خدمة rss
السيرة النبوية (15)



  
   

السيرة النبوية
الدرس الخامس عشر
غزوة الحديبية

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


في يوم الاثنين الأول من ذي القعدة سنة 6هـ خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- من المدينة متوجهًا بأصحابه إلى مكة؛ لأداء العمرة.
وسببها أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأى رؤيا في منامه وهو في المدينة، وتتلخص هذه الرؤيا التي رآها أنه قد دخل مكة مع أصحابه المسلمين محرمًا مؤديًا للعمرة، وقد ساق الهدي معظمًا للبيت مقدسًا له، فبشر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ففرحوا بها فرحًا عظيمًا، فقد طال عهدهم بمكة والكعبة التي رضعوا بلبان حبها ودانوا بتعظيمها، وما زادهم الإسلام إلا ارتباطًا بها وشوقًا إليها، وقد تاقت نفوسهم إلى الطواف حولها، وتطلعت إليها تطلعًا شديدًا، وكان المهاجرون أشدهم حنينًا إلى مكة؛ فقد ولدوا ونشؤوا فيها وأحبوها حبًّا شديدًا، وقد حيل بينهم وبينها، فلما أخبرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك، تهيؤوا لتلك الزيارة العظيمة، واستنفر -صلى الله عليه وسلم- أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه؛ لأنه كان يخشى أن تصده قريش عن البيت الحرام، وكانت استخبارات المدينة قد علمت بأمر التحالف العسكري الذي عقد بين قريش في جنوب المدينة المنورة وخيبر في شمالها، وكان هدف هذا التحالف جعل الدولة الإسلامية بين طرفي الكماشة، ثم إطباق فكيها عليها وإنهاء الوجود الإسلامي فيها، فقد حان الوقت لكسر ذلك التحالف سياسيًّا، فقد كانت الكعبة في نظر العرب قاطبة ليست ملكًا لقريش، بل هي تراث أبيهم إسماعيل، ولهذا فليس من حق قريش أن تمنع من زيارتها من تشاء، وتجيز من تشاء، فإذن من حق محمد وأصحابه زيارة الكعبة.
وانتشر خبر خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين قبائل العرب، وكان انتشار الخبر له أثر في الرأي العام، وخصوصًا بعدما أكد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه لا يريد حربًا، وإنّما يريد أن يعتمر ويعظم شعائر الله، وحقق هذا الفعل الكريم مكاسب إعلامية رفيعة المستوى، وقد كان هدف النبي -صلى الله عليه وسلم- معلنًا ألا وهو زيارة بيت الله الحرام لأداء العمرة، فتجرد هو وأصحابه من المخيط، ولبسوا ثياب الإحرام، وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة بعد أن قلد الهدي وأشعره.
وقد كان -صلى الله عليه وسلم- على جانب كبير من الحيطة والحذر، فقد أرسل بشر بن سفيان الخزاعي عينًا له، وقدّم بين يديه طليعة استكشافية مكونة من عشرين رجلًا، ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عباد بن بشر فقدمه أمامه طليعة في خيل المسلمين من عشرين فارسًا، وكان فيها رجال من المهاجرين والأنصار، وكان هدفه -صلى الله عليه وسلم- من ذلك الاستعداد للطوارئ التي يمكن أن يفاجأ بها، وأيضا فقد كانت مهمة هذه الطليعة استكشاف خبر العدو.
وأخذ -صلى الله عليه وسلم- بمشورة عمر في ذي الحليفة عندما قال له: "يا رسول الله تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح ولا كراع؟"، فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة من يحمل له الكراع والسلاح، وكان قصده -صلى الله عليه وسلم- من ذلك الاستعداد لهؤلاء الأعداء الذين يملكون السلاح والعتاد ما يستطيعون به إلحاق الأذى بالمسلمين والنيل منهم، وهذا التعامل مع سنة الأخذ بالأسباب من هديه الكريم الذي جعله لأمته لتقتدي به من بعده -صلى الله عليه وسلم-؛ لما في ذلك من المصالح الكثيرة، ولما فيه من درء مكايد الأعداء الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر.
ولما وصل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي الخزاعي، فقال: "يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك ومعها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدًا"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهر الله له أو تنفرد هذه السالفة)).
وقد استشار -صلى الله عليه وسلم- أصحابه لما بلغه خبر استعداد قريش لصده عن دخول البيت الحرام، فتقدم أبو بكر الصديق برأيه الذي تدعمه الحجة الواضحة، حيث أشار على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بترك قتالهم والاستمرار على ما خرج له من أداء العمرة حتى يكون بدء القتال منهم، فاستحسن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الرأي، وأخذ به وأمر الناس أن يمضوا في هذا السبيل.
