خدمة rss
السيرة النبوية (20)



  
   

السيرة النبوية
الدرس العشرون
غزوة تبوك

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لغزوة تبوك في رجب من العام التاسع الهجري بعد العودة من حصار الطائف بنحو ستة أشهر، واشتهرت هذه الغزوة باسم غزوة تبوك؛ نسبة إلى مكان هو عين تبوك، التي انتهى إليها الجيش الإسلامي، وأصل هذه التسمية جاء في صحيح مسلم، فقد روي بسنده إلى معاذ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي)).
وللغزوة اسم آخر وهو غزوة العسرة، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم حينما تحدث عن هذه الغزوة في سورة التوبة، قال تعالى: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
[(117) سورة التوبة].
لقد سميت بهذا الاسم لشدة ما لاقى المسلمون فيها من الضنك، فقد كان الجو شديد الحرارة، والمسافة بعيدة، والسفر شاقًّا لقلة المؤونة وقلة الدواب التي تحمل المجاهدين إلى أرض المعركة، وقلة الماء في هذا السفر الطويل والحر الشديد، وكذلك قلة المال الذي يجهز به الجيش وينفق عليه.
وصلت الأنباء للنبي -صلى الله عليه وسلم- من الأنباط الذين يأتون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعًا وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من مستنصرة العرب، وجاءت في مقدمتهم إلى البلقاء فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يغزوهم قبل أن يغزوه، فحث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة لبعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته، وكان عثمان –رضي الله عنه- صاحب القِدْح المُعَلَّى في الإنفاق في هذه الغزوة، فقال: "يا رسول الله، عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم))، وأما عمر -رضي الله عنه- فقد تصدق بنصف ماله، وأتى أبو بكر –رضي الله عنه- بكل ما عنده، وروى أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وسقًا من التمر، وكانت لبعض الصحابة نفقات عظيمة، كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن مسلمة -رضي الله عنهم-، وبعثت النساء ما قدرن عليه من خلاخل وخواتم وذهب، رضي الله عن صحابة رسول الله وجزاهم الله خيرًا عن الأمة، وهم كما قال ابن القيم -رحمه الله-:

أولئك أتباع النبي وحزبه *** ولولاهم ما كان في الأرض مسلم
ولولاهم كادت تميد بأهلها *** ولكن رواسيها وأوتادها هم
ولولاهم كانت ظلامًا بأهلها *** ولكنهم فيها بدور وأنجم

وهكذا يفهم المسلمون أن المال وسيلة، واستطاع أغنياء الصحابة أن يبرهنوا أن مالهم في خدمة هذا الدين، يدفعونه عن طواعية ورغبة، وإن تاريخ الأغنياء المسلمين تاريخ مشرف؛ لأن تاريخ المال في يد الرجال لا تاريخ الرجال تحت سيطرة المال.
وقد حزن الفقراء من المؤمنين؛ لأنهم لا يملكون نفقة الخروج إلى الجهاد، فهذا عُلَبة بن زيد أحد البكائين صلى من الليل وبكى، وقال: "اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في جسد أو عرض"، وأصبح الرجل على عادته مع الناس، فقال رسول الله: ((أين المتصدق هذه الليلة))، فلم يقم أحد، ثم قال: ((أين المتصدق هذه الليلة فليقم))، فقام إليه فأخبره، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة)).
وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد، فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضى بعض الوقت فحصل لهم على ثلاثة من الإبل.
وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقًا للجهاد وتحرجًا من القعود حتى نزل فيهم: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ}
[(91-92) سورة التوبة].
إنها صورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد على عهد رسول الله، وما كان يحسه صادقو الإيمان من ألم إذا ما حالت ظروفهم المادية بينهم وبين القيام بواجباتهم.
عندما أعلن الرسول -صلى الله عليه وسلم- النفير ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة، أخذ المنافقون في تثبيط همم الناس قائلين لهم: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ* فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}
[(81-82) سورة التوبة].
وبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ناسًا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأرسل إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم، وهذا منهج نبوي يتعلم منه كل مسؤول في كل زمان ومكان كيف يقف من دعاة الفتنة ومراكز الشائعات المضللة التي تلحق الضرر بالأفراد والمجتمعات والدول؛ لأن التردد في مثل هذه الأمور يعرض الأمن والأمان إلى الخطر وينذر بزوالها.
أُعلن النفير العام للخروج لغزوة تبوك حتى بلغ عدد من خرج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك ثلاثين ألفًا، وقد عاتب القرآن الذين تباطؤوا.
لقد استطاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى، ولقد أعلن -صلى الله عليه وسلم- على غير عادته في غزواته هدفه ووجهته في القتال، إذ أعلن صراحة أنه يريد قتال الروم، علمًا بأن هديه في معظم غزواته أن يوري فيها ولا يصرح بهدفه ووجهته، وقد صرح -صلى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة على غير العادة؛ وذلك لبعد المسافة، وكثرة عدد الروم، وشدة الزمان، إضافة أنه لم يعد مجال للكتمان في هذا الوقت، حيث لم يبق في جزيرة العرب قوة معادية لها خطرها تستدعي هذا الحشد الضخم سوى الرومان ونصارى العرب الموالين لهم في منطقة تبوك ودومة الجندل والعقبة.
واستخلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وخلَّف علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالًا وتخففًا منه، فأخذ علي –رضي الله عنه- سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو نازل بالجرف فقال: "يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني"، فقال: ((كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون مني بمنـزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي))، فرجع عليُّ إلى المدينة.
وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله، اختار الأمراءَ والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى اللواء الأعظم إلى أبي بكر الصديق، ورايته العظمى إلى الزبير بن العوام، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذ لواء، واستعمل على حراسة تبوك من يوم قدم إلى أن رحل منها عباد بن بشر، فكان –رضي الله عنه- يطوف في أصحابه على العسكر، وكان دليل رسول الله في هذه الغزوة علقمة الخزاعي، فقد كان من أصحاب الخبرة والكفاءة في معرفة طريق تبوك.
وبعد تعبئة الجيش وتوزيع المهام والألوية والرايات توجه الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك، ولم ينتظر أحدًا قد تأخر، وقد تأخر نفر من المسلمين يظن فيهم خيرًا، وكلما ذكر لرسول الله اسم رجل تأخر قال -صلى الله عليه وسلم-: ((دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه)).
ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سائرًا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: "يا رسول الله، تخلف فلان"، فيقول: ((دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه))، حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: ((دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه)).
وتلوَّم أبو ذر على بعيره فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: "يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((كن أبا ذر))، فلما تأمله القوم قالوا: "يا رسول الله، هو والله أبو ذر"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)).
ومضى الزمان، وجاء عصر عثمان، ثم حدثت بعض الأمور وسُيِّر أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه: "إذا مت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر".
فلما مات فعلوا به كذلك، فطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال: "ما هذا؟"، فقيل: "جنازة أبي ذر"، فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال: "صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده))، فنـزل فوليه بنفسه حتى دفنه.
ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيامًا إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه، وما صنعتا له، فقال: "رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهيئا لي زادًا"، ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أدركه حين نزل تبوك.
إن هذه الصورة تبين لنا مثلًا من سلوك المتقين الذين تمر عليهم لحظات ضعف يعودون بعدها أقوى إيمانًا مما كانوا عليه إذا تذكروا وراجعوا أنفسهم، وفي بيان ذلك يقول الله -تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}
[(201) سورة الأعراف].
ويتوجه -صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك فيمر بديار ثمود، الذين جابوا الصخر بالواد، ديار غضب الله على أهلها فتلك بيوتهم خاوية، وآبارهم معطلة، وأشجارهم مقطعة، فاستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تشربوا من مائها ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا))، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح -عليه السلام-.
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: "لما مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحجر قال: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلاّ أن تكونوا باكين))، ثم قنع رأسه وأسرع بالسير حتى جاز الوادي".
واستمر -صلى الله عليه وسلم- في طريقه إلى تبوك، وقد بلغ به الجوع والتعب مبلغًا عظيمًا، ومع السَّحَر ينام -عليه الصلاة والسلام- من التعب على دابته حتى يكاد يسقط كما في صحيح مسلم، فيقرب منه أبو قتادة فيدعمه بيده حتى يعتدل، ثم يميل أخرى فيدعمه أبو قتادة حتى يعتدل، ثم يميل ميلة أخرى أشد حتى كاد يسقط فيدعمه أبو قتادة بيده، فيرفع رأسه -صلى الله عليه وسلم-، ويقول: ((من هذا))، قال: "أنا أبو قتادة"، فقال له: ((حفظك الله بما حفظت نبي الله يا أبا قتادة)).
يقول المؤرخون: فما زال أبو قتادة محفوظًا بحفظ الله في أهله وذريته ما أصابهم سوء حتى ماتوا.
إنه درس عظيم لمن حفظ أولياء الله، فإن الله يحفظه، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء.
عندما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك لم يجد أثرًا للحشود الرومانية ولا القبائل العربية، وبالرغم من أن الجيش مكث عشرين ليلة في تبوك لم تفكر القيادة الرومانية مطلقًا في الدخول مع المسلمين في قتال، حتى القبائل العربية المنتصرة آثرت السكون، أما حكام المدن في أطراف الشام فقد آثروا الصلح ودفع الجزية، فقد أرسل ملك أيلة للنبي -صلى الله عليه وسلم- هدية، وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية.
وأرسل خالد بن الوليد –رضي الله عنه- على رأس سرية من الفرسان بلغ عددها أربعمائة وعشرين فارسًا إلى دومة الجندل، واستطاع خالد بن الوليد أن يأسر أكيدر بن عبد الملك الكندي ملكها وهو في الصيد خارجها، فصالحه النبي -صلى الله عليه وسلم- على الجزية، وقد تعجب المسلمون من قباء كان أكيدر يلبسه، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا)).
وكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معاهدات لكل من أهل جرباء وأذرح ولأهل مقنا، يؤدي بموجبها هؤلاء الناس من نصارى العرب الجزية كل عام، وتخضع لسلطان المسلمين.
لقد انفرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالإمارات الواقعة في شمال الجزيرة وعقد معها معاهدات، وبذلك أمن حدود الدولة الإسلامية الشمالية، وبهذه المعاهدات قص -صلى الله عليه وسلم- أجنحة الروم، فقد كانت هذه القبائل تابعة للروم ودخلوا في النصرانية، فإقدام من أقدم منها على مصالحة رسول الله والتزامها بالجزية يعد قصًا لهذه الأجنحة وبترًا لحبال تبعيتهم للروم، وتحريرًا لهم من هذه التبعية التي كانت تذلهم وتخضعهم لسلطان الروم لينالوا من تساقط فتاتهم شيئًا يعيشون به، وخوفًا من ظلمهم لقوتهم الباطشة، وقد وفوا بعهد الصلح والتزموا أداء الجزية، فأعطوها عن يدٍ وهم صاغرون، وهذه سياسة نبوية حكيمة اختطها رسول الله في بناء الدولة ودعوة الناس لدين الله، فقد استطاع أن يفصل بين المسلمين والروم بإمارات تدين للرسول بالطاعة وتخضع لحكم المسلمين، وأصبحت في زمن الخلفاء الراشدين نقاط ارتكاز سهلت مهمة الفتح الإسلامي في عهدهم، فمنها انطلقت قوات المسلمين إلى الشمال، وعليها ارتكزت لتحقيق هدفها العظيم.

إن الحق لا بد له من قوة تحرسه وترهب أعداءه، لا يكفي حق بلا قوة.
دعا المصطفى دهرًا بمكة لم يُجَبْ *** وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف بالكف مسلط *** له أسلموا واستسلموا وأنابوا

قال عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: "قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حضرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: ((أدنيا إليَّ أخاكما))، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه، قال: ((اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه))، فقال عبد الله بن مسعود: "يا ليتني كنت صاحب الحفرة".
إن هذه صورة من البر والتكريم فريدة يتيمة، لن تجد في تاريخ الملوك والحكام من يبر ويتواضع إلى هذا المستوى إلى حيث يوسد الحاكم فردًا من رعيته بيده في مثواه الأخير، ثم يلتمس له المرضاة من رب العالمين، أما هو فقد أعلن أنه أمسى راضيًا عنه.
هذا وقد ظهرت في غزوة تبوك عدد من المعجزات منها:
- أن الله تعالى أرسل سحابًا لدعاء نبيه بالسقيا: لما جاز النبي -صلى الله عليه وسلم- حجر ثمود، أصبح الناس ولا ماء لهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ربه، واستسقى لمن معه من المسلمين، فأرسل الله -سبحانه وتعالى- سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء.
- وأيضًا: خبر ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سائرًا في طريقه إلى تبوك، ضلت ناقته فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجل من أصحابه يقال له: عمارة بن حزم، وكان عقبيًّا بدريًّا، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي وكان منافقًا.
قال زيد وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أليس محمد يزعم أنه نبي؟ ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعمارة عنده: ((إن رجلًا قال: هذا محمد يزعم أنه يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها))، فذهبوا فجاؤوا بها.
- ومن المعجزات: الإخبار بهبوب ريح شديدة والتحذير منها: أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في تبوك بأن ريحًا شديدة ستهب، وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم فلا يخرجوا حتى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لا تؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهبت الريح الشديدة وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد حتى ألقته بجبل طيء.
- وأيضًا: تكثير ماء عين تبوك والإخبار بما ستكون عليه في المستقبل: قال معاذ بن جبل –رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي))، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فسألهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هل مسستما من مائها شيئا؟))، قالا: "نعم"، فسبهما النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء، وغسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر حتى استقى الناس.
وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل: "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا".
لقد كانت منطقة تبوك والوادي الذي كانت فيه العين منطقة جرداء لقلة الماء، ولكن الله -عز وجل- أجرى على يد رسوله -صلى الله عليه وسلم- بركة تكثير هذا الماