خدمة rss
المنصور ابن أبي عامر

   

المنصور بن أبي عامر

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

إن الحمد لله...
سيظل تاريخ الأندلس معيناً لا ينضب، ووادياً لا يجدب؛ من كثرة ما فيه من الدروس والعبر والأخبار الطوال، ودولة الإسلام في الأندلس لهي أطول دول الإسلام مدة فقد استمرت طيلة ثمانية قرون، برز خلالها العديد من الرجال والأبطال والقادة الذين كانوا وقتها ملء السمع والبصر، وظلت أخبارهم تتردد في جنبات الأندلس لعصور متعاقبة، ولكنهم وللأسف طويت أخبارهم وإنجازاتهم غير المسبوقة في خدمة الإسلام من ذاكرة المسلمين الآن.
وواجب علينا أن ننفض الغبار عن هذا التاريخ المشرق، وأن نسوق أخبار أولئك الأبطال الكبار الذين قدموا ما يشبه المعجزات، ومن هؤلاء: شخصيتنا لهذه الليلة "المنصور بن أبي عامر".
هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي عامر المعافري، جده من الداخلين الفاتحين الأوائل، وكان من الأبطال الشجعان.
نـزلت أسرة بني عامر بالجيزة الخضراء، وأسرة بني عامر من أعرق الأصول العربية، ونشأ محمد في بيت علم ودين، فأبوه عبد الله كان من أهل العلم والتقى، عالماً بالحديث والشريعة، وتأثر محمد بذلك، فطلب العلم من صغره وانتقل إلى قرطبة وهو حدث ودرس على علمائها الكبار علوم الشريعة والأدب.
وجدّه عبد الملك هو الذي رافق طارق بن زياد، غير أن مطامح الطفل الشاب ظهرت مبكرة وهي تتجاوز حدود القرية والسهل، وران ببصره إلى عاصمة الدنيا "قرطبة" التي لم تكن بعيدة عنه، فحزم متاعه وتوجه إلى عاصمة أمويّي الأندلس، غير محدد بدقة ما يريد، وغير عارف بدقة ما سيؤول إليه أمره، كل همّه أن يكون شيئاً وليس هناك ما يساعده ليكون هذا الشيء غير العلم والمعرفة، فبالعلم والمعرفة يمكنه أن يشق طريقه، فأقبل على مناهل العلم والأدب، فنبغ فيهما وعبّ من موارد الشعر حتى أصبح شاعراً بليغاً.
أما عن صفاته فقد كان ذكياً طموحاً قوي العزم متعدد المواهب سخي اليد كريم النفس، ولكن أبرز ما يميزه حتى صار قدوة هائلة في هذا الباب هو همته العالية التي تناطح السحاب طولاً وتملأ الأرض عرضاً، وقد قيل: إنه لم يُعلم من قادة المسلمين ونبلائهم من هو أشد منة همّة وطموحاً، إلا ما كان من رجال القرن الأول -رضي الله عنهم وأرضاهم-.
والعجيب في خبر المنصور والمتأمل لترقيه في سلك القيادة والمناصب، وكيف وصل إلى ما وصل إليه أنه كان شخصاً بسيطاً عادياً فقيراً، هذا الرجل تمكّن بعد فترة أن يحكم الأندلس، وأن يقيم دولة عريقة قويّة، وأن ينكّل بالنصارى ويفعل بهم الأفاعيل، ووصل بأقدامه إلى مناطق في أوربا لم يصل أحد قبله ولا بعده إلى الآن، والأعجب من ذلك أنه خاض بنفسه أكثر من خمسين معركة ضد النصارى لم يهزم في أية معركة.
تبدأ قصة المنصور بن أبي عامر أنه كان حسن الخط، فافتتح دكاناً صغيراً بجوار قصر الخلافة في قرطبة لكتابة الشكاوى والمعاريض المرفوعة للخليفة الأموي لمن لا يحسن الكتابة والخط، وذلك للإنفاق على تعليمه.
ومع كثرة دخول الخطابات على الخليفة أعجب بحسن الخط وسأل عن صاحبها، فأخبر أنه رجل ضعيف يسترزق بالكتابة، وله دكان صغير خارج القصر، فطلبه الخليفة وعهد إليه بعدة وظائف كتابية، فوضع قدمه في قصر الحكم ليكون موظفاً صغيراً، فتمكن بفرط ذكائه وقدرته القيادية أن يحكم الأندلس بعد وقت.
وعندما طلبت السيدة "صبح" زوجة الخليفة وأم "هشام" ولي العهد الخليفة القادم بعد أبيه من يكتب عنها، فعرّفها به من كان يأنس إليه بالجلوس من فتيان القصر، فترقى إلى أن كتب عنها، فاستحسنته حتى صار هو المسؤول عن إدارة أملاكها والنظر في مزارعها وبساتينها.
كما أسند إليه الخليفة مهمة الإشراف على أملاك ولي العهد ثم إدارة الخزانة العامة ودار المواريث وغيرها من المناصب العامة لما رأى من عزمه وطموحه وتفانيه في العمل، وكان عمر المنصور وقتها لم يتجاوز السابعة والعشرين، فلقب "بفتي الدولة" وذلك بفضل مواهبه وإمكاناته الباهرة.
إنه نسيج فريد بين الرجال، ونموذج لا نظير له بين القادة، وقد تكون هناك ملامح متشابهة بين بعض الرجال في حوافزهم ودوافعهم، في طموحاتهم ومطامعهم، في أخلاقهم وطبائعهم، غير أنهم لا بد وأن يختلفوا فيما يحققونه وفيما ينجزونه، بقدر ما يتباينون في طرائقهم وأساليبهم.
