البردين دخل
الجنة)) [رواه البخاري]، وقال:
((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في
رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا))
[رواه البخاري]، وقال:
((من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله))
[رواه البخاري].
فيا أيها الشاب: أنت ما بين ترهيب ينذرك النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه حبوط
العمل، وترغيب يشوقك فيه إلى قصور الجنة ورؤية رب العالمين فأجب، وإنه لثمن يغري
فاغتنم قبل الكساد، والجنة كما يقول الفضيل بن عياض: ما حليت لأمة ما حليت لهذه
الأمة، ثم لا ترى لها عاشقاً.(13)
ودعوة وعمل ونشاط إن لم تكن الصلاة شعارها فعليها السلام، وإنه ليلزم أن نجعلها
كلمة باقية في عقبنا من أجيال الناشئة الجدد، فإن لم نفعل فلا فلاح ولا نجاح ولا
حول ولا قوة إلاّ بالله.
الرابعة عشرة: لابد للشاب الملتزم من صاحب يصاحبه ورفيق يسايره، فما أعطي العبد بعد
الإسلام من خير من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به.
قال مالك بن دينار: لم يبق من روح الدنيا إلاّ ثلاثة: لقاء الإخوان والتهجد بالقرآن
وبيت خال يذكر الله فيه.
إليك يا أخي الحبيب بعض صفاتهم: اعلم أن إخوانك هم خير الناس وهم صفوة المجتمع، فكم
هي الخسارة والغبن أن لا يجلس الواحد منا معظم أوقاته معهم، ويقضي جلّ حياته في
كنفهم، وتمضي عليه ساعات وأيام وهو يخالط عوام الناس لا يفيدون ولا يستفيدون بل قد
يضرون، فانتبه يا عبد الله.
ومن صفاتهم: انتقاء أطايب الكلام كما ذكرها عمر -رضي الله عنه- فقال: "لولا أن أسير
في سبيل الله، أو أضع جبيني لله في التراب، أو أجالس قوماً يلتقطون طيب القول كما
يلتقط طيب الثمر لأحببت أن أكون لحقت بالله".(14)
ومن صفاتهم: أن أحدهم يرفع عنك ثقل التكليف وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ لكن دون
إسقاط للهيبة والاحترام والتلفظ برخيص الكلام.
قال جعفر الصادق: "أثقل إخواني عليّ من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من
أكون معه كما أكون وحدي"(15).
ومن صفاتهم: ترك حضيض الدينار والريال، والسمو إلى العلا كما قال الأول:
ويحسن في ذات الإله إذا
رأى *** مضيماً لأهل الحق لا يسأم البلا
وإخوانه الأدنون كل موفق *** بصير بأمر الله يسمو إلى العلا
ومن صفاتهم: مذاكرة الآخرة
كما قال الحسن البصري: "إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يذكروننا
بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة".
ومن صفاتهم الإيثار، ومن صفاهم بذل النصح، ومن صفاتهم تحمل بعضهم بعضاً.
ويجمع كل هذه الصفات وغيرها كثير مما لم يذكر: النفع في الدين؛ فإنها الكلمة
الجامعة المانعة، والمادة الموجزة في قانون التآخي النفع في الدين.
فاحرص أن لا تجالس ولا تصاحب إلاّ من ينفعك في دينك، فإذا كنت من تصاحب لا ينفعك في
دينك فعليك بمراجعة أوراقك، وأحسن الله عزاءك.
الخامسة عشرة: الذي يفهم الدعوة أنها نزهة ورحلة ونشاط رياضي وأنس وسمر مع الأحبة
فهذا مسكين من جهة ومستريح من جهة أخرى، قال أبو سعيد الواسطي: دخلت على أحمد بن
حنبل في الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك
صبيان، وأنت معذور، قال: فقال لي أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد
استرحت(16). هذا نموذج ممن كان حول أحمد بن حنبل ممن استفاد منه
وحضر بعض دروسه وسمع من فتاويه.
خذ النموذج الآخر وهو بشر بن الحارث الحافي يوم جاءه خبر تعذيب الإمام، وكان قد ضرب
إلى تلك الساعة سبعة عشر سوطاً، فمد بشر رجله وجعل ينظر إلى ساقيه ويقول: ما أقبح
هذا الساق أن لا يكون القيد فيه نصرة لهذا الرجل(17).
السادسة عشرة: إن هذا الدين لا يمكن أن يتمكن في الأرض ويبقى ويستمر ويتمدد وينتشر
إلاّ بالجهاد في سبيل الله، وإن بقاء الإسلام في الأرض مرتبط بالجهاد، وهذه حقيقة
لابد أن تكون مستقرة في الأذهان، وما كان للأسلاف من عزّة وتمكين إلا بتلك النماذج
العجيبة التي قدموها في ميادين المعارك والحروب ضد أعداء الله، وإليك بعض الصور:
- ثابت بن قيس: لمّا رأى انكشافاً في الناس في أحد المعارك وضع شيئاً من الحنوط على
جسده واستعد للشهادة ثم قال: ما هكذا كنا نفعل مع رسول -صلى الله عليه وسلم- بئس ما
عودتم أقرانكم، ثم تكلم فقال: يا معشر المسلمين: أنتم حزب الله وهم أحزاب الشيطان،
والعزة لله ولرسوله ولأحزابه، أروني كما أريكم، ثم جلد فيهم حتى حازهم وخر شهيداً
-رضي الله عنه-.(18)
- أبو حذيفة: قال في أحد المعارك: يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، ثم حمل على
أعداء الله فحازهم حتى أنفذهم، ثم أصيب ومات شهيداً -رحمه الله-.
قال سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحفر
لنفسه حفرة وقام فيها ومعه راية المهاجرين يومئذٍ فقاتل، ثم قال: بئس حامل القرآن
أنا إن فررت، فقطعت يمينه، فأخذه بيساره فقطعت، فاعتنقه إلى أن صرع، فقال لأصحابه:
ما فعل أبو حذيفة -يعني مولاه-؟ قيل: قُتل. قال: فأضجعوني بجنبه(19)
- عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، عن أبيه: أن أصحاب رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشدّ فنشدّ معك؟ فقال: "إني إن شددت
كذبتم"، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع
مقبلاً فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضُربها يوم بدر، قال
عروة: "كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب بها وأنا صغير".(20)
- ولما انقطعت الهجرة يوم الفتح، صار هناك هجرةٌ من نوع آخر، وهو هجرة بعض من تعلقت
قلوبهم بالجهاد بحثاً عن أرض ما يزال فيها الجهاد مستمراً، كما فعل الحارث بن هشام
بن المغيرة المخزومي -رضي الله عنه- أخو أبو جهل حين فاتته الهجرة ولم يسلم إلاّ
يوم فتح مكة، فخرج في زمن عمر بأهله وماله من مكة إلى الشام فتبعه أهل مكة فقال: لو
استبدلت بكم داراً بدار ما أردت بكم بدلاً، ولكنها النُقلة إلى الله، فلم يزل
مجاهداً بالشام حتى ختم الله له بخير(21)، وقد قيل: إنه استشهد
يوم اليرموك.
- ووصف معقل بن يسار فتح أصبهان فذكر أن أمير جيش المسلمين النعمان بن مقرّن قال
لجيشه: "إني أدعو الله -عز وجل- بدعوة، فعزمت على كل امرئ منكم لمّا أمّن عليها:
اللهم أعط اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين وافتح عليهم، وهزّ لواءه أول مرة،
ثم هزّ الثانية، ثم هزّ الثالثة، ثم شلّ درعه، ثم حمل فكان أول صريع.
قال معقل: "جئت إلى النعمان ومعي أداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب، فقال: من
أنت؟ قلت: معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم، قال: الحمد لله،
اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه(22).
- وهكذا كان معظم ذلك الجيل -رضي الله عنهم- حتى أن ابن أم مكتوم -رضي الله عنه-
أبى إلاّ أن يشهد القادسية، وكان معه اللواء يومئذٍ، وهو رجل أعمى وقد عذره الله
-عز وجل- بقوله: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ}
[(17) سورة الفتح]، هكذا كانوا
عشاقاً للموت، كانوا جيل جهاد، اجتباهم ربهم واختارهم ليكونوا هداة للبشر، قيام
بالليل وجهاد بالنهار، ترى أحدهم في ليله قائماً في محرابه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غرّي غيري، فإذا انفلق
الصبح ودوى النفير يدعو المجاهدين، رأيته على صهوة جواده، يقول: لبيك ثم لبيك، ويظل
هذا شأنهم حتى آخر لحظة من حياتهم، لا يذكرون إلاّ الجهاد، ولا يتشوقون إلاّ
للشهادة، مُنية أحدهم أن يكون في ليلة شاتية باردة يصبّح بها العدو، كما قالها سيف
الله المسلول: ما كان في الأرض من ليلة أحب إليّ من ليلة شديدة الجليد، في سرية من
المهاجرين أصبّح بهم العدو(23).
السابعة عشرة: هناك قانون في تعامل الداعية مع الله يختلف كلياً عن قوانين تعاملات
الناس اليوم من عقد وبيع وشراء وغيره، فتجارة الدعاة مع الله ليست كتجارة غيرهم،
ليس فيها قلق تخفيض سعر الدولار أو نزول مستوى الريال، وليس فيها مخاطر مضاربات
البورصة، ولا تعقيدات التحويل الخارجي، سعر أسهم الداعية ثابت، بل يزيد ولا ينقص،
والوضوح في معادلات تجارته هو أعظم ضماناً من نظام التأمين الربوي الموجود في
معاملات الناس اليوم؛ لأن معادلة تجارة الداعية تقول:
تعب أكبر = رضوان من الله أكبر، بفائدة أدناها 900 % كما في قوله تعالى:
{مَن جَاء
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}
[(160) سورة الأنعام]، ولقد فهم ببعض
المتقدمين أموراً في تعاملهم مع الله قد نعجب منها نحن اليوم، إليك هذا المثال:
المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر، ملك الأندلس في وقته العادل البطل طوال أيام
مملكته كان مواصلاً لغزو الروم مفرطاً في ذلك، لا يشغله عنه شيء، بلغ من إفراط حبه
للغزو أنه ربما خرج للمصلى يوم العيد فحَدَثَت له نية في ذلك، فلا يرجع إلى قصره،
بل يخرج بعد انصرافه من المصلى من فوره إلى الجهاد، فتتبعه عساكره وتلحق به أولاً
فأول، فلا يصل إلى أوائل بلاد الروم إلاّ وقد لحقه كل من أراده من العساكر.
غزا في أيام مملكته نيفاً وخمسين غزوة ذكرها أبو مروان بن حيان كلها في كتابه الذي
سماه بمآثر العامرية، واستقصاها كلها بأوقاتها، ووصل إلى معاقل قد كانت امتنعت على
من كان قبله، وملأ الأندلس من الغنائم، وكان في أكثر زمانه لا يخل بأن يغزو غزوتين
في السنة.
وتسألني أين الفهم الذي فهمه المنصور في تعامله مع الله والذي نعجب منه نحن اليوم؟
كان كلما انصرف من قتال العدو إلى سرادقه يأمر بأن ينفض غبار ثيابه التي حضر فيها
معمعة القتال وأن يُجمع ويُحتفظ به، فلما حضرته المنية أمر بما اجتمع من ذلك الغبار
أن ينثر على كفنه إذا وضع في قبره.
أمر المنصور بهذا؛ لأنه سمع الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه:
((من اغبرت قدماه
في سبيل الله حرمه الله على النار)).
كانت وفاة المنصور بأقصى ثغور المسلمين بموضع يعرف بمدينة سالم، توفي مبطوناً، فصحت
له الشهادة، وكان تاريخ وفاته سنة 393هـ.