وعندما اقتربت خيل المشركين من المسلمين صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه صلاة الخوف بعسفان.
ولما بلغه أن قريشًا قد خرجت تعترض طريقه وتنصب كمينًا له ولأصحابه بقيادة خالد بن الوليد، وهو لم يقرر المصادمة، رأى أن يغير طريق الجيش الإسلامي تفاديًا للصدام مع المشركين، فقال: ((من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟))، فقال رجل من أسلم: "أنا يا رسول الله"، فسلك بهم طريقًا وعرًا بين شعاب شق على المسلمين السير فيه حتى خرجوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، وعند ذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للناس: ((قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه))، فقالوا ذلك، فقال: ((والله إنها الحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها)).
فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس أن يسلكوا ذات اليمين في طريق تخرجه إلى مهبط الحديبية من أسفل مكة، فسلك الجيش ذلك الطريق بخفة ودون أن يشعر به أحد، فما نظر خالد إلا وقترة جيش المسلمين قد ثارت، فعاد مسرعًا هو ومن معه إلى مكة يحذر أهلها ويأمرهم بالاستعداد لهذا الحدث المفاجئ، وقد أصاب الذعر المشركين وفوجئوا بنـزول الجيش الإسلامي بالحديبية حيث تعرضت مكة للخطر، وأصبحت مهددة من المسلمين تهديدًا مباشرًا.
لم تكن حركة المسلمين على هذا الطريق خوفًا من قوات الجيش، فالذي يخاف من عدوه لا يقترب من قاعدته الأصلية وهي مركز قواته، بل يحاول الابتعاد عن قاعدة العدو حتى يطيل خط مواصلات العدو، وبذلك يزيد من صعوباته ومشاكله، ويجعل فرصة النصر أمامه أقل من حالة الاقتراب.
وعندما اقترب الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الحديبية، بركت ناقته القصواء، فقال الصحابة -رضي الله عنهم-: "خلأت القصواء"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل))، ثم قال: ((والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها))، ثم زجرها فوثبت ثم عدل عن دخول مكة، وسار حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، ما لبثوا أن نزحوه ثم اشتكوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العطش، فتمضمض النبي -صلى الله عليه وسلم- في دلو وصبه في البئر، ونزع سهمًا من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت.
إن كل شيء في هذا الكون يسير بأمر الله ومشيئته، ولا يخرج في سيره عن مشيئته وإرادته، فتأمل في ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- أين بركت؟ وكيف كره الصحابة بروكها وحاولوا إنهاضها لتستمر في سيرها فيستمروا في سيرهم إلى البيت العتيق مهما كانت النتائج، ولكن الله -سبحانه وتعالى- أراد غير ذلك.
وهاهنا مسألة مهمة قلّ من تنبه لها: وهو أن أهل البدع والفجور، والبغاة والظلمة، إذا طلبوا أمرًا يعظّمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه، وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيعانون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويُمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوبٍ لله تعالى مُرْضٍ له، أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لا يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضيع وأصعبها، وأشقها على النفوس.
ثم إن الله -سبحانه وتعالى- قضى ألا يكون قتال بين المسلمين والمشركين من أهل مكة في هذه الغزوة بالذات، لحكم ظهرت فيما بعد منها:
- أن دخول المسلمين بالقوة يعني أن تحدث مذابح، وتزهق أرواح كثيرة، وتسفك دماء غزيرة من الطرفين.
- ثم إن من المحتمل أن ينال الأذى والقتل والتشريد على أيدي المؤمنين بعض المستضعفين من إخوانهم من المسلمين في مكة، وهذا فيه ما فيه من المعرّة التي لا يليق بمسلم أن يقع فيها، قال تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}
[(25) سورة الفتح].
- وأيضًا لقد سبق في علم الله -عز وجل- أن هؤلاء الذين يقفون اليوم صادين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم- عن المسجد الحرام هم الذين سيفتح قلوبهم إلى الإسلام، ويستفتح الله على أيديهم بلادًا كثيرة، حين يحملون هذه الرسالة للناس، وينيرون ظلمة الطريق للمدلجين.
بذل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما في وسعه لإفهام قريش أنه لا يريد حربًا معهم، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه، وهو حق للمسلمين، كما هو حق لغيرهم، وعندما تأكدت قريش من ذلك أرسلت إليه من يفاوضه ويتعرف على قوة المسلمين ومدى عزمهم على القتال إذا أُلجئوا إليه، وطمعًا في صد المسلمين عن البيت بالطرق السلمية من جهة ثالثة.
