الأقصى ألم وأمل
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
إن الحمد لله..
أما بعد:
لقد ذكر الله -جل وتعالى- بيت المقدس في كتابه في مواضع عدة، وجاء فضل المسجد
الأقصى في غير ما حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال الله تعالى:
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ
مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً}
[(58) سورة البقرة]،
والقرية هي بيت المقدس؛ كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره.
وقال -عز وجل-: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}
[(1) سورة
الإسراء] وقال -عز وجل-:
{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي
كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} [(21) سورة المائدة]
إلى غير ذلك من الآيات.
وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟
قال: ((المسجد الحرام))، فقلت: يا رسول الله، ثم أي:
قال: ((ثم المسجد الأقصى))، قلت: كم كان بينهما؟ قال:
((أربعون سنة)).
وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
((أُتيت بالبراق،
وهو دابة بيضاءُ))، قال: ((فركبته حتى أتيت بيت المقدس)) قال:
((فربطته بالحلقة
التي تربُط الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين ثم خرجت))
[رواه مسلم].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يقول: ((إن سليمان سأل الله ثلاثاً فأعطاه اثنتين، وأرجو أن يكون أعطاه
الثالثة: سأله أن يحكم بحكم يواطئ حكمه فأعطي، وسأله أيما عبد أتى بيت المقدس لا
يريد إلا الصلاة فيه أن يكون خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه))
[واه النسائي وابن
ماجه بسند صحيح].
لقد تعرض الأقصى -وعلى مدار تاريخها الطويل- لعدد من الغزو والغصب والاعتداء، وكان
آخرها بعد انهيار الدولة الإسلامية التي كان يقوم عليها آل عثمان، وعلى وجه الخصوص
بعد اقصاء السلطان عبد الحميد الثاني عن الخلافة عام 1308هـ على يد اليهود يعاونهم
الفرنسيون والانجليز، ويساندهم الحاقدون من الصليبيين تحت سمع وبصر ما تسمى
بالمنظمات الدولية، بداية بعصبة الأمم، ونهاية بما يسمى بالأمم المتحدة ومجلس الأمن
وغيرها.
إذن: هذا الغصب لبيت المقدس قد حدث بعد انهيار الخلافة، ذلكم السياج الحامي للأمة
الإسلامية، وفي غفلة من أبناء المسلمين بعد أن ابتعدوا عن دينهم ونحوا كتاب ربهم
وسنة نبيهم عن حياتهم.
إن الأرض المقدسة قطعة من العالم الإسلامي، بل هي تشكل فلذة كبده، وستبقى قضية هذه
الأرض حية في نفوس أبناء هذا الدين حيثما كانوا؛ لأنها جزء من ديار المسلمين، وهي
مرتبطة عندهم بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، فهي أولى القبلتين وثالث المسجدين.
وهي أرض الأنبياء -عليهم السلام- ومبعثهم، فعلى أرضها عاش إبراهيم وإسحاق ويعقوب
ويوسف ولوط وسليمان وداود وصالح وزكريا ويحي وعيسى -عليهم السلام-.
ويُسنّ شدّ الرِّحال إليه وزيارته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((لا تشدّ
الرِّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى))
[رواه
البخاري ومسلم].
وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- أن الصلاة فيه تعدل مائتين وخمسين صلاة فيما سواه من
المساجد، ومِن على هذه الأرض عرج بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء بعد أن
أُسري به إليها من البيت الحرام قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى
بِعَبْدِهِ لَيْلاً}.
لقد انكشفت عورة الدول الغربية وبانت سوأتها عندما ادعت حماية حقوق
الإنسان، وهي تتفرج على ما يحصل على أرض الإسراء، راضية بذلك، بل داعمة لكل ما يحصل
من وحشية وإجرام.
بل إن دولة يهود تمارس اليوم أنواعاً من الاستفزاز, الاستفزاز لجميع المسلمين على
مرأى ومسمع من العالم كله, وبمباركة من الصليبين الغربيين، وفي مقدمتهم دولة عاد.
إن أمة يهود أمة ملعونة في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،
هذه الأمة الملعونة هي التي تعتدي اليوم على مقدسات المسلمين، وعلى دمائهم وأموالهم
وأعراضهم وبيوتهم وأولادهم.
إن قضيتنا مع اليهود قضية تاريخية, والمسألة مسألة شرعية, والقضية قضية عقائدية,
اليهود لا يمكن مسالمتهم أبداً.
ليس لهم عهد ولا ميثاق رغم أنف الذين يريدون أن يعقدوا معهم عهداً وميثاقاً, اليهود
لا يؤمن شرهم اليهود لا يؤمن مكرهم, اليهود خلق نجس ورجس شيطاني, اليهود أعوان
إبليس، اليهود سبب شقاء البشرية مع غيرهم من إخوانهم من الكفرة والمشركين في الأرض,
يقودهم إبليس إلى جهنم وبئس المصير, اليهود أعداؤنا، اليهود كرههم في قلوبنا,
جهادهم عبادة وقربة إلى الله, اليهود كما قال الله تعالى عنهم
{وَلاَ يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ}
[(217)
سورة البقرة].
هؤلاء الذين أظهر الله مكرهم, وأظهر الله بغضهم, وكشف الله سترهم وشرهم, أثبتت
الأحداث وما تزال تثبت كل يوم استمرار عداوة اليهود للمسلمين, وكلما قارب السلم
المزعوم على الانعقاد يجري الله حدثًا فتتفجر الانتفاضة من جديد، ولله الحمد
والمنة.
إن لكم إخواناً في تلك البلاد مازالوا يكافحون ويدافعون عن أعراضهم ونسائهم، وهناك
الكثير المحافظون على دينهم، وهناك ولله الحمد صحوة إسلامية مباركة دبت في نفوس
أبنائها رغم كل الكيد، ورغم كل التعتيم ورغم كل الصدّ إلا أن الخير باقٍ والخير
ينتشر والحمد الله. لقد طغى الصهاينة وعثوا وداسوا ولوثوا، ولكن العزة لله ورسوله
وللمؤمنين، والذل والصغار والمسكنة لمن غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة
والخنازير وعبد الطاغوت، نقضوا العهود والمواثيق، حرفوا الكلم عن مواضعه، سمّاعون
للكذب أكالون للسحت، ملعونون على ألسنة أنبياء الله ورسله، يريدون في الأرض علواً
وفساداً، يوغلون فيها عتواً واستكباراً استعدوا أمم الأرض، ولم يكن لهم فيما
اغتصبوه من حق، ولكن تآمر قوى الكفر على أمة الإسلام تجزئةً وتقسيماً وتفرقةً
وتدميراً.
لقد أكدت الأحداث وأثبتت الوقائع أنهم لا ينصاعون لمساومات، ولا يصدقون في محادثات،
الخيانة خلقهم، والكذب مطيتهم، والعمل في السراديب المظلمة عقيدتهم، وإني لأتصور أن
عمل السراديب كان قديماً، فهم الآن ليسوا في حاجة إلى سراديب أو عمل خلف الكواليس؛
لأنهم علموا أنه ليس أمامهم أحد، فقد تمكنوا ممن حولهم، وكل من كان فيه غضبةٌ لدين
أو نخوة، فإن إبر التخدير قد عملت فيه دورها.
إنه لا حل لهذه القضية، وكل قضية يكون العدو الكافر طرفاً فيها إلا برفع راية
الجهاد، والمواجهة بالمثل، وإلا فالذلة، إنه حقاً على الأمة أن تربيها التجارب
والوقائع، وتصقلهم الإبتلاءات والمحن.
إن الأمر كله لله، بيده مصائر الأمور وكل شيء يجري في طريقه المرسوم حتى يبلغ أجله
المحتوم إما موت وإما قتل، أمر لا مفر من ملاقاته، {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ
الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ
أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا
أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ
خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً* أَيْنَمَا تَكُونُواْ
يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}
[(77-78) سورة
النساء].
إنك لتعجب كيف يرضى بالذل وكيف يرضى بالقعود من يملك وسائل الجهاد والبذل، لا
يذودون عن حرمة، ولا ينتصرون لكرامة ولا يستشعرون صغاراً ولا ذلة.
