السيرة النبوية
الدرس الرابع
الجهر بالدعوة - حصار الشعب
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
الجهر بالدعوة:
بعد الإعداد العظيم الذي قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- في المرحلة السرية
للدعوة لتربية أصحابه وبناء الجماعة المسلمة المنظمة الأولى على أسس عقدية وتعبدية
وخلقية رفيعة المستوى، حان موعد إعلان الدعوة بنـزول قول الله تعالى:
{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ* وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ
لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [(214
-215) سورة الشعراء].
عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: {وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صعد النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصفا
فجعل ينادي: ((يا بني فهر، يا بني عدي)) لبطون قريش
حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو
لهب وقريش، فقال: ((أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي
تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟))، قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا،
قال: ((فإنني نذير لكم بين يدي عذاب شديد))، فقال أبو
لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنـزلت:
{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}
[(1-2) سورة المسد].
ومن الطبيعي أن يبدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- دعوته العلنية بإنذار عشيرته
الأقربين، فبدء الدعوة بالعشيرة قد يعين على نصرته وتأييده وحمايته، كما أن القيام
بالدعوة في مكة لا بد أن يكون له أثر خاص على بقية القبائل.
ثم جاءت مرحلة أخرى بعدها، فأصبح يدعو فيها كل من يلتقي به من الناس على اختلاف
قبائلهم وبلدانهم، ويتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم ومواقف
الحج، ويدعو من لقيه من حُرٍّ وعبدٍ، وقوي وضعيف، وغني وفقير، حين نزول قوله تعالى:
{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ
الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ* الَّذِينَ يَجْعَلُونَ
مَعَ اللّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ* وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ
صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [(94-97) سورة الحجر].
كانت النتيجة لهذا الصدع هي الصدّ والإعراض والسخرية والإيذاء والتكذيب والكيد
المدبر المدروس، وقد اشتد الصراع بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه، وبين شيوخ
الوثنية وزعمائها، وأصبح الناس في مكة يتناقلون أخبار ذلك الصراع في كل مكان، وكان
هذا في حد ذاته مكسبًا عظيمًا للدعوة.
كانت الوسيلة الإعلامية في ذلك العصر تناقل الناس للأخبار مشافهة، وسمع القاصي
والداني بنبوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وصار هذا الحدث العظيم حديث الناس في
المجالس ونوادي القبائل وفي بيوت الناس.
ولا شك أن الجهر بالدعوة يعرض أصحابها للابتلاء، والابتلاء مرتبط بالتمكين ارتباطًا
وثيقًا، فلقد جرت سنة الله تعالى ألا يُمكِّن لأمة إلا بعد أن تمر بمراحل الاختبار
المختلفة، وإلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطيب،
وهي سنة جارية على الأمة الإسلامية لا تتخلف.
وابتلاء المؤمنين قبل التمكين أمر حتمي؛ من أجل التمحيص ليقوم بنيانهم بعد ذلك على
تمكن ورسوخ، وهذا الابتلاء للمؤمنين ابتلاء رحمة لا ابتلاء غضب، وابتلاء اختيار لا
مجرد اختبار.
والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو
مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر، فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على
مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم، وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية
للناس من جانب.
بعدها بدأ المشركون بمحاربة الدعوة، وقد تعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه
لأشكال وأنواع وأصناف متعددة من الابتلاء.
وقد أجمع المشركون على محاربة الدعوة التي عرَّت واقعهم الجاهلي، وعابت آلهتهم
وسفهت أحلامهم، فاتخذوا العديد من الوسائل والمحاولات لإيقاف الدعوة وإسكات صوتها،
أو تحجيمها وتحديد مجال انتشارها، من ذلك: محاولة قريش إبعاد أبي طالب عن مناصرة
وحماية الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
ذاع أمر حماية أبي طالب لابن أخيه وتصميمه على مناصرته وعدم خذلانه، فاشتد ذلك على
قريش غمًّا وحسدًا ومكرًا، فمشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: "يا
أبا طالب هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجملهم، فلك عقله ونصره، واتخذه
ولدًا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك
وسفه أحلامنا، فنقتله فإنما هو رجل برجل"، قال: "والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني
ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني فتقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدًا".
وإن المرء ليسمع عجبًا، ويقف مذهولًا أمام مروءة أبي طالب مع رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن أخيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، بل
واستفاد من كونه زعيم بني هاشم أن ضم بني هاشم وبني المطلب إليه في حلف واحد على
الحياة والموت تأييدًا للرسول -صلى الله عليه وسلم-، مسلمهم ومشركهم على السواء،
وأجار ابن أخيه محمدًا إجارة مفتوحة لا تقبل التردد أو الإحجام، كانت هذه الأعراف
الجاهلية والتقاليد العربية تسخر من قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- لخدمة الإسلام،
وقد قام أبو طالب حين رأى قريشًا تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى
ما هو عليه، من منع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقيام دونه، فاجتمعوا إليه
وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله اللعين.