الثامنة عشرة: إن الهمم مراتب، ولا تعلو همة في نهايتها إلاّ إذا علت في بدايتها،
فاحرص يا عبد الله على قوة البداية في العلم والعبادة والدعوة؛ فكلما علت الهمة في
بدايتها أثمرت وأنتجت خيراً في نهايتها. ويترجم لنا الصحابي الجليل عبد الله بن
عباس انغماسه في جمع الحديث ويعطي صورة عجيبة في علو الهمة وقوة البداية، يروي عن
نفسه فيقول: أقبلت أسأل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الحديث، فإن كان
ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي
التراب، فيخرج فيقول لي: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليّ فآتيك؟
فأقول: لا؛ أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث(24).
ولو أراد ابن عباس أن يوقظوه لأيقظوه له مع الفرح لخدمة ابن عم رسول الله، لكنها
الهمة العالية تطرب لصفير الريح ولفحات التراب، ترجو بذلك أن تستنشق نسمات الجنة،
ومجاوزة الصراط بلا حساب.
وهل سمعت بخبر الكوسج، المحدث الفقيه الزاهد إسحاق بن منصور، المعروف بالكوسج، شيخ
البخاري ومسلم وغيرهما، كان يسكن نيسابور بخراسان، فرحل إلى بغداد وتتلمذ على يد
إمام أهل السنة أبو عبد الله أحمد بن حنبل ودوّن عنه مسائل في الفقه كثيرة، ثم رجع
إلى نيسابور، ثم إنه بلغه أن الإمام أحمد رجع عن بعض تلك المسائل، فحملها في جراب
على كتفه، وسافر راجلاً إلى الإمام أحمد، ثم عرض خطوط أحمد على كل مسألة استفتاه
عنها فأقر له بها وأعجب به(25). وأحدنا الآن يجلس على أريكته
وبجنبه مسند الإمام أحمد مطبوعاً محققاً مجلداً مذهباً يتكاسل أن ينظر فيه.
مرة أخرى: إن الهمم مراتب، ولا تعلو همة في نهايتها إلاّ إذا علت في بدايتها.
التاسعة عشرة: أرسل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- إلى خالد بن الوليد بعد
انتصاراته في العراق فقال له: ليهنك أبا سليمان النية والخطوة، فأتمم يتم الله لك،
ولا يدخلنك عُجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المنّ وهو ولي الجزاء(26)
فهذا الصديق يطلب من خالد عدم التوقف، والإتمام والاستمرار والمواصلة؛ لأن التوقف
تعني الانحدار والنـزول، فالدنيا ليس فيها توقف البتة، ثم ورثها عن خالد الإمام
أحمد بن حنبل فما وقف حتى قال صاحبه المحدث إبراهيم الحربي: لقد صحبته عشرين سنة،
صيفاً وشتاء، وحراً وبردا، وليلاً ونهارا، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه
بالأمس(27).
لم يعرف -رحمه الله- التوقف فضلاً عن التخلف ورجوع القهقري؛ لأن العبد سائر لا
واقف، فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة
ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى إما إلى الجنة وإما إلى النار،
فمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة
المسير وفي السرعة والبطء: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ*نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ*
لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}
[(35-37) سورة المدثر]، ولم
يذكر -جل وتعالى- واقفاً؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير
الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال
السيئة.
العشرون: هناك أدب عظيم وفقه عزيز ينبغي على المشتغلين بالدعوة أن يفقهوه وهو: أن
من قواعد الشرع والحكمة أيضاً أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير
ظاهر، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، إن بدر
منه شيء، فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء
القليل فإنه لا يحتمل أدنى خبث، وإليك بعض الشواهد على هذا:
من ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:
((وما يدريك
لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم))، وهذا هو
المانع له -صلى الله عليه وسلم- من قتل من أباح بسره للمشركين وارتكب مثل ذلك الذنب
العظيم فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه شهد بدراً، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم،
لكن منع من ترتب أثره عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السقطة العظيمة
مغتفرة في جنب ما له من الحسنات.
ولما حض النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصدقة، فأخرج عثمان -رضي الله عنه- تلك
الصدقة العظيمة قال -عليه الصلاة والسلام-: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)).
وكذلك حال حسان بن ثابت -رضي الله عنه- في قصة الإفك، وكان قد قذف عائشة -رضي الله
عنها-، لكن بقي حبه في نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وأجيال المسلمين من
بعدهم؛ لما كان له من المنافحة بشعره عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن
الإسلام، حتى أن عائشة -رضي الله عنها- ردت على ابن أختها عروة بن الزبير بن العوام
لما سبه وقالت: يا ابن أختي: دعه، فإنه كان ينافح عن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-(28).
وقريب من ذلك شهادة أخرى لعائشة في أمر أم المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها-،
فإنه كان بينهما ما يكون بين الضرائر، وكان في زينب من بعض الطباع ما يؤخذ عليها،
كانت -رضي الله عنها- معروفة بالحدة، لكنها سرعان ما كانت تهدأ ويذهب عنها الغضب،
ومع هذا كله لم يمنع عائشة من إنصافها والثناء على فعالها الإيمانية، فقالت: "هي
التي كانت تساميني من أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنزلة عند رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-، ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب وأتقى لله -عز وجل-
وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به، ما عدا سورة من حدة كانت
فيها، تسرع منها الفيئة"(29)، أي: سريعة البرود بعد احتداد
غضبها.
فهذه همستان في أذن الدعاة والمربين نقتطفها من موقف عائشة -رضي الله عنها-:
الأولى: همسة في أذن بعض إخواننا ممن نشهد لهم بالدين وصدق الحديث وابتذال أنفسهم
في أعمال الدعوة والخير، لكن تعتريهم أحياناً فورات غضب وحدة في الألفاظ، يقل أو
ينعدم الانتفاع بهم حينها، فهل لهم أن يكونوا كزينب، تسرع منها الفيئة، ويغلقوا هذا
الباب على الشيطان؟
الهمسة الثانية: نموذج عائشة نفسها ونخاطب بمناسبته بعض إخواننا المبالغين في الشدة
مما يدفعهم أحياناً إلى عدم الاعتراف بفضل ذي فضل واسع إذا زل به القدم.
قال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب،
ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه
لفضله"(30).
قال الشاعر:
والزم أخاك فإن كل أخٍ ترى *** فله مساوئ مرةً ومحاسن
الحادية والعشرون: نظر أحد
الدعاة المربين يوماً إلى مجموعة من أصحابه، وكانوا قد جلسوا حوله في رحلة خلوية،
فنظر إليهم ثم قال: يا ملح الأرض لا تفسدوا فإن الشيء إذا فسد لا يصلحه إلا الملح.
كلمات يسيرة أنطق الله بها ذلك الداعية، وحروفها إذا تأملتها تنبئك أنها خرجت من
ذوي الاختصاص من أهل التربية وممارسيها: إن جراثيم التسمم، وبكتريا العفونة لا تنمو
في بيئة مالحة، وكذلك أهل الفساد لا يستطيعون رفع رؤوسهم في بيئة يتواجد فيها
الناهون عن المنكر، فملح الأرض من الدعاة والمصلحون هم الذين يصلح الله بهم كل فساد
اجتماعي، وكل خلق شهواني، فيقومونه من بعد الاعوجاج، المصلحون هم الذخيرة للأمة
يحفظون لها مصالحها كلما ضيعها شهواني ظلوم، فيرجعونها إلى مكانة العز التي تنبغي
لها، فإذا اعوج الدعاة أنفسهم وضيعوا وألفوا بعض المنكر، فمن للأمة يصلحها؟ ومن
للمجتمع يزكيه؟
إذا ابتلي الداعية بالمعاصي، استوحش قلبه، وضعفت همته وعزمه، وضعف بأهل الخير
والصلاح صلته، وقسا قلبه، ووهن بدنه، وضعف حفظه واستيعابه، وذهب حيائه وغيرته، وضعف
في قلبه تعظيم ووقار الرب، وربما -والعياذ بالله- تنكس القلب، وزاغ عن الحق، وأدى
إلى حرمان العلم النافع، وأورث ضيق الصدر، كيف يريد الداعية أن يؤثر في الناس وقلوب
الناس تبغضه، وكيف يريد أن يتقبل الناس كلامه وقلوبهم تنكره بسبب المعاصي:
رأيت الذنوب تميت القلوب
*** وقد يورث الذل ادمانها
فترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها
فيا ليت الدعاة وذو
الصدارة والوجاهة يدركون بأن للمعاصي خطراً على قلوبهم وعلى علمهم وعلى طلاقة
لسانهم، وأنها من أقوى الأسباب في نفرة الناس منهم، بل وانتزاع حبه من نفوسهم وصدق
الله العظيم، {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}
[(18) سورة الحـج]،
وقال جل وعز: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}
[(40) سورة النــور]، وقال تعالى:
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}
[(5) سورة الصف].
قال سعيد بن جبير: "إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة
بعدها"(31).
فالزيغ ولود كما أن الهوى ولود ودود، قال فقيه المدينة عروة بن الزبير بن العوام:
"إذا رأيت الرجل يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيته يعمل الحسنة
فاعلم أن لها عنده أخوات"(32).
الثانية والعشرون: إن التشريع الإسلامي يراعي الظروف الصعبة والإمكانات المحدودة
لبني البشر ويعترف بها، ومن أجل ذلك كان التكليف ضمن الوسع وكانت الرخص، لكن الله
تعالى يريد دائماً من عباده أن يكون فيهم من يأخذ بالعزائم ويضغط على حاجاته
ومصالحه من أجل الارتقاء إلى مقام القدوة وذلك هو السبق، وأصحابه هم السابقون الذين
قال الله تعالى فيهم: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ*
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [(10-12) سورة الواقعة].
إن التسامي والارتفاع إلى مقام الإمامة في الخُلق والسلوك يحتاج دائماً إلى تضحية،
ولكن العاقبة رضوان من الله ورحمة وفوز مبين، وإذا كان من العسير على الواحد منا أن
يرتقي إلى المثل الأعلى في كل جوانب الحياة فلا أقل من أن يكون قدوة في مجال من
المجالات على الأقل، لينير شمعة في زاوية من زوايا ليل العالم الحالك.
الثالثة والعشرون: إن الإسلام دائماً وفي كل مناسبة يؤكد على ترسيخ إخراج المسلم من
حيز همومه الشخصية إلى حيز الهم العام.
إن المجتمع الذي يهتم كل فرد من أفراده بشأنه الخاص دون إعارة الانتباه إلى شؤونه
العامة ليس بمجتمع، وإنما هو حشد أجساد، وسيستحق هذا الحشد اسم مجتمع على مقدار ما
يتوفر لديه من مؤسسات ومبادرات فردية همها الحفاظ عليه وصيانته.
إن صلاح أي مسلم لن يكتمل إذا كان صلاحاً فردياً ما لم يتجاوز ذلك إلى مرتبة
الإصلاح، وإذا نزل العذاب بأمة فإن الذين ينجون منه ليسوا أولئك الذين اهتموا بصلاح
أنفسهم، وإنما أولئك الذين حاولوا إصلاح محيطهم وتقويم اعوجاجه وسد حاجاته
والمحافظة عليه، قال الله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا
الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ
بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}
[(165) سورة الأعراف]، كأن المرء لا يستطيع أن
يحافظ على الخير في نفسه وأسرته ما لم يصبح نفعه متعدياً إلى غيره.
الرابعة والعشرون: إن المستحيل درجات، فمنه ما هو مطلق ومنه ما هو نسبي، وما من
معضلة إلا وهي قابلة للتغلب عليها كلياً أو جزئياً وفي النهاية فإن الشاب يستطيع أن
يعايشها ويتكيف معها وبذلك يكون أقوى منها، وبمثل هذه الروح ينبغي أن يشحن المربون
أتباعهم ولا بأس أن يقال لهم بأن أعظم الكتب لم يؤلف بعد، وأن أهم المحاضرات لم
تقدم بعد، وأن مهمات الأعمال الدعوية لم تنجز بعد، وكل هذا ينتظركم.
حار كثير من المفكرين في تفسير ظاهرة العبقرية والتميز، فقيل بأن العبقري ليس الذي
له ذكاء حاد، ولكن العبقري من تميز على أقرانه بالمثابرة الدؤوبة، وهو الذي لا يعرف
الملل واليأس.