جاء بُدَيل بن ورقاء في رجال من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل تهامة، وبينوا أن قريشًا تعتزم صد المسلمين عن دخول مكة، فأوضح لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- سبب مجيئه، وذكر لهم الضرر الذي وقع على قريش من استمرار الحرب، واقترح عليهم أن تكون بينهم هدنة إلى وقت معلوم حتى يتضح لهم الأمر، وإن أبوا فلا مناص من الحرب ولو كان في ذلك هلاكه، فنقلوا ذلك إلى قريش وقالوا لهم: "يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، إن محمدًا لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرًا هذا البيت"، فاتهموهم وخاطبوهم بما يكرهون، وقالوا: "وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا ولا تتحدث بذلك العرب".
وقد ظهرت براعة النبي -صلى الله عليه وسلم- السياسية في عرضه على مشركي مكة الهدنة؛ لأن في ذلك فوائد كثيرة منها:
- أنه يضمن حياد قريش ويعزلها عن أي صراع يحدث في الجزيرة العربية، سواء كان هذا الصراع مع القبائل العربية الأخرى أم مع اليهود، ذلك العدو اللئيم الغادر الذي يتربص بالمسلمين الدوائر.
- أيضًا حرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أن يبقى الاتصال مفتوحًا بينه وبين قريش، ليسمع منهم ويسمعوا منه بواسطة الرسل والسفراء، وفي هذا تقريب للنفوس وتبريد لجو الحرب، وإضعاف لحماسهم نحو القتال.
- ثم إن العقلاء الذين يفكرون بعقولهم حين يسمعون كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأنه جاء معظمًا للبيت والمشركون يردونه وهو يصرّ على تعظيمه، سيقف هؤلاء بجانبه ويتعاطفون معه فيقوى مركزه، ويضعُف مركز قريش الإعلامي والديني في نفوس الناس.
ومع ذلك لم تقبل قريش ما نقله بديل بن ورقاء الخزاعي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه جاء زائرًا للبيت ولم يأت مقاتلًا، واتهمتهم، بل وأسمعتهم ما يكرهون، فاقترح عليهم عروة بن مسعود الثقفي أن يقابل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويسمع منه، ثم يأتيهم بالخبر اليقين.
وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه فقال: "فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإنني والله لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فرد عليه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وكان بجوار النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذاك؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك".
لقد حاول عروة بن مسعود أن يشنَّ على المسلمين حربًا نفسية حتى يهزمهم معنويًّا، فاستخدم عنصر الإشاعة، ويظهر ذلك عندما لوّح بقوة قريش العسكرية، معتمدًا على المبالغة في تصوير الموقف بأنه سيؤول لصالح قريش لا محالة، وذلك بأن يوقع الفتنة والإرباك في صفوف المسلمين، وذلك حينما حاول إضعاف الثقة بين القائد وجنوده عندما قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك"، حاول ذلك من أجل التأثير على نفسيات المسلمين ولخدمة أهداف قريش العسكرية والإعلامية، وحاول أيضًا أن يفتعل أزمة عسكرية كبيرة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وجنوده من أجل التأثير على معنوياتهم وتحطيم عزائمهم، وهذا من أقوى أساليب الحرب النفسية التي استخدمت ضد المسلمين أثناء تلك المفاوضات.
وحاول عروة أن يثير الرعب وذلك بتخويف المسلمين من قوة قريش التي لا تقهر، وتصوير المعركة بأنها في غير صالحهم.
لقد مارس عروة بن مسعود في مفاوضته عناصر الحرب النفسية من إشاعة وافتعال الأزمات وإثارة الرعب، إلا أن تلك العناصر تحطمت أمام الإيمان العميق والتكوين الدقيق والصف الإسلامي المرصوص.