إنها ظاهرة فذة أن تقوم الجاهلية بحماية من يسب آلهتها، ويعيب دينها، ويسفه
أحلامها، وباسم هذه القيم يقدمون المهج والأرواح، ويخوضون المعارك والحروب، و لا
يُمسُّ محمد -صلى الله عليه وسلم- بسوء.
لقد كان كسب النبي -صلى الله عليه وسلم- عمه في صف الدفاع عنه، نصرًا عظيمًا، وقد
استفاد -صلى الله عليه وسلم- من العرف القبلي فتمتع بحماية العشيرة، ومُنع من أي
اعتداء يقع عليه، وأعطى حرية التحرك والتفكير، وهذا يدل على فهم النبي -صلى الله
عليه وسلم- للواقع الذي يتحرك فيه، وفي ذلك درس بالغ للدعاة إلى الله تعالى للتعامل
مع بيئتهم ومجتمعاتهم والاستفادة من القوانين والأعراف والتقاليد لخدمة دين الله.
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عظيم النجاح في دعوته، بليغًا في التأثير على
من خاطبه، حيث يؤثر على من جالسه بهيئته وسمته ووقاره قبل أن يتكلم، ثم إذا تحدث
أَسَرَ سامعيه بمنطقه البليغ، ومن أبرز الأمثلة على قوته في التأثير بالكلمة
المعبرة والأخلاق الكريمة، وقدرته على اختراق الجدار الحديدي الذي حاول زعماء مكة
ضربه عليه، ما كان من موقفه مع ضماد الأزدي.
وفد ضماد الأزدي إلى مكة، وتأثر بدعاوى المشركين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
حتى استقر في نفسه أنه مصاب بالجنون كما يتهمه بذلك زعماء مكة، وكان ضماد من أزد
شنوءة، وكان يعالج من الجنون، فلما سمع سفهاء مكة يقولون: إن محمدًا -صلى الله عليه
وسلم- مجنون، قال: "لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي"، فلقيه، فقال:
"يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟"، فقال
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الحمد لله، نحمده
ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:..))، قال: "أعد عليّ
كلماتك هؤلاء"، فأعادهن عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرات، قال: "لقد
سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن
قاموس البحر"، فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هات يدك أبايعك على الإسلام"
فبايعه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((وعلى قومك))،
قال: "وعلى قومي".
في هذه القصة عبرٌ وفوائد، منها:
- أن العرب قبل الإسلام كانت تعتقد بمس الجن ويسمونه الريح، وجاء الإسلام فأقر هذا
الاعتقاد، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِّ} [(275) سورة البقرة].
وقد أنكر بعض الناس في وقتنا هذا، بل وبعض المنتسبين للعلم مس الجن للإنس؛ بسبب
جهلهم بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة الدالة على هذا الأمر، كما أن الواقع يصدق
هذا ويؤكده.
ومس الجن للإنس له أسباب كثيرة: فقد يكون بسبب هجر المرء للقرآن والذكر وتلطخه
بالمعاصي، وقد يكون بسبب عدم محافظته على الأذكار الشرعية التي تحفظ بإذن الله، وقد
يكون ابتلاءً من الله -عز وجل- ليرى صبر عبده وصدق توكله.
وعلاج المسِّ إنما يكون بالرقى الشرعية من الكتاب والسنة، وأهم من ذلك صدق التوكل
على الله وإخلاص الدعاء له، مع الحذر من الطرق البدعية في العلاج أو الذهاب إلى
الكهنة والسحرة أو حتى الجهلة ممن تصدوا للعلاج، والواقع أنهم هم يحتاجون إلى علاج.
ومن فوائد القصة: أن ضماد -رضي الله عنه- يسمع خطبة الحاجة فيتأثر بها، ويطلب من
الرسول -صلى الله عليه وسلم- إعادتها، ويسلم بسببها، بل يصير داعية إلى الإسلام بعد
سماعها، ونحن كم من المرات قد سمعناها وكم مرة قد قرأناها ولم يحصل لنا شيء ولو
يسير مما حصل لضماد -رضي الله عنه-، وهي قد اشتملت على حمد الله والاستعانة به وأنه
هو المعبود وحده لا شريك له، وهذه خلاصة الدين وتاج الإسلام، فهلا إذا سمعناها بعد
اليوم وقفنا عند معانيها واستشعرنا أثرها.
خذوا مثلًا قوله: ((ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)): إن
نفوسنا لا تخلو من الشر، ولكنه يذهب بمراقبة الله والخوف منه، فكم من المصائب
والبلايا إنما هي نتاج الشر الكامن في النفس، فإذا قلت: يا عبد الله خطبة الحاجة أو
سمعتها مؤمنًا بها أعاذك الله من شر نفسك التي ربما كانت من ألد أعدائك.
وخذ مثلًا قوله: ((من يهده الله فلا مضل له)):
الهداية بيد من؟ بيد الله، فهو الهادي، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي
له.