وعندما سئل أديسون عن العبقرية وهو الذي سجل أكبر عدد من المخترعات في العصر الحديث
قال: إنها 1% إلهام و 99% عرق جبين.
إن الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن تلاهم من بناة حضارة الإسلام العريقة قد تحملوا
من المشاق وشظف العيش في مجاهدتهم لنشر هذا الدين ما لا يوصف، مع قلة عتادهم
ومحدودية إمكاناتهم وتفوق أعدائهم، وإن علينا أن نعلم الناشئة كيف يستخلصون الروح
والمثل من ذلك.
الخامسة والعشرون: إن بناء الشخصية العلمية من أهم ما ينبغي أن يفكر فيه المربون
والمصلحون، ولا يمكن لأمة من الأمم أن تمتلك بزمام الحضارة ما لم يصبح التعلم
والبحث عن الجديد حركة مجتمع لا حركة صفوة أو فئة.
حين سطع نور الإسلام على الجزيرة ثم على العالم من بعد تملكت الكثير من المسلمين
رغبة هائلة في العلم والاكتشاف والفهم، وسطر المسلمون في ذلك مآثر عجيبة من
التضحيات وتحمل المشاق، وماذا يمكن أن يكون هناك أكثر من السفر مئات الأميال من أجل
رواية حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ولم ينحصر حب العلم في أية دائرة من
الدوائر وإنما صار عبارة عن روح يسري في جميع أوصال المجتمع، مما ساهم في تشييد
الحضارة الإسلامية الزاهية! واليوم نحن بحاجة إلى هذه الروح حتى يصبح طلب العلم
ومعرفة الجديد قيمة من القيم الأساسية في حياتنا.
كان سلفنا يتقربون إلى الله تعالى بطلب العلم ويعدونه أفضل من التنفل، وكان لهم في
طلبه ونقله للناس آداب عظيمة، فلم يكن العالم يرضى أن يأخذ أجرة على التعليم، بل
كان كثير منهم يأبى أن يكلف من يعلمه بأي شيء من حوائجه، حتى لا يجرح صفاء نيته ولا
يكدر ذلك العمل الأخروي بأي شيء دنيوي، وهذا في الحقيقة من أهم سمات الشخصية
العلمية، إنه الترفع عن استخدام العلم سلماً للوصول إلى المنافع الشخصية.
السادسة والعشرون: النـزاهة: من أهم ما تتطلبه الروح العلمية من النـزاهة أن يغير
طالب العلم رأيه إذا وجد الحق مع غيره بقطع النظر عما يقوله الناس بعد ذلك، ومما
يذكرونه في هذا السياق أن الإمام الشافعي -رحمه الله- تناظر مع أبي عبيد القاسم بن
سلام، فكان الشافعي يقول: إن القرء هو الحيض، وأبوعبيد يقول: إنه الطهر، فلم يزل كل
منهما يقرر مذهبه حتى تفرقا وقد انتحل كل منهما مذهب صاحبه وتأثر بما أورده من
الحجج والشواهد.
ويروى عن الشافعي -رحمه الله- أيضاً أنه كان يقول: والله ما ناظرت أحداً إلا قلت:
اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعته.
السابعة والعشرون: إن الروح العلمية الحقة لا تتوفر إلا لمن أعد نفسه لتحمل المشاق
والإعراض عن الكثير من اللهو والاسترخاء والسمر وراحة البال والاستقرار، فقد جاء
رجل إلى الإمام أحمد -رحمه الله- ينصحه بأن يتخلى عن الأقوال والمواقف التي تسبب له
الأذى، فأجابه الإمام بقوله: إنك من أصحاب العقول المستريحة.
كثير أولئك العلماء الذين عذبوا؛ لأنهم عبّروا عن قناعاتهم وآرائهم، وكثير أولئك
الذين اظطهدوا ووضعوا في الظل؛ لأن ألسنتهم لم تخضع لأهواء المتنفذين، وهناك أعداد
كبيرة من العلماء الذين استولى اللصوص على متاعهم وكتبهم وأموالهم أثناء ترحالهم في
طلب العلم ولم يثنهم ذلك عن المضي في جوب الآفاق لاكتساب المزيد من العلم والخبرة.
يا معاشر الدعاة والمصلحين، إن السعي إلى تأمين سلامة الناس وتصحيح المسار في
حياتهم وتخليصهم من مشكلاتهم يقتضي في الغالب أن يعرض الداعية سلامته الشخصية
للخطر، وهذا ما يفعله العلماء وطلاب العلم والدعاة الأفذاذ ممن يتمتعون بالإخلاص
والصدق والروح المتوثبة.
الثامنة والعشرون: إن الفاضل قد يقع منه خلاف الأولى، روى البخاري في صحيحه عَنْ
أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- قَالَ: "كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى
الله عليه وسلم- إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى
أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-:
((أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَر))، فَسَلَّمَ وَقَالَ: "إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ
ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ
يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ"، فَقَالَ:
((يَغْفِرُ
اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلَاثًا))، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى
مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ: "أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ؟" فَقَالُوا: لَا، فَأَتَى
إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ
النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ،
فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ
أَظْلَمَ –مَرَّتَيْنِ- فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-:
((إِنَّ اللَّهَ
بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ،
وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي
–مَرَّتَيْنِ- فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا)).
الشاهد أن الصدّيق وهو الأفضل بلا خلاف، لكن وقع منه شيء، "إني كان بيني وبين ابن
الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت".
ومثله ما حصل بين أبي بكر وربيعة بن جعفر، أخرج الإمام أحمد من حديث ربيعة: أن
النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاه أرضاً وأعطى أبا بكر أرضاً، قال فاختلفا في عذق
نخلة، فقلت أنا –أي ربيعة– هي في حدّي، وقال أبو بكر: هي في حدّي، فكان بيننا كلام،
فقال أبو بكر كلمة ثم ندم فقال: "رد عليّ مثلها حتى يكون قصاصاً، فأبيت، فأتى النبي
-صلى الله عليه وسلم- فقال: مالك والصدّيق –فذكر القصة– فقال:
((أجل فلا ترد عليه،
ولكن قل غفر الله لك يا أبا بكر))، فقلت، فولى أبو بكر وهو يبكي(33).
لا نقاش أن أبا بكر هو الأفضل والأكمل، لكن لا ننسى أنه بشر فببشريته يقع منه
أحياناً خلاف الأولى الذي ينبغي أن لا يقع من مثله، لكن في جميع المواقف تجد أن
الصدّيق كان رجّاعاً إلى الحق، بل وبسرعة لماذا؟؛ لأنه كان هو الأكمل ديناً، فصاحب
الدين هو الذي يسرع في الرجوع إلى الأولى، فهاهنا أهمس في أذنك بإشارتين:
الأولى: قد يقع ممن تتعامل معهم وترى أنهم قدوات لك، أقول: قد يقع منهم خلاف الأولى
في بعض المواقف، فلا ينقص ذلك من قيمتهم، ولا تنظر إليهم نظرة دنوّ، فإنهم بشر وما
حصل منهم إنما هو بسبب بشريتهم.
الثانية: قد تقع أنت في خلاف الأولى ويحصل منك مواقف لا ينبغي لمثلك أن يقع فيها،
فلا سبيل إلى رجوعك للحق بسرعة إلا أن تكون صاحب دين متين، فاحرص على تقوية دينك؛
فكلما كان الشخص أقوى ديناً كان أسرع رجوعاً.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر حديث ربيعة: وفي الحديث من
الفوائد:
- فضل أبي بكر على جميع الصحابة.
- وأن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضب من هو أفضل منه.
- وفيه ما طبع عليه الإنسان من البشرية حتى يحمله الغضب على ارتكاب خلاف الأولى،
لكن الفاضل في الدين يسرع الرجوع إلى الأولى، كقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ
اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ}
[(201) سورة
الأعراف]، وفيه أن غير النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو بلغ من الفضل الغاية ليس
بمعصوم.
- وذكر فوائد أخرى جميلة يمكن لمن أرادها أن يرجع إليها في الفتح.
التاسعة والعشرون: إن قضايا التربية هي قضايا الأمة، وعلى الأمة جميعها أن تحاول
النهوض بمؤسساتها ومحاضنها التربوية.
إننا جميعاً نتعرض في كل يوم إلى مواقف نتعلم منها ونعلّم ونربي ونتربى، وهذا يفرض
على الدعاة أن يتابعوا المعارف الجديدة المتعلقة بقضايا التربية.
إن مستقبل البشرية سيعتمد من الآن فصاعداً على نوعية الإنسان الذي تعده المؤسسات
التربوية، مما يعني أنه لا بديل عن الاهتمام بها وضرورة الإنفاق عليها بسخاء.
إن مما يزهد الناس بالاهتمام بالتربية وجود فجوات زمنية كبيرة بين الجهود التي تبذل
فيها والثمار التي تجنى منها مما يولد نوعاً من الترهل الذهني والشعوري لديهم
ولاسيما عند الشعوب التي أصيبت بمرض الآنية وفقدت فضيلة الانتظار.
إن مؤسساتنا التربوية لا تستطيع القيام بوظيفتها على نحو فعّال إلا من خلال دعم عام
من جميع شرائع الأمة.
التربية لها جانبان لا ينفصل أحدهما عن الآخر:
1- النمو والزيادة
2- التدرج
فإذا وجدنا تربية لا تثمر نمواً علمنا أنها تربية عقيم، وإذا رأينا جهوداً تستهدف
تنمية شيء ما لكنها لا تتسم بالتدرج والتعاهد المتتابع علمنا أن تلك الجهود لا
تستحق أن تسمى تربية.
أصيبت التربية لدينا بالضرر نتيجة الإهمال والكسل والقصور في الوسائل ورداءة
الأوضاع العامة، لذا فإن طريق التصحيح لدينا مازال مشرّع الأبواب إذا ما توفر لدينا
ما يكفي من الإخلاص والعزيمة.
الثلاثون: تتحكم بحياتنا مجموعة كبيرة من النظم العقدية والأخلاقية والسياسية
والاجتماعية، ولا يستطيع أي نظام من هذه النظم أن ينفرد بتوجيه الحياة متجاهلاً
معطيات النظم الأخرى، ولن يكون من مصلحة أي أمة أن تعلق توازنها العام على نظام
واحد، فإذا صلح صلـح أمرها، وإذا فسد فسـد أمرها، بل إن الأمة لا تستطيع أن تفعل
ذلك إلا في حدود معينة، والمشكلة أن طبيعة الاختصاص تغري بالانحياز والرؤية
الأحادية، فعلماء الاقتصاد يعتقدون أن الأمة لن تتقدم إلا إذا تقدم اقتصادها،
والتربويون يعتقدون أن تقدم التربية شرط لتقدم العالم وهكذا، وهذا كله بعيد عن
النظرة الموضوعية؛ لأن أجزاء أي منظومة يتفاعل بعضها مع بعض تفاعلاً غير منظور،
فالذي نريد قوله من وراء هذا هو أن العبارات الذائعة التي بتنا نسمعها كل يوم حول
ضرورة التوجه إلى التربية باعتبارها المفتاح الذي سيحل كل المغاليق لا تعدو أن تكون
ضرباً من التلاعب بالألفاظ، ولا يعني هذا بالطبع التهوين من شأن التربية، ولكننا
نريد أن نؤكد أن المربين في البيوت والمدارس وفي كل مكان لا يستطيعون أن يفعلوا ما
يشاؤون ويتمنون، وليس من الإنصاف أن نطلب منهم إيجاد جيل خارق، فالمجتمع الفاسد أو
الضعيف أشبه بطحين فاسد كل ما يصنع منه من خبز لن يكون إلا كذلك.