لابد أن نعلم أيها الأحبة، بأن وراء حب الدعة وإيثار السلامة، سقوط الهمة وذلة
النفس، وانحناء الهامة، والتنكص عن المواجهة، كيف تحلو الحياة لمن يضيع دياره، وإذا
ضاع الحمى ذهبت كل التضحيات خسارة.
إن قضية القدس، واحتلال اليهود للأراضي المقدسة والمسجد الأقصى هي قضية العالم
الإسلامي الأولى ويجب أن تكون هي الأولى.
والواقع المعاصر في معركتنا مع اليهود يشهد بأن اليهود أرادوا النفاذ إلى أعماقنا،
واختراق خطوط هجومنا وجهادنا، وإزالة صمودنا وتحدينا، أرادوا إماتة أرواحنا،
والسيطرة على نفوسنا، وقتل هممنا، وامتصاص ثوابتنا، واجتثاث وجودنا، وتركنا نفوساً
مشوهة، وكيانات معوقة، وأفراداً قانطين يائسين محبطين، لكن هل نجحوا في ذلك؟
الجواب أنهم لم ينجحوا، ولن ينجحوا بإذن الله، صحيح أنهم تمكنوا من النفاذ إلى
أعماق وقلوب بعض منّا، فأصبحوا قانطين مستسلمين، لكنهم أفراد قلائل، أما الشعب
الفلسطيني المسلم المجاهد على أرضه فإنه يزداد كل يوم صموداً أمام اليهود، وتحدياً
لهم، وثباتاً على إسلامه وجهاده، ورفضاً للوجود اليهودي، وكلما صعّد اليهود من
بطشهم وتنكيلهم وقتلهم، كلما زاد هذا الشعب إستعلاءً وتصميماً وجهاداً.
إنها حرب طويلة مديدة بيننا وبين اليهود، بدأت منذ بعثة الرسول -صلى الله عليه
وسلم- وسوف تستمر حتى خروج الدجال ونزول عيسى -عليه السلام- والقضاء على آخر يهودي
في الأرض، هذه المعركة الطويلة لها جولات وجولات، وفيها كر وفر، يغلبنا فيها اليهود
مرة، ونغلبهم مرات، ويهزمونا مرة، ونهزمهم مرات. وإن أشد وأعنت وأقسى جولات هذه
المعركة هي هذه الجولة التي نعيش فيها في هذا الوقت، والتي تحققت فيها غلبة اليهود
علينا، وهزيمتهم لنا، ولكنها جولة، تتبعها جولات، لنا فيها الظفر والغلبة والنصر
بإذن الله.
وسيظل الغرب المستعمر يهزأ بنا ويسخر منا، ما دمنا نعالج مشكلة فلسطين على أساس
أنها أرض عربية اغتصبها الاستعمار والصهيونية، وحينما نغير الخطة ونوجه سير المعركة
وجهة أخرى، ونعلن أن فلسطين ليست أرضاً عربية فحسب وإنما هي ملكٌ لمليار مسلم
يفتدونها بالأرواح والمهج؛ لأنها أرض مقدسة تربطهم بها روابط دينية وتاريخية أقوى
من رابطة بضعة ملايين من اليهود بفلسطين، عندها ترجح كفتنا ويصبح زمام الأمر
بأيدينا.
إن قضية الأرض المقدسة لا تنفصل أبداً عن قضية الإسلام الكبرى باعتباره عقيدة ومنهج
حياة وشريعة تحكم المجتمعات وتسوسها، فلولا ضعف الإسلام في نفوس أتباعه وأهله
وأبنائه، ما استطاعت الصهيونية أن تجد لها وطناً في قلب دار الإسلام.
ويوم تعالج قضية الإسلام نفسها، ستعالج معها قضية الأرض المقدسة بل وكل قضايا
المسلمين المعلقة، ويوم تسود شريعة الإسلام وعقيدته وأخلاقه ومفاهيمه وآدابه
وشعائره وتتجسد هذه كلها في مجتمع مهما يكن هذا المجتمع صغيراً في حجمه ورقعة أرضه،
وفي حكم يقود هذا المجتمع باسم الله، يومئذ لا تستطيع دولة اليهود أن تبقى وتعيش.
لقد قال هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول لزعماء قومه: "إن عودتنا إلى صهيون يجب أن
تسبقها عودة إلى الصهيونية".
وإذا كان المؤمن ينتفع بالحكمة ولو من فم عدوه، فعلينا أن نقول: "إن عودتنا إلى
فلسطين يجب أن تسبقها عودة إلى الإسلام".
مما ينبغي أن يُعلم ويقال بكل صراحة: إن هذه الأمة وبعد عام 48م يوم أن أعلنت
إسرائيل دولتها لم تُمكّن من مواجهة اليهود, اليهود لم يواجهوا إلى الآن أمة
الجهاد، ولم يمكّن لكثير من الذين تسيل دموعهم شوقاً إلى الجهاد في سبيل الله, لم
يمكنوا من إظهار حقيقة جبن اليهود وأعوانهم, لابد للأمة أن تعلم أن الهزائم
المتكررة المعاصرة التي حصلت للمسلمين المستضعفين على يد اليهود كانت هزائم أنظمة،
وليست هزائم شعوب, كانت هزائم لرايات جاهلية، ولم تكن الرايات التي رفعت في يوم من
الأيام في مواجهة دولة ما يسمى بإسرائيل رايات إسلامية, وإنما كانت رايات جاهلية
إما قومية أو ناصرية أو بعثية وأحسن أحوالها أنها علمانية، وحينما تُرفع الرايات
الإسلامية الصحيحة -بإذن الله تعالى- ستنكشف حقيقة اليهود، وسيدخلون في جحورهم كما
دخلت الشيوعية ودخل الروس في جحورهم عندما واجهوا رايات إسلامية صحيحة في أرض
أفغانستان من قبل، واليوم على أرض الشيشان الصامدة.
إن بيت المقدس والأرض المباركة في خطر عظيم, والعمل من أجل إنقاذها وتطهيرها فريضة
شرعية وواجب ديني يستنهض عزم أبناء الأمة، وبذل كل الجهود والوسائل لإحقاق الحق,
ونصرة القضية.
إن قضية فلسطين هي أم القضايا، بل إن فلسطين هي المؤشر على القوة العالمية المهيمنة
عبر التاريخ البشري، فالذي يحكم فلسطين هو الذي يحكم العالم فيوم حكم الرومان
فلسطين حكموا العالم، ويوم حكم المسلمون فلسطين حكموا العالم، ويوم حكم اليهود
فلسطين حكموا العالم عبر الولايات المتحدة الأمريكية، ويوم يعود المسلمون ليحكموا
فلسطين وهو يوم قادم لا نشك في ذلك بخبر الصادق المصدوق، فسيحكمون العالم".
((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولن يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله
هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله
به الكفر وأهله)).
إن النصر قادم لا محالة, بنا أو بغيرنا؛ {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْمُشْرِكُونَ} [(33) سورة التوبة], ودين الله منصور بنا أو بغيرنا؛
{إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ} [(39) سورة
التوبة]، والحق سيعلو على أيدينا أو أيدي غيرنا،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ
يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ}
[(54) سورة
المائدة]، والباطل سيزهق بجهودنا أو بجهود غيرنا،
{هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ
لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا
يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}
[(38) سورة محمد]، ولكن لماذا لا يطلب المسلم الخير لنفسه؟ لماذا لا يكون لبنة في
طريق النصر، وسهماً من سهام الحق، وأداة لإزهاق الباطل.
ينبغي أن نعلم -أيها الأحبة- بأن وجود اليهود الآن على الأراضي المقدسة إنما هو
بحبل من الله -عز وجل- وحبل من الناس، كما قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ
الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ
النَّاسِ} [(112) سورة آل عمران]، وحبل الله -جل وتعالى- هو قدره النافذ، وحكمته
البالغة، ومشيئته بأن يكون لليهود وجود على هذه البقعة من الأرض، أما الحبل من
الناس فهي بعض الحبال البشرية التي تمكّن لليهود فمنها:
1- الحبل الأوروبي: فقد كان لأوروبا دور كبير في تمكين اليهود على أرض فلسطين منذ
نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث قضوا على الخلافة الإسلامية في
تركيا وقسَّم إتفاقيةُ (سايكس بيكو) البلاد إلى دول وأقطار مستعمرة، وتعهدت إنجلترا
بإقامة وطن يهودي على أرض فلسطين، فأصدر وزير خارجيتهم بلفور وعده المشئوم لليهود،
وامتد الحبل الإنجليزي واشتد حتى أقام اليهود ما يسمى بدولة إسرائيل، وما زال هذا
الحبل ممتداً إضافة إلى حبال الدول الأوروبية الأخرى.
