الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://alahmad.com)

السيرة النبوية (16)

تم الإنشاء 08/05/2008 - 07:24

السيرة النبوية
الدرس السادس عشر
غزوة خيبر

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


لم يُظهر يهود خيبر العداء للمسلمين حتى نزل فيهم زعماء بني النضير، الذي حزَّ في نفوسهم إجلاؤهم عن ديارهم، ولم يكن الإجلاء كافيًا لكسر شوكتهم، فقد غادروا المدينة ومعهم النساء والأبناء والأموال، وخلفهم القيان يضربن الدفوف والمزامير بزهاء وفخر ما رئي مثله في حي من الناس في زمانهم.
وكان من أبرز زعماء بني النضير الذين نزلوا في خيبر سلاّم بن أبي الحقيق وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، فلما نزلوا دان لهم أهلها.
وكان تزعم هؤلاء ليهود خيبر كافيًا في جرها إلى الصراع والتصدي والانتقام من المسلمين، فقد كان يدفعهم حقد دفين ورغبة قوية في العودة إلى ديارهم داخل المدينة، وكان أول تحرك قوي ما حدث في غزوة الأحزاب، حيث كان لخيبر وعلى رأسها زعماء بني النضير دور كبير في حشد قريش والأعراب ضد المسلمين وتسخير أموالهم في ذلك، ثم سعيهم في إقناع بني قريظة بالغدر والتعاون مع الأحزاب، بل إنهم أنفقوا أموالهم واستغلوا علاقاتهم مع يهود بني قريظة من أجل نصرة الأحزاب وطعن المسلمين في ظهورهم، وهكذا أصبحت خيبر مصدر خطر كبير على المسلمين ودولتهم النامية.
تفرغ المسلمون بعد غزوة الحديبية لتصفية خطر يهود خيبر الذي أصبح يهدد أمن المسلمين، ولقد تضمنت سورة الفتح التي نزلت بعد الحديبية وعدًا إلهيًّا بفتح خيبر وحيازة أموالها غنيمة، قال الله تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا* وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}
[(20-21) سورة الفتح].
سار الجيش إلى خيبر بروح إيمانية عالية على الرغم من علمهم بمنعة حصون خيبر وشدة بأس رجالها وعتادها الحربي، وكانوا يكبرون ويهللون بأصوات مرتفعة، فطلب منهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرفقوا بأنفسهم قائلا: ((أيها الناس، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم)).
وكان سيره -صلى الله عليه وسلم- بالجنود ليلًا، فقد قال سلمة بن الأكوع –رضي الله عنه-: "خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر فسرنا ليلًا، وكان عامر بن الأكوع يحدو بالقوم ويقول:

اللهم لولا الله ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اتقينا *** وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا *** إنا إذا صيح بنا أتينا
وبالصياح عولوا علينا

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من هذا السائق؟))، قالوا: "عامر بن الأكوع"، قال: ((يرحمه الله)).
وعندما وصل الجيش الإسلامي بالصهباء، وهي من أدنى خيبر، صلى العصر ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلاّ السويق، فأمر به فثري، فأكل وأكل معه الصحابة، ثم قام إلى المغرب فمضمض ثم صلى بالصحابة ولم يتوضأ.
وكان -صلى الله عليه وسلم- قد بعث عباد بن بشر –رضي الله عنه- في سرية استطلاعية يلتقط أخبار العدو ويستطلع إن كان هناك كمائن، فلقي في الطريق عينًا لليهود من أشجع فقال: "من أنت؟، قال: باغٍ ابتغى أبعرة ضلّت لي أنا على إثرها، قال عباد: ألك علم بخيبر؟، قال: عهدي بها حديث، فيم تسألني عنه؟ قال: عن اليهود؟ قال: نعم، كان كنانة بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس ساروا في حلفائهم من غطفان، فاستنفروهم وجعلوا لهم ثمر خيبر سنة، فجاؤوا معدين مؤيدين بالكراع والسلاح يقودهم عتبة بن بدر، ودخلوا معهم في حصونهم، وفيهم عشرة آلاف مقاتل، وهم أهل الحصون التي لا ترام، وسلاح وطعام كثير لو حصروا لسنين لكفاهم، وماء وأنى يشربون في حصونهم، ما أرى لأحد بهم طاقة".