الحادية والثلاثون: إنها لمأساة أن تنتشر المعرفة وتتدفق المعلومات في كل اتجاه،
ومع ذلك يزداد ضعف تكوين الشخصية لدى الجيل الجديد، ويقل الحكماء وذوو البصائر
النافذة؛ والسبب في هذا أن كثيراً من أنشطتنا التربوية قد ابتعد عن فلك الأهداف
الكبرى مما أفقدها المنطقية والتجانس وأوقعها في التصادم، ولذا فإن التربية الفاضلة
ليست تلك التي تنثر أمام الناس مجموعة من الفضائل والحكم والنصائح، وإنما تلك التي
تمتلك خيطاً من نور ينتظم جميع مقولاتها، ويدفع بها إلى بؤرة شعور الفرد وأعماق
بنيته الفكرية وأعماق وعيه، وهذا لن يكون ما لم يسد نوع من التناغم بين جميع
الأجهزة التربوية والإعلامية والتثقيفية.
إذا ربينا الشاب وعلمناه مدة عشرين سنة ثم وجدناه يصدر أحكاماً جزافية بعيدة عن
المعقول ومعزولة عن الخبرة فهذا يعني أن التربية أخفقت في الوصول إلى هدف من أهم
أهدافها.
الثانية والثلاثون: غالباً ما يؤكد رجال التعليم والفكر والتربية على ضرورة منح
الاستقلالية للأطفال والفتيان إلا أن كبار السن يدركون المخاطر التي يتعرض لها
الناشئ بسبب اختلافه عن السياق الاجتماعي السائد مما يدفعهم دفعاً إلى الضغط على
أطفالهم كي يقلدوهم ويكونوا نسخاً مكررة عنهم.
لاشك لدينا في أن الإصرار على التماثل الشديد قد يدفع بالمجتمع إلى التحلل الذاتي،
كما أن التنوع الثقافي الشديد قد يدمر الكيان الاجتماعي تدميراً تاماً مما يعني أن
نجاح التربية في مهمتها يتوقف على وجود معايير واضحة تمنحنا القدرة على تبين القدر
المطلوب من التماثل والتنوع في آن واحد.
إنه لا يستطيع أي مرب أن يعرف نوع التربية التي ينبغي أن يقدمها للناشئة الذين
يعتني بهم؛ فالخيارات التربوية كثيرة جداً، ورؤية الناس للأولويات متنوعة إلى حد
بعيد، ومن ثم فإن المربي الناجح هو الذي يحدد ملامح التربية الملائمة خلال عدة
سنوات قادمة.
فإذا كانت الأمة تعاني من الكبت والانغلاق فإنه لا يكون من الحكمة أن نخوف الناس،
بل المناسب أن نربي الناشئة على الشجاعة والجرأة في قول الحق، وإذا كان المجتمع
يعاني من الجهل وقلة المثقفين فإن الواجب على المحاضن التربوية أن تركز على الكتاب
والدرس والتعليم.
إن رسم الخطط الكبرى والبعيدة المدى لا يتم بنجاح إلا إذا تولاه من يملك رؤية كلية
قائمة على الدراسات والإحصاءات والشفافية الكاملة والملاحظات الذكية، وهذا كله لا
يتوفر إلا عند مربٍ ناضج نامٍ.
ثم إنه ليس لدينا خطط تصلح لكل زمان ومكان بل ولأبناء أمة واحدة، ولذا فإن على كل
وسط تربوي أن يتدبر ويفكر فيما يصلح له من الأنشطة والخطط التربوية، وهذا لا ينفي
على أية حال وجود العديد من القواسم المشتركة.
الثالثة والثلاثون: إن أحوالنا العامة ستظل متأزمة ما دامت مؤسساتنا التربوية
مشغولة بترقيع ما مزقه التغيير الاجتماعي الذي أحدثه تضخم النظم التجارية، واختلاف
المناخات العالمية، وتغير متطلبات العصر على مقتضى ما تفرضه الدول الغربية التي
تمسك بناصية الحضارة، ولن تستطيع أبداً أن ترقع تلك الفتوق، وسوف تتسع عليها
باستمرار ما لم تقم المؤسسات التربوية نفسها بالمبادرة إلى إحداث التغييرات
المطلوبة في أذهان طلابها ونفوسهم في إطار عقيدة الأمة ومبادئها ومصالحها.
إن الحضارة الغربية لم تقتصر على إفساد فكر الإنسان وعقيدته، بل تسببت في تلويث
الماء والهواء وتدهور البيئات، كما أشاعت ثقافة عالمية تقوم على تدمير الموارد
بدلاً من المحافظة عليها من خلال نشر ثقافة الاستهلاك العظيم، والحجة دائماً هي
السعي إلى المزيد من السعادة لبني البشر، لكن الحقيقة ناطقة بأن ذلك يتم من أجل
مضاعفة أرباح الشركات الكبرى التي ليس لجشعها أي حدود، لذا فمن المهم أن يكون تحقيق
العبودية لله يجب أن يكون مستحضراً في كل وقت، ولدى جميع المربين، وفي جميع المحاضن
التربوية.
إن بلوغ قمة التحضر لن يكون إلا عبر الخضوع لله تعالى وحده والامتثال لأمره، وأن
التقوى والاستقامة ونفع الخلق هي مقاييس التفاضل في المجتمع الإسلامي.
إن الوجود البشري وجود ممتد إلى ما شاء الله، وإن مدة الحياة الدنيا هي الجزء الأقل
شأناً، وإن الحياة الحقيقية هي حياة الدار الآخرة كما قال سبحانه:
{وَإِنَّ
الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}
[(64) سورة
العنكبوت].
فالانتصارات في هذه الدنيا مهما كان حجمها يجب أن ينظر إليها على أنها تقدم في إطار
حياة محدودة، والهزائم يجب أن ينظر إليها على أنها كذلك، فهي مؤقتة ولا يجوز قطعها
عن سياقها العام، وهذه النظرة ضرورية لحماية مجتمعاتنا من شرور الأنانية وتضخم
الشره في الاستحواذ على المزيد من المتاع مهما كان الطريق الذي يوصل إليه، وهذه
مهمة المربيين والمصلحين.
ومن وجه آخر فإذا كنا نعد الدار الآخرة هي المرحلة الأهم والأبقى في حياتنا الأبدية
فيجب أن نعلم الناشئة كيف يسخرون طاقاتهم وإمكاناتهم للفوز بالسعادة الأبدية.
ومما يؤسف له أن هذه الحقيقة أمست ضامرة إلى حد بعيد في الحس التربوي لدى معظم
الناس؛ حيث لا تكاد تسمع في المجالس الخاصة والعامة وفي وسائل الإعلام إلا الحديث
عن النجاحات والخسائر الدنيوية، وهذا في الحقيقة شكل من أسوأ أشكال التطور التي
نشهدها.
الرابعة والثلاثون: إن ثروة الاتصالات والمواصلات قد وضعت العالم فيما يشبه الخلاطة
الكبيرة، وهذا التواصل يمكن أن يكون سبباً في إحداث براكين ثقافية تزلزل العالم كله
إذا ما اعتمد كل بلد تربية إقليمية ضيقة الأفق، أنانية المشاعر، كما أنه لهذا
التواصل أن يكون أداة لنقل الخبرات وصقل الكيانات الاجتماعية المختلفة إذا ما تم
اعتماد قيم عالمية ومعايير إنسانية رحبة ينظر الناس بعضهم إلى بعض من خلالها،
فليحذر المربون من هذا الانفتاح.
إن الأعمال التربوية تخضع دائماً لأنظمة مفتوحة، ولذا فإن من غير الممكن أن نجد في
أي كتاب تربوي الكلمة الأخيرة التي يجب أن تقال في أي شأن تربوي، وسيظل مجال النقاش
والاختلاف والإضافة في مسائل التربية مفتوحاً.
إن هناك الكثير من العناصر التي تتحكم في ماهية التربية التي تقدمها أي أمة
لأبنائها مما يجعل ما يصلح أو يقال في بلد أو زمان لا يصلح أن يقال في بلد أو زمان
آخر، ولكن مع هذا فستظل هناك مبادئ وأفكار عامة تتصل برؤيتنا للحياة وتتصل بطبيعة
الإنسان وبما ثبت واستقر من نتائج عامة تمخضت عنها البحوث والدراسات والخبرات
البشرية على نحو عام.
إن التربية تعالج كائناً حياً يتمتع بالعنصر الروحي والإرادة الحرة ولا يتعامل مع
جماد، وعلى هذا فإن أي إنسان قابل لأن يتغير، وعلى هذا أيضاً فإن الصحيح أن عنصر
المرونة في الإنسان ليس مكتملاً، ومن ثم فإن المربي يظل فيما يشبه النـزال مع من
يربيه، فنسأل الله تعالى أن تثيبه على احتسابه، خصوصاً أولئك الذين يتعاملون مع
صغار السن؛ فإن المسألة أصعب والجهد مضاعف.
الخامسة والثلاثون: التنافس في الخيرات بين الصالحين مشروع ولا حرج فيه، لكن الأكمل
هو عدم الالتفات إلى الخلق وهذا هو كمال التوحيد.
اشتهر أنه كان بين أبو بكر وعمر من التنافس في الخير، وأن كل واحد منهما كان حريصاً
على أن يسبق الآخر في أعمال الخير والبر، وهذا الكلام يوافق عليه وأيضاً لا يوافق
عليه، وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في تجلية هذه القضية بكلام
لا مزيد عليه في المجلد العاشر من مجموع الفتاوى في فصل تكلم فيه عن الحسد كمرض من
أمراض القلوب، ثم تكلم بعد ذلك عن الغبطة المباحة وعن التنافس المشروع في أعمال
الخير، ملخص كلامه أن التنافس كان من جهة واحدة، وهو من جهة عمر -رضي الله عنه-
فقط، وهذا هو الجانب الذي يوافق عليه، والذي لا يوافق عليه أن التنافس كان من
الطرفين، فالصديق -رضي الله عنه- لم يكن أصلاً يفكر في أن ينافس عمر، وإنما كان
يسبقه دائماً بطبيعة حاله وسجيته، فلم يكن يتكلف المواقف، وإنما هذه هي أعماله وهذا
هو حاله، ولذا كان هو الأكمل، وان كان فعل عمر مشروعاً لكن حال الصديق أكمل وأولى.
قال شيخ الإسلام(34): "هذا وعمر بن الخطاب نافس أبا بكر -رضي
الله عنه- الإنفاق كما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "أمرنا
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي فقلت: اليوم أسبق
أبا بكر، إن سبقته يوماً، قال: فجئت بنصف مالي، قال: فقال لي رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: ((ما أبقيت لأهلك؟)) قلت: مثله، وأتى أبو بكر -رضي الله عنه- بكل ما
عنده، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أبقيت لأهلك؟)) قال: "أبقيت
لهم الله ورسوله"، فقال عمر: "لا أسابقك إلى شيء أبداً".
قال شيخ الإسلام معلقاً على هذا الحديث: فكان ما فعله عمر من المنافسة والغبطة
المباحة، لكن حال الصديق -رضي الله عنه- أفضل منه، وهو أنه خال من المنافسة مطلقاً؛
لا ينظر إلى حال غيره.
ثم ضرب شيخ الإسلام مثالاً جميلاً على صحة ما ذهب إليه فقال: وكذلك موسى -صلى الله
عليه وسلم- في حديث المعراج حصل له منافسة وغبطة للنبي -صلى الله عليه وسلم- حتى
بكى لما تجاوزه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: "أبكي لأن
غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي"، قال شيخ الإسلام:
وعمر -رضي الله عنه- كان مشبهاً بموسى، ونبينا حاله أفضل من حال موسى؛ فإنه لم يكن
عنده شيءٍ من ذلك.