2- الحبل الأمريكي: عمل اليهود على تأمين حبال أخرى لهم بجانب الحبل الأوروبي خشية
ضعفه أو انقطاعه لمعرفتهم بعجزهم بدون هذه الحبال، فأوجدوا الحبل الأمريكي الذي
يمدهم بكل شيء، ويتعامل معهم وكأنهم ولاية أمريكية.
والدعم الأمريكي اليوم لليهود واضح كالشمس، لا يحتاج إلى برهان، فها هي صحفهم تنشر
مقدار الأموال والميزانيات الضخمة التي تخصصها أمريكا سنوياً لدولة إسرائيل.
ويكفيك أن تعرف وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 48م حيث أعلن الرئيس الأمريكي في
وقتها "هاري ترومان" اعترافه بهذه الدولة الوليدة قبل أن تطلب منه إسرائل ذلك
رسمياً، ثم بادرت الولايات المتحدة بتقديم منحة مالية لإسرائيل قدرها مئة مليون
دولار، وهي تعادل ميزانية مصر والعراق ودول بلاد الشام مجتمعة في ذلك الوقت، ناهيك
عن أحدث الأسلحة الأمريكية التي تزود بها إسرائيل أولاً بأول.
وأما اليوم فقد أصبح التواطؤ الأمريكي الإسرائيلي واضحاً ظاهراً، بل وتتناقله
وكالات الأنباء على مرأى ومسمع من العالم دون خجل أو حياء.
3- الحبل الروسي: إن الشيوعية صناعة يهودية، وأيدي اليهود في روسيا ودول أوروبا
الشرقية والإتحاد السوفيتي السابق واضحة، وقد تمثل هذا الحبل في اعترافهم بإسرائيل،
وبقدوم مئات الآلاف من اليهود من تلك البلاد للاستيطان في فلسطين المحتلة.
4- الحبل العربي: ويتمثل بحالة الانهزامية التي تسود العالم العربي، وبهرولة
الكثيرين نحو الاستسلام لليهود والجلوس معهم على موائد مفاوضات ما يسمى بالسلام.
ولا ندري ما هو هذا السلام الذي يريدون، هل هو سلام من طرف واحد؟ ندع الجواب لهم.
لكن الذي نعلمه ونعتقده إن جميع هذه الحبال ستتقطع -بإذن الله- في يوم من الأيام،
وسيعود المسلمون إلى دينهم، وسينتصرون على اليهود ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله،
{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا* وَنَرَاهُ قَرِيبًا}
[(6-7) سورة المعارج].
أخي الحبيب:
وبعد هذه المقدمة فهذه أربع عشرة وقفة مع هذا الموضوع الكبير:
أولاً: إن من جملة معتقد أهل السنة أنه ليس هناك شر محض، فإن في هذه المجازر
الوحشية خير ولا شك في ذلك، ولا يمكن أن يقع شيء في الكون إلا وفق إرادة الله
وحكمته، ونحن البشر قد ندرك بعض هذه الحكم وقد لا ندرك، ويكفي مما حصل في الفترة
الأخيرة وعلى مرور ثمانية أشهر من الانتفاضة هذه الصحوة التي حصلت للمسلمين في كل
مكان، فكثير من المسلمين كان في غفلة، ومثل هذه الأحداث توقظ النائم، وتنبه الغافل.
ثانياً: هذه الثورة الغاضبة التي حصلت على كافة المستويات والتي لم تكن متوقعة، مما
يشير إلى أن هناك خير كثير ما يزال موجوداً في الأمة، وأن هناك الآلاف من المسلمين
في شتى البقاع على استعداد تام أن يقدموا الكثير، وأنهم مستعدون حتى أن يضحوا
بأنفسهم، ولعل معظمكم شاهد شيئاً من ذلك عبر وسائل الإعلام، لكن هذه الغضبة وهذا
الثوران وهذه الحشود تحتاج إلى حسن استغلال، وإلى من يوجهها الوجهة الصحيحة لكي
تستثمر وأن لا تنحرف عن الجادة.
ثالثاً: إن قضية فلسطين بالذات بل كل قضية يكون الكافر طرفاً فيها لا حل لها إلا
بالجهاد في سبيل الله، والجلوس مع هؤلاء على طاولة المفاوضات بحجة سلام مزعوم نوع
من العبث، وتطبيع خسارته تعود على المسلمين بكل الموازين.
الحق والقوة هما السبيل للحصول على الحقوق، والضعيف ولو كان صاحب حق فإنه يبقى
ضعيفاً، وربما أُخذ حقه بل بالتأكيد سيؤخذ حقه.
ومما يذكر على سبيل التندر المثل المعروف: (أوسعتُهم سباً وساروا بالإبل): ذلك
المثل الذي يحكي مهزلة الأعرابي الذي بعثته أمه ليرعى الإبل، فأخذها العدو فوقف يسب
ويشتم اللصوص حتى تعب لسانه وذهبوا بالإبل، وهو عين ما حصل لفلسطين حينما سرقها
يهود بمعاونة إخوانهم النصارى.
إن الذين ملأوا الدنيا شجباً وهجاءاً لليهود ثم ناموا، بينما اليهود استقروا في
فلسطين، أدخلونا في مأساة يا لها من مأساة، فماذا ينفعنا أن تمدحنا صحف العالم
بأننا طيبون ومهذبون بينما يهود يرتعون في مسرى الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟!
إن المسجد الأقصى وفلسطين حق صريح للمسلمين؛ لأنها أرض إسلامية، ولا ينبغي أن
نتنازل عن شبر منها لمخلوق؛ لأن في ذلك تنازلاً عن حقنا وشرفنا، وما كان دين
الإسلام أبداً دين ذلة وخنوع، فإلى متى نقبل بتعالي يهود وتسلطهم على مقدراتنا؟
وحتى متى نرضى بالذل؟!
رابعاً: إن هذه الأمة كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمة ولود، أمة كالغيث لا
يدرى الخير في أولها أم في آخرها، فكما كان هناك خير كثير في أول هذه الأمة وهم
سلفها، فهناك ولله الحمد خير كثير في آخر هذه الأمة وهم خلفها، وكما أن الله -عز
وجل- هيأ للقدس رجالاً في السابق كأمثال صلاح الدين، وعز الدين القسام وغيرهم، فليس
على الله بعزيز أن يُخرِج للقدس من أمثالهم في هذه الأيام، وإن لنا مع اليهود جولات
وجولات قادمة بإذن الله -عز وجل-.
من كان يتوقع أن بيت المقدس بعد أن وقع تحت الاحتلال قرابة سبعين سنة، تخيلوا سبعين
سنة لم تقام الصلاة في المسجد الأقصى، وبعد كل هذا يهيئ الله للأمة صلاح الدين
الأيوبي، فأعادها إلى حوزة المسلمين. ثم الحركة التي قام بها الشيخ عز الدين القسام
وهو يعد من المتأخرين، يتغنّى بها الفلسطينون إلى اليوم ويتمنون أن يخرج فيهم قسام
آخر يعيد الأمور إلى نصابها، وما ذلك على الله بعزيز.
خامساً: لا نريد أن هذا الحدث يمر كغيره من الأحداث، نتحمس في أوله ثم بعد أسابيع
أو حتى أيام ينطفئُ هذا الحماس، ويصبح الإعلام هو الذي يحركنا، وهو الذي يلعب
بمشاعرنا وعواطفنا، هذا جانب، جانب آخر أن ننسى قضايانا وهمومنا الأخرى، من الذي
يتحدث هذه الأيام عن الشيشان، وهل قضية الشيشان انتهت؟ لم تنتهي، لكن جاءت الأخيرة
فأنست الأولى، فينبغي أن نكون على قدر من الوعي، نعم، نهتم بفلسطين هذه الأيام
أكثر؛ لأن القضية ساخنة، والأحداث متلاحقة، والأمر يحتاج إلى ذلك، لكن لا نغفل
الأخرى أو لا نتبرعُ لها فالتوازن مطلوب.