فرفع عباد بن بشر السوط فضربه ضربات، وقال: "ما أنت إلا عين لهم، اُصدقني وإلا ضربت عنقك"، فقال الأعرابي: القوم مرعوبون منكم خائفون، وجلون لما صنعتم بمن كان بيثرب من اليهود، وقال لي كنانة: اذهب معترضًا للطريق فإنهم لا يستنكرون مكانك واحزرهم لنا، وادن منهم كالسائل لهم ما تقوى به، ثم ألق إليهم كثرة عددنا ومادتنا، فإنهم لن يدعوا سؤلك، وعجل الرجعة إلينا بخبرهم".
وعندما وصل جيش المسلمين إلى مشارف خيبر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: ((قفوا))، ثم قال: ((اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها، وشر ما فيها، اقدموا باسم الله))، وكان يقولها لكل قرية دخلها.
ولما أدرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الليل أمر الجيش بالنوم على مشارف خيبر، ثم استيقظوا مبكرين، وضربوا خيامهم ومعسكرهم بوادي الرجيع، وهو وادي يقع بين خيبر وغطفان، حتى يقطعوا المدد عن يهود خيبر من قبيلة غطفان.
ولما أصبح الصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا جيش المسلمين قالوا: "محمد والله، محمد والخميس"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)).
هرب اليهود إلى حصونهم وحاصرهم المسلمون، وأخذوا في فتح حصونهم واحدًا تلو الآخر، وكان أول ما سقط من حصونهم ناعم والصعب بمنطقة النطاة، وأبي النـزار بمنطقة الشق، وكانت هاتان المنطقتان في الشمال الشرقي من خيبر، ثم حصن القموص المنيع في منطقة الكتيبة، وهو حصن ابن أبي الحقيق، ثم أسقطوا حصني منطقة الوطيح والسلالم.
وقد واجه المسلمون مقاومة شديدة وصعوبة كبيرة عند فتح بعض هذه الحصون، منها حصن ناعم الذي استُشهد تحته محمود بن مسلمة الأنصاري، حيث ألقى عليه مرحب رحى من أعلى الحصن، والذي استغرق فتحه عشرة أيام، فقد حمل راية المسلمين عند حصاره أبو بكر الصديق ولم يفتح الله عليه، وعندما جهد الناس، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنه سيدفع اللواء غدًا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له))، فطابت نفوس المسلمين، فلما صلى فجر اليوم الثالث دعا علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ودفع إليه اللواء فحمله فتم فتح الحصن على يديه، وكان علي يشتكي من رمد في عينيه عندما دعاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فبصق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عينيه ودعا له فبرئ، ولقد أوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليًّا بأن يدعو اليهود إلى الإسلام قبل أن يداهمهم، وقال له: ((فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن تكون لك حمر النعم))، وعندما سأله علي: "يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟"، قال: ((قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك منعوا منكم دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله)).
وعندما حاصر المسلمون هذا الحصن برز لهم سيده وبطلهم مرحب وكان سببًا في استشهاد عامر بن الأكوع، ثم بارزه علي فقتله.
توجه المسلمون إلى حصن الصعب بن معاذ بعد فتح حصن ناعم، وأبلى حامل رايتهم الحباب بن المنذر بلاء حسنًا حتى افتتحوه بعد ثلاثة أيام، ووجدوا فيه الكثير من الطعام والمتاع، يوم كانوا في ضائقة من قلة الطعام، ثم توجهوا بعده إلى حصن قلعة الزبير الذي اجتمع فيه الفارون من حصن ناعم والصعب وبقية ما فتح من حصون يهود، فحاصروه وقطعوا عنه مجرى الماء الذي يغذيه، فاضطروهم إلى النـزول للقتال، فهزموهم بعد ثلاثة أيام، وبذلك تمت السيطرة على آخر حصون منطقة النطاة التي كان فيها أشد اليهود، ثم توجهوا إلى حصون منطقة الشق وبدؤوا بحصن أبيّ فاقتحموه، وأفلت بعض مقاتلته إلى حصن نزار، وتوجه إليهم المسلمون فحاصروهم ثم افتتحوا الحصن، وفر بقية أهل الشق من حصونهم وتجمعوا في حصن القموص المنيع وحصن الوطيح وحصن السلالم، فحاصرهم المسلمون لمدة أربعة عشر يومًا حتى طلبوا الصلح.