لقد برز المنصور في فترة صعبة من حياة الأندلس الإسلامية، كانت فيها ممالك النصارى في الشمال قد اكتسبت كل ظواهر الدول وقوتها، وأخذت هذه المالك في توجيه جهدها لحرب المسلمين من قبل أن تعلن الحرب الصليبية بصوره رسمية، وكانت أندلس المسلمين قد عَرفت في عهدي عبد الرحمن الناصر لدين الله، وابنه الحكم المستنصر ذروة عهد المجد والقوة، غير أن هذه القوة كانت تُخفي تحتها من ظواهر التمزق المرعبة ما يتهدد أندلس المسلمين بشر مستطير.
وجاءت وفاة الحكم المستنصر المباغتة، وعدم وجود رجل قوي من البيت الأموي يتولى القيام بإدارة الدولة والحرب ليترك فراغاً خطيراً، فتصدى المنصور لحمل هذه المسؤولية.
أما عن إدارة الدولة الأموية في الأندلس فكانت تعتمد على الخليفة يعاونه شخص يلقب بـ "الحاجب"، وإدارة الدولة كانت بيد الحاجب "جعفر بن عثمان المصحفي"، وكان أبو تمام غالب بن عبد الرحمن من أعظم القادة وأكثرهم كفاءة عند أمويي الأندلس.
وفي مرحلة صعبة من تاريخ الأندلس توفي الحكم، وترك ابنه "هشاماً" وهو طفل لا يتجاوز الثانية عشر من عمره هو الذي يحكم ويدير دفة هذه الدولة الضخمة في الأندلس، وكان عمر المنصور يوم توفي الحكم أربعين سنة.
ظل المنصور مضطلعاً بالمناصب الهامة والأعمال الجسيمة في الدولة وهو محط أنظار الجميع؛ لرفيع خلاله وجميل صفاته والقلوب حوله مؤتلفة، ولكنه قام بعمل كان هو الأعظم في هذه المرحلة من حياته حيث استطاع بقوة عزمه وسرعة تصرفه أن يقضي على مؤامرة دبرت من جانب بعض الصقالبة الموالي بالتعاون مع بعض الأمويين، وكانت تلك المؤامرة تهدف إلى قتل الخليفة الجديد "هشام" وتعيين عمه "المغيرة" وذلك سنة 366هـ، فحفظ بذلك دولة الخلافة من السقوط في دائرة الصراعات الداخلية التي عادةً ما تعصف بأساس أي ملك ثابت مهما كانت قوته وثباته.
ارتفعت مكانة المنصور في الأندلس بعد دوره الرائع في إنقاذ الخلافة من هوة الصراعات والخلافات الداخلية، فقام الخليفة "هشام" بتعينه وزيراً للدولة الأندلسية وأصبحت مسئوليات المنصور بن أبى عامر أعظم مما سبق بكثير وهذا جعله يفكر ملياً في وضع الأندلس ويحاول خدمة دولة الإسلام بها وذلك بعد أن اتضح له عدة أمور منها:
أولاً: ضعف شخصية الخليفة الجديد "هشام" وعدم صلاحيته لهذا المنصب الخطير خاصة أنه صغير السنّ مشتغل باللهو واللعب مع أقرانه.
ثانياً: زيادة الأخطار المحدقة بالمسلمين والآتية من ناحية الشمال، حيث أسبانيا النصرانية، خاصة بعد أن تنفسوا الصعداء بموت الخليفة القوي عبد الرحمن الناصر الذي خضد شوكتهم سنوات طويلة.
ثالثاً: ظهور بوادر لانقسامات داخلية خطيرة في دولة الإسلام بالأندلس؛ وذلك لزيادة العصبيات القبلية، وكثرة الطامعين من ولاة الأقاليم المترامية في الانعزال، والاستقلال عن جسد الدولة الأم.
رابعاً: فساد بعض رجال الحكم والوزارة أمثال "جعفر المصحفي" وولده محمد الذي كان يتولى رئاسة الشرطة، وفي عهدهما انتشر الفساد والفسق، واختل الأمن واضطربت الأمور.
خامساً: زيادة نفوذ الصقالبة الموالي، وهم في الأصل عبيد عند الخليفة "الناصر" اشتراهم واصطفاهم في الحراسة والجند والجيش، وترقوا حتى صاروا قوة كبيرة يخشى بأسها، وقد زاد نفوذها داخل قصر الخلافة، حتى أنهم هموا بالانقلاب على الخليفة "هشام" عدة مرات.
كل هذه الأسباب وغيرها دفعت المنصور لأن يمعن التفكير والترتيب في كيفية مواجهة كل هذه الأخطار المحدقة، وفي النهاية قرر أن يتحرك وبسرعة لمواجهة هذه الظروف العسيرة، وأن يأخذ زمام المبادرة بنفسه فقام بالخطوات الآتية:
أولاً: قام بحجز الخليفة الصوري الصبي "هشام" بقصره، وضرب عليه إقامة جبرية، واستقل هو بتدبير الأمور، وتولي لقب الحجابة، فتلقب بـ"الحاجب المنصور"، وهذه الخطوة وإن كانت سبب نقمة كثير من الناس عليه إلا أنها في واقع الأمر كانت أهم خطوة؛ لأن غياب القائد الموجه والرأس المدبر يجعل كل الجهود تذهب هباءً منثوراً، وسنرى أن المنصور لم يستخدم سلطانه إلا لخدمة دولة الإسلام في الأندلس.