سادساً: من المفاهيم الكبيرة والتي يجب أن تكون واضحةً وضوح الشمس لدينا -معاشر
المسلمين عامة ومعاشر الدعاة وطلاب العلم خاصة- هو أن حركات الإصلاح التجديدية،
ونقل مجتمع بأكمله أو شعب بأكمله من حال الضعف والذل والخور إلى حال القوة والعزة،
وثورة غالب المسلمين ضد ما يخطط لهم هذه النقلة الكبيرة في حياة الأمة، أو حتى في
واقع مجتمع معين، لابد أن يكون في مقدمتها وفي صدارتها العلماء، فالعلماء هم وحدُهم
الذين يتمكنون من تحريك الأمة وقيادتها وتوجيهها ضد أعدائها، ولا ننكر دور من هم
دونهم من الدعاة وطلبة العلم وخطباء المساجد وغيرهم، هؤلاء دورهم كبير في تحريك
النفوس، وشحذ الهمم وإشعال الوقود، ومد الزاد، لكن يقف دورهم عند هذا الحد، أما
النقلة الكاملة، والتغيير الجذري فإنه لابد أن يكون على أيدي العلماء، ومن هم محل
اجتهاد الأمة.
ولو تتبعنا حركات الإصلاح التي حصلت في حياة هذه الأمة من القرون الماضية المتقدمة
إلى العصور المتأخرة لوجدنا أن في رأس وقمة وقيادة هذه الحركات هم علماء هذه الأمة
في وقتهم وذوا الرأي الصائب والعقل الراجح فيهم.
سابعاً: ننتبه ونحن نطلق مصطلح "القضية الفلسطينية" تبعاً لوسائل الإعلام أن لا
نحصر القضية في الشعب الفلسطيني، فتجدك أيها المسلم ومع مرور الوقت وترديد الإعلام
لهذا المصطلح أنك قد اقتنعت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أن القضية تهم الفلسطينيين
وحدهم، وهذا تشويه مقصود، فالقضية إسلامية، والقدس غير خاص للفلسطينيين، كما أن
الكعبة ليست لسكان الجزيرة وحدهم، فالأماكن المقدسة هي للمسلمين جميعاً، وقضية
القدس قضية إسلامية، وما هذا المصطلح إلا أثر من آثار تمزيق الأمة إلى دويلات.
ثامناً: إنخداع جماهير من المسلمين بـ "حزب الله" وهو حزب باطني مبتدع، وبعض بدعه
كفرية مخرجة من الملة، ولا يمكن -بل يستحيل- أن يأتي نصر الله -عز وجل- للمسلمين عن
طريق حزب باطني مبتدع، فإن من المسلمات عندنا ومن عقيدتنا أن الله لا ينصر إلا حزبه
وأولياءه، لا ينصر إلا مؤمنين صادقين، إذا كان نصر الله يتأخر بسبب المعاصي كما حصل
للمسلمين في غير ما معركة مع أعدائهم، كغزوة أحد مثلاً، فكيف يأتي النصر مع البدع
والشرك والخرافة، فالمسألة مسألة دين وليست عواطف وادعاءات.
وقد نفرح نحن أحياناً ببعض المكاسب التي تتحقق على أيدى جنود حزب الله كقتلهم لبعض
اليهود أو أسر بعضهم أو ضرب لمواقعهم ومنشآتهم، لكن هذا الفرح ينبغي أن يكون من جهة
ما وقع على اليهود لا من جهة تأييد أو نصر لهذا الحزب الباطني.
تاسعاً: في حديث حسن رواه البزار عن نهيك ابن صريم قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- ((كيف بكم إذا لقيتم يهود؟ على نهر الأردن! أنتم شرقيه وهم غربيه))، قال
الراوي: ما كنت أعلم ما الأردن حينئذ!. إن هذا الحديث يحمل من البشرى ما يحمل، وهو
أن ما يسمى بدولة إسرائيل لن تتمدد عن حجمها الحالي بإذن الله -عز وجل- وإن كان
مخطط اليهود هو إقامة دولة إسرائيل الكبرى، لكن بالتأمل في هذا الحديث تلاحظ أن
المعركة الأخيرة مع اليهود ستكون على نهر الأردن، نحن شرقيه وهم غربيه، مما يدل على
عدم توسع اليهود في الأراضي على ما هم عليه الآن، وأن تجمع اليهود في فلسطين إنما
هو تجمع الخراف في حضيرة الجزّار ليقتلهم المسلمون، وذلك حين ينطق الحجر،
((فيقول
الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله)).
عاشراً: الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول دعماً لليهود، حقيقة تاريخية
ثابتة، وواقع مشاهد ناطق. فبعد إعلان وعد بلفور عام 1917م سارع الرئيس الأمريكي
"ولسون" بمباركة ذلك الوعد، وبعث برسالة إلى زعيم الصهيونية الأمريكية يصادق فيها
بشكل رسمي على وعد بلفور، على الرغم من تحفظات وزير خارجيته لاعتبارات سياسية
آنذاك، وفي عام 1922م وافق مجلسا الشيوخ والكونجرس رسمياً على وعد بلفور، وبعد
إعلان قيام دولة إسرائيل عام 48م أعلن الرئيس الأمريكي في وقتها "هاري ترومان"
اعترافه بهذه الدولة الوليدة قبل أن تطلب منه إسرائيل ذلك رسمياً، ثم بادرت
الولايات المتحدة بتقديم منحة مالية لإسرائيل قدرها مئة مليون دولار، ثم أخذت
أمريكا تمارس ضغوطاً كبيرة على الدول المختلفة لتعلن اعترافها ودعمها لدولة
إسرائيل.
وتتابع الدعم الأمريكي لتثبيت الوجود اليهودي في فلسطين حتى إن الرئيس "ريتشارد
نيكسون" صرح قائلاً: "إن التزامنا ببقاء إسرائيل التزام عميق، فنحن لسنا حلفاء
رسميين، وإنما يربطنا معاً شيء أقوى من أي قصاصة ورق، إنه التزام معنوي، إنه التزام
لم يُخلّ به أي رئيس في الماضي أبداً، وسيفي به كل رئيس في المستقبل بإخلاص، إن
أمريكا لن تسمح أبداً لأعداء إسرائيل الذين أقسموا على النيل منها بتحقيق هدفهم في
تدميرها".
ثم جاء بعده "جيمي كارتر" ليقف أمام الكنيست الإسرائيلي ليقول: "لقد جسّد من سبقني
من الرؤساء الأمريكيين الإيمان حين جعلوا من العلاقات بين الولايات المتحدة
وإسرائيل أكثر العلاقات خصوصية، إنها علاقات فريدة؛ لأنها متأصلة في ضمير الشعب
الأمريكي وفي أخلاقه وفي دينه وفي معتقداته".
والرئيس الحالي – الإبن - وعد بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس عقب
انتخابه رئيساً للولايات المتحدة، وقال: "سيَحدُث شيء ما عندما أُصبح رئيساً،
فبمجرد أن أتولى المنصب سأبدأ عملية نقل السفير الأمريكي إلى المدينة التي اختارتها
إسرائيل عاصمة لها".
فكل هذه الدلائل تؤكد الانحياز الأعمى والدعم غير المحدود من أمريكا لإسرائيل، ومن
ثمّ فإن الراعي الأمريكي لمفاوضات السلام لا يمكن أن يظهر بمظهر المتجرد الباحث عن
حل عادل، وتعجب أشد العجب من غفلة أو تغافل أولئك المتهافتين على السلام من أدعياء
العروبة تهافت الجراد على النار المحرقة، وهم يرون هذه الحقائق ماثلة بين أيديهم
عياناً بياناً لا تشوبها شائبة وصدق الله جل جلاله إذ يقول:
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا
فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي
الصُّدُورِ} [(46) سورة الحـج].