ثم أتى شيخ الإسلام بمثال آخر فقال: وكذلك كان في الصحابة أبو عبيدة بن الجراح
ونحوه، كانوا سالمين من جميع هذه الأمور، فكانوا أرفع درجة ممن عنده منافسة وغبطة
وان كان ذلك مباحاً، ولهذا استحق أبو عبيدة -رضي الله عنه- أن يكون أمين هذه الأمة،
فإن المؤتمن إذا لم يكن في نفسه مزاحمة على شيءٍ مما اؤتمن عليه كان أحق بالأمانة
ممن يخاف مزاحمته، ولهذا يؤتمن على النساء والصبيان، ويؤتمن على الولاية الصغرى من
يعرف أنه لا يزاحم على الكبرى، ويؤتمن على المال من يعرف أنه ليس له غرض في أخذ شيء
منه، وإذا اؤتمن من في نفسه خيانة شبّه بالذئب المؤتمن على الغنم، فلا يقدر أن يؤدي
الأمانة في ذلك لما في نفسه من الطلب لما اؤتمن عليه. انتهى كلامه النفيس -رحمه
الله-.
هل عرفت يا أخي لماذا كان الصديق أكمل؟؛ لأنه لم يكن يلتفت إلى الخلق أبداً، بل كان
يعمل لله، وهذا هو التوحيد الذي صعب على كثير من الخلق الوصول إليه.
اسمع لهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده في نفس ما نحن بصدد الحديث عنه عن
قَيْسِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ أَتَى عُمَرَ -رضي الله عنه- فَقَالَ: "جِئْتُ يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكُوفَةِ وَتَرَكْتُ بِهَا رَجُلًا يُمْلِيَ
الْمَصَاحِفَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ"، فَغَضِبَ وَانْتَفَخَ حَتَّى كَادَ يَمْلَأُ
مَا بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ، فَقَالَ: "وَمَنْ هُوَ وَيْحَكَ" قَالَ: "عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ"، فَمَا زَالَ يُطْفَأُ وَيُسَرَّى عَنْهُ الْغَضَبُ حَتَّى
عَادَ إِلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ وَاللَّهِ
مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ هُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ،
وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَا
يَزَالُ يَسْمُرُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- اللَّيْلَةَ كَذَاكَ فِي
الْأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّهُ سَمَرَ عِنْدَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ
وَأَنَا مَعَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَخَرَجْنَا
مَعَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ
-صلى الله عليه وسلم- يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ، فَلَمَّا كِدْنَا أَنْ نَعْرِفَهُ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ
الْقُرْآنَ رَطْبًا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ
عَبْدٍ))، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ الرَّجُلُ يَدْعُو، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى
الله عليه وسلم- يَقُولُ لَهُ: ((سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ))، قَالَ عُمَرُ
-رضي الله عنه- قُلْتُ: "وَاللَّهِ لَأَغْدُوَنَّ إِلَيْهِ فَلَأُبَشِّرَنَّهُ"،
قَالَ: "فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ لِأُبَشِّرَهُ فَوَجَدْتُ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَنِي
إِلَيْهِ فَبَشَّرَهُ، وَلَا وَاللَّهِ مَا سَبَقْتُهُ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا
وَسَبَقَنِي إِلَيْهِ".
واضح حرص عمر -رضي الله عنه- على سبق الصديق، لكن أبو بكر لم تكن المسألة في حسابه
أصلاً، فانه لا يلتفت إلى عمر ولا إلى غيره.
وبمناسبة هذا الحديث الجميل لعلِّي أهمس في أذنك هنا، حرص أولئك القوم على إدخال
السرور إلى قلوب إخوانهم ولو بالبشارة الطيبة، فبمجرد ما سمع أبو بكر وعمر تأمين
الرسول -صلى الله عليه وسلم- على دعاء ابن مسعود، ومعلوم أن الرسول مستجاب الدعوة،
صار كل واحد منهم يرقب الصبح ليسرع إلى بشارة أخيه، فما أن انطلق عمر ووصل إلى بيت
ابن مسعود، حتى وجد الصديق قد خرج، فعلم أن البشارة قد وصلت.
السادسة والثلاثون: إن كلمة الإصلاح كلمة جميلة محببة إلى النفوس؛ لأن الفطر
السليمة تحب الإصلاح وتدعو له، وتبغض الإفساد وتحذر منه.
إن المهمة الكبرى لأنبياء الله ورسله، والذي من أجله بعثوا وأرسلوا هو الإصلاح، ثم
حَمل الراية من بعد الأنبياء، خلفاء الأنبياء وهم العلماء والدعاة وكل من يهمه
الشأن العام.
إن قضية الإصلاح إلى جانب أنها أهم قضية في حياة الناس، إلا أنها من أعقد القضايا
وأصعبها، وفيها يتجلى الابتلاء بأكمل صوره وأتم معانيه.
إن صعوبة هذه القضية نبعت من كون الطرف الآخر في المعادلة هم بشر تتعامل معهم،
فالبشر في الغالب تتوتر ممن يريد أن يعالج أخطائها، ويقوُّم مسيرتها، وتنبع صعوبة
المسألة أيضاً، من أنك ما أن تقترب من إصلاح جانب من جوانب هذا الكيان البشري إلا
وظهر لك فساد في جوانب أخرى، أضف إلى تفاوت الخلفيات التي لدى الناس من خلفيات
عقدية، وثقافية وسلوكية، وغيرها وغيرها، مما يحتاج معه إلى طول نفس وسعة بال.
ولذا فيقال بأن الإصلاح نوعان: نوع بسيط كإصلاح بين متخاصمين، أو استئصال فساد من
مدرسة أو مؤسسة، وهذا يمكن لكثيرين أن يقوموا به، فهو بمثابة عملية جراحية صغرى.
النوع الثاني المعقد، الذي أتعب الأطباء، وحيّر الحكماء وتخلى عنه عدد غير بسيط من
العلماء، وهو ذلك الطرح الفكري الشامل الذي يستهدف إصلاح الحياة العامة، في كافة
مجالاتها، الفكرية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية
والأخلاقية وغيرها.
ولهذا لا ينبغي أن يمتطى صهوة هذا النوع من الإصلاح، إلا ذلك المصلح الذي يمتلك
سمتين أساسيتين:
الأولى: رؤية صحيحة وشاملة لحال المجتمع الذي يهمه شأنه، هذه الرؤية يشمل إمكاناتها
ومشكلاتها، ومداخلها ومخارجها، ويشمل أيضاً كل المؤثرات الخارجية للوضع الداخلي في
ذلك المجتمع، ولا يغفل القوى المحلية المنافسة، التي تطرح وجهات نظر أخرى.. هذه
سمة.
أما الثانية: فهو امتلاك ذلك المصلح لمنهج صحيح سليم في المعتقد ناضج في التصور،
متكامل في السلوك والأخلاق يمكن من خلاله أن ينسف غيره من وجهات النظر المختلفة، من
واقع قال الله، وقال رسول الله، وما أُثر على صالحي سلف هذه الأمة، لذا فلا مبالغة
إذا قلنا بأن المصلحون في كل بلد أو مجتمع بهاتين السمتين، هم أعز من الكبريت
الأحمر، وقد لا يطلق في البلد كله إلا على رجل أو رجلين.
ماضٍ تعيش على أنقاضه أمم
*** وتستمد القوى من وحي ذكراه
بالله سل خلف بحر الروم عن عرب *** بالأمس كانوا هنا واليوم قد تاهوا
وإن تراءت لك الحمراء عن كثب *** فسائل الصرح أين العز والجاه؟
إني لأشعر إذ أغشى معالمهم *** كأنني راهب يغشى مصلاه
والله يعلم ما قلبت سيرتهم *** يوماً وأخطأ دمع العين مجراه
السابعة والثلاثون: من
أوجب واجبات المصلحين غرس الثقة بالنفس في أبناء الأمة، ومحاولة رفع مستوى احترام
النفس؛ إن هذه الأمة لو عرفت مكانتها، وشعرت بحجمها، واعتزت بنفسها، لتغيّر شيء
كثير، وهذا مهمة المصلح.
خذ هذا المثال: كان الطب في كوريا يدرّس باللغة الإنجليزية، فأصدر رئيس الدولة
قراراً بتدريس الطب باللغة الكورية، فهاج الأساتذة وماجوا، محتجين بأن أضراراً
بالغة سوف تلحق بالطلاب إذا تم ذلك، فالكورية ليست لغة حية، والمراجع الطبية
المكتوبة بالكورية صفر..
وكان موقف رئيس الدولة هو أنه بعد عام سوف يكون التدريس بالكورية وإلا فإن الدولة
سوف تغلق الكلية، إلى أن يجد الأساتذة في أنفسهم الكفاءة لذلك، فماذا كانت النتيجة؟
خلال عام تهيأ الأساتذة لذلك وفتحت الكلية أبوابها، وسار كل شيء على ما يرام،
وانتهى تدريس الطب هناك بالانجليزية إلى غير رجعة، فهل إمكانات الكورية في استيعاب
العلوم أكبر من إمكانات العربية؟
الجواب معروف، إذن: كيف حصل ذلك عندهم ولم يحصل في السواد الأعظم من جامعات العالم
الإسلامي، الجواب: إن العزيمة الحرة هناك اكتشفت الإمكان الحضاري، أما نحن فيحصل
ذلك عندنا حين نشعر بضرورة احترامنا لأنفسنا، فنحن بحاجة قبل ذلك إلى معاهد ودورات
وبرامج في اكتشاف النفس، ومعرفة الذات والاعتزاز بها، ولتحقيق هذا جهد ضخم نسأل
الله أن يعين المصلحين للقيام به.
الثامنة والثلاثون: إن سنة الأنبياء وهم في قمة هرم المصلحين، هو الرفق في الخطاب
والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد أمر الله موسى وهارون -عليهما السلام- بالرفق بفرعون
حين قال: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولَا لَهُ قَوْلًا
لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}
[(43-44) سورة طـه]، وعند الإمام
مسلم في صحيحه: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)).
علينا ألا ننسى أن البشر مخلوقات عاطفية، تجذبهم الكلمة الطيبة، وينفرهم التوبيخ
والتقريع، وعند كل واحد منهم من الاعتزاز بنفسه ومواهبه وإمكاناته ما يجعله يرى في
الكلمة القاسية عدواناً على كرامته ومجاله الخاص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في سياق ما يحتاجه الآمرون بالمعروف
والناهون عن المنكر: "فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر، العلم قبل الأمر
والنهي، والرفق معه والصبر بعده".
إن قولك لشخص: هذا خلاف الواقع، يؤدي عين المعنى الذي يؤديه قولك له: هذا كذب، لكنه
أرفق وألطف، وإن قولك لعدد، ما رأيكم لو عملنا كذا، ألطف من قولك لهم، اعملوا كذا،
وكفوا عن كذا.
إن صيغة الأمر والنهي لم تعد مقبولة في أغلب المواضع، فالحضارة الحديثة دون إهمال،
وسّعت دائرة الخصوصيات والحرية الشخصية، إلى أبعد حد ممكن، وإن من واجبنا أن نشعر
المخاطب أننا لا نعتدي على أي منهما، دونما تنازل عن مبدأ أو ميوعة في حكم، أو
تساهل في شريعة الله.
التاسعة والثلاثون: ربما سمعت مراراً عبارة: "سلفية المنهج وعصرية المواجهة"، فماذا
تعني هذه العبارة؟ إن السلفية المنشودة هي العودة بأصول الفهم إلى الكتاب والسنة
وقواعد تفسير النصوص لدى القرون الثلاثة الأولى.
أما عصرية المواجهة المقصودة، فهو أن يدرك جيداً أولئك المصلحون الذين يهمهم أمر
الساحة، أن يدركوا جيداً أن محاور المعارك القائمة بينهم وبين خصومهم وأعدائهم،
ويدركوا كذلك الفلسفات والنظم العلمانية والمادية التي تغزوهم صباح مساء.
ومهم جداً وهذا مطلب ملح وهو استثمار الطاقات التي بأيديهم واستغلالها أتم استغلال،
فكم من الجداول -والله المستعان- يذهب ماؤها في صحراء قاحلة.
إنه ليس من عصرية المواجهة في شيء، أن ينتقل الداعية على دابة، وينتقل منافسة
المبشر في نفس الموقع في حوّامة، وليس من المعاصرة أن نواجه هذا الغزو الإعلامي
الرهيب بالشجب والاستنكار دون أن يملك المصلحون قنوات وشبكات إعلامية؛ تنشر الهدي
الرباني في أنحاء المعمورة.