وبذلك سقطت سائر خيبر بيد المسلمين، وسارع أهل فدك في شمالي خيبر إلى طلب الصلح، وأن يسيرهم ويحقن دماءهم، وبذلوا له الأموال فوافق على طلبهم، فكانت فدك خالصة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لا يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وحاصر المسلمون وادي القرى، وهي مجموعة قرى بين خيبر وتيماء ليالي، ثم استسلمت، فغنم المسلمون أموالًا كثيرة، وتركوا الأرض والنخل بيد اليهود وعاملهم عليها مثل خيبر، وصالحت تيماء على مثل صلح خيبر ووادي القرى.
وبذلك تساقطت سائر الحصون اليهودية أمام قوات المسلمين، وقد بلغ قتلى اليهود في معارك خيبر ثلاثة وتسعين رجلًا، وسبيت النساء والذراري منهنّ صفية بنت حيي بن أخطب فأعتقها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتزوجها، واستشهد من المسلمين عشرون رجلًا.
جاء رجل من الأعراب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فآمن به واتبعه فقال: "أهاجر معك؟"، فأوصى به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر، غنم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا فقسّمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: "ما هذا؟"، قالوا: "قسم قسمه لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم"، فأخذه فجاء به للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما هذا يا رسول الله؟"، قال: ((قسم قسمته لك))، قال: "ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا بسهم فأموت فأدخل الجنة"، وأشار إلى حلقه، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن تصدق الله يصدقك))، ثم نهض إلى قتال العدو، فأُتي به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو مقتول، فقال: ((أهو هو؟))، قالوا: "نعم"، قال: ((صدق الله فصدقه))، فكفنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في جبته ثم قدمه فصلى عليه، وكان من دعائه له: ((اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، قُتل شهيدًا، وأنا عليه شهيد)).
وجاء عبد أسود حبشي من أهل خيبر كان في غنم لسيده، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم: "ما تريدون؟" قالوا: "نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي"، فوقع في نفسه ذكر النبي، فأقبل بغنمه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ماذا تقول؟ وما تدعو إليه؟" قال: ((أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وألا تعبد إلا الله))، قال العبد: "فما لي إن شهدت وآمنت بالله -عز وجل-"، قال: ((لك الجنة إن مت على ذلك))، فأسلم ثم قال: "يا نبي الله، إن هذه الغنم عندي أمانة"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أخرجها من عندك وارمها بالحصباء فإن الله سيؤدي عنك أمانتك))، ففعل، فرجعت الغنم إلى سيدها، فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الناس، فوعظهم وحضهم على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهود قتل فيمن قتل العبد الأسود واحتمله المسلمون إلى معسكرهم، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خيبر، ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين، ولم يصل لله سجدة قط)).
وكان في جيش المسلمين بخيبر رجل لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أما إنه من أهل النار))، فقالوا: "أينا من أهل الجنة إن كان من أهل النار؟" فقال رجل: "والله لا يموت على هذه الحال أبدًا"، فاتبعه حتى جرح، فاشتدت جراحته واستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فجاء رجل إلى رسول الله فقال: "أشهد أنك رسول الله"، قال: ((وما ذاك))، فأخبره، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وإنه لمن أهل الجنة)).
وفي تلك الأثناء قدم جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- وصحبه من مهاجري الحبشة على رسول الله يوم فتح خيبر، فقبّله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين عينيه والتزمه وقال: ((ما أدري بأيهما أنا أسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر))، وكان -صلى الله عليه وسلم- قد أرسل في طلبهم من النجاشي، عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين ووافق قدومهم عليه يوم فتح خيبر، وقد رافق جعفر في قدومه أبو موسى الأشعري ومن كان بصحبته من الأشعريين، فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: "بلغنا مخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهم أبو بردة، والآخر أبو رهم، في ثلاثة وخمسين رجلًا من قومي، فركبنا السفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا جميعًا، فوافقنا النبي -صلى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبر".
لقد مكث جعفر وإخوانه في الحبشة بضعة عشر عامًا، نزل خلالها قرآن كثير، ودارت معارك شتى مع الكفار، وتقلّب المسلمون قبل الهجرة العامة وبعدها في أطوار متباينة، حتى ظن البعض أن مهاجري الحبشة قد فاتهم هذا كله، وأنهم أقل قدرًا من غيرهم.