ثانياً: بعد أن أصبح المنصور هو الحاكم الحقيقي للأندلس قام بعزل الوزير "جعفر المصحفي" وولده محمد وحاسبهما على أموالهما الطائلة من أين جاءت وكيف تضخمت؟ وأسفر التحقيق عن كثير من الانحرافات لدى الوزير الذي زُجّ بالسجن وقضى فيه نحبه وانتهى عصر الفساد معه.
ثالثاً: أما الصقالبة الأشداء فقد شعروا بأن المنصور يعمل على سحق نفوذهم فقرروا القيام بمبادرة وانقلاب سريع واجتمعوا على قائد لهم اسمه "درسي" ولكن المنصور اليقظ كان أسرع منهم فقبض على قادة التمرد وحاكمهم بشدة وفرق شملهم ووزعهم على الأقاليم حتى لا يعودوا للتجمع والتذمر.
رابعاً: أما الطامعون من رجال الدولة وولاة الأقاليم البعيدة، والعصبيات العربية القديمة، والموروثة منذ أيام الفتح الأول، إضافة إلى التهديد الخارجي المتمثل في أسبانيا النصرانية المتربصة، والتي قامت بالفعل بالهجوم على ديار المسلمين، وذلك في شهر رجب سنة 366هـ كلا الخطرين، رأى المنصور أن يواجههم بأفضل الأساليب على الإطلاق، وهو شرارة الحملات الجهادية، وبذلك يرد عادية الصليبيين، وفي نفس الوقت يشغل هؤلاء الطامعين من الولاة بقضية إسلامية، ويوجه طاقتهم لحرب أعداء الإسلام، وكانت هذه الحملات هي أنجح الحملات الجهادية التي قام بها مسلمو الأندلس ضد أسبانيا الصليبية طوال عمر دولة الإسلام في الأندلس على طول عمرها ثمانية قرون.
ومنذ أن أطلق المنصور شرارة الحملات الجهادية ضد أسبانيا سرت روح جديدة في قلوب المسلمين، واشتعلت الحمية في قلوبهم، فتقاطر المجاهدون المتطوعين على الأندلس من كل مكان، وخاض المنصور أكثر من خمسين معركة ضد الصليبيين في سائر أيام ملكه، انتصر فيها جميعاً، لم ينكسر له فيها راية، ولا فل له جيش، ولا أصيب له بعث، ولا هلكت له سرية، ولم تنكس له راية أبداً، حتى سرى الاعتقاد بين كل الناس مسلمهم وكافرهم بأن المنصور مؤيد من السماء.
والحق أن المنصور قد اعتمد في سياسته الجهادية على أسلوب الغزوات المستمرة المتعاقبة، والذي كان يرمي من خلاله إلى غاية بعيدة المدى، لم يفكر فيها أحد من قبله من أمراء الأندلس، أو لم يقدروا عليها، وهي سحق الممالك الأسبانية الصليبية سحقاً تاماً، وأن يفكك عراها التي بدأت في الالتحام والترابط، وبالتالي يجعل أسبانيا النصرانية كلها أرضاً مسلمة، وكانت معظم حروب المسلمين من قَبل المنصور للدفاع، ورد عادية النصارى، فلما جاء عهد المنصور كان هو البادئ بالغزو دائماً، ولم يقبل من النصارى قط صلحاً أو مهادنة، ولم يقنع إلا بالنصر الكامل.
وقد خاض المنصور كما ذكرنا أكثر من خمسين معركة ضد النصارى الصليبيين، ومن الصعب استعراضها في هذه العجالة، وقد أفردها بعض المؤرخين في كتاب مستقل، لكن من أشهر معارك المنصور ضد الصليبيين ما يلي:
أولاً: معركة "شنت منكس": وكانت سنة 371هـ، وفيها واجه المنصور تحالفا صليبياً مكوناً من أقوى أمراء الأسبان وهم: أمير "ليون" وأمير "قشتالة" وأمير "نافار"، وانتصر المنصور في هذه المعركة على النصارى، وقتل منهم عشرات الألوف، وفكك عرى التحالف الصليبي الوليد.
ثانياً: معركة "برشلونة": وهي من أعظم ثغور أسبانيا، وقد فتحها المسلمون الأوائل مع بداية الفتح الأول، وبقيت مع المسلمين قرناً من الزمان، ولكنها سقطت سنة 185هـ، وأصبحت شوكة في جسد الأمة المسلمة بالأندلس، حتى جاء المنصور سنة 375هـ أي بعد 190 سنة، واقتحمها بجيوشه الجرارة بعد معركة طاحنة مع أهل المدينة الذين قتل معظمهم، ودحر المنصور بجيشه المدينة تماماً، وأسر أمير "برشلونة"، وظل في السجن حتى مات ودمّر قوى النصارى تماماً في هذا الطرف النائي من شبه الجزيرة الأسبانية.