إن عدداً من المصلحين يجاهد في غير عدو، تجده ينشغل بمهاجمة وأفكار ومعتقدات لا
رصيد لها في ساحته، وفي الوقت نفسه لا يملك أية خبرة في الأفكار الهدامة التي
تستأصله وهو نائم، وتُجهض من حيويته، وتحرفه عن الطريق، فضلاً عن أن يمتلك الوسائل
لمقاومتها.
خذ هذا المثال لتدرك المقصود: كم كتاباً صدر يتحدث عن اليهود في الكتاب والسنة،
وهذا بحد ذاته طيب، لكن أين ذلك الكتاب الذي يبحث في بنية التنظيم اليهودي العالمي
المعاصر؟ وأين ذلك الكتاب الذي يكشف عن الآليات المستخدمة عند اليهود في اختراق
الدول والمؤسسات أو في الأفكار السائدة لديهم،؟ أو في المشكلات التي تجابههم، لكي
نشعل فتيلها أكثر بطريقة أو بأخرى؟
الأربعون: إننا نعيش في عالم سمته البارزة الصراع من أجل البقاء، ومن الطبيعي أن
يأكل القوي الضعيف، وأن تتغذى الحيتان بالأسماك.
إنه من السذاجة والبله أن تطلب من الغرب أن يعاملنا برفق وعطف؛ فهذا غير ممكن، لكن
الحل أن تكبر السمكة حتى لا يستوعبها الحوت، وأن تكون السمكة أسرع منه حركة.
إن مما يزعج الغيور أن كثيراً من شباب الأمة ممن هم يسيرون في فلك العملية
الإصلاحية، يقضون أوقاتاً طويلة في الحديث عن حقد الغرب وزبالة فكره ونتن معتقده،
ونذالة مؤتمراته على أمة الإسلام، وهم في الوقت نفسه عاطلون عن تقديم أي عمل نافع
ولو بسيط.
إن لدينا -يا من تكثر الكلام- إن لدينا مرضى يحتاجون إلى علاج، وجهلة يحتاجون إلى
تعليم، وشباب يحتاجون إلى تدريب، ونشئ يحتاج إلى سقاية، وأراضٍ دعوية خصبة تحتاج
إلى زراعة وفرص اقتصادية ضخمة تحتاج إلى من يستفيد منها، وطلاب ضعاف يحتاجون إلى
تقوية ولدينا ولدينـا.. فما هي مساهماتك أيها الشاب الحبيب وفي أي جهة من هذه أو
غيرها صرفت طاقاتك.
شباب مع كل أسف يتعاجز عن كسب لقمة عيشه، وعن إتقان مهنته، وعن القيام بأي تكليف،
ثم يحدثونك عن فتح روما وإنشاء حضارة إسلامية على أنقاض حضارة الغرب.
إن وعد الله بالتمكين لن يتخلف، لكنه لن يتحقق أبداً على أيدي أقوام لا يستحقونه،
ولا يفهمون سننه، ولا يضحون من أجله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله
تحويلاً، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم
مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}
[(55)
سورة النــور].
الحادية والأربعون: يقول المودودي -رحمه الله-:
إن هذه الشريعة الإلهية لم تنـزل للأقزام الخانعين، ولا لعبدة الأهواء وموالي
الدنيا، ولا لأمثال الريشة الطائرة في مهب الريح، أو أمثال الغثاء الجاري مع تيار
الماء، ولا للحربائيين الذين يتلونون بكل لون من ألوان البيئة، وإنما نزلت لأولئك
الليوث الأبطال الذين يجدون أنفسهم أقوياء على تغيير مهب الريح ومقاومة التيار
وتحويل مجراه إلى الجهة الصحيحة، والذين يحبون صبغة الله فوق ما سواها، وقد عزموا
على أن يصبغوا جميع العالم بهذه الصبغة.
إن الكائن الذي يقال له: "المسلم" لم يخلق للانسياق مع التيار وإنما الغاية من وراء
خلقه في هذه الدنيا أن يوجه تيار الحياة في الوجهة التي هي وجهة الحق والصواب بحسب
إيمانه وعقيدته، ولئن كان هذا التيار قد غير مجراه من هذه الجهة الصحيحة، فكاذب في
دعوى الإسلام من يرضى بهذا المجرى المتحول عن وجهة الصواب.
وإن الذي هو مسلم حقاً وبكل معنى الكلمة لا جرم أن يزاحم سير هذا التيار المنحرف
ويبذل غاية وسعه في صرف مجراه، ولن يهمه في هذا الجهد نيل الفوز أو حصول الخيبة، بل
إنه سيحتمل ما يناله فيه من الخسارة والضرر، ولن تنهزم روحه المكافحة حتى وان
انكسرت أعضاؤه من جهد الصراع مع التيار، وتفككت أوصاله وألقته الأمواج على الشاطئ
مهزولاً مغشياً عليه(35). انتهى كلامه -رحمه الله-.
لعلك تريد أن تعرف أين قال الشيخ المودوي -رحمه الله- هذا الكلام النفيس، لقد ذكره
في كتابه: نحن والحضارة الغربية.
الثانية والأربعون: كثيراً من الشباب يخلط في قضية مهمة ينبغي التنبه لها، وهو أنهم
يطلبون من المفكر أن يكون فقيهاً، ومن الفقيه أن يكون خطيباً، ومن الواعظ أن يكون
عالماً، ويستغربون إذا سألوا واعظاً وقال: لا أدري، هذا إذا تورع وقال: لا أدري،
وقد يُسأل المتفقه أو المشتغل بعلم الحديث عن أدق الأمور السياسية فإذا أجاب أتى
بالعظائم، ويُسأل الواعظ أو الخطيب عن أدق الأمور في العقيدة أو الفقه فيجيب
بإجابات غير صحيحة أو غير دقيقة، وكأن المفترض في هؤلاء أن الواحد منهم إذا أتقن
علماً معيناً أن يتقن باقي العلوم.
وبالجملة فبعض شباب الصحوة يريدون أمة في رجل، وينسون أن المواهب والقدرات موزعة
بين الناس، وقد لا تجتمع عدة مواهب إلا في الآحاد من الناس وذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء. والله -جل وتعالى- قد يفتح على البعض بالخطابة المؤثرة التي تلبي حاجة
العاطفة والوجدان، وعلى آخر بالحديث المشوق الهادئ، وعلى ثالث بالكتابة، والناس في
هذا ما بين عالم ومتعلم، وكل يستفاد منه حسب طاقته وحسب اختصاصه.
يروى أن الخليفة العباسي المأمون أراد من المؤرخ الواقدي حفظ سورة من أواسط المفصل
فلم يقدر، فقال المأمون: هذا رجل فتح الله عليه في التاريخ.
وقد وصف أحد نقّاد العلم علماء عصره وقدراتهم ومكانتهم فقال: سفيان الثوري عالم
بالحديث، والأوزاعي عالم بالسنة، والإمام مالك عالم بهما جميعاً.
فالأمر كان واضحاً عند ذلك الجيل حول قدرات الناس ومكانتهم العلمية، فلا يرفعون
أحداً فوق مكانته، ولا يبخسون أحداً حقه، بينما قد تلحظ اليوم أن أي متكلم أو خطيب
مفوه يقال له: العالم الشيخ الداعية، وهذا خلط مرفوض، وقد يؤدي إلى جعل الناس
يسألون ويستفتون من لا يصلح للفتيا والسؤال.
فالشخصية المحببة للناس الذي يتقن فن العلاقات العامة، يصلح للتصدي لإرشاد الناس
والتحدث إليهم، والمفكر الإسلامي قد يكون بعيداً عن هذه الأجواء، ولكن يستفاد منه
في عمق الملاحظة ودراسة تطورات المجتمع وعلله وخفاياه، وقد يطلب من العالم أكثر مما
يطلب من غيره، فالأصل فيه أن يكون ربانياً؛ يربي الأمة ويسوسها، فإذا لم يوجد
فلنستفد من كلٍّ ومقدرته وما فتح الله عليه به.
الثالثة والأربعون: من الظواهر اللافتة للنظر في حياتنا الثقافية هذه الأيام مزاحمة
الشريط المسموع للكتاب المقروء وخاصة عند جيل الشباب الذي ضاق وقته في زحمة الدراسة
وزحمة العمل، وهذا العصر هو عصر السرعة، فهو يستمع للشريط في غدوه ورواحه، وربما في
المنـزل وهو يقوم بأعمال أخرى. والسماع أسهل من القراءة، فالقراءة بحاجة إلى صفاء
في الذهن واستجماع طاقة التركيز، ولهذا بدا وكأن الكتاب وبخاصة إذا كان من الحجم
المتوسط أو الكبير ثقيل الظل على هؤلاء الشباب.
وقبل أن نتكلم على أهمية الكتاب لا بد من القول بأن الشريط الإسلامي الذي يتضمن
المحاضرات والدروس القيمة والخطب المؤثرة الصادقة قد ساهم مساهمة كبيرة في نشر
الوعي بين صفوف طبقات كثيرة من الناس وأعطاهم ثقافة لا بأس بها، وهو وسيلة فعالة
لأسباب كثيرة منها: سهولة التلقي، وسهولة الشراء، وسرعة الانتقال، ولكن هل يغني هذا
كله عن الكتاب خاصة للشباب المسلم الذي يُؤهِل نفسه ليكون داعية؟ الجواب: لا؛ ذلك
لأن الشريط وإن كان يتضمن علماً مثل الكتاب أحياناً، ولكن طريقة السماع لا تعطي
العمق الذي يعطيه القراءة، والمعلومات التي في الكتاب لا يستطيع الشريط استيعابها،
وفي الكتاب تعيش مع المؤلف ومع الكلمات فتعطيك روحاً من روحها، وعندما نتكلم عن
الكتاب المعاصر الذي لا يوجد في شريط والذي يتحدث عن قضايا مهمة جداً من قضايا
العصر، فهل يهمل؛ لأن حجمه فوق المتوسط فكيف إذا انتقلنا إلى كتب الأمهات والأصول
مما كتبه الأجداد، وهو ذخيرة وأي ذخيرة في فهم الكتاب والسنة؟
ولا بد من الرجوع إليها وخاصة تلك التي تعتبر وحيدة في فنها، ولا نتكلم عن الكتيبات
التي زاحمت الكتب أيضاً، وهي وإن كانت وسيلة ناجحة لطبقات معينة، لكن يخشى أن تصبح
هي الأصل ويستسهل الناس أمثالها، وينفرون من الكتاب حتى ولو كان من الحجم المتوسط.
إن ثقافتك أيها الداعية وعلمك لا يمكنك أن تبنيه إلا إذا عشت مع الكتاب، وليس مع أي
كتاب، لكن مع الكتاب النافع المهم، وقبل ذلك وبعده اعلم بأن أي شريط جيد مؤثر أعجبت
به كانت هناك قراءة وكتابة من صاحب الشريط، وذلك العالم أو الداعية الذي تستمع له
في الشريط قد أفنى حياته في القراءة قبل أن يقدم الشريط الجيد، وأما الاعتذار بضيق
الوقت فهو حجة واهية؛ لأن الذي ينظم وقته لا بد أن يجد وقتاً كافياً يعيش فيه مع
الكتاب، وأخيراً: إن القراءة متعة بحد ذاتها وأول ما نزل من القرآن:
{اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}
[(1) سورة العلق].
الرابعة والأربعون: من أثمن ما تملكه أخي الحبيب في هذه الدنيا بعد الصلة بالله عقد
الأخوة الإيمانية الذي عقده مع من يحبهم في الله، وتعاهد معهم على العمل سوية في
سبيل نصرة دين الله؛ هذا العقد من أقوى الأسباب لمجابهة الصعاب والتحديات ولحل
المشكلات التي تعترض الطريق، وبه يشعر المسلم أنه ليس وحيداً، فهناك من يشد أزره
ويضع يده في يده غير أن هذه الأخوة قد يعكر صفوها هفوات هي صغيرة، ولكنها تكبر مع
الأيام ويكبر أثرها، فتنفر القلوب وتبق الوحشة، وهذا مزلق خطير يجب على الأخ المسلم
تجنبه، فخسارة أخ لا يعوضها أي شيء.