الحاديةَ عشرةَ: كم هي عدد الآيات في كتاب الله جل وعز التي تتحدث عن اليهود في
مقابل الآيات التي تتحدث عن النصارى؟
الفرق كبير. أي أن الحديث عن اليهود في القرآن أكثر من الحديث عن النصارى، فماذا
كان شعور المسلم الذي عاش في القرن السادس أو السابع أو حتى الثامن الهجري وكان
يشاهد عزوات الصليبيين النصارى تأتي الواحدة تلو الأخرى حتى بلغت نحو عشر حملات
صليبية، في الوقت الذي لم يكن لليهود وجود يذكر وليست لهم دولة في العالم؟
كان المسلم يجد هذا الحشد الهائل من الآيات في شأن اليهود، في حين أن النصارى الذين
كان المسلمون يعانون منهم في ذلك الوقت لا يوجد هذا التفصيل في شأنهم. فما هو السر
في ذلك؟
الجواب والله أعلم: أن القرآن لم ينـزل لعصر معين، وإنما نزل لجميع العصور، وفي هذا
إشارة ربانية عظيمة إلى أن الحرب والصراع مع اليهود صراع أزلي، وأن اليهود هم أشد
الأعداء لهذه الأمة كما قال -سبحانه وتعالى-: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ}
[(82) سورة
المائدة]، فاليهود أشد عداوة من النصارى ومن المشركين ومن جميع أمم الأرض.
ويكفيك أن تعرف أن المنافقين على خطورتهم وشدة ضررهم أنهم مجرد سيئة من سيئات
اليهود، هم الذين ابتدعوها وابتكروها وبدأوها في المدينة ثم نَسج على منوالهم
غيرُهم.
إن صراعنا مع اليهود ليس صراعاً مؤقتاً ولا سهلاً بل هو صراع طويل، ولذلك كان من
المهم التعرف على خصالهم وخلالهم؛ لأنك إذا لم تعرف عدوك فإنك لا تستطيع أن تواجهه
بشكل جيد، ولهذا كان من أفضل البحوث والدراسات والجهود تلك الأعمال العلمية التي
تستهدف كشف شخصيات اليهود وتحليل نفسياتهم ومعرفة أبعادهم وأهدافهم ومراميهم؛ لأنك
إذا استطعت أن تعرف عدوك معرفة صحيحة استطعت أن تتوقع ما يأتيك منه، وأن تعرف كيف
يفكر وكيف يخطط.
من الأشياء التي وقف عندها عدد من المفسرين أن الله -سبحانه وتعالى- كان يخاطب
اليهود الموجودين في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويعاتبهم ويوبخهم على أشياء
عملها أجدادهم من اليهود، فبنو قريظة وبنو قينقاع وبنو النظير الذين كانوا موجودين
في زمن النبوة كان ينـزل القرآن فيقول: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الطُّورَ}
[(63) سورة البقرة]،
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ}
[(84) سورة البقرة]،
{ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ
أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ
عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
[(85) سورة البقرة]، وغيرها من الآيات التي
يخاطب الله -جل جلاله- فيها الأحفاد بجرائم الأجداد، ونحن نعرف أن الله لا يظلم
الناس شيئاً، ولا يأخذ أحداً بجريرة غيره، لا يؤخذ والد بولده، ولا يؤخذ ولد بأبيه،
فما هو السر في الخطاب الرباني لليهود بالذات بهذه الصيغة؟
السر -والله تعالى أعلم- تعليم الأمة الإسلامية أن الشريحة اليهودية أو الجنس
اليهودي له مجموعة خصائص وصفات، تسري فيهم، وهي موجودة في نفسياتهم وفي تركيبهم،
وهذه الخصائص تتوارثها أجيالهم جيلاً بعد جيل، وكابراً بعد كابر، ولذلك اللهُ يخاطب
اللاحقين بجرائم السابقين إشارة أنهم على هذا المنوال ينسجون وعلى هذا الطريق
يسيرون.
إذن هناك مجموعة خصائص جماعية اجتماعية فطرية عامة مشتركة لهذا الشعب يتوارثونها
ويتناقلونها ويحافظون عليها، كما يحافظون على سلالاتهم، وكما يحافظون على موروثاتهم
الأخرى، فهذا هو السر -والله تعالى أعلم- من أسرار الخطاب الإلهي لبني إسرائيل بهذا
الأسلوب. فهل تعي الأمة هذا؟
الثانيةَ عشرةَ: كلمة حول السلام المزعوم:
ويسأل السائل، ويلح في السؤال عن الموقف الصحيح الذي يجب أن يتخذه المسلمون قاطبة،
حول ما يُسمى بمباحثات السلام مع العدو اليهودي؟
والجواب: لتكن هذه المسلَّمات والحقائق التالية منك على بال:
المسلَّمة الأولى: إن من لوازم التوحيد، ومقتضيات الشهادتين: الانقياد المطلق
والاستسلام التام لله رب العالمين، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا
قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ} [(36) سورة الأحزاب]، فلا يعارَضُ أمر الله وأمر رسوله بعقل، أو قياس،
أو هوى، أو عواطف، أو غير ذلك، بل يحذر كل الحذر من مخالفة أمره،
{فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ} [(63) سورة النــور].
ألا وإن من مستلزمات هذا الكلام أنه إذا عرضت للمسلم حادثة، أو مسألة، أو نازلة،
فإنه قبل أن يصدر حكمه فيها، لا بد أن يعرضها على كتاب الله وسنة رسوله كما فهمها
علماء الأمة، وأئمة الدين، فاذا عرف حكم الله في المسألة سار بموجبه ووجب الانقياد
والاتباع.
المسلَّمة الثانية: لا اعتبار شرعي، ولا قيمة، ولا وزن لما يعقد وعقد وسيعقد من
عهود واتفاقيات مع اليهود لأمر ظاهر بيّن، روضت الأمة على نسيانه والغفلة عنه، بل
واستغشاء الثياب، وصم الآذان عن سماعه ألا وهو أن هؤلاء المتنفذين على مصالح الأمة،
والمبرمين لمثل هذه الاتفاقيات لا يمثلونها ولا يعبرون بلسانها، ولا يصدرون عن
رأيها.
ثم إن ثوابت الملة، ومقررات الشريعة لا يستطيع أن يسقطها أو يعدّل فيها العلماء
والفقهاء، فضلاً عن الجهلة بأساسيات الدين وقواعده أو المعرضين عنها بالكلية،
الجاعلين إياها خلف ظهورهم، ومن هذا فإنه لا يحق لهم أن يحددوا معالم علاقة الأمة
المسلمة بغيرها من الأمم، وقد بين الله ورسوله حدودها ومعالمها، واكتملت أركانها
بتطبيق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لها، هذا هو الأصل.
إذن: إن ما يبرم الآن من عهود باطل شرعاً؛ لأن من أبرمه فاقد الأهلية فلا يقبل منه
ذلك، كما أنه لا يقبل منه أن يحدد العلاقات مع الآخرين، فقد بينها الله ورسوله.
المسلَّمة الثالثة: إن مصيبتنا في فلسطين، على فداحتها وعظمها، وشدة هولها، ليست
إلا عرضاً واحداً من الأعراض الكثيرة لمرض الأمة الكبير، وليست هي المرض ذاته، فكما
أن مصيبتنا في فلسطين عرض، فمصائبنا في أفغانستان، والبوسنة، وكشمير، والحبشة،
والفلبين، والهند، وطاجكستان، والأندلس، كلها من أعراض مرض الأمة الكبير، وإن كانت
هذه أعراضٌ ظاهرةً، يراها كل أحد، فلِمرض الأمة أعراض أخرى لا يراها إلا طبيب.
وهذه الأمة أمامك: قد كثر فيها الخبث الدائر بين الكفر والشرك والكبائر، وعطلت
الشريعة، وارتفعت رايات العلمنة، وهبت رياح التغريب، وعم الفساد حتى صار الموحِّد
سابحاً ضد التيار، ومع هذا فقد ضعف التقي وتخاذل المؤمن، وتفرق الأخيار.
وهذه الأمة أمامك: حمىً مستباح، وبابٌ مخلوع، وسورٌ قصير مهدَّم. قد بثت العيون على
أطرافها، لا ليحذروها، لكن لينبئوها بمقدم الأوامر العليا، من طرف الأرض الآخر، قد
تعلمت فنَّ الترجمة، واستدانت لذلك قلماً، فآلت الأمة إلى نبوءة الصادق المصدوق:
غثاء كغثاء السيل وصدق فيها وصف عدوها لها أنها الرجل المريض.