ثالثاً: معركة "جليقية": وهي من أعظم المعارك التي خاضها المنصور على الإطلاق، وتقع "جليقية" في أقصى غرب أسبانيا، وتوجد بها مدينة "شنت ياقب" الدينية، كعبة أسبانيا النصرانية ومزارها المقدس، ورمز زعامتها الروحية، وبها قبر القديس "يعقوب" بزعمهم، ويقام له سنوياً احتفال ضخم مثل الموالد المعروفة، يفد إليه النصارى من كل حدب وصوب من داخل أسبانيا، ولم تكن "جيليقية" مجرد قاعدة مادية صلبة للعمل ضد الإسلام والمسلمين، بل كانت قاعدة روحية لها مكانتها المعنوية للتحريض على الثورة، فكانت "جيليقية" أعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس، وكانت كنيستها عندهم بمنـزلة الكعبة عندنا، فبها يحلفون، وإليها يحجّون من أقصى بلاد رومة وما وراءها، ولم يطمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها ولا الوصول إليها لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها وبُعد شُقّتها، وتحولت مدينة القديس إلى مدينة مقدسة يقصدها الحجيج المسيحي من أوربا كلها، وجعل لها المركز الثالث بعد القدس وروما، وقد قصدها المنصور بجيشه الجرار لأمرين:
أولهما: أنها كانت ملجأ لملوك وأمراء "ليون" الخارجين على طاعته.
ثانيهما: ضرب إسبانيا النصرانية في صميم معقلها القاصي، وصميم زعامتها الروحية.
وقد استوعب المنصور كافة الدروس السابقة خلال مرحلة التحضير لحملته على هذا الإقليم، والإعداد لهذه العملية والتخطيط لها قد استغرق وقتاً طويلاً جداً، تم خلاله طرح كافة الاحتمالات، فجاءت خطة العمليات وتنفيذها متقنة إلى درجة مذهله.
وعندما انتهت مرحلة الإعداد، أصدر المنصور أوامره بالتحرك، فقطع أرضين متباعدة الأقطار، وقطع بالعبور عدة أنهار كبار، وخلجان يمدها المحيط الأطلسي، ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط، ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعورة لا مسلك فيه ولا طريق، لم يهتد الأدلاء سواه، فقدم المنصور الفعلة بالحديد لتوسعة شعابه وتسهيل مسالكه، فقطعه العسكر، وعبروا بعده وادياً صعباً، وعبروا سباحة إلى جزيرة من البحر المحيط، ثم أجاز المسلمون بعد هذا خليجاً في معبرين أرشد الأدلاء إليهما، وكان النـزول بعدها على مدينة "شنت ياقب"، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان سنة 387هـ، فوجدها المسلمون خالية من أهلها، فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها وأسوارها وكنسيتها، وعفوا آثارها، وكانت مصانع "شنت ياقب" بديعة محكمة، فغودرت هشيماً كأن لم تغن بالأمس، فقطع هذا الصقع على البحر المحيط، وهي غاية لم يبلغها قبلهم مسلم، ولا وطأها لغير أهلها قدم، فلم يكن بعدها للخيل مجال، ولا وراءها انتقال، وانكفأ المنصور وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله.
وبالفعل بعد معركة طاحنة ورحلة شاقة عبر مفاوز الجبال الوعرة اقتحم المسلمون المدينة وخرّبوها تماماً، وأخذ المنصور نواقيس الكنيسة العظمى، وحملها الأسرى على كواهلهم حتى قرطبة، وعلقت رؤوساً للثريات الكبرى لمسجد قرطبة، وكان في ركبه عدد كبير من الأسرى ومقادير عظيمة من الغنائم، وكانت غزوة عظيمة استبشر بها المسلمون وقرت نفوسهم، واهتزت لها إسبانيا النصرانية من أقصاها إلى أقصاها، ولبثت آثارها العميقة أعواماً عديدة، وكانت معركة "جليقية" هي غزوة المنصور الثامنة والأربعون.
رابعاً: معركة "صخرة جربيرة": وكانت في 24 من شهر شعبان سنة 390هـ، وفيها تحالفت كل قوى النصرانية من أجل الصمود في وجه المسلمين، والتقى الفريقان عند مكان شديد الوعورة يسمى بـ "صخرة جربيرة"، وكاد المنصور أن يُهزم لأول مرة في معاركه، ولكن بسالة المسلمين وشدة بأسهم في القتال أنهت المعركة بهزيمة مروعة للتحالف النصراني، وقتل معظم قادة الصليبيين، وواصل المنصور سيره حتى فتح مدينة "برغش" عاصمة قشتالة، ثم واصل سيره إلى "سرقسطة" وقام من هناك بغزوة في أراضي "نافار" وكل ذلك دون أن يجرؤ أحد من النصارى على الوقوف في سبيله، ثم عاد إلى قرطبة، وقد أنفق في هذه الغزوات مائة يوم وتسعة أيام.
وكان من قوة رجاء المنصور -وهذا من عجائبه أيضاً- أنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده، فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منـزل من منازله، حتى اجتمع له منه صرة كبيرة عهد بربطه في حنوطه، وكان يحملها حيث سار مع أكفانه، توقعاً لحلول منيته، وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه وغزل بناته، وكان يسأل الله تعالى أن يتوفاه في طريق الجهاد، فكان كذلك.
ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها كما ذكرنا، وما توجهت عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلا قاهراً غالباً على كثرة ما زاول من الحروب، ومارس من الأعداء وواجه من الأمم، وإنها لخاصة ما أحسب أحداً من الملوك المسلمين شاركه فيها، ومن أعظم ما أعين به مع قوة بأسه، سعة جوده وكثرة بذله، فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان، وأول ما اتكأ على أرائك الملوك وارتفق، وانتشر عليه لواء السعد وخفق.