ومن المفارقات الرائعة التي حصلت أثناء المفاوضات مع عروة بن مسعود وهي من عجائب الأحداث التي يستشف منها الدليل القاطع على قوة الإيمان التي كان يتمتع بها أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلى قدرة هذا الدين في تحويل الإنسان من شيطان مريد إلى إنسان فاضل نبيل، حيث كان أحد الذين يتولون حراسة النبي -صلى الله عليه وسلم- أثناء محادثاته مع عروة بن مسعود الثقفي في الحديبية هو المغيرة بن شعبة - ابن أخي عروة بن مسعود نفسه - وكان المغيرة هذا قبل أن يهديه الله للإسلام شابًّا فاتكًا سكيرًا قاطعًا للطريق غير أن دخوله للإسلام حوله إلى إنسان آخر، وقد أصبح بفضل الله تعالى من الصفوة المؤمنة، وقد وقع عليه الاختيار ليقوم بمهامّ حراسة النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الجو الملبد بغيوم الحرب، وكان من عادة الجاهلية في المفاوضات، أن يمسك المفاوض بلحية الذي يراه ندًّا له أثناء الحديث، وعلى هذه القاعدة كان عروة بن مسعود يمسك بلحية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء المناقشة، الأمر الذي أغضب المغيرة بن شعبة الذي كان قائمًا على رأس النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسيف يحرسه وعلى وجهه المغفر، فانتهر عمّه وقرع يده بقائم السيف قائلًا له: "اكففْ يدك عن مس لحية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن لا تصل إليك"، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبتسم للذي يجري بين عروة المشرك وبين ابن أخيه المؤمن، ولما كان المغيرة بن شعبة يقف بلباسه الحربي متوشحًا بسيفه ودرعه وعلى وجهه المغفر، فإن عمّه عروة لم يكن باستطاعته معرفته، فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في أشد الغضب: "ليت شعري من أنت يا محمد؟ من هذا الذي أرى من بين أصحابك؟"، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة))، فقال له عمّه: "وأنت بذلك يا غُدر؟ لقد أورثتنا العداوة من ثقيف أبد الدهر، والله ما غُسلت غدرتك إلا بالأمس".
كان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء)).
لقد فشل عروة في مفاوضاته، ورجع محذرًا قريشًا من أن تدخل في صراع مسلح مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وقال لهم: "يا قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكًا قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد وأصحابه، والله ما يشدّون إليه النّظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى أمر فيُفعل، وما يتنخم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء، وقد حزرت القوم، واعلموا إنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قومًا ما يبالون ما يُصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، والله لقد رأيت نسيات معه، وإن كنّ ليسلمنه أبدًا على حال، فروا رأيكم، وإياكم وإضجاع الرأي فمادوه يا قوم، اقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح مع أني أخاف ألا تُنصروا عليه، رجل أتى هذا البيت معظمًا له، معه الهدي، ينحره وينصرف".
فقالت قريش: لا تنكلم بهذا يا أبا يعفور، لو غيرك تكلم بها لَلُمناه، ولكن نرده عن البيت في عامنا هذا ويرجع قابل.
لقد انتقلت الحرب النفسية وتأثيرها في صفوف المسلمين لتعمل داخل جبهة قريش وفي نفوسهم، فقد كان تصوير عروة لما رآه صادقًا، حيث بيَّن لقريش وضع المسلمين في الحديبية، من طاعتهم لنبيهم الكريم وحبهم له وتفانيهم بالدفاع عنه، وبما يتمتعون به من معنويات عالية جدًّا، واستعداد عسكري ونفسي يفوق الوصف، فكان ذلك بمثابة التحذير الفعلي لقريش بعدم التعجيل والدخول في حرب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، مما قد تكون نتائج هذه المعركة لصالح المسلمين، الأمر الذي أسقط في أيدي زعمائها، ولم تكن قريش تتوقعه أبدًا في تقويمها للأمور.
لقد كان وقع كل كلمة قالها سيد ثقيف كالصاعقة على مسامع نفوس زعماء قريش، لقد كان -صلى الله عليه وسلم- موفقًا من قبل الله تعالى، ولذلك نجد أثره على عروة بن مسعود، مما جعل الانشقاق يدب في معسكر قريش، وأخذت جبهة قريش تتداعى أمام قوة الحق الصامدة، وكذلك فقد انهارت حجة قريش في جمعها للعرب ضد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
لقد نجح النبي -صلى الله عليه وسلم- بحكمته وذكائه نجاحًا عظيمًا باستخدام الأساليب الإعلامية والدبلوماسية المتعددة للحصول على الغاية المنشودة، وهي تفتيت جبهة قريش الداخلية، وإيقاع الهزيمة في نفوسهم، وإبعاد حلفائهم عنهم، وإن هذه النتيجة لتعد بحق نصرًا ساحقًا حققه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الجبهات السياسية والإعلامية والعسكرية.
بعدها بعثت قريش الحلس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه))، وأمر برفع الصوت في التلبية، فلما رأى الحلس الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك إعظامًا لما رأى، فقد كان الوادي مجدبًا لا ماء فيه ولا مرعى، وقد أكل الهدي أوباره من طول الحبس عن محله، ورأى المسلمين وقد استقبلوه رافعين أصواتهم بالتلبية وهم في زي الإحرام، وقد شعِثوا من طول المكوث على إحرامهم، ولذلك استنكر تصرف قريش بشدة، وانصرف سيد بني كنانة عائدًا من حيث أتى دون أن يفاتح النبي -صلى الله عليه وسلم- بشيء أو أن يفاوضه كما كان مقررًا من قبل، واعتبر عمل قريش عدوانيًّا ضد زوار بيت الله الحرام، ولا يجوز لأحد أن يؤيدها أو أن يناصرها على ذلك، فرجع محتجًّا على قريش التي أعلنت غضبها لصراحة الحلس، وحاولت أن تتلافى هذا الموقف الذي يهدد بانقسام خطير في جبهة قريش العسكرية، ونسف الحلف المعقود بين قريش والأحابيش، وقالوا لزعيم الأحابيش: إنما كل ما رأيت هو مكيدة من محمد وأصحابه، فاكفف عنّا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من الضرورة إرسال مبعوث خاص من جانبه إلى قريش يبلغهم نواياه السلمية بعدم الرغبة في القتال، واحترام المقدسات، ومن ثم أداء مناسك العمرة والعودة إلى المدينة، فوقع الاختيار على أن يكون مبعوث الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى قريش خراش بن أمية الخزاعي، فلما دخل مكة على جمل عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش فمنعهم الأحابيش، فعاد خراش بن أمية إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبره بما صنعت قريش، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرسل سفيرًا آخر، ووقع الاختيار في بداية الأمر على عمر بن الخطاب فاعتذر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الذهاب إليهم، وأشار على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبعث عثمان مكانه، وعرض عمر –رضي الله عنه- رأيه هذا معززًا بالحجة الواضحة، وهي ضرورة توافر الحماية لمن يخالط هؤلاء الأعداء، وحيث إن هذا الأمر لم يكن متحققًا بالنسبة لعمر، فقد أشار على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثمان –رضي الله عنه-؛ لأن له قبيلة تحميه من أذى المشركين حتى يبلغ رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال لرسول الله: "إني أخاف قريشًا على نفسي، قد عرفت عداوتي لها، وليس بها من بني عدي من يمنعني، وإن أحببت يا رسول الله دخلت عليهم"، فلم يقل رسول الله شيئًا، قال عمر: "ولكن أدلك يا رسول الله على رجل أعز بمكة مني، وأكثر عشيرة وأمنع، عثمان بن عفان".
فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عثمان –رضي الله عنه- فقال: ((اذهب إلى قريش وأخبرهم أنا لم نأتِ لقتال أحد، وإنما جئنا زوارًا لهذا البيت، معظمين لحرمته، معنا الهدي، ننحره وننصرف)).
فخرج عثمان بن عفان –رضي الله عنه- حتى قرب من مكة فوجد قريشًا هنالك فقالوا: "أين تريد؟"، قال: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليكم يدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، تدخلون في الدين كافة، فإن الله مظهر دينه ومعز نبيه، وأخرى تكفون ويلي هذا منه غيركم، فإن ظفروا بمحمد فذلك ما أردتم، وإن ظفر محمد كنتم بالخيار أن تدخلوا فيما دخل فيه الناس أو تقاتلوا وأنتم وافرون جامون، إن الحرب قد نهكتكم، وأذهبت بالأماثل منكم".
فجعل عثمان يكلمهم فيأتيهم بما لا يريدون ويقولون: "قد سمعنا ما تقول ولا كان هذا أبدًا، ولا دخلها علينا عنوة، فارجع إلى صاحبك فأخبره أنه لا يصل إلينا".
فقام إليه أبان بن سعد بن العاص فرحّب به وأجاره، وقال: لا تقصر عن حاجتك، ثم نزل عن فرس كان عليه، فحمل عثمان على السرج وردفه وراءه، فدخل عثمان مكة، فأتى أشرافهم رجلًا رجلًا، أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وغيرهما، فجعلوا يردون عليه: إن محمدًا لا يدخلها علينا أبدًا.
وعرض المشركون على عثمان –رضي الله عنه- أن يطوف بالبيت فأبى، وقام عثمان بتبليغ رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المستضعفين بمكة، وبشّرهم بقرب الفرج والمخرج، وأخذ منهم رسالة شفهية إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاء فيها: "اقرأ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منا السلام، إن الذي أنزله بالحديبية لقادر على أن يدخله بطن مكة".
في هذه الأثناء بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عثمان –رضي الله عنه- قُتل، مباشرة دعا رسول الله أصحابه إلى مبايعته على قتال المشركين ومناجزتهم، فاستجاب الصحابة وبايعوه على الموت، وكان أول من بايعه على ذلك سنان عبد الله بن وهب الأسدي فخرج الناس بعده يبايعون على بيعته، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، في أول الناس وأوسطهم وآخرهم، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده اليمنى: ((هذه يد عثمان))، فضرب بها على يده، وكان عدد الصحابة الذين أخذ منهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- المبايعة تحت شجرة هناك ألفًا وأربعمائة صحابي، وقد تحدث القرآن الكريم عن أهل بيعة الرضوان، وورد فضلهم في نصوص كثيرة من الآيات القرآنية، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}
[(10) سورة الفتح].