فمن ثمَّ، فالأمة من ضعفها في ذهول، ومن ذلتها وهوانها في شرود، ومن الضغوط التي
عليها والبلايا التي فيها، في حالة من اللاوعي، فما تصدره من قرار، أو ترسمه من خطة
إنما هي حيلة العاجز ووسيلة الغريب المضطر، وحين تعود لوعيها، ويزول عنها ذهولها،
ستَزُمُّ الشفتين عجباً، مما فعلته في زمن التيه.
إذن: لا يصح أن تصرفنا الآلام والأعراض إلى تسكينها وتهدئتها، ونهمل المرض الأصل،
ومهما سكَّنا الآلام، ولم نعالج المرض فلن ننتفع بشيء.
المسلَّمة الرابعة: أما وقد استبان لك ما مضى -إن شاء الله- فلك أن تسأل الآن وتلح
في السؤال، لا عن الاتفاقية، وتفاصيلها السياسية، فهذا آخر ما ينبغي أن تفكر فيه.
نعم إننا نحتاج ولا شك لمعرفة التفاصيل والخفايا، لكنها تكون كحجج أهل المنطق، لا
لنثبّت بها الدين، إنما لنرد بها على أهل الباطل.
ولك أن تسأل الآن، وتلح في السؤال عن علاج مرض الأمة الكبير، وكيف يكون؟ فإنك إن
سألت هذا السؤال تكون قد خطوت خطوتك الأولى في الطريق الصحيح، الطريق إلى الأقصى.
ألا فاعلم أخي الحبيب أن داء أمتنا منها، وأنها مصابة بداء نقص المناعة الذاتي،
فصارت تتلف نفسها، وتتأبى على أطبائها، والله قد أنبأنا عن الداء فقال تعالى:
{وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}
[(79) سورة النساء]، وقال -عز
وجل-: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا
بِأَنْفُسِهِمْ} [(11) سورة الرعد]، ثم وصف لنا الدواء فقال:
{إِن تَنصُرُوا
اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}
[(7) سورة محمد]، وقال سبحانه:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم
مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[(55-56) سورة
النــور].
إنه الطريق الذي سلكه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الطريق الذي
{وَمَا
يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ} [(35) سورة فصلت].
ومن معالم هذا الطريق:
- صرف الجهود في تربية الجيل، وتزكيته، والسعي لرفع مستواه، بالدعوة الدؤوبة،
والمتابعة الدقيقة.
- ومنها نشر العلم الشرعي، المبني على الكتاب والسنة، وتعليمه للناس وتقريبه لهم.
- ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي المفسدين ومقارعة
الظالمين، وفضح كيد الخائنين.
- ومنها الاستفادة من كل الخبرات، والعلوم العصرية، والحرص على تعلمها واتقانها
والتفوق فيها.
- ومنها التعاون بين فئات الدعاة إلى الله تعالى، وتنسيق الجهود، وترتيب القدرات،
والاجتماع والتآلف.
- ومع هذا كله فلا بد من الصبر، فالصبر ثم الصبر وهذا هو الطريق الذي لا يمر عبر
البيت الأبيض ولا غيره، فضلاً عن أن يبدأ منه، إنما قبلته البيت العتيق.
ما بال قلبكَ لايذوق مشاعري *** فلي العنا ولك ارتياح الخاطرِ؟
لو ذاقها لشكا ومِن همٍّ بكى *** كبكاء ثكلى في ظلامٍ غابرِ
شتان بين ملازم الدرب القويم *** ومَن يسير على الطريق الدائري
أو لا ترى صهيون جاوز حدّه *** ويُذلَّ أهلي في عداءٍ سافرِ؟
أرأيت أقزام اليهود تعملقوا *** واستهزؤوا بعقيدتي وشعائري؟
سرتم بأنفاق السلام فما أجدى *** إلا المذلة مِن حقود ماكرِ؟
نَفَقُ السلام أبٌ ومن أبنائه *** نفقٌ رمى الأقصى بجرحٍ غائرِ
نفق تخفّى بالنفاق وغاص في *** قلب السلام فأين عين الناظرِ؟
والمسجد الأقصى وَهَت أركانهُ *** وأخاف أن يلقى مصير (البابري)
أنا لا أخاف من اليهود ولا الذي *** خلف اليهود فإن ربي ناصري
لكنني أخشى تمزّقَ صَفِّنا *** وفساد أنفسنا وظُلمَ الآمرِ
أخشى المعاصيَ أن تخلِّفنا بلا *** نصرٌ من الله المعين الناصرِ
أخشى تزاحمنا على الدنيا التي *** كم أهلكتْ في غابر أو حاضرِ؟
أخشى تبلّدنا تقاعُسَنا تغافُلنا *** فلم نعبأ بسيل مخاطرِ
يا فتية الأمل الوضيءِ توحّدوا *** وتيقظوا من خائن متآمرِ
وخذوا الحذارَ من الأعادي مرةً *** وخذوه دوماً من صديق غادرِ
لا يخدعنكم ادعاء مراوغٍ *** يزهو بألقاب العظيم الثائرِ
فالخزي قد يأتي لكم من ناصر *** والعسر قد يأتي لكم من ياسرِ
الثالثةَ عشرةَ: كلمة في
الانتفاضة:
إننا لا نتوقع في الظروف الدولية الراهنة إزالة دولة إسرائيل وإن كنا نتمنى ذلك،
ولكن إضعاف هذا العدو هو مقدمةٌ لزواله -إن شاء الله- وإذا كانت الانتفاضة تضم
أصنافاً شتى من الناس وليست راية الجميع، رايةٌ إسلامية، إلا أنها أوجدت تغيرات
إيجابية في بنية المجتمع الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال ومن هذه الإيجابيات:
1 - ازدادت الألفة والمحبة بين الناس، وازداد التضامن والتكافل الاجتماعي، ونسي
الناس الخصومات والمشاكل، واشتغلوا بعدو واحد، بل إنهم في الخصومات في كثير من
الأحيان أصبح مرجعهم العلماء.
2 - تُركت كثير من العادات السيئة في الأقوال والأفعال.
3 - رجع كثير من الناس إلى دينهم وامتلأت المساجد، وخاصة من الذين بقوا داخل فلسطين
المحتلة منذ عام 49م لم يكونوا يعرفون عن الدين شيئاً، عادوا الآن إلى المساجد.
4 - كسر حاجز الخوف من اليهود، بل إن ما يقوم به الشباب الصغار في فلسطين يدل على
شجاعة وبطولة تدعو إلى الإعجاب.
5 - خسائر اليهود: حيث قدرت الخسارة التي تكبدتها إسرائيل خلال عامي الانتفاضة ب 17
مليار دولار.
6 -توقف المد الاستيطاني الصهيوني فلم نعد نسمع عن إنشاء مستعمرات جديدة في الضفة
الغربية؛ وكل هذا لا يعني أن الانتفاضة لا تعانى من سلبيات أو مشاكل، فمثل هذا
التحدي الكبير لا بد أن يوجِد بعض السلبيات.
وإذا كان في الانتفاضة العلمانيون وغيرهم، فنحن نريد من الإسلاميين أن يكونوا هم
الأقوى؛ ليقودوا الشعب الفلسطيني إلى العزة والكرامة، ولا يكون ذلك إلا باتحاد كلمة
المسلمين، ووعيهم السياسي حتى لا تسرق الجهود ويُنصِّب نفسه لقيادة الشعب من لم
يُضَحِّ يوماً من الأيام، وعلى الشعب الفلسطيني بشكل عام أن لا يسمح بسرقة جهوده
ويحولها لمكاسب رخيصة، لأصحاب السلام الهزيل.
الرابعةَ عشرةَ: كلمة مع أطفال الحجارة:
إن ما يفعله أطفال الحجارة وشباب الإسلام في فلسطين هو مرحلة من مراحل الصراع، ويجب
أن تستمر هذه المرحلة ولا تذهب هدراً، ونستطيع أن نقول بأن إنتفاضة الحجارة قد
انتصرت للأسباب التالية:
1- أنجزت الحجارة ما لم تنجزه البنادق، ولعل حامل الحجر ليس كحامل البندقية، وليس
من العدل مقارنة ما حققته الحجارة مع ما كان يجب أن أو يمكن أن تحققه البنادق.