فعن أبي موسى قال: "كان أناس يقولون لنا سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- زائرة، وكانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء ابنة عميس، قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت، وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله يُطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله، وايم الله، لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاءت النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: كذا وكذا، قال: ((ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان))، فأخذت أسماء هذا الوسام ووزعته على جميع أعضاء الوفد حيث كانوا، وكما قالت: يأتون أرسالًا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في نفوسهم مما قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقد أشركهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في مغانم خيبر بعد أن استأذن من الصحابة -رضي الله عنهم- الذين شاركوا في فتحها.
كانت غزوة خيبر من أكثر غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم- غنيمة من حيث الأراضي والنخيل والثياب والأطعمة وغير ذلك، ومن خلال وصف كتب السيرة نلاحظ أن الغنائم تتكون من الطعام، فقد غنم المسلمون كثيرًا من الأطعمة من حصون خيبر، فقد وجدوا فيها الشحم والزيت والعسل والسمن، وغير ذلك، فأباح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأكل من تلك الأطعمة، ولم يخمسها. وغنموا أيضًا الثياب والأثاث والإبل والبقر والغنم، وقد أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسها ووضعه فيما وضعه الله فيه، ووزع أربعة أخماسها على المحاربين.
وغنموا السبي، وقد سبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا من نساء اليهود، ووزع السبي على المسلمين.
أما الأراضي والنخيل فقد قسمها النبي إلى ستة وثلاثين سهمًا، وجمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وللمسلمين النصف من ذلك، وهو ألف وثمانمائة سهم، ووزع النصف الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهم لنوائبه، وما ينـزل به من أمور المسلمين.
وكان من بين ما غنم المسلمون من يهود خيبر عدة صحف من التوراة فطلب اليهود ردَّها، فأمر بتسليمها إليهم، ولم يصنع -صلى الله عليه وسلم- ما صنع الرومان حينما فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، ولا ما صنع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوراة.
وقد أبقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهود خيبر فيها على أن يعملوا في زراعتها وينفقوا عليها من أموالهم، ولهم نصف ثمارها، على أن للمسلمين حق إخراجهم منها متى أرادوا، وكان اليهود قد بادروا بعرض ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: نحن أعلم بالأرض منكم، فوافق على ذلك بعد أن همّ بإخراجهم منها.
وقد اشترط عليهم أن يجليهم عنها متى شاء، وهنا تظهر براعة سياسة جديدة في عقد الشروط، فإن بقاء اليهود في الأرض يفلحونها يوفر للمسلمين الجنود المجاهدين في سبيل الله، ومن جهة أخرى فإن اليهود هم أصحاب الأرض وهم أدرى بفلاحتها من غيرهم، فبقاؤهم فيها يعطي ثمرة أكثر وأجود وبخاصة أنهم لن يأخذوا أجرًا، ولكنهم سيأخذون نصف ما يخرج من الأرض قلَّ أو كثر.
وقد ضمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشرط إجلائهم متى شاء المسلمون، إخضاعهم وكسر شوكتهم؛ لأنهم يعلمون إذا فعلوا شيئًا يضر بالمسلمين سيطردونهم منها، ولا يعودون إليها أبدًا، وقد حدث ذلك فعلًا في عهد عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- حيث اعتدوا على عبد الله ابن عمر ففدعوا يديه من المرفقين، وكانوا قبل ذلك في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- اعتدوا على عبد الله بن سهل فقتلوه، فلما تحقق عمر من غدرهم وخيانتهم أمر بإجلائهم.
وحاول يهود خيبر أن يخفوا الفضة والذهب وغيبوا مسكًا لحيي بن أخطب، وكان قد قتل مع بني قريظة، وكان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير، فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمّ حيي بن أخطب: ((أين مسك حيي بن أخطب؟)) قال: "أذهبته الحروب والنفقات"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((العهد قريب والمال أكثر من ذلك))، فدفعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الزبير بن العوام، فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة، فقال عمه: "قد رأيت حييًا يطوف في خربة هاهنا"، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المسك في الخربة.
وبعد الاتفاق الذي تمّ بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويهود خيبر على إصلاح الأرض جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه فقال: "يا أعداء الله تطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليَّ، ولأنتم أبغض الناس إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم"، فقالوا: "بهذا قامت السماوات والأرض".
لقد أصبحت خيبر ملكًا للمسلمين وصارت موردًا مهمًّا لهم، قال ابن عمر -رضي الله عنه-: "ما شبعنا حتى فتحت خيبر".
وقد تحسن الوضع الاقتصادي بعد خيبر، ورد المهاجرون المنائح التي أعطاهم إياها الأنصار من النخل.
لما فتح المسلمون حصن بني أبي الحقيق، كانت صفية في السبي، فأعطاها دحية الكلبي، فجاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قومها، وهي ما تصلح إلا لك"، فاستحسن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أشار به الرجل، وقال لدحية: ((خذ جارية من السبي غيرها))، ثم أخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأعتقها وجعل عتقها صداقها، ثم تزوجها بعد أن طهرت من حيضتها، وبعد أن أسلمت. ولم يخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها، فحملها وراءه فلما صار إلى منـزل على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها، فأبت عليه، فوجد في نفسه، فلما كان بالصهباء نزل بها هناك فمشطتها أم سليم وعطرتها، وزفتها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وبنى بها، فسألها: ((ما حملك على الامتناع من النـزول أولًا))، فقالت: "خشيت عليك من قرب اليهود"، فعظُمت في نفسه.
ومكث رسول الله بالصهباء ثلاثة أيام، وأولم عليها ودعا المسلمين، وما كان فيها من لحم، وإنما التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: "إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟"، فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد عليها الحجاب، فأيقنوا أنها إحدى أمهات المؤمنين.
وهكذا أكرم الله أم المؤمنين صفية بالزواج من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأعتقها من النار، وجعلها أمًّا للمؤمنين، وزوجًا في الجنة لخاتم الأنبياء والمرسلين، وقد أكرمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غاية الإكرام، وكان يجلس عند بعيره فيضع ركبته لتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب، وقد بلغ من أدبها أنها كانت تأبى أن تضع رجلها على ركبته، فكانت تضع ركبتها على ركبته وتركب.
وهذه صفية -رضي الله عنها- تحدثنا عن خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتقول: "ما رأيت أحدًا قط أحسن خلقًا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لقد رأيته ركب بي في خيبر، وأنا على عجر ناقته ليلًا، فجعلت أنعس، فتضرب رأسي مؤخرة الرحل، فيمسني بيده، ويقول: ((يا هذه مهلًا)).
وعن صفية -رضي الله عنها- أنها بلغها عن عائشة وحفصة أنهما قالتا: "نحن أكرم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من صفية، نحن أزواجه وبنات عمه"، فدخل عليها -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته فقال: ((ألا قُلتِ: وكيف تكونان خير مني وزوجي محمد وأبي هارون، وعمي موسى)).

لقد تأثرت صفية بأخلاق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأصبح -صلى الله عليه وسلم- أحب إليها من أبيها وزوجها والناس أجمعين، بل أصبح أحب إليها من نفسها، تفديه بكل ما تملك حتى نفسها، وإذا ألمّ به مرض تمنت أن يكون فيها، وأن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سليمًا معافى، فقد أخرج ابن سعد -رحمه الله- بإسناد حسن عن زيد بن أسلم –رضي الله عنه- قال: "اجتمع نساؤه -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية -رضي الله عنها-: "إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي"، فغمز بها أزواجه، فأبصرهنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((مَضمِضنَ))، فقلن: "من أي شيء؟" فقال: ((من تغامزكنّ بها، والله إنها لصادقة)).
ومما له صلة بزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصفية بنت حيي، حراسة أبي أيوب الأنصاري لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أن دخل بصفية، فعن ابن إسحاق أنه قال: "ولما أعرس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصفية ببعض الطريق، فبات بها رسول الله في قبة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد أخو بني النجار متوشحًا سيفه، يحرس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويطيف بالقبة، حتى أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما رأى مكانه قال: ((ما لك يا أبا أيوب؟))، قال: "يا رسول الله، خفت عليك من هذه المرأة" -وكانت امرأة قد قَتلتَ أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر- فخفتها عليك، فسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعمله الذي ينبئ على غاية الحب والإيمان، وقال: ((اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحرسني)).
وكان زواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصفية فيه حكمة عظيمة، فهو لم يرد بزواجه منها قضاء شهوة، أو إشباعًا لغريزة، وإنما أراد إعزازها وتكريمها وصيانتها من أن تفترش لرجل لا يعرف لها شرفها ونسبها في قومها، وهذا إلى ما فيه من العزاء لها، قد قتل أبوها من قبل وزوجها وكثير من قومها، ولم يكن هناك أجمل مما صنعه الرسول معها، كما أن فيه رباط المصاهرة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- واليهود، عسى أن يكون هذا ما يخفف من عدائهم للإسلام والانضواء تحت لوائه والحد من مكرهم وسعيهم بالفساد، وكانت أم المؤمنين صفية عاقلة وحليمة وصادقة، يروى أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- فقالت: "إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود"، فبعث إليها فسألها عن ذلك، فقالت: "أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحمًا فأنا أصلها"، فقبل منها، ثم قالت للجارية: "ما حملك على هذا؟"، قالت: "الشيطان"، فقالت لها: "اذهبي فأنت حرة".
وكانت وفاتها في رمضان سنة خمسين للهجرة في زمن معاوية -رضي الله عنهما جميعًا-.
ولما أراد اليهود الانتقام من النبي -صلى الله عليه وسلم- أهدوا له شاةً مسمومة أهدتها إليه زينب بنت الحارث اليهودية، امرأة سلاّم بن مشكم، وكانت سألت أي عضو من الشاة أحب إليه؟ فقيل: الذراع، فأكثرت فيها من السم، فلما تناول الذراع لاك منها مضغة ولم يسغها، وأكل منها معه بشر بن البراء فأساغ لقمة ومات منها.
وجيء بالمرأة إلى رسول الله فقالت: "أردت قتلك"، فقال: ((ما كان الله ليسلطكِ عليّ))، قالوا: ألا تقتلها؟ قال: ((لا))، ولم يتعرض لها ولم يعاقبها، واحتجم على الكاهل، وأمر من أكل منها فاحتجم، فمات بعضهم، ولما مات بشر قتلها، ولقد كان السم الذي وضعته اليهودية قويًّا جدًّا إذ مات بشر بن البراء فورًا، وبقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعاوده ألم السم حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
وقد روى الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في مرض موته الذي مات فيه: ((يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)).
إن فتح خيبر كان فتحًا جديدًا بالنسبة للعلاقات المالية التي يجري في ظلها التبادل المالي، فكانت فيها شرعية المزارعة والمساقاة ولم تكن تجري كثيرًا في المدينة النبوية.
هذا وقد أحدث فتح خيبر وفدك ووادي القرى وتيماء دويًّا هائلًا في الجزيرة العربية بين مختلف القبائل، وقد أصيبت قريش بالغيظ والكآبة إذ لم تكن تتوقع ذلك، وهي تعلم مدى حصانة قلاع يهود خيبر، وكثرة مقاتليهم ووفرة سلاحهم ومؤونتهم ومتاعهم، أما القبائل العربية الأخرى المناصرة لقريش فقد أدهشها خبر هزيمة يهود خيبر، وخذلها انتصار المسلمين الساحق، ولذلك فإنها جنحت إلى مسالمة المسلمين وموادعتهم بعد أن أدركت عدم جدوى استمرارها في عدائهم، مما فتح الباب واسعًا لنشر الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، بعد أن تعززت مكانة المسلمين في أعين أعدائهم إلى جانب ما تحقق له من خير وتعزيز لوضعهم الاقتصادي.
واستمرت حركة السرايا بعد خيبر وكانت كثيرة، وأمّر عليها -صلى الله عليه وسلم- كبار الصحابة، وكان في بعضها قتال، ولم يكن في بعضها قتال.
وبعد غزوة خيبر فإن الرسول لم يأل جهدًا لنشر الإسلام خارج حدود الحجاز، وكذلك خارج حدود الجزيرة العربية، وقد عبر -عليه الصلاة والسلام- عن هذا المنهج قولًا وعملًا من خلال إرساله عددًا من الرسل والمبعوثين إلى أمراء الجزيرة العربية وإلى ملوك العالم المعاصر خارج الجزيرة.
وتعد هذه الخطوة نقطة تحول هامة في تاريخ الإسلام، ليس لأن الرسول سوف يوحد عرب الجزيرة العربية تحت راية الإسلام فحسب؛ ولكن لأن هؤلاء العرب بعد أن اعتنقوا الإسلام وتمثلوا رسالة السماء أنيط بهم حمل الدعوة الإسلامية إلى البشرية كافة.
وقد أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- رسائله إلى كل من: هرقل عظيم الروم، وإلى كسرى ملك الإمبراطورية الفارسية، وإلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس حاكم مصر، وإلى المنذر بن الحارث الغساني صاحب دمشق، وإلى المنذر بن ساوى العبديّ أمير البحرين.
وقد كان تلقي الملوك لهذه الرسائل يختلف، فأما هرقل والنجاشي والمقوقس، فتأدبوا وتلطفوا في جوابهم، وأكرم النجاشي والمقوقس رسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأرسل المقوقس هدايا منها جاريتان كانت إحداهما مارية أم إبراهيم ابن رسول الله، وأما كسرى، فلما قُرئ عليه الكتاب مزّقه وقال: "يكتب إليَّ هذا وهو عبدي؟"، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((مزق الله ملكه)).
وهكذا، فإن رسائل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أمراء العرب والملوك المجاورين لبلاده تعتبر نقطة تحول في سياسة دولة الرسول الخارجية، فعظم شأنها، وأصبحت لها مكانة دينية وسياسية بين الدول، وذلك قبل فتح مكة، كما أن هذه السياسة مهدت لتوحيد الرسول -صلى الله عليه وسلم- لسائر أنحاء بلاد العرب في عام الوفود.
وفي ذي القعدة في السنة السابعة من الهجرة خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة قاصدًا العمرة، كما اتفق مع قريش في صلح الحديبية، وقد بلغ عدد من شهد عمرة القضاء ألفين سوى النساء والصبيان، ولم يتخلف من أهل الحديبية إلا من استُشهد في خيبر، أو مات قبل عمرة القضاء.
وقد اتجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام من المدينة باتجاه مكة المكرمة في موكب مهيب يشق طريقه عبر القرى والبوادي، وكان كلما مر الموكب النبوي بمنازل قوم من الذين يسكنون على جانبي الطريق بين مكة والمدينة خرجوا وشاهدوا منظرًا لم يألفوه من قبل، حيث المسلمون بزي واحد من الإحرام، وهم يرفعون أصواتهم بالتلبية ويسوقون هديهم في علاماته وقلائده، في مظهر بهيّ لم تشهد المنطقة له مثيلًا.
تابع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيره نحو مكة على راحلته القصواء، فدخلها من الثنية التي تطلعه على الحجون، والمسلمون حوله متوشحون سيوفهم محدقون به كل جانب، يسترونه من المشركين مخافة أن يؤذوه بشيء، وأصواتهم تعج بالتلبية لله.
لقد كان مظهرًا دعويًّا مؤثرًا عندما بدأ الموكب النبوي الكريم يقترب من بيوت مكة المكرمة وأبنيتها، شاقًّا طريقه باتجاه الكعبة المشرفة، وهم في مظهرهم المهيب، وأصواتهم تشق عنان السماء بالتلبية، فقد ذكرت معظم كتب السير والمغازي أن قسمًا من أهالي مكة خرج إلى رؤوس الجبال لينظر إلى المسلمين من الأماكن العالية، والقسم الأكبر وقف عند دار الندوة المجاورة للكعبة الشريفة آنذاك، ليشاهدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام أثناء دخولهم مكة والبيت الحرام.
لقد كان تأثير هذه العمرة على قريش وعلى عرب الجزيرة تأثيرًا بالغًا، فقد حملت في مضمونها مهمة دعوية عظيمة، ولقد تأثر أهل مكة من هذه العمرة، فلم يكد يترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة، حتى أسلم خالد بن الوليد، وأسلم بعد خالد عمرو بن العاص، وحارس الكعبة نفسها عثمان بن طلحة، بل وظهر الإسلام في كل بيت من قريش سرًّا وعلانية، وبهذه النتيجة الطيبة يمكننا القول بأن عمرة القضاء هذه قد فتحت أبواب قلوب أهل مكة قبل أن يفتح المسلمون أبواب مكة نفسها.
والحمد لله...
 


Source URL:
http://alahmad.com/node/803