بلغ قريشًا أمر بيعة الرضوان، وأدرك زعماؤها تصميم الرسول -صلى الله عليه وسلم- على القتال، فأوفدوا سهيل بن عمرو في نفر من رجالهم لمفاوضة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سهيلًا قال: ((لقد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل)).
كان سهيل بن عمرو أحد زعماء قريش البارزين الذين كانوا يُعرفون بالحنكة السياسية والدهاء، فهو خطيب ماهر، ذو عقل راجح، ورزانة، وأصالة في الرأي.
شرع الفريقان المتفاوضان في بحث بنود الصلح، وذلك بعد رجوع عثمان بن عفان –رضي الله عنه-، وقد استعرض الفريقان النقاط التي يجب أن تتضمنها معاهدة الصلح، واستعرضا في مباحثاتهما مختلف القضايا التي كانت تشكل مثار الخلاف بينهما.
هذا وقد اتفق الفريقان من حيث المبدأ على بعض النقاط، واختلفا على البعض الآخر، وقد طال البحث والجدل والأخذ والرد حول هذه البنود، وبعد المراجعات والمفاوضات تقاربت وجهات النظر بين الفريقين، وعند الشروع في وضع الصيغة النهائية للمعاهدة وكتابتها لتكون نافذة المفعول رسميًّا حدث خلاف بين الوفدين على بعض النقاط كاد أن يعثِّر سير هذه الاتفاقية، فعندما شرع النبي -صلى الله عليه وسلم- في إملاء صيغة المعاهدة المتفق عليها أمر الكاتب وهو علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، بأن يبدأ المعاهدة بكلمة: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وهنا اعترض رئيس الوفد القرشي سهيل بن عمرو قائلًا: لا أعرف الرحمن، اكتب: باسمك اللهم، فضج الصحابة على هذا الاعتراض قائلين: هو الرحمن، ولا نكتب إلا الرحمن، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- تمشيًا مع سياسة الحكمة والمرونة والحِلْم، قال للكاتب: ((اكتب باسمك اللهم)).
واستمر في إملاء صيغة المعاهدة، فأمر الكاتب أن يكتب: هذا ما اصطلح عليه رسول الله، وقبل أن يكمل الجملة اعترض رئيس الوفد القرشي على كلمة رسول الله قائلًا: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ اكتب اسمك واسم أبيك.
واعترض المسلمون على ذلك، ولكن رسول الله بحكمته وتسامحه وبُعد نظره حسم الخلاف وأمر الكاتب بأن يشطب كلمة رسول الله من الوثيقة فالتزم الصحابة الصمت والهدوء.
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وافق المشركين على ترك كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، وكتابة باسمك اللهم بدلًا عنها، وكذا وافقهم في كتابة محمد بن عبد الله، وترك كتابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذا وافقهم في رد من جاء منهم إلى المسلمين دون من ذهب منهم إليهم، وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح، مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور، أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله: محمد بن عبد الله، هو أيضًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وليس في ترك وصف الله -سبحانه وتعالى- في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك.
وتم عقد هذه المعاهدة وكانت صياغتها: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب على الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجًّا أو معتمرًا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازًا إلى مصر أو إلى الشام، يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا أسلال ولا أغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأنت ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا تدخلها بغيرها، وعلى أن هذا الهدي ما جئناه ومحله فلا تقدمه علينا.
وأشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين. فمن المسلمين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن سلمة، وعلي بن أبي طالب كاتب المعاهدة -رضي الله عنهم أجمعين-، ومن المشركين: مكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو.
تعتبر هذه المعاهدة أساسًا للمعاهدات الإسلامية ونموذجًا فريدًا للمعاهدات الدولية، بما سبقها من مفاوضات، وما حوته من شروط، وما تمثل بها من خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- في النـزول عند رضا الطرف الآخر، وفي كيفية الصياغة والالتزام.
عقدت هذه المعاهدة في الوقت الذي كان فيه المسلمون بمركز القوة لا الضعف، وكان باستطاعتهم ألا يقبلوا شروطها التي اغتاظ منها كثير من الصحابة، ولكن ما كان لهم أن يخرجوا عن طوع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى، وقد تمادى رسول قريش على رسول الله في مفاوضته، وكان فردًا بين جيش المسلمين، فلم ينله أذى، ولم يتمادَ عليه المسلمون بالقتل؛ لأن السفراء لا تقتل، ولكن رسول الله يرضيه ويسعه بالحلم واللين، حتى يصل إلى الغاية التي ينشدها الإسلام، وهي حقن الدماء، ورجاء أن يعقل القوم الحق، وأن يراجعوا المواقف، ويسمعوا كلام الله، وتدخل الدعوة الإسلامية طورًا جديدًا بصور أخرى في الانتشار والاتصال بالناس.
لقد كانت الصورة الظاهرة في شروط الحديبية فيها ضيم للمسلمين، وهي في باطنها عز وفتح ونصر، حيث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر إلى ما وراء المعاهدة من الفتح العظيم من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه، وهو -صلى الله عليه وسلم-
يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب.
إن من أبلغ دروس صلح الحديبية درس الوفاء بالعهد، والتقيد بما يفرضه شرف الكلمة من الوفاء بالالتزامات التي يقطعها المسلم على نفسه، وقد ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه أعلى مثل في التاريخ القديم والحديث، لاحترام كلمة لم تكتب، واحترام كلمة تكتب كذلك، وفي الجد في عهوده، وحبه للصراحة والواقعية، وبغضه التحايل والالتواء والكيد، وذلك حينما كان يفاوض سهيل بن عمرو في الحديبية، حيث جاءه ابن سهيل يرسف في الأغلال، وقد فرّ من مشركي مكة، وكان أبوه يتفاوض مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان هذا الابن ممن آمنوا بالإسلام، جاء مستصرخًا بالمسلمين، وقد انفلت من أيدي المشركين، فلما رأى سهيل ابنه قام إليه وأخذ بتلابيبه وقال: "يا محمد، لقد لجت القضية بيني وبينك": أي فرغنا من المناقشة قبل أن يأتيك هذا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((صدقت)) فقال أبو جندل: "يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟!"، فلم يغن عنه ذلك شيئًا، ورده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال لأبي جندل: ((إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهدًا، وإنا لا نغدر بهم)).
غير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إزاء هذه المأساة التي حالت بنود معاهدة الصلح بينه وبين أن يجد مخرجًا منها لأبي جندل المسلم، طمأن أبا جندل وبشّره بقرب الفرج له ولمن على شاكلته من المسلمين، وقال له وهو يواسيه: ((يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا)).
وفي هذه الكلمات النبوية المشرقة العظيمة دلالة ليس فوقها دلالة على مقدار حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتمسكه بفضيلة الوفاء بالعهد مهما كانت نتائجه وعواقبه فيما يبدو للناس.
لقد كان درس أبي جندل امتحانًا قاسيًا ورهيبًا لهذا الوفاء بالعهد أثبت فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون نجاحًا عظيمًا في كبت عواطفهم وحبس مشاعرهم، وقد صبروا لمنظر أخيهم أبي جندل وتأثروا من ذلك المشهد عندما كان أبوه يجتذبه من تلابيبه، والدماء تنـزف منه، مما زاد في إيلامهم، حتى أن الكثيرين منهم أخذوا يبكون بمرارة إشفاقًا منهم على أخيهم في العقيدة، وهم ينظرون إلى أبيه المشرك وهو يسحبه بفظاظة الوثني الجلف ليعود به مرة أخرى إلى سجنه الرهيب في مكة.
وقد صبر أبو جندل واحتسب لمصابه في سبيل دينه وعقيدته، وتحقق فيه قول الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}
[(2-3) سورة الطلاق]، فلم تمر أقل من سنة حتى تمكن مع إخوانه المسلمين المستضعفين بمكة من الإفلات من سجون مكة، وأصبحوا قوة صار كفار مكة يخشونها، بعد أن انضموا إلى أبي بصير، وسيطروا على طرق قوافل المشركين الآتية من الشام.
بعد الاتفاق على معاهدة الصلح وقبل تسجيل وثائقها ظهرت بين المسلمين معارضة شديدة وقوية لهذه الاتفاقية، وخاصة في البندين اللذين يلتزم النبي -صلى الله عليه وسلم- بموجبهما برد من جاءه من المسلمين لاجئًا، ولا تلتزم قريش برد من جاءها من المسلمين مرتدًا، والبند الذي يقضي بأن يعود المسلمون من الحديبية إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة ذلك العام، وقد كان أشد الناس معارضة لهذه الاتفاقية وانتقادًا لها، عمر بن الخطاب وأسيد بن حضير سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج.
وقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله معلنًا معارضته لهذه الاتفاقية، وقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألست برسول الله؟"، قال: ((بلى))، قال: "أوَلسنا بالمسلمين؟"، قال: ((بلى))، قال: "أوَليسوا بالمشركين؟"، قال: ((بلى))، قال: "فعلام نعطي الدنية في ديننا؟"، قال: ((إني رسول الله ولست أعصيه)).
لما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قضية كتابة الصلح قال لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا)) حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: "يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك"، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.
كان رأي أم سلمة سديدًا ومباركًا، حيث فهمت -رضي الله عنها- وعن الصحابة أنه وقع في أنفسهم أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة في حقهم، وأنه يستمر على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي -صلى الله عليه وسلم- صواب ما أشارت به ففعله، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به، فلم يبق بعد ذلك غاية تنتظر، فكان ذلك رأيًا سديدًا ومشورةً مباركةً.
كما نلاحظ أهمية القدوة العملية، فقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أمر وكرره ثلاث مرات، وفيهم كبار الصحابة وشيوخهم، ومع ذلك لم يستجب أحد لدعوته، فلما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الخطوة العملية التي أشارت بها أم سلمة تحقق المراد، فالقدوة العملية في مثل هذه المواقف أجدى وأنفع.
وقد شرع حكم الإحصار في العمرة والحج في صلح الحديبية وهذا من بركات هذا الفتح المبين: فدلَّ عمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد الفراغ من أمر الصلح -من التحلل والنحر والحلق- على أن المحصر يجوز له أن يتحلل، وذلك بأن يذبح شاة حيث أحصر أو ما يقوم مقامها، ويحلق ثم ينوي التحلل مما كان قد أهلّ به، سواء كان حجًّا أو عمرة.
ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الحديبية قاصدًا المدينة حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح، وقد عبّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عظيم فرحته بنـزولها وقال: ((أنزلت عليَّ الليلة سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس))، ثم قرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}
[(1) سورة الفتح]، فقال أصحاب رسول الله: "هنيئًا مريئًا، فما لنا؟"، فأنزل الله: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [(5) سورة الفتح].
وقد أسرع الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو واقف على راحلته بكراع الغميم فقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}
[(1) سورة الفتح]، فقال رجل: يا رسول الله، أفتح هو؟ قال: ((نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح)) فانقلبت كآبة المسلمين وحزنهم إلى فرح غامر، وأدركوا أنهم لا يمكن أن يحيطوا بالأسباب والنتائج، وأن التسليم لأمر الله ورسوله فيه كل الخير لهم ولدعوة الإسلام.
إننا بالتأمل نجد أن سورة الفتح نزلت بعد انتهاء النبي -صلى الله عليه وسلم- من الصلح وهو عائد إلى المدينة النبوية، وبعد أن خاض النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون تلك التجارب العظيمة من الأمل في العمرة، إلى مواجهة المشركين، إلى بيعة الرضوان، إلى الصلح الذي لم يكن بعض الصحابة راضين عنه، ودارت في أنفسهم أشياء كثيرة حول هذه الأحداث الجسام، ينـزل القرآن الكريم ويبين للمسلمين بأن هذا الصلح هو فتح مبين.
لقد أيقن الصحابة الكرام أن الدعوة قد دخلت في طور جديد وفتح أكيد، وآفاق أوسع، وامتداد أرحب، وأن من طبيعة هذا الدين أن ينمو ويعيش في أجواء السلم والأمن أكثر منه وقت الحرب، ولمسوا مع الأيام نتائج صلح الحديبية التي كان من أهمها:
أولًا: اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان الدولة المسلمة، فالمعاهدة دائمًا لا تكون إلا بين ندّين، وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحودي؛ حيث كانوا يرون أنها الإمام والقدوة.
ثانيًا: دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين، وتيقن الكثير منهم بغلبة الإسلام، وقد تجلت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام، مثل: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم.
ثالثًا: أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام وتعريف الناس به، مما أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه، والدليل أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف.
رابعًا: أمن المسلمون جانب قريش فحولوا ثقلهم على اليهود ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى، فكانت غزوة خيبر بعد صلح الحديبية.
خامسًا: مكّن صلح الحديبية النبي -صلى الله عليه وسلم- من تجهيز غزوة مؤتة، فكانت خطوة جديدة لنقل الدعوة الإسلامية بأسلوب آخر خارج الجزيرة العربية.
سادسًا: ساعد صلح الحديبية النبي -صلى الله عليه وسلم- على إرسال رسائل إلى ملوك الفرس والروم والقبط يدعوهم إلى الإسلام.
سابعًا: كان صلح الحديبية سببًا ومقدمة لفتح مكة.
والحمد لله...
 



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

76.96