ومن مناقب المنصور التي لم تتفق لغيره من الملوك في غالب الظن أن أكثر جنده من سبيه، ومن أخباره أنه ما عاد قط من غزوة إلا استعد لأخرى، ولم تهزم له قط راية مع كثرة غزواته شاتية وصائفة، وكفاه ذلك فخراً.
ومما يؤثر عن علائق المنصور بجيشه أنه كان لقوة ذاكرته يعرف كثيراً من جنده بالاسم، ويعرف من امتاز منهم خلال المعارك بالإقدام والشجاعة، ويدعوهم إلى مائدته في المآدب الكبيرة التي اعتاد أن يقيمها لجنده عقب كل انتصار.
وقد بلغ من كثرة قوى الجيش النظامية وكفايتها أن أصدر المنصور سنة 388هـ أمره بإعفاء الناس من إجبارهم على الغزو؛ اكتفاء بعدد الجيش المرابط، وقرأ الخطباء ذلك المرسوم على الناس بأن من تطوع خيراً فهو خير له، ومن خف إليه فمبرور ومأجور ومن تثاقل فمعذور.
وعمل المنصور على زيادة جامع قرطبة، ومن أحسن ما عاينه الناس في بنيان هذه الزيادة العامرية، استخدام أعلاج النصارى الذين أحضرهم مصفدين في الحديد من أرض "قشتالة" وغيرها، واستخدمهم في البنيان عوضاً من رجالة المسلمين، إذلالاً للشرك وعزة للإسلام.
ومن الحوادث المشهورة في إذلال المنصور لملوك النصارى هو أن ملك "نافار" بعد ما يئس من محاربة المنصور قدم عليه معتذراً إليه لائذاً بعفوه ومهادنته، واكتساباً لمودته قدم ابنته عروساً إليه، فقبل المنصور اعتذاره، وتزوج ابنته، واعتنقت الإسلام، ورزق منها بولده عبد الرحمن، ثم ساءت العلاقة بينهما بعد زمن ورجع الملك عن الصلح، فتابع المنصور غزو "نافار" مرة بعد مرة، حتى اضطر الملك إلى طلب الصلح مرة أخرى، وسار إلى قرطبة مستصرخاً بالمنصور ولائذاً بعفوه، فلما وصل قرطبة بعث المنصور القواد والكبراء وطوائف الجند في موكب فخم؛ لاستقباله ومرافقته، وعلى رأسهم ولده عبد الرحمن وهو طفل في مهده، فلما وقعت عين الملك النصراني على حفيده ترجل وقبل يده ورجله، ثم رافق الموكب إلى قصر الحكم وقد اصطفت الجند على طول الطريق في صفوف كثيفة زاهية كاملة السلاح والعدة، واصطفّ الوصفاء والصقالبة من باب القصر إلى الداخل صفين، وسار هذا النصراني وقد بهره كل ما رأى حتى وصل إلى مجلس المنصور في عصر ذلك اليوم، وقد جلس المنصور في هيئة فخمة ومن حوله الوزراء وأعاظم رجال الدولة، فلما أبصره النصراني هوى إلى الأرض فقبلها مرات متوالية ثم قبل يدي المنصور ورجليه.
واستمر المنصور في قيادة الجهاد طوال ربع قرن ونيف، لم يُظهر المسلمون خلالها تعباً من الجهاد، أو تذمراً من متابعة القتال، وليس ذلك إلا برهاناً ساطعاً على ما تميز به المجتمع الإسلامي الأندلسي من استعداد دائم للحرب.
وإذا كان ذلك هو وضع المجتمع الإسلامي، فإن موقف حاكم هذا المجتمع -الحاجب المنصور- لم يكن أقل من موقف مجتمعه، فقد تولى المنصور إدارة الحرب بنفسه، وقد تجاوز عمر الشباب، حيث بلغ في سنة 366هـ الأربعين من عمره، واستمر حتى وفاته سنة 392 هـ أي لمدة 26 عاماً. وقد بقي المنصور وهو في عمر الشيخوخة على صهوة جواده، فمضى للجهاد بعزيمة صادقه، وأمضى حياته صابراً محتسباً حتى ضمن الحياة الآمنة لمجتمع المسلمين طوال فترة حكمه، وحتى أعاد للأندلس ما كانت عليه من البأس والقوة خلال الأيام الأولى للفتح الإسلامي، ولعل هذه المأثرة وحدها كافية لتجاوز كل ما لصق بالمنصور من اتهامات.
ووصلت هيبة المنصور بن أبي عامر وضبطه للجند غايتها، ولقد وقعت عينه مرة على بارقة سيف قد سلّه بعض الجند بأقصى الميدان لهزل أو جد، بحيث ظنّ أن لحظ المنصور لا يناله، فقال: عليّ بشاهر السيف، فمثل بين يديه لوقته فقال له: ما حملك على أن أشهرت سيفك في مكان لا يشهر فيه إلا عن إذن؟ فقال: إني أشهرت به إلى صاحبي مُغمَداً فزلق من غمده، فقال: إن مثل هذا لا يسوغ بالدعوى، وأمر به فضربت عنقه بسيفه وطيف برأسه.
ومن مفاخر المنصور في بعض غزواته أنه مر بين جبلين عظيمين في طريق بريد بوسط بلاد الإفرنج، فلما جاوز ذلك المحل وهو آخذ في التحريق والتخريب والغارات والسبي يميناً وشمالاً، لم يجسر أحد من الإفرنج على لقائه، حتى أقفرت البلاد مسافة أيام، ثم عاد فوجد الإفرنج قد استجاشوا من ورائهم، وضبطوا ذلك المدخل الضيق الذي بين الجبلين، وكان الوقت شتاء، فلما رأى ما فعلوه، رجع واختار منـزلاً من بلادهم أناخ به فيمن معه من العساكر، وتقدم ببناء الدور والمنازل، وبجمع آلات الحرث ونحوها، وبث سراياه فسبت وغنمت، فاسترق الصغار، وضرب أعناق الكبار، وألقى جثثهم حتى سد به المدخل الذي من جهته، وصارت سراياه تخرج، فلا تجد إلا بلداً خراباً، فلما طال البلاء على العدو أرسلوا إليه في طلب الصلح، وأن يخرج بغير أسرى ولا غنائم، فامتنع من ذلك، فلم تزل رسلهم تتردد إليه حتى سألوه أن يخرج بغنائمه وأسره فأجابهم: إن أصحابي أبوا أن يخرجوا وقالوا: إنا لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، فنقعد هاهنا إلى وقت الغَزاة، فإذا غزونا عدنا، فما زال الإفرنج يسألونه إلى أن قرر عليهم أن يحملوا على دوابهم ما معه من الغنائم والسبي، وأن يمدوه بالميرة حتى يصل إلى بلاده، وأن يُنحّوا جيف القتلى عن طريقه بأنفسهم، ففعلوا ذلك كله وانصرف، وكان ذلك عِزٌ ما وراءه مطمح، ونصر لا يكاد الزمان يجود بمثله ويسمح، خصوصاً إزالتهم جيف قتلاهم من الطريق، وغصصهم في شرب ذلك بالريق.
وقد اهتم الحاجب المنصور اهتماماً كبيراً بقضية الأمن والاستطلاع، ومما حفظه له التاريخ القصة الآتية:
كان الحاجب المنصور جالساً في بعض الليالي، وكانت ليلة شديدة البرد والريح والمطر، فدعا بأحد الفرسان وقال له: انهض الآن إلى فج "طليارش" وأقم فيه، فأول خاطر يخطر عليك سقه إليّ، قال: فنهض الفارس وبقي في الفج، في البرد والريح والمطر واقفاً على فرسه، إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حمار له ومعه آلة الحطب، فقال له الفارس: إلى أين تريد يا شيخ؟ فقال: وراء الحطب، فقال الفارس في نفسه: هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطباً، فما عسى أن يريد المنصور منه؟ قال: فتركته، فسار عني قليلاً، ثم فكّرت في قول المنصور وخفت سطوته، فنهضت إلى الشيخ وقلت له: ارجع إلى مولانا المنصور، فقال لي: وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي؟ سألتك بالله أن تتركني لطلب معيشتي، فقال له الفارس: لا أفعل، ثم قدم به على المنصور، ومثّله بين يديه، وهو جالس لم ينم ليلته تلك فقال المنصور للصقالبة: فتشوه. ففتشوه فلم يجدوا معه شيئاً، فقال: فتشوا بردُعة حماره، فوجدوا داخلها كتاباً من نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور يخدمون عنده إلى أصحابهم من النصارى؛ ليقبلوا ويضربوا في إحدى النواحي، فلما انبلج الصبح، أمر بإخراج أولئك النصارى إلى باب الزاهرة، فضربت أعناقهم وضربت رقبة الشيخ معهم.
وبقدر ما كان المنصور صلباً وقاسياً مع جنده بقدر ما كان أيضاً كريماً معهم، يغرقهم بأعطياته، ويغدق عليهم المنح والهبات، يشتري بها ولاءهم، فيعادل بين الثواب والعقاب، فقد كان جواداً وافر الجود والبذل، يغدق صلاته على من يستحقها من العاملين معه والمتصلين به وعلى الفقراء وذوي الحاجات وله في ذلك حكايات كثيرة.
وكان ورعاً شديد الإيمان واليقين، يخشى ربه ويزدجر إذا ذَكر الله وعقابه، وكان يحمل معه في سائر غزواته وأسفاره مصحفاً خطه بيده يقرأ فيه في كل مناسبة.
وكان المنصور مولعاً بالعمل على نشر العلم والمعرفة بين طبقات الشعب، فأنشأ كثيراً من دور العلم بقرطبة، وبالغ في الإنفاق عليها، وكان يزور المدارس والمساجد، ويجالس الطلاب أحياناً، ويمنح المكافآت النفيسة لمن يستحقها.
وكان يمقت الفلسفة ،ويرى أنها مخالفة للدين، ويكره التنجيم والمنجمين، وقد أمر بأن يُستخرج من المكتبة الأموية العظيمة سائر كتب الفلاسفة والدهريين، وأن تحرق بمحضر من كبار العلماء.
واشتد المنصور أيضاً في مطاردة المنجمين وبلغه أن أحدهم وهو "محمد بن أبي جمعة" يهجس في تنبؤاته بانقراض دولة المنصور، فأمر بقطع لسانه وقتله، فخرست ألسن المنجمين جميعاً.
لقد دعم المنصور جبهته الداخلية وعمل على تقويتها؛ من أجل مجابهة تحديات نصارى الشمال، واستخدم انتصاراته الخارجية في الوقت ذاته؛ من أجل دعم مكانته الداخلية، وزيادة قدرته العسكرية.
وانصرف الحاجب المنصور بعد ذلك إلى توطيد سلطته والقضاء على منافسيه، بضرب بعضهم ببعض، وتصفيتهم واحداً بعد الآخر، حتى لم يبق من مراكز القوى المناوئة له سوى الوزير غالب الناصري، فأخذ في الإعداد لذلك، والاعتماد على البربر وتشجيعهم على الانتقال من عدوة المغرب والانضمام لقوته، فانثالوا على ابن أبي عامر، وما زالوا يتلاحقون وفرسانهم يتواترون.
ثم عين المنصور وزيراً له من رفاقه، وهو جعفر بن علي بن حمدون، وبذلك أصبحت سيطرة البربر كاملة على الدولة العامرية، واستطاع المنصور أن يستعين بهم للقضاء على منافسيه جميعاً، كما اتبع الأسلوب ذاته في تصفية مراكز القوى بين البربر، وذلك بضرب زعماء البربر بعضهم ببعض، والإفادة من التناقضات لتدعيم مركزه، فأصبحت سيطرته قوية على الداخل، مما جعله قادراً على الانطلاق في أعمال غزو الشمال من قاعدة قوية ومأمونة، وزج كل القوى والإمكانات على جبهة واحدة.
أعلن عبد الله -أحد أولاد المنصور- تمرده على أبيه بسبب نقمته عليه؛ لأنه كان يؤثر أخاه عبد الملك عليه ويصطفيه دونه، وكان عبد الله يومئذ فتى في الحادية والعشرين من عمره، وكان يشعر أنه يتفوق في الشجاعة والخلال على أخيه الأكبر، فلجأ إلى النصارى، فأذكى ملك النصارى حقده على أبيه وائتمر الاثنان على أن يقتسما ملك الأندلس، وانضم إلى هذه المؤامرة بعض أكابر الجند، ورجال الدولة من المعارضين للمنصور والناقمين عليه، فقاد المنصور الجيش فتحرك وطالب بتسليم ابنه عبد الله، فرفض ملك النصارى، فأقسم المنصور ألا ينسحب أو يعود إلى قرطبة قبل أن يتسلم عبد الله، وتقدم نحو الشمال، ونجح في إزالة المقاومات الصغرى، ثم جابه جيش النصارى فمزقه وتابع تقدمه، وعندما وصل موقف النصارى إلى هذه الحالة من التدهور، وأدركوا أن المنصور مصمم على متابعة عملياته حتى يتم له الوصول إلى أهدافه، أرسلوا إليه وفداً للتفاوض، وأعلنوا عن استعدادهم لقبول شروط المنصور جميعها، ودفع عبد الله وغيره من اللاجئين، وتم الاتفاق على عقد الصلح، وبعث المنصور من تسلم ولده عبد الله واللاجئين، وأصدر أوامره مباشرة بقتلهم جميعاً، فأقبل عبد الله على بغلة فأنزلوه وأخطروه أن يتأهب للموت، فترجل وقدم نفسه للموت هادئاً ثابت الجنان رائع الشجاعة، فضُرب عنقه عند غروب الشمس وكان عمره يوم إعدامه ثلاثة وعشرين عاماً.
عرف عن المنصور اهتمامه ببناء الإنسان وتأمين العدالة، والشواهد على ذلك كثيرة منها القصص الآتية:
- وقف على المنصور رجل من العامة بمجلسه فنادى: يا ناصر الحق، إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك، وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة، وكان له فضل محلة عنده، ثم قال: وقد دعوته إلى الحاكم فلم يأت، فقال له المنصور: أوَ عبد الرحمن بن فطيس -يقصد القاضي- بهذا العجز والمهانة، وكنا نظنه أمضى من ذلك؟ أُذكر مظلمتك يا هذا، فذكر الرجل معاملة كانت جارية بينهما فقطعها من غير نَصَف، فقال المنصور: ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية، ثم نظر إلى الصقلبي وقد ذهل عقله، فقال له: ادفع الدرقة إلى فلان وانزل صاغراً، وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك، ففعل، ومثل بين يديه، ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: خذ بيد هذا الفاسق الظالم وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم؛ لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره، ففعل ذلك، وعاد الرجل إليه شاكراً. فقال له المنصور: قد انتصفت أنت اذهب لسبيلك وبقي انتصافي أنا ممن تهاون بمنـزلتي، فتناول الصقلبي بأنواع من المذلة وأبعده عن الخدمة.
- ومن ذلك أيضاً قصة "محمد" فصّاد المنصور وخادمه وأمينه على نفسه حيث ذُكر: بأن المنصور احتاجه يوماً إلى الفصد، وكان كثير التعهد له فأنفذ رسوله إلى محمد، فألفاه الرسول محبوساً في سجن القاضي؛ لحيف ظهر منه على امرأته ظنّ أن سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة، فلما عاد الرسول إلى المنصور بقصته أمر بإخراجه من السجن مع رقيب من رقباء السجن يلزمه إلى أن يفرغ من عمله عنده، ثم يرده إلى محبسه، ففعل ذلك على ما رسمه.
وذهب الفاصد إلى شكوى ما ناله، فقطع عليه المنصور، وقال له: يا محمد! إنه القاضي، وهو في عدله، ولو أخذني الحق ما أطقت الامتناع منه، عد إلى محبسك أو اعترف بالحق، فهو الذي يطلقك، فانكسر الحاجم، وزالت عنه ريح العناية، وبلغت قصته للقاضي، فصالحه مع زوجته، وزاد القاضي شدة في أحكامه.
- ومن ذلك أيضاً قصة فتاه الكبير المعروف بـ "البورقي" مع التاجر المغربي حيث ذكر: أنهما تنازعا في خصومة توجهت فيها اليمين على الفتى المذكور، وهو يومئذ أكبر خدم المنصور، وإليه أمر داره وحرمه، فدافع الحاكم، وظنّ أن جاهه يمنع من إحلافه، فصرخ التاجر بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلماً من الفتى، فوكل به في الوقت من حمله إلى الحاكم فأنصفه منه، وسخط عليه المنصور، وقبض نعمته منه ونفاه.
- ومما حكي أيضاً عن المنصور: أنه عرض عليه اسم أحد خدمه في جملة من طال سجنه، وكان شديد الحقد عليه، فوقع على اسمه بأن لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمه الهاوية، وعرف الرجل بتوقيعه، فاغتم وأجهد نفسه بالدعاء والمناجاة، فأرق المنصور إثر ذلك، واستدعى النوم فلم يقدر عليه.
وكان يأتيه عند نومه آتٍ كريه الشخص عنيف الأخذ يأمره بإطلاق سراح الرجل، ويتوعده على حبسه، فاستدعى شأنه مراراً إلى أن علم أنه نذير من ربه، فانقاد لأمره، ودعا بالدواة في مرقده فكتب بإطلاقه، وقال في كتابه: هذا طليق الله على رغم أنف ابن أبي عامر، وتحدث الناس زماناً بما كان فيه.
تلك هي بعض أخبار المنصور، وهي تشير بوضوح إلى جهده لبناء الجبهة الداخلية على أسس قوية ومتينة، فهو يحرص على تحقيق العدالة بين كل المواطنين في الدولة، لا فرق بين حاكم ومحكوم، وبين مواطن ومواطن، حتى لو كان المواطن من عناصر البلاط أو المسئولين في الحكم والدولة، وحتى لو كان من حاشية المنصور ذاته.
ومن مآثر الحاجب المنصور على ما أوردته المصادر التاريخية أنه لما ختن المنصور أولاده، ختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي، ومن أولاد الضعفاء عدداً لا يحصر، فبلغت النفقة عليهم خمسمائة ألف دينار.
كان المنصور بن أبي عامر عبقرية فذة تمثل ذروة النبوغ والطموح الفردي، فقد خرج المنصور من صفوف الطبقة الوسطى، وشق طريقه بساعده وهمته إلى الحكم والرياسة، ولم تسعفه في ذلك نشأة في بيت ملك، أو انقلاب عنيف.
لقد وصل المنصور إلى مرتبة من السلطان والقوة لم يصل إليها أحد قبله من أعاظم أمراء الأندلس، ولعل الإسلام في شبه الجزيرة الإسبانية لم يظفر قط بمجاهد في بطولة المنصور وتفانيه في الذود عن دينه وإعلاء كلمته، ولعل الأندلس لم تر قط مثل المنصور زعيماً أخلص في خدمتها وكرّس جهوده ومواهبه في بناء قوتها وعظمتها وسحق عدوها وتحقيق أمنها ورخائها.
ولعل الأندلس لم تر من قبل استقراراً كالذي رأته في عهد المنصور، ولم تتمتع قط بمثل ما تمتعت به في عهد المنصور من الأمن والطمأنينة والدعة، بحق إنه أعظم شخصية سياسية وعسكرية أتيح لها أن تحكم الأندلس.
وأخيراً: كانت وفاة الحاجب المنصور نقطة تحول حاسمة في تاريخ أندلس المسلمين؛ إذ انتهى بوفاته عصر القوة والزهو، وهو العصر الذي تتابع فيه على حكم الأندلس ثلاثة من أقوى الحكام وهم: عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر ثم الحاجب المنصور.
إن من عاش على شيء وداوم عليه فلابد أن يموت عليه، والمنصور قضى حياته كلها في الجهاد في سبيل الله فلا بد أن يموت مجاهداً، وقد كانت تلك أسمى أمانيه حتى أنه كان يحمل أكفانه حيثما سار إلى غزوة وهي أكفان صنعت من غزل بناته واشتريت من خالص ماله الموروث، وقد استجاب الله دعاءه، فوافته المنية في 27 رمضان سنة 392هـ بمدينة "سالم" وهو منصرف من بعض غزواته، وقد لحقه الإعياء واشتد به المرض، فترك جواده وسار نحو أسبوعين محمولاً، فما كاد يصل مدينة "سالم" حتى شعر بدنو أجله فاستدعى ولده عبد الملك وألقى إليه نصائحه الأخيرة، وفي ليلة الاثنين توفي -رحمه الله- ودفن بعد أن دفن معه غبار كل معاركه التي خاضها في سبيل الله، وكان يحتفظ بها طوال رحلته الجهادية الطويلة لأعدائه، وذلك لسبعة وعشرين سنة من حكمه، وعمره أربعة وستون عاماً، وقد كُتب هذان البيتان من الشعر على قبره:

آثاره تنبيك عن أخباره *** حتى كأنك بالعيان تراه
تالله لا يأتي الزمان بمثله *** أبداً ولا يحمي الثغور سواه

لقد كانت الجزالة والرجولة ثوبه الذي لم يخلعه إلى أن وصل إلى ربه، والحزم والحذر شعاره الذي لم يفارقه طول حياته، والنصب والسهر شأنه في يومه وليله، لا يفضل لذة على لذة تدبيره، وحلاوة نهيه وأمره.
والحمد لله أولاً وآخراً...



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

56.47