ولو أراد الله هداية شخص فمن الذي سيقف دون ذلك؟ لا أحد، ولو اجتمعت قوى الأرض
كلها، ولذا فإن ما يبذله أعداء الملة وخصوم الشريعة من محاولات وجهود وأموال
واجتماعات وقرارات في نشر الفساد في أوساط المسلمين فإنه لن ينفع في شخص قد كتب
الله له الهداية، فإنه من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
ولا يعني هذا أن يقف الدعاة والمصلحون يتفرجون بحجة أن من يهده الله فلا مضل له، بل
إنهم يجب عليهم وجوبًا أن يأخذوا بسنة التدافع حتى يحكم الله في خلقه ما يشاء،
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ
لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [(40) سورة الحـج].
قصة أخرى: إسلام عمرو بن عَبَسة –رضي الله عنه-:
قال عمرو بن عبسة السلمي: "كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم
ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل في مكة يخبر أخبارًا، فقعدت على
راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستخفيًا، جرآء عليه قومه،
فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: "ما أنت؟"، قال: ((أنا
نبي))، فقلت: "وما نبي؟"، قال: ((أرسلني الله))،
فقلت: "وبأي شيء أرسلك؟"، قال: ((أرسلني بصلة الأرحام، وكسر
الأوثان، وأن يوحد الله لا يُشرك به شيء))، قلت له: "فمن معك على هذا؟"،
قال: ((حر وعبد))، قال: "ومعه يومئذ أبو بكر وبلال
ممن آمن به فقلت: إني متبعك"، قال: ((إنك لا تستطيع ذلك يومك
هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني))،
قال: "فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، وكنت في أهلي،
فجعلت أتخير الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم عليَّ نفر من أهل يثرب
من أهل المدينة فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟"، فقالوا: الناس إليه
سِراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة فدخلت عليه، فقلت: "يا
رسول الله أتعرفني؟"، قال: ((نعم. أنت الذي لقيتني بمكة)).
في هذه القصة يتبين لنا أن الرسالة المحمدية تقوم على ركيزتين: حق الله، وحق الخلق،
قال -صلى الله عليه وسلم-: ((أرسلني بصلة الأرحام، وكسر
الأوثان))، وفي هذا دليل على أهمية صلة الأرحام حيث كان هذا الخُلق العظيم
ألصق ما يكون بدعوة الإسلام، مع اقترانه بالدعوة إلى التوحيد، وقد ظهر في هذا
البيان الهجوم على الأوثان بقوة، مع أنها كانت أقدس شيء عند العرب، وفي هذا دلالة
على أهمية إزالة معالم الجاهلية، وأن دعوة التوحيد لا تستقر ولا تنتشر إلا بزوال
هذه المعالم.
وفي اهتمام النبي -صلى الله عليه وسلم- المبكر بإزالة الأوثان مع عدم قدرته على
تنفيذ ذلك في ذلك الوقت، دلالة على أن أمور الدين لا يجوز تأخير بيانها للناس بحجة
عدم القدرة على تطبيقها، فالذين يبينون للناس من أمور الدين ما يستطيعون تطبيقه
بسهولة وأمن، ويحجمون عن بيان أمور الدين التي يحتاج تطبيقها إلى شيء من المواجهة
والجهاد، هؤلاء دعوتهم ناقصة، ولم يقتدوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي
واجه الجاهلية وطغاتها وهو في قلة من أنصاره، والسيادة في بلده لأعدائه.
لقد فشلت محاولات التشويه والحرب الإعلامية والحجر الفكري الذي كان الكفار يمارسونه
على الدعوة الإسلامية في بداية عهدها؛ لأن صوت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان
أقوى من أصواتهم، ووسائله في التبليغ كانت أبلغ من وسائلهم، وثباته على مبدئه
السامي كان أعلى بكثير مما كان يتوقعه أعداؤه، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم
يجلس في بيته، ولم ينـزو في زاوية من زوايا المسجد الحرام ليستخفي بدعوته، وليقي
نفسه من سهام أعدائه المسمومة، بل إنه غامر بنفسه، فكان يخرج في مضارب العرب قبل أن
يفدوا مكة، وكان يجهر بتلاوة القرآن في المسجد الحرام ليسمع من كان في قلبه بقية من
حياة وأثارة من حرية وإباء، فيتسرب نور الهدى إلى مجامع لبه وسويداء قلبه، وكان من
هؤلاء ضماد الأزدي، وعمرو بن عبسة وغيرهم، وهذا دليل قاطع وبرهان ساطع على فشل
حملات التشويه التي شنتها قريش ضد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعلينا أن نعتبر
ونستفيد من الدروس والعبر.