ولعلي أنبهك على فقه عزيز في باب الأخوة قد تغفل عنه وهو ما يسمى بفقه التطاوع،
ويقصد به أن يتنازل الأخ عن رأيه ولو كان يراه صواباً؛ لحفظ جو الأخوة وعدم حصول
التنافر والاختلاف، بشرط أن لا يكون التنازل عن أصل متفق عليه أو عن حكم شرعي ثابت،
ولكن المقصود هو التنازل فيما تختلف فيه وجهات النظر.
روى البخاري في صحيحه عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى
الْيَمَنِ قَالَ: ((يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا،
وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا))
وعَنْ عَامِرٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَيْشَ ذَاتِ
السُّلَاسِلِ، فَاسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ،
وَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى الْأَعْرَابِ، فَقَالَ لَهُمَا:
((تَطَاوَعَا))، قَالَ: "وَكَانُوا يُؤْمَرُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى بَكْرٍ،
فَانْطَلَقَ عَمْرٌو فَأَغَارَ عَلَى قُضَاعَةَ؛ لِأَنَّ بَكْرًا أَخْوَالُهُ
فَانْطَلَقَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: "إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- اسْتَعْمَلَكَ عَلَيْنَا، وَإِنَّ ابْنَ
فُلَانٍ قَدْ ارْتَبَعَ أَمْرَ الْقَوْمِ وَلَيْسَ لَكَ مَعَهُ أَمْرٌ"، فَقَالَ
أَبُو عُبَيْدَةَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَنَا أَنْ
نَتَطَاوَعَ، فَأَنَا أُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَإِنْ عَصَاهُ
عَمْرٌو" [رواه الإمام أحمد].
وهناك أمثلة من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكيف أنه كان -عليه الصلاة
والسلام- يتنازل عن رأيه تطاوعاً لرأي أصحابه مع أن الوحي كان يتنـزل عليه.
خذ على عجالة هاذين المثالين:
الأول: في غزوة أحد: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين بعد الرؤيا التي
رآها: ((إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً لي تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً،
ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة
وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقامـوا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم
فيها)).
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم
بدر: يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا؛ لا يرون أنا جُبنا عنهم وضعفنا، فلم يزل
الناس برسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيته، فلبس لأمته ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس
وقالوا: استكرهنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن لنا ذلك، فلما خرج عليهم
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا،
فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال: ((وما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى
يقاتل))، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- آخذاً برأيهم متنازلاً عن رأيه تطاوعاً
لهم.
المثال الثاني: في غزوة الطائف -والقصة في البخاري-: وهو أنه لما حاصر النبي -صلى
الله عليه وسلم- الطائف وبقي قرابة بضع وعشرين ليلة لم ينل منهم شيئاً، وقد أصاب
الصحابة بعض الضرر؛ حيث أنها كانت محصنة، وكان أهل الطائف يرمونهم من داخل الحصن
بالنبل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ)) أي راجعون، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ،
فلما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- تصميمهم على القتال وهو كان لا يرى ذلك نزل
على رأيهم، وقال: ((اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ))، فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ
-وفي رواية-: حتى أصابهم حرّ النبل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
((إِنَّا
قَافِلُونَ غَدًا -إِنْ شَاءَ اللَّهُ-))، فَأَعْجَبَهُمْ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ
-صلى الله عليه وسلم- فتأمل أخي الحبيب في هاذين المثالين يتبين لك فقه التطاوع
المغفول عنه في كثير من الأحيان.
الخامسة والأربعون: إن أولئك الذين يزعجهم واقع مجتمعات الأمة الحالي ويتحمسون
للتغيير قد يجهلون بعض السنن الربانية في التغيير التي أودعها الله -سبحانه وتعالى-
في كتابه، أو أجراها على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومن هذه السنن أن الدعوات
الصادقة إذا أريد لها النجاح والتمكين كان لا بد لها من قوى تؤيدها وتنصرها، قوى من
التكتل الجماهيري الذي يلتف حول هدف واضح محدد، أو بمصطلح ابن خلدون: لا بد من
العصبية التي تعني الالتحام والتعاضد والتنافر؛ لتحقيق هدف معين، وليس المعنى
المذموم لكلمة عصبية.
وإذا كان التكتل سابقاً يعتمد على القبائل والعشائر فإنه في العصر الحديث يعتمد على
جميع شرائح المجتمع الذين يلتفون حول العلماء والفقهاء، الذين يعلمون بفقههم
وتفكيرهم سنن التغيير وتحويل المجتمعات والتأثير فيها، وخاصة ما نحن فيه من تعقيدات
العصر.
هذه القوة والمنعة هي التي افتقدها نبي الله لوط -عليه السلام- حين قال:
{لَوْ
أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}
[(80) سورة هود]، فقال
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((رحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث
الله بعده نبياً إلا وهو في ثروة من قومه)).
يقول الإمام الجويني -رحمه الله-: "ما ابتعث الله نبياً في الأمم السالفة حتى أيّده
وعضّده بسلطان ذي عدة ونجدة، ومن الرسل -عليهم السلام- من اجتمعت له النبوة والأيد
والقوة، كداود وموسى وسليمان، -صلوات الله عليهم أجمعين-".
فإذا كان الأنبياء يؤيدون "بثروة من قومهم" وهم مع ذلك مؤيدون بالمعجزات وخوارق
العادات، فكيف بغيرهم الذين يرومون التغيير بالعشرات أو المئات ويقولون: نحن نتوكل
على الله؟!
لا شك أن المسلم يطلب العون من الله ويتوكل عليه، والله سبحانه وعد المسلمين
بالنصر، ولكن لا بد من الأخذ بالأسباب الشرعية، ومن أهمها تجميع القوى التي تناصر
وتعاضد، فهل درس هذا الموضوع بعمق وأناة أم أنه مقولة: "نعمل والنتائج على الله" لا
تزال هي الشائعة والأكثر قبولاً ورواجاً، مع أنها ظاهرياً صحيحة، فهي كلمة حق
تستخدم في غير محلها، فالقول بأننا نعمل يجب أن يمحص، إذ ما يدريك أن عملك صواب وقد
أخذت فيه بالأسباب؟ نعم إذا بذل الجهد الصحيح فالنتائج على الله، أما أن يُعمل أي
عمل ثم يقال: "النتائج على الله"، فهذا ضرب من حب السهولة وهروب من النقد، وحتى
نستريح نفسياً من اللوم والتقريع، وحتى مع توفر عنصر الإخلاص في هذا العمل فهذا لا
يكفي، فلا بد من معرفة سنن الله في التغيير، {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}
[(21) سورة يوسف].
السادسة والأربعون: إن هذا الدين من جملة ما حثنا عليه المثابرة والاستمرار في
العمل، وأن يكون نفسنا طويلاً فلا ننقطع لأيّ عاض، ولا شك أن هذا الخلق وهذه العادة
من أكبر أسباب نجاح الأمم والأفراد. والذي يؤسف له هو فقدان هذا الخلق في الأزمنة
المتأخرة عند حملة هذا الدين ممن يهمهم أمر الإصلاح والتغيير، وليعلموا بأنه لا
إصلاح ولا تغيير دون نفس طويل.
ما أن نبدأ بعمل أو مشروع ما حتى ننقطع، وما أن نسير خطوات حتى نمل ونتعب، وكم من
مشاريع علمية أو اقتصادية بدئ بها ثم انقطعت، سواء كانت مشاريع فردية أم جماعية،
وبعد الانقطاع تتغير الوجهة من جديد، والسبب في هذا هو أن الطبع ملول، ولم نتربى
بعد على الصبر والمصابرة والمثابرة.
كم مرة تحمست أنك ستبدأ في حضور درس ثم قطعت بعض خطوات ثم انقطعت؟ كم مرة عزمت على
قراءة بعض أمهات الكتب وبعد قراءة عشرات الصفحات انقطعت؟
ولو تصفحنا التاريخ لوجدنا أن كبار العلماء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلاّ
بالمثابرة والمصابرة، وكم عانى علماء الحديث من الترحل ومشقة الأسفار، وغيرهم من
العلماء ما تسنموا هذه المنازل إلاّ بعد أن جثوا على الركب سنين، وكان أحدهم يسهر
أكثر الليل يفكر بالمسألة ويقلب فيها وجهات النظر.
وإذا جاز لنا التعلم من أعدائنا، فإن هذا الخلق موجود عند الغربيين، يستقرّ المبشر
بالنصرانية في قرية منقطعة في غابات آسيا أو أدغال أفريقيا سنوات وهو يدعو إلى
باطله، وتكون النتائج غالباً ضئيلة، فلا يخرج إلا بالآحاد الذين تنصروا ومع ذلك لا
يسأم ولا يمل. وقد يتعجب المرء إذا علم أن بعض الصحف والمجلات الغربية لا تزال تصدر
من أكثر من مئة سنة وبالاسم نفسه ودون انقطاع، وبعض مؤسساتهم عمرها مئات السنين لم
تتغير حتى في شكلها، فمقر رئاسة الوزراء في بريطانيا عمره 250 سنة ولم يفكروا
بالانتقال إلى مكان أوسع وأرحب.
وأما مشاريعهم العلمية الطويلة الأمد فيعرفها كل طالب علم، فالمعجم المفهرس لألفاظ
الحديث، وكتاب المستشرق "دوزي" لتاريخ المسلمين في الأندلس استغرقت عشرين سنة.
إن هذا الاستمرار الطويل يعطي رسوخاً وتجربة، ويخرّج أجيالاً تربت من خلال هذه
الاستمرارية، أما عادة الانقطاع فإنه لا ينتج عنه إلاّ الخيبة والندامة، وقد نهانا
الله -سبحانه وتعالى- أن نكون {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ
أَنكَاثًا} [(92) سورة النحل].
السابعة والأربعون: كتب عمر بن العزيز -رحمه الله- إلى أحد ولاته وصية جامعة من غير
تطويل فقال: أما بعد: فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين.
فيالها من وصية جامعة مانعة من إمام مجدد: إن الله لا يصلح عمل المفسدين، وكيف يصلح
الله عمل المفسدين وهو -جل وعز- قد نهانا عن الفساد بكل صوره وأشكاله فقال:
{وَلاَ
تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}
[(60) سورة البقرة].
وأخبر -جل وعز- أنه لا يحب الفساد فقال: {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ}
[(205)
سورة البقرة] وفي المقابل أخبر -عز وجل- أن الإصلاح هي مهمة الرسل، فشعيب -عليه
السلام- قال لقومه: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ}
[(88) سورة
هود]، وصالح -عليه السلام- قال لقومه:
{وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ
النَّاصِحِينَ} [(79) سورة الأعراف].
فهذه بعض نقاط حول العملية الإصلاحية:
1- إن الإصلاح عملية شاملة واسعة، لا تحدها حدود، ولا تقف في وجهها سدود، إن مساحة
الإصلاح مساحة عريضة واسعة، لا يمكن بأي حال من الأحوال قصرها على جوانب معدودة،
لذا فإن الذي نذر نفسه أن يكون من المصلحين، هذا الإنسان الله -جل وتعالى- أعطاه
كامل الصلاحيات بالإصلاح في كل باب، بشرط أن يكون أهلاً لذلك الباب عالماً من
الشريعة ما يحتاجه ذلك الجانب، فلا يحق لأحد -أياً كان موقعة-أن يقول للمصلح: إن
هذا لا يعنيك، وإن إصلاحك ينبغي أن يقتصر على كذا وكذا؛ فالإصلاح عملية متكاملة
تدخل جميع جوانب الحياة.
ومن خلال هذا الأصل نعلم بأن تصغير مساحة الإصلاح عملية غير شرعية بل هي منافية
لشمولية الإسلام، وأيضاً تهميش أدوار المصلحين، أو قصر أدوارهم على جوانب معينة، كل
هذا يخالف الإسلام الذي أمر الله به والذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-.
إن تحديد الدور أو تحديد الإطار الذي يتحرك ويتكلم ويكتب فيه المصلح عمل يتنافى
ويتعارض مع شمولية الشريعة الربانية، وأكبر شاهد على ذلك من هم في قمة هرم الإصلاح
ومن هم رؤوس المصلحين وهم أنبياء الله ورسله، وفي مقدمتهم إمام المصلحين نبينا محمد
-عليه من الله أفضل الصلاة و أزكى التسليم- فإن عملية الإصلاح التي قام بها بل ودعا
أتباعه أن يقوموا بها من بعده شملت كل جانب، ودخلت كل شيء، بدءاً بالتوحيد ومحاربة
الشرك والوثنية، ومروراً بالعبادات والأسس والقواعد الشرعية، وقواعد الحكم وأسس
بناء الدولة، و انتهاء بكل جوانب الأدب والأخلاق والمعاملات، فلم يدع شاردة ولا
واردة مما يمس حياة الناس الخاصة والعامة، الفردية والجماعية القريبة والبعيدة
الداخلية والخارجية، إلا وشملها عملية الإصلاح وتكلم عنها محمد -صلى الله عليه
وسلم- بل ومارسها بالحياة الواقعية على نفسه وعلى غيره، سواءً كانوا أفراداً أو
مجتمعات، أو دولاً أخرى كانت تناطح صخرة الإسلام، ثم جاء من بعده خلفاؤه الراشدون،
وساروا على نفس سيرته، ثم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، نراهم ونقرأ سيرهم
وأخبارهم على مر التاريخ، وهم يمارسون العملية الإصلاحية أنهم تكلموا في كل باب،
وألّفوا في كل فن، بل ومارسوا حياتهم الإصلاحية بكل شمول، ولم تكن عندهم بدعة
محدودية العملية الإصلاحية، ولا بدعة تهميش الأدوار، بل لم يكونوا يعرفون من
إسلامهم إلا العموم والشمول والتكامل.
2- إن هناك قضايا في المجتمع لا يمكن أن تتغير إلا إذا تصدى لها المصلحون، لا يمكن
أن يغيرها الرياضيون ولا الصحفيون ولا الممثلون ولا أية شريحة أخرى من شرائح
المجتمع، إنه لا يعيدها إلى جادة الصواب إلا المصلحون، لذا فلا يحق لأحد أن يحتكر
وظيفة الإصلاح لنفسه، ولا ينبغي حكر عملية الإصلاح في جهة معينة أو هيئة معينة،
إنها عملية ضخمة تتسع للجميع أن يشارك فيها، بل ينبغي للجميع المساهمة فيها كل
بحسبه، وفي موقعه، وفي حدود ما أعطاه الله من طاقات وإمكانيات، فهذا بقلمه، وذاك
بخطبته، والثالث بمحاضرته، والرابع بتربيته للجيل القادم، والأب في منـزله، والموظف
في مكتبه، والإمام في مسجده، والجميع في حارته.
أما أن ينبري لنا شخص لوحده، أو جهة محددة وتدعي حكر عملية التوجيه والإصلاح، فهذا
مما لا يُقبل شرعاً ولا عقلاً.
3- ثم إنه لا يحق لأحد أن يخلع ثوب الإصلاح من أحد، أو أن يسلب أحداً خيرية
الإصلاح، أو أن يخرجه من دائرة الإصلاح بحجج لا يدعمها أدلة واضحة صريحة من الشرع
المطهر، ثم إنه لا يلزم من كل مصلح، وممن يرغب أن ينضم في سلك المصلحين أن يكون
كاملاً خالياً من كل نقص وعيب طاهراً وباطناً، هذا لا يمكن أبداً، والذي يطلب هذا
إنما يطلب المستحيل.
إن هذه المسألة قد يثيرها أهل الفساد، وهم يتصيدون على أهل الإصلاح بأن فلاناً فيه
كذا وكذا، وهو يدعي الإصلاح.
ما المانع أن أكون مقصراً في جانب وعليّ نقص في جانب وأنا أدعو للإصلاح وأحب نشر
الخير، فإن طلب الكمال محال.
فيا من أعددتم أنفسكم لتكونوا من المصلحين لا توقفكم هذه النقطة، فتلمس مواطن النقص
والخلل في نفسك وعالجها، وسد الخلل، وأكمل النقص وأنت تمارس العملية الإصلاحية في
آن واحد سواءً بسواء، لا تخدع بتكميل النقص أولاً وسد الثغور ثم الإصلاح؛ فإن العمر
يفنى، ولو عمّرت عمر نوح سيبقى الخلل موجوداً وهذه طبيعة البشر.
4- ثم إن المصلحين يمكن يتعلم بعضهم من بعض، ويستفيد بعضهم من بعض، وينقل المتأخر
خبراته للمتقدم، محاولين بذلك سد النقص في كل جانب.
الثامنة والأربعون: لقد شاع كثيراً في الآونة الأخيرة على ألسنة الدعاة والكتاب
كلمة "الصحوة" يعبرون بها عن الاتجاه القوي نحو الدين على مستوى الأفراد والشعوب،
ولا شك أنها ظاهرة واضحة قوية لا تحتاج إلى أدلة أو برهان، فالعودة إلى الدين
والالتزام به سلوكاً وفهماً نراه في كل مكان، والمؤتمرات التي تبحث هذه الظاهرة
تعقد على أعلى المستويات، لكن السؤال الأهم هو: هل ما نحن فيه وما يجب أن نكون عليه
يكفي في التعبير عنه كلمة صحوة؟
أليس مما تعنيه هذه الكلمة أنها إفاقة بعد نوم، قمنا بعدها نتمطى ونفرك أعيننا لنرى
ما حولنا؟ وهل هذه الإفاقة هي من تاريخ استعمال هذا المصطلح وهو حديث العهد أم أنها
أقدم بكثير؟ أو لا تعني مما تعنيه أنها مؤقتة؛ فقد يصحو الإنسان ثم يغفو، وربما
تكون الصحافة الغربية قد أطلقتها على أحداث السنوات الأخيرة في العالم الإسلامي
لتعبر فيها عن قلقها من ظاهرة التدين، فتلقفتها الصحف عندنا، ثم سرت إلينا.
قد يقول قائل: لا مشاحة في الاصطلاح، سمها ما شئت، فالمقصود هو الرجوع إلى الدين،
وهذا صحيح، ولكن يخشى أن تسري سطحية هذا المصطلح إلى الفكر الإسلامي، فنحن بحاجة
إلى التجديد بكل ما في مصطلح التجديد من عمق، وكل ما فيه من تعب وكد في العلم
والتدبر والتأمل.
نحن بحاجة إلى التجديد؛ لإزاحة كثير من الغبش عن بعض المفاهيم الإسلامية، والتصورات
التي كبّلت الشخصية المسلمة عن الانطلاق، ونحن بحاجة للتجديد في وسائل العمل، وفهم
الواقع، وفقه بناء الأمم، وكيفية إقامة البنيان المرصوص، ونحن بحاجة إلى التجديد
أمام التحديات الحضارية التي ما زالت رياحها تهب من الغرب.
وإذا كانت الدعوة في بداية مراحلها، وتحتاج إلى رعاية فائقة وشحنة عاطفية كالطفل في
أعوامه الأولى، فإنها أمام تحديات كبيرة، فلا بد من العقول المفكرة والعلماء
المجتهدين والتخطيط، والنظر في وقائع الاجتماع البشري والسنن الربانية والتدرب على
تحليل الحاضر واستشراف المستقبل، وهذا كله يندرج تحت حديث التجديد:
((إن الله يبعث
لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها))، وأمر دينها يندرج تحته
أمر دنياها أيضاً؛ لأنه وسيلة إلى الأمن والاطمئنان والقيام بأمر العبودية على أتم
ما يكون.
التاسعة والأربعون: إن انتصار الدين في أبهى صوره إنما يكون حينما تخرج القلوب
ثابتة على كلمة الحق من بعد عنف المحن، ولما قيل للإمام أحمد بن حنبل أيام شدة
طغيان القائلين بخلق القرآن وانتشار جبروتهم: يا أبا عبد الله ألا ترى الحق كيف ظهر
عليه الباطل؟
فقال -رحمه الله-: كلا إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى
الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق(36).
إنه كلام لا مزيد عليه من إمام أهل السنة …
الخمسون: دخل وفدٌ على عمر بن الخطاب فيهم عدي بن حاتم الطائي -رضي الله عنه- يقول
عدي: فجعل عمر يدعوهم رجلاً رجلا، ويسميهم فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال
بلى: أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال
عدي: فلا أبالي إذاً.(37)
هذه بعض جوانب شخصية المسلم التي نريدها في هذا الزمان:
إقبال حين الإدبار، ووفاء حين الغدر، ومعرفة حين الإنكار. وبعدها لا يبالي إن لم
يعرف ولم يذكر اسمه؛ لأنه لم يعمل لكي يمدح ويذكر، بل هي معاملة خالصة مع الرب جل
جلاله.
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
جمعها: ناصر بن محمد الأحمد
إمام وخطيب جامع النور
ص. ب: 4052
055802345
___________________________
1- مجموع الفتاوى: (10/71).
2- إحياء علوم الدين: (2/342).
3- مجموع الفتاوى: (14/479).
4- عدة الصابرين: (121).
5- إغاثة اللهفان: (1/145).
6- مجموع الفتاوى: (35/365).
7- تهذيب التهذيب: (8/463).
8- طبقات الشعراني: (1/103).
9- طبقات الشعراني: (1/44).
10- حلية الأولياء: (6/288).
11- إحياء علوم الدين: (2/172).
12- عيون الأخبار لابن قتيبة: (3/3).
13- حلية الأولياء: (8/114).
14- طبقات بن سعد: (3/290).
15- إحياء علوم الدين: (2/188).
16- طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: (1/43).
17- مناقب أحمد لابن الجوزي: (ص 119).
18- تاريخ الطبري: (3/291).
19- الإصابة لابن حجر: (2/7).
20- صحيح البخاري: (5/97).
21- الإصابة: (1/293).
22- تاريخ الطبري: (4/143).
23- الإصابة: (1/414).
24- طبقات ابن سعد: (2/368).
25- تذكرة الحفاظ للذهبي: (2/524)
26- تاريخ الطبري: (3/385).
27- مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: (ص 140).
28- صحيح مسلم: (7/163).
29- سنن النسائي: (7/65).
30- طبقات الشعراني: (1/26).
31- فتاوى ابن تيمية: (10/11).
32- تهذيب التهذيب: (7/183).
33- الفتح: (7/26).
34- الفتاوى: (10/116).
35- نحن والحضارة الغربية: (ص 248).
36- مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: (ص 311).
37- البخاري: (5/221).
التعليقات
vksietnqidx
1N1JZP vlubnucrwnyg, [url=http://jqhvvmwnflgg.com/]jqhvvmwnflgg[/url], [link=http://gxbxbukzarbe.com/]gxbxbukzarbe[/link], http://plibdujbddeo.com/
stmvpshnr
nKRW9q tvxtzpjfqgqb, [url=http://rupbqimxhrhk.com/]rupbqimxhrhk[/url], [link=http://aipxhgzrspws.com/]aipxhgzrspws[/link], http://dooobpzejkwy.com/
dihbjb
KtJckG uiftxezgcnnf, [url=http://ojnrrfcvtnnn.com/]ojnrrfcvtnnn[/url], [link=http://jjbobwwhwawl.com/]jjbobwwhwawl[/link], http://njsypvlzmekf.com/
atajqyuondo
yydb2w msgbtqoouxnx, [url=http://klnrjxvxecyi.com/]klnrjxvxecyi[/url], [link=http://kzbzvxooskdh.com/]kzbzvxooskdh[/link], http://qfptnyfpbsmq.com/