2- أزالت الحجارة حجاب الخوف من اليهود الذي هيمن على قلوب أهل الأرض المحتلة خلال
السنين الماضية، فالعمل من خارج الأرض المحتلة لم يكن ليجدي في غياب الدعم الفعلي
من داخلها، فكان لابد لفعالية إعلان رفض الاحتلال اليهودي، أن تقوم انتفاضة من
الداخل، بالرغم من التضحيات الكبيرة التي تتطلبها، من قتل وسجن وتعذيب وترحيل وهدم
للبيوت.
3- حطمت الحجارة أسطورة الجندي الإسرائيلي القادر على فعل ما يشاء، ولا يزال قابعاً
خلف الثكنات والمعدات، {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى
مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ}
[(14) سورة الحشر]، فها هي الحجارة قد جردت
الجندي الإسرائيلي من سلاحه التقليدي ووضعته أمام جوهر قوة الإنسان النابع من
عقيدته الأخروية، والتي بانعدامها تفقد أسلحة الدنيا قوتها وفعاليتها.
4- نقت الحجارة القلوب من حجاب الوهن، فالإقبال على الدنيا والهروب من الموت لم يكن
لينجي أهل الأرض المحتلة من الذل والهوان، ولا من طغيان الاحتلال،
{وَإِذْ
يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ
غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}
[(7) سورة الأنفال]، وقد أردنا غير ذات
الشوكة سنين طويلة، حتى طغى حب الدنيا ولذاتها ورغباتها على حب الآخرة، والرغبة في
الجنة والشوق للقاء الله.
وأخيراً:
إن قضية فلسطين أصبحت من القضايا ومع كل أسف الكلام فيها متكرر، والناس قد ملت من
الكلام، والشعوب المستضعفة والمغلوبة على أمرها لا تملك في كثير من الأحيان إلا
الحديث والتعبير عما يدور في خاطرها، لكن ثمة أمور يمكن أن نساهم فيها جميعا، وأن
نقدم شيئاً لإخواننا في فلسطين، أو لغيرهم في أية قضية أخرى مع الحديث نوجزها في
النقاط التالية:
الأولى: نشر الوعي العقدي في الأمة قاطبة، والعقيدة الصحيحة على كافة المستويات
لاسيما عقيدة الولاء والبراء, وأن نعلنها إسلامية, نعلنها أنها معركة إسلامية, وأن
نعلم أن كل ما يحصل مع ما يسمى بإسرائيل فإنه لم يُمثَّل فيه الإسلام ولم نسمع فيه:
قال الله ولا قال رسوله –صلى الله عليه وسلم- أو أن القدس إسلامية, نعم، إن القضية
إسلامية، لا تخص الفلسطينيين وحدهم، ولا العرب وحدهم، ولا المسلمين المعاصرين فقط,
بل هي قضية إسلامية تهم كل المسلمين إلى قيام الساعة.
الثانية: يجب توحيد صفوف أهل السنة والجماعة في جميع أنحاء العالم على منهج صحيح
واضح هو منهج السلف الصالح النقي الخالي من الشوائب.
الثالثة: التنبه الشديد لمسألة التطبيع مع اليهود وأكذوبة السلام وإحياء الآيات
والأحاديث, نعم، لابد أن نحيي الآيات والأحاديث التي تبين موقف المسلم من اليهود
والنصارى، وتبين خبث اليهود وخبث النصارى، وهذا الدور يمكن أن يقوم به العلماء
وطلاب العلم وشباب الصحوة دون استثناء.
الرابعة: يجب أن نبعث التفاؤل في الأمة, وأن نذكرها بوعد الله -تبارك وتعالى- حتى
لا يدب اليأس إلى قلوب الكثيرين.
الخامسة: يجب علينا أن ننشِّط الدعوة إلى الله في كل مكان, وأن نرصد خطط الأعداء
وحركات المتآمرين.
السادسة: الوقوف الحقيقي بكل قوة مع الشعب الفلسطيني المقهور المظلوم، الذي صودرت
حريته داخل أرضه, وأن نمده إمدادًا متواصلاً بالدعوة إلى الله، والكتب والمال،
وجميع المساعدات، وكل ما يحتاجه في جهاده مع اليهود، وأن نحرص على إبقائه شوكة في
حلق اليهود في الأرض المحتلة, وأن نسعى في زيادة عدده, وهذا ما يفقد إسرائيل
توازنها البشري والسياسي والمعنوي, إن الكفار يتبرعون لإخوانهم اليهود في إسرائيل
بمئات المليارات، فأين نحن عن الفلسطينين؟ والله المستعان!
السابعة: يجب علينا محاربة الترف ومحاربة الإسراف والفراغ الذي تعيشه هذه الأمة,
وأن نحشد كل طاقاتنا لمواجهة هذا العدو الحقود, إن المعركة ليست معركة غالب مغلوب,
ولكنها معركة وجود أو عدم.
الثامنة: لابد من إعادة الفريضة الغائبة، فريضة الجهاد في سبيل الله، لابد أن نمتثل
قوله -تبارك وتعالى-: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن
رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمَْ}
[(60) سورة الأنفال].
لابد من التربية الجهادية, لابد أن يعلم كل أحد ينتمي إلى الإسلام أن العزة لهذه
الأمة مربوطة بالجهاد في سبيل الله, ولابد أن نحفِّظ أنفسنا ونساءنا وأطفالنا
وشيوخنا قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب
البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينـزعه عنكم حتى
ترجعوا إلى دينكم)) [رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما].
وقد أثبتت التجارب أن اليهود لا ينصاعون لعهد، ولا ينقادون لميثاق، وأن ما أخذ
بالقوة لا يمكن أن يرجع إلا بالقوة.
إنه لا حل لقضية فلسطين إلا بإعلان الجهاد الإسلامي وهو كما قلنا: لم يحصل إلى
الآن، والأمة بانتظاره، قل عسى أن يكون قريباً.
غضَّ المفاوضُ صوته فتكلمي
*** بلسان نار يا كتائب أو دمِ
لم يفهم المحتل من خطبائنا *** فلتُفهمي المحتل ما لم يفهمِ
ما أيد الحق المضاع كمنطقٍ *** تدلي به شفة السلاح الأبكمِ
تتحرر الأوطان بالدم وحده *** إن الخطابة رأس مال المعدمِ
بُثوا له الأشواك إن يمشي وإن *** يشرب فشوبوا ماءه بالعلقمِ
ودعوه إن يلفظ يعش فزعاً وإن *** يرقد بغارات الكتائب يحلمِ
حتى يظن النار حشو رغيفه *** فإذا تناوله تفجر في الفمِ
التاسعة: الدعاء: وقد صح عنه –صلى الله عليه وسلم-:
((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) -بدعائهم- فالدعاء سلاح المؤمن، قال الله تعالى:
{أَمَّن يُجِيبُ
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}
[(62) سورة النمل]، والآيات والأحاديث في فضله وأهميته
كثيرة، فندعو لإخواننا المسلمين, وندعو على عدونا, وندعو لدين الله بالتمكين.
العاشرة: دراسة تاريخ القدس وتدريسه في المساجد والحلق؛ لأن الدراسة المنهجية في
المدارس ناقصةٌ قاصرةٌ لا تكفي، فيجب معرفة القضية المعرفة التفصيلية, وربطها
بجذورها الإسلامية، وعدم جعلها قضية خاصة بالفلسطينيين وحدهم, ولا بالعرب وحدهم، بل
هي قضية المسلمين جميعاً.
الحاديةَ عشرةَ: دراسة أسباب البلاء، ومعرفة مكمن الخطر ونقاط الضعف فينا، ومن أين
أُتينا, فتشخيص الداء أعظم معين على صرف الدواء, والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
الثانيةَ عشرةَ: تجديد الولاء والبراء في نفوس الأمة، وصرف الولاء في المسلمين
والبراء من الكافرين، واستبانة سبيل المجرمين، قال الله تعالى:
{وَكَذَلِكَ
نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [(55) سورة الأنعام].
الثالثةَ عشرةَ: تحديث النفس بالغزو؛ ((من لم يغزُ أو يحدث نفسه بالغزو مات على
شعبة من النفاق))، ((إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم مسيراً أو قطعتم وادياً إلا
شاركوكم في الأجر, حبسهم العذر)).
الرابعةَ عشرةَ: يجب على الأمة المسلمة ضرب اقتصاد عدوها بسحب أرصدتها منه, وهي
الأرصدة التي أُهينت الأمة المسلمة بسببها, فكم تدخل عدونا وفرض سياسته الماكرة على
دول مسلمة فقيرة بفعل الضغط المالي الذي يمارسه عليها عبر البنك الدولي، وصندوق
النقد الدولي الذي يهيمن عليه الغرب، ومن سار في فلكهم, ويُدعم أكثره بكل أسف من
أموال الدول الإسلامية الغنية, فأموال المسلمين تعطى لعدوهم ليسيطر ويتدخل في
سياسات دول مسلمة أخرى, ويفرض عليهم ما يريد, فمتى يكون صندوق النقد الإسلامي أو
الدولي بأيدي المسلمين، ولو سحب التجار المسلمون فقط أرصدتهم من بنوك الغرب لحصل
شيء ما!.
الخامسةَ عشرةَ: إن الواقع المر الذي تعيشه أمتنا في هذه الأيام المليئة بالمآسي
والمصائب والنكبات والهزائم والذل والتنازلات، هذا الواقع الذي أوقع الكثيرين في
اليأس والقنوط وأصابهم بالفشل والإحباط وأيقنوا باستحالة نصر المسلمين الصادقين
وصار بعضهم ينظر في مستقبل هذا الصراع على ضوء الواقع المرير اليائس، فيرى بأنه
مستقبل دائم للكيان اليهودي حافل بالوعود والآمال لليهود.
وهذه نظرة خاطئة تقود إلى نتائج خاطئة وتوقع الأمة في يأس الحاضر والمستقبل، وتودي
بها إلى مهاوي اليأس والذل والاستسلام والانهزام.
إن هذا الواقع المر الشائه بمثابة غاشية غشت الأمة وستزول هذه الغاشية -بإذن الله
تعالى- وتسترد الأمة عافيتها وإيمانها وإسلامها ودماءها وشبابها، ويومها ويل
للأعداء منها، ويل لليهود من بأسها وسطوتها وقوتها، ونحن نملك بين أيدينا -ولله
الحمد- الكثير من المبشرات والوعود القرآنية والحديثية الصادقة القاطعة التي تحدد
أن الإسلام هو مستقبل البشرية ودينها القادم، كما نستشرف هذه المبشرات والوعود من
الواقع الجاهلي القاتم الذي بدأت شمسه الكالحة بالغروب والأفول، حيث تصدر تصريحات
من عقلاء هناك يقررون فيها هذه الحقيقة ويقدمون فيها هذه الوعود.
نسأل الله تعالى أن يعجّل بفرج هذه الأمة..
يَكْفي القَوَافِي، وَيَكْفي حِينَ أُلقِيهَا أَنّي*** إلى ثالِثِ البَيْتَيْنِ
أُهْدِيهَا
قَلبِي يَتُوقُ إلى تِلكَ البِقَاعِ بِهَا *** صَلّى الرّسُولُ وَأَسْرَى من
نَوَاحِيها
وَالمُرْسلونَ لهُمْ ذِكرٌ وَسَابِقَةٌ *** صَلّى بِهمْ مُنْقِذُ الدّنْيَا
وَهَادِيهَا
كَانَتْ فِلَسْطِينُ بِالأَخْيَارِ حافِلةً *** وَاليَومَ أنْذَالُ صُهيونٍ
تُرَدّيهَا
كَانَتْ تُعَانِقُ أَمْجَاداً إذا ذُكِرَتْ *** حَنّ الفُؤَادُ، وَفَاضَتْ عَينُ
بَاكِيهَا
وَالله لَوْ كَانَ فِينا مِثل مُعْتَصِمٍ *** لَمَا ترَبّع (شارون) بعَالِيهَا
وَلو رَأَى عُمَرُ الفَارُوقُ ذِلّتَنَا *** لَعبّأَ الجَيْشَ يَرْعَاهَا
وَيَحْمِيهَا
وَلَوْ رَآنَا صَلاحُ الدّينِ فِي خَوَر *** لجَرّدَ السّيفَ يَفرِي مَنْ
يُعَادِيهَا
مِنْ أَينَ يَهْنَؤُنَا عَيْشٌ وَعَافِيَةٌ *** وَفي فِلِسْطينَ آلامٌ تُعَنّيهَا؟
مَعَاوِلُ الهَدْمِ فِي أَرْجائِهَا عَمِلَتْ *** هَدْماً وَنَسْفاً وَتَخْرِيباً
وتشْوِيهَا
ضَغائنٌ في صدورِ القومِ شاهدُهَا في مُحْكَمِ الذّكْرِ آياتٌ تُجَلّيهَا
حوادِثٌ يَسْتَدِرّ الدّمْعَ مَنظرُهَا *** وَيَصْرِفُ النّفْسَ عَنْ أَحلى
أَمانِيهَا
هَل مِنْ غَيُورٍ على الإسلامِ يُعلنُهَا *** حَرْباً ضرُوساً وَقُودُ الدّين
يُذْكيهَا؟
هَل من مُحبّ لأَرضِ القُدسِ يَنْثُرُ في *** رُبُوعِها مِنْ صُنُوفِ الوَرْدِ
زَاهِيهَا؟
قَدْ حَصْحَصَ الحَقّ لا سِلمٌ ولا كَلِمٌ *** مَعَ اليهودِ وقدْ أبدَتْ
عَوَادِيهَا
قَدْ حَصْحَصَ الحَقّ لا قولٌ وَلا عَمَلٌ *** وَلا مَوَاثِيقُ صِدْقٍ عِنْدَ
دَاعِيهَا
أَينَ السّلامُ الّذِي نَادَتْ مَحافِلُكُمْ؟ *** أَيْنَ الشّعَارَاتُ يَا مَنْ
بَاتَ يُطْرِيهَا؟
أَيْنَ المْوَاثيقُ، بَل أَيْنَ الوُعُودُ وَمَا *** قَالَتْهُ (مَدْرِيدُ) في
أيّامِ مَاضِيهَا؟
تآمُرٌ ليسَ تَخْفانَا غَوَائِلُه *** وَفِتنةٌ نَتوَارَى من أَفَاعِيهَا
بُشْرَاكَ يَا أَيّهَا الأقصَى بَموْعِدَةٍ *** قَدْ قَالَهَا المُصْطَفَى والله
مُجْرِيها
بُشْرَاكَ صَحْوَتُنا شَعّتْ طَلائِعُهَا *** وَلاحَ في الأُفْقِ يَحْدُونَا
مُنَادِيها
شبَابُنَا لأصُولِ الدّين قَدْ رَجَعوا *** بِعَزْمَةِ الحَقّ مَا كفّتْ غوَادِيها
أَبْصارُهُمْ نَحْـوَ بََيْتِ الله شاخِصَةٌ *** وَقُوّةُ الدّينِ مَا اهْتَزّتْ
رَوَاسيهَا
بَشّرْ زَبانِيةَ (اللّيكُودِ) أَنّ لَهُمْ *** يَوْماً عَبُوساً سَيَنْعي فِيهِ
نَاعِيهَا
بَشّرْ شَرَاذِمَةَ الآفَاقِ أَنّ لَهُمْ *** مَقامِعاً من حَدِيدٍ سَوْفَ
تُلفِيهَا
لا وَعْدُ بِلفُورَ يَبْقَى ذِكْرُهُ أَبَداً *** وَلا لَقِيطُ يَهُودٍ في
مَبَانِيهَا
لَنْ تَسْتَمِرّ يَهُودٌ في غِوَايَتِهَا *** وَسَوفَ يُجْتَثّ قَاصِيهَا
وَدَانِيهَا
إن شاء الله تعالى تحقيقاً لا تعليقاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
التعليقات
dgoclfqhg
OgkXZ6 mvjdhtmffaud, [url=http://ehymtmmzjpyt.com/]ehymtmmzjpyt[/url], [link=http://tuzhlcdnsgxe.com/]tuzhlcdnsgxe[/link], http://zsruishfboih.com/
ibyhzp
oHb3N1 ytbgkxkfzdps, [url=http://jhbrualdhums.com/]jhbrualdhums[/url], [link=http://omubdgiwseas.com/]omubdgiwseas[/link], http://fmkaenpmpaya.com/
uoahhiluk
io9vCO tliqkdprqudz, [url=http://omrvjniwpocx.com/]omrvjniwpocx[/url], [link=http://boaznckixyne.com/]boaznckixyne[/link], http://dlpafmjviaco.com/