لم يفتر المشركون عن أذى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منذ أن صدع بدعوته إلى أن
خرج من بين أظهرهم وأظهره الله عليهم، ولم يقتصر الأمر على مجرد السخرية والاستهزاء
والإيذاء النفسي، بل تعداه إلى الإيذاء البدني، بل قد وصل الأمر إلى أن يبصق عدو
الله أمية بن خلف في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم-. وحتى بعد هجرته -عليه السلام-
إلى المدينة لم تتوقف حدة الابتلاء والأذى، بل أخذت خطًّا جديدًا بظهور أعداء جدد،
فبعد أن كانت العداوة تكاد تكون مقصورة على قريش بمكة، صار له -صلى الله عليه وسلم-
أعداء من المنافقين المجاورين بالمدينة، ومن اليهود والفرس والروم وأحلافهم، وبعد
أن كان الأذى بمكة شتمًا وسخرية وحصارًا وضربًا، صار مواجهة عسكرية مسلحة حامية
الوطيس، فيها كر وفر وضرب وطعن، فكان ذلك بلاء في الأموال والأنفس على السواء،
وهكذا كانت فترة رسالته -صلى الله عليه وسلم- وحياته سلسلة متصلة من المحن
والابتلاء، فما وهن لما أصابه في سبيل الله، بل صبر واحتسب حتى لقي ربه.
وتحمل الصحابة -رضوان الله عليهم- من البلاء العظيم ما تنوء به الرواسي الشامخات،
وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله، وبلغ بهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ، ولم
يَسلم أشراف المسلمين من هذا الابتلاء:
فلقد أوذي أبو بكر –رضي الله عنه- وحُثي على رأسه التراب، وضرب في المسجد الحرام
بالنعال، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحُمل إلى بيته في ثوبه، وهو ما بين الحياة
والموت.
- وممن أوذي أيضًا بلال -رضي الله عنه-، فقد كان المشركون يلبسونه أدرع الحديد
ويصهرونه في الشمس ويعطونه للولدان يطوفون به شعاب مكة.
لم يكن لبلال –رضي الله عنه- ظهر يسنده، ولا عشيرة تحميه، ولا سيوف تذود عنه، ومثل
هذا الإنسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل رقمًا من الأرقام، فليس له دور في
الحياة إلا أن يخدم ويطيع، ويباع ويشترى كالسائمة، أما أن يكون له رأي، أو يكون
صاحب فكر، أو صاحب دعوة، أو صاحب قضية، فهذه جريمة شنعاء في المجتمع الجاهلي المكي،
تهز أركانه وتزلزل أقدامه، ولكن الدعوة الجديدة التي سارع لها الفتيان، وهم يتحدون
تقاليد وأعراف آبائهم الكبار لامست قلب هذا العبد المرمي المنسي، فأخرجته إنسانًا
جديدًا على الوجود.
ما أصبر بلالًا وما أصلبه –رضي الله عنه-، فقد كان صادق الإسلام، طاهر القلب، ولذلك
صَلُبَ ولم تلن قناته أمام التحديات وأمام صنوف العذاب، وكان صبره وثباته مما
يغيظهم ويزيد حنقهم، خاصة أنه كان الرجل الوحيد من ضعفاء المسلمين الذي ثبت على
الإسلام فلم يوافق الكفار فيما يريدون، مرددًا كلمة التوحيد: "أحدٌ أحد" بتحدٍّ
صارخ، وهانت عليه نفسه في الله وهان على قومه.
- ولا ننسى عمار بن ياسر وأبوه وأمه -رضي الله عنهم-: فقد صبَّت قريش عليهم العذاب
صبًا فكانوا يخرجونهم إذا حميت الظهيرة، فيعذبونهم برمضاء مكة ويقلبونهم ظهرًا
لبطن، فيمر عليهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهم يعذبون فيقول:
((صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)).
وجاء أبو جهل إلى سمية فقال لها: ما آمنتِ بمحمد إلا لأنك عشقته لجماله، فأغلظت له
القول، فطعنها بالحربة في ملمس العفة فقتلها، فهي أول شهيدة في الإسلام -رضي الله
عنها-، وبذلك سطرت بهذا الموقف الشجاع أعلى وأغلى ما تقدمه امرأة في سبيل الله،
لتبقى كل امرأة مسلمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها ترنو إليها ويهفو قلبها في
الاقتداء بها، فلا تبخل بشيء في سبيل الله بعد أن جادت سمية بدمها في سبيل الله.
ثم لم يلبث ياسر أن مات تحت العذاب أيضًا، ولم يكن في وسع النبي -صلى الله عليه
وسلم- أن يقدم شيئًا لآل ياسر، رموز الفداء والتضحية، فليسوا بأرقاء حتى يشتريهم
ويعتقهم، وليست لديه القوة ليستخلصهم من الأذى والعذاب، فكل ما يستطيعه -صلى الله
عليه وسلم- أن يزف لهم البشرى بالمغفرة والجنة ويحثهم على الصبر، لتصبح هذه الأسرة
المباركة قدوة للأجيال المتلاحقة، ويشهد الموكب المستمر على مدار التاريخ هذه
الظاهرة: ((صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)).
أما عمار –رضي الله عنه- فقد عاش بعد أهله زمنًا يكابد من صنوف العذاب ألوانًا، فهو
يصنف في طائفة المستضعفين الذين لا عشائر لهم بمكة تحميهم، وليست لهم منعة ولا قوة،
فكانت قريش تعذبهم في الرمضاء بمكة أنصاف النهار ليرجعوا عن دينهم، وكان عمار يعذب
حتى لا يدري ما يقول، ولما أخذه المشركون ليعذبوه لم يتركوه حتى سب النبي -صلى الله
عليه وسلم-، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((ما وراءك؟))، قال: "شرٌّ، والله ما تركني المشركون
حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير"، قال: ((كيف تجد قلبك؟))،
قال: "مطمئنًا بالإيمان"، قال: ((فإن عادوا فعد))،
ونزل الوحي بشهادة الله تعالى على صدق إيمان عمار: {مَن
كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ
بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ
اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [(106) سورة النحل].
- وممن لاقى العذاب أيضًا خباب بن الأرت -رضي الله عنه-: كان من المستضعفين الذين
عذبوا بمكة لكي يرتد عن دينه، وصل به العذاب بأن ألصق المشركون ظهره بالأرض على
الحجارة المحماة حتى ذهب ماء مَتْنه، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يألف خبابًا
ويتردد عليه بعد أن أسلم، فلما علمت مولاته بذلك، وهي أم أنمار الخزاعية، أخذت
حديدة قد أحمتها، فوضعتها على رأسه، فشكا خبابًا ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، فقال: ((اللهم انصر خبابًا))، فاشتكت مولاته
رأسها، فكانت تعوي مع الكلاب، فقيل لها: اكتوي، فجاءت إلى خباب ليكويها، فكان يأخذ
الحديدة قد أحماها فيكوي بها رأسها.
إن في ذلك لعبرة لمن أراد أن يعتبر، ما أقرب فرج الله ونصره من عباده المؤمنين
الصابرين، فانظر كيف جاءت إليه بنفسها تطلب منه أن يكويها على رأسها.
وذُكر أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- في خلافته سأل خبابًا عما لقي في ذات الله
تعالى، فكشف خباب عن ظهره، فإذا هو قد برص، فقال عمر: "ما رأيت كاليوم"، فقال خباب:
"يا أمير المؤمنين لقد أوقدوا لي نارًا ثم سلقوني فيها، ثم وضع رَجُل رجله على صدري
فما اتقيت الأرض أو قال: برد الأرض إلا بظهري، وما أطفأ تلك النار إلا شحمي!".
وعدد من الصحابة الكرام تعرض للتعذيب، وهكذا نرى أولئك الرهط من الشباب القرشي قد
أقبلوا على دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واستجابوا لها والتفوا حول صاحبها،
على الرغم من مواقف آبائهم وذويهم وأقربائهم المتشددة تجاههم، فضحوا بكل ما كانوا
يتمتعون به من امتيازات قبل دخولهم في الإسلام، وتعرضوا للفتنة رغبة فيما عند الله
تعالى من الأجر والثواب، وتحملوا أذى كثيرًا، وهذا فعل الإيمان في النفوس عندما
يخالطها، فتستهين بكل ما يصيبها من عنت وحرمان إذا كان ذلك يؤدي إلى الفوز برضا
الله تعالى وجنته.
كان المسلمون يرغبون في الدفاع عن أنفسهم وهم يعانون ما يعانون تحت التعذيب، ويبدو
أن الموقف السلمي أغاظ بعضهم وخاصة الشباب منهم، وقد أتى عبد الرحمن بن عوف وأصحابه
إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة فقالوا: "يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون،
فلما آمنا صرنا أذلة"، قال: ((إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا
القوم))، فكان التوجيه في تلك الفترة الكف عن القتال والمواجهة، والاهتمام
بالبناء الداخلي وفي ذلك حكم كثيرة، منها والله أعلم:
1- أمروا بالكف عن القتال في مكة؛ لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد في
بيئة معينة لقوم معينين وسط ظروف معينة، ومن أهداف التربية في مثل هذه البيئة،
تربية الفرد على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة، من الضيم حين يقع عليه، أو على من
يلوذون به، ليخلص من شخصه ويتجرد من ذاته فلا يندفع لأول مؤثر، ولا يهتاج لأول
مهيج، ومن ثم يتم الاعتدال في طبيعته وحركته، ثم تربيته على أن يتبع نظام المجتمع
الجديد بأوامر القيادة الجديدة، حيث لا يتصرف إلا وفق ما تأمره مهما يكن مخالفًا
لمألوفه وعادته، وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية المسلم لإنشاء المجتمع
المسلم.
2- وربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت، فلم تكن هناك
سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين، وإنما كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد،
ومعنى الإذن بالقتال في مثل هذه البيئة، أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت ثم يقال:
هذا هو الإسلام، ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال، فقد كانت دعاية قريش
في المواسم، إن محمدًا يفرق بين الوالد وولده، فوق تفريقه لقومه وعشيرته، فكيف لو
كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي؟.
3- وربما كان ذلك أيضًا لما يعلمه الله من أن كثيرًا من المعاندين الذين يفتنون
المسلمين عن دينهم ويعذبونهم، هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص، بل من
قادته، ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟.
4- وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينئذ وانحصارهم في مكة، حيث لم تبلغ
الدعوة إلى بقية الجزيرة، أو بلغت ولكن بصورة متناثرة، حيث كانت القبائل تقف على
الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، لترى ماذا يكون مصير الموقف، ففي
مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة، حتى
ولو قتلوا هم أضعاف من سيُقتل منهم، ويبقى الشرك ولا يقوم للإسلام في الأرض نظام،
ولا يوجد له كيان واقعي، وهو دين جاء ليكون منهج حياة ونظام دنيا وآخرة.
والناظر في الفترة المكية والتي كانت ثلاثة عشر عامًا، كلها في تربية وإعداد وغرس
لمفاهيم لا إله إلا الله، يدرك ما لأهمية هذه العقيدة من شأن في عدم الاستعجال
واستباق الزمن، فالعقيدة بحاجة إلى غرس يُتعهد بالرعاية والعناية والمداومة، بحيث
لا يكون للعجلة والفوضى فيها نصيب، وما أجدر الدعاة إلى الله أن يقفوا أمام تربية
المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه على هذه العقيدة وقفة طويلة، فيأخذوا منها
العبرة والأسوة، لأنه لا يقف في وجه الجاهلية أيًّا كانت قديمة أو حديثة أم
مستقبلة، إلا رجال اختلطت قلوبهم ببشاشة العقيدة الربانية، وتعمقت جذور شجرة
التوحيد في نفوسهم.
بعدها اتخذت قريش أسلوبًا آخر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- محاولة منها لرده أو
التخفيف من تأثيره على من حوله، فلجأت إلى أسلوب المفاوضات بعدما عجزت عن أسلوب
التعذيب والإيذاء والقوة، فأرسلوا له عدد من كبار شخصيات قريش تفاوضه وتعرض عليه
عددًا من المغريات، فكان الرد حاسمًا على زعماء قريش المشركين، لا مساومة، ولا
مشابهة، ولا حلول وسط، ولا ترضيات شخصية، فإن الجاهلية جاهلية والإسلام إسلام في كل
زمان ومكان، والفارق بينهم بعيد كالفرق بين التبر والتراب، والسبيل الوحيد هو
الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته عبادة وحكما، وإلا فهي البراءة
التامة والمفاصلة الكاملة والحسم الصريح بين الحق والباطل في كل زمان:
{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}
[(6) سورة الكافرون].
وعلى الدعاة اليوم الحذر من مثل هذه العروض والإغراءات المادية التي قد لا تعرض
بطريق مباشر، فقد تأخذ شكلًا غير مباشر، في شكل وظائف عليا، أو عقود عمل مجزية، أو
صفقات تجارية مربحة، وهذا ما تخطط له المؤسسات العالمية المشبوهة لصرف الدعاة عن
دعوتهم وبخاصة القياديين منهم، وهناك تعاون تام في تبادل المعلومات بين هذه
المؤسسات التي تعمل من مواقع متعددة لتدمير العالم الإسلامي.
ولقد جاء في تقرير قدمه أحد كبار العاملين في مجال الشرق الأوسط لرصد الصحوة
الإسلامية، وتقديم النصح بكيفية ضربها، جاء في هذا التقرير وضع تصور لخطة جديدة
يمكن من خلالها تصفية الحركات الإسلامية، فكان من بين فقرات هذا التقرير فقرة خاصة
بإغراء قيادات الدعوة، فاقتُرح لتحقيق ذلك الإغراء ما يلي:
1- تعيين من يمكن إغراؤهم بالوظائف العليا، حيث يتم شغلهم بالمشروعات الإسلامية
فارغة المضمون، وغيرها من الأعمال التي تستنفد جهدهم، وذلك مع الإغداق عليهم
أدبيًّا وماديًا، وتقديم تسهيلات كبيرة لذويهم، وبذلك يتم استهلاكهم محليًّا،
وفصلهم عن قواعدهم الجماهيرية.
2- العمل على جذب ذوي الميول التجارية والاقتصادية إلى المساهمة في المشروعات ذات
الأهداف المشبوهة التي تقام في المنطقة العربية لمصالح أعدائها.
3- العمل على إيجاد فرص عمل وعقود مجزية في البلاد العربية الغنية، الأمر الذي يؤدي
إلى بُعدهم عن النشاط الإسلامي.
والمتدبر في النقاط الثلاث السابقة، يلاحظ أنها إغراءات مادية غير مباشرة، وبنظرة
فاحصة للعالم الإسلامي اليوم، نلاحظ أن هذه النقاط تنفذ بكل هدوء، فقد أشغلت
المناصب العليا بعض الدعاة، واستهلكت في بعض الدول العربية الغنية جمًا غفيرًا من
الدعاة، وألهت التجارة بعضهم، والله المستعان.
حصار الشعب:
وبعد العديد من المحاولات والوسائل التي اتخذتها قريش لإيقاف انتشار الإسلام في مكة
بعد الجهر بالدعوة، أمام صبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته على الأذى، وإزاء
فشو الإسلام في القبائل، لجأت قريش إلى الحصار المادي والمعنوي والذي عرف في السيرة
بحصار الشعب، وملخصه: أن قريش أجمعت أن يقتلوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم، جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يُدخلوا رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- شِعبهم، ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم
وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا، فلما عرفت قريش أن
القوم قد منعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم، وعلى
ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، ولا يدعوا
سببًا من أسباب الرزق يصل إليهم، ولا يقبلوا منهم صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة، ولا
يخالطوهم، ولا يكلموهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله للقتل،
وكتبوا في ذلك صحيفة وتواثقوا عليه، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على
أنفسهم.
فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم
الأسواق، فلا يتركوا طعامًا يقدم من مكة ولا بيعًا إلا بادروهم إليه فاشتروه،
يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. واشتد الحصار على
الصحابة، وبني هاشم، وبني المطلب، حتى اضطروا إلى أكل ورق الشجر، وحتى أصيبوا بظلف
العيش وشدته، إلى حد أن أحدهم يخرج ليبول فيسمع بقعقعة شيء تحته، فإذا هي قطعة من
جلد بعير فيأخذها فيغسلها ثم يحرقها ثم يسحقها ثم يستفها، ويشرب عليها الماء فيتقوى
بها ثلاثة أيام، وحتى لتسمع قريش صوت الصبية يتضاغون من وراء الشِّعب من الجوع.
فلما كان رأس ثلاث سنين، قيض الله -سبحانه وتعالى- لنقض الصحيفة أناسًا من أشراف
قريش أخذتهم الحمية وهم: هشام بن عروة، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبي
البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وقاموا بنقض الصحيفة أمام قريش، وقام المطعم بن
عدي إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا: (باسمك اللهم).
وهذه بعض الوقفات مع قصة حصار الشعب:
1- أن حماية أقارب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له، لم تكن حماية للرسالة التي
بعث بها، وإنما كانت لشخصه من الغريب، فإذا أمكن أن تُستغل هذه الحماية من قبل
المسلمين كوسيلة من وسائل الجهاد والتغلب على الكافرين والرد لمكائدهم وعدوانهم،
فأنعم بذلك من جهد مشكور وسبيل ينتبهون إليها.
2- كانت هذه السنوات الثلاثة للجيل الرائد زادًا عظيمًا في البناء والتربية، حيث
ساهم بعضه في تحمل آلام الجوع والخوف والصبر على الابتلاء، وضبط الأعصاب، والضغط
على النفوس والقلوب، ولجم العواطف عن الانفجار.
3- كانت حادثة المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية سببًا في خدمة الدعوة والدعاية لها
بين قبائل العرب، فقد ذاع الخبر في كل القبائل العربية من خلال موسم الحج، ولفت
أنظار جميع الجزيرة العربية إلى هذه الدعوة التي يتحمل صاحبها وأصحابه الجوع والعطش
والعزلة لكل هذا الوقت، أثار ذلك في نفوسهم أن هذه الدعوة حق، ولولا ذلك لما تحمّل
صاحب الرسالة وأصحابه كل هذا الأذى والعذاب.
4- لقد تجرع الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- مرارة هذا الحصار وتقلبوا في لظى
هذه المؤامرة الخبيثة عندما أُطبِقَ عليهم بسياج من الظلم المكشوف المتمثل في تلك
الصحيفة الجائرة، فصبروا حتى أتاهم نصر الله.
لقد كانو يُقدّرون مسؤولية تبليغ الرسالة الملقاة على كواهلهم، وكانوا يدركون حقيقة
هذه الرسالة وطبيعتها، وأنها لا بد أن تبلَّغ للناس بجهد من البشر وفي حدود
قدراتهم، فكان الصبر على مثل هذا البلاء نِعْمَ الزاد الذي يتناسب وطبيعة الطريق.
لقد كانت التربية الجادة على منهج القرآن الكريم عاملًا مهمًا من عوامل الصمود
والتحدي أمام الباطل وأهله، ولقد كانت تربية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه
على الصبر مقصودة في حد ذاتها؛ لأنه يعلم ويريد أن يُعلمهم أن النصر مع الصبر، وأن
البلاء سُنَّة ماضية، وأن أهل الإيمان لا بد أن يتعرضوا للفتن تمحيصًا وإعدادًا.
قال الله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن
يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [(2)
سورة العنكبوت].
5- لا بد أن ندرك أن الأعداء يبذلون الكثير من المال من أجل نشر باطلهم والصد عن
سبيل الله، فمن أجل تلكم الأزمة الاقتصادية دُفعت الأموال الطائلة للضغط على
الأجساد والبطون، ولكنهم لم يجدوا إلى القلوب المؤمنة سبيلًا، وما زال الأعداء ولا
يزالون ينفقون بسخاء في سبيل الظلم والطغيان ونشر الكفر والإلحاد وتشجيع الفجور
والإباحية عن طريق المؤسسات الإعلامية والمؤسسات التنصيرية والمؤسسات الفكرية
وغيرها، كل ذلك ليصدوا الناس عن الحق، {إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ
فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}
[(36) سورة الأنفال].
وإذا كان أهل الباطل يبذلون الكثير من المال من أجل باطلهم وفجورهم، فما بال
الموسرين من المسلمين يمسكون -إلا ما شاء الله- عن الإنفاق في سبيل الله لنشر الحق
ودعوة الحق ومواساة المعوزين من المسلمين؟
فالبذلَ البذلَ وإلا حق فينا قول الحق جل ثناؤه:
{هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن
يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ
لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [(38) سورة محمد].
6- لا شك أن موقف أهل الباطل من الدعوة ليس بدرجة واحدة، بل يتفاوت تفاوتًا كبيرًا،
وكذلك ينبغي أن يكون موقف أهل الحق منهم؛ لأن منهم من يتعاطف مع الدعوة ويقف
بجانبها حتى وإن كان مقيمًا على فسقه وفجوره، ومنهم من يكرهها ويحقد على أهلها بكل
حال وإن كانوا مظلومين استكبارًا منه وعدوانًا، ومنهم أناس بين ذلك:
{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ
بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [(132) سورة
الأنعام].
7- على كل شعب في أي وقت يسعى لتطبيق شرع الله، عليه أن يضع في حسبانه احتمالات
الحصار والمقاطعة من أهل الباطل، فالكفر ملة واحدة، فعلى قادة الأمة الإسلامية
تهيئة أنفسهم وأتباعهم لمثل هذه الظروف، وعليهم وضع الحلول المناسبة لها إذا حصلت،
وأن تفكر بمقاومة الحصار بالبدائل المناسبة كي تتمكن الأمة من الصمود في وجه أي نوع
من أنواع الحصار.
والأمة الإسلامية في الوقت الراهن تعاني أربعة أنواع من الحصار:
النوع الأول: الحصار المادي لبعض الشعوب الإسلامية المنكوبة: وهو أسلوب وإن
استنكرته الجاهلية الأولى فإن من يفرضونه في جاهلية اليوم ممن يسمون بالدول الكبرى،
يفتقدون بعض الخصائص التي كان يتميز بها أسلافهم من المشركين، مثل المروءة والشهامة
والحياء، ويفتقد كبراؤهم بعض المبادئ الإنسانية الأولية التي يمكن أن ينبثق عنها
العطف والرحمة لهذه الشعوب.
النوع الثاني: الحصار المعنوي للشعوب المسلمة: وذلك بإغراق الناس في الشهوات،
بالإعلام الماجن الذي يشيع الفواحش وينشر الرذيلة على أمل أن ينجرف أكثر الشباب في
تيار الإباحية والفجور، فلا ينفعهم نصح الناصحين ووعظ الواعظين.
النوع الثالث: الحصار المادي للدعاة والعلماء: وهذا وإن كان مما يؤلم القلوب
المؤمنة، إلا أن له فوائد عظيمة وآثارًا بعيدة المدى في صقل نفوس الدعاة المأسورين،
فإذا هي كالذهب الخالص، قال الله تعالى: {فَأَمَّا
الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
الأَرْضِ} [(17) سورة الرعد].
النوع الرابع: الحصار الفكري للدعاة: وذلك بصد الجماهير عنهم من خلال وصفهم
بالألقاب المنفرة كالتطرف والإرهاب وغيرها، وذلك بواسطة الإعلام الذي يخدّر الشعوب
ويقلب الحقائق ويفرق بين القلوب، فهو السحر الحديث الذي أفرزه الفكر الغربي، وهو
المصيدة التي يمكن أن تؤدي الدور بالوجه المطلوب بعد أن ترفع راية الإرهاب وتلوِّح
بها وتنادي الجميع للمشاركة في زوبعتها ليجعلوها دعوى يطعنون من خلالها في الدعوة
الإسلامية، ومعولًا يضربون به حصونها، وسيفًا مصلتًا على رقاب الدعاة والمخلصين،
وتهمة جاهزة تطرح على المجاهدين الصادقين.
والحمد لله أولًا وآخرًا...
التعليقات
محمد ابو عمر
محمد ابو عمر
محمد ابو عمر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا على هذا الموقع الرائع
اخواني القائمين على الموقع احببت ان انبهكم على خطأ في نسخ قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ* الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ* وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
والصواب : فسوف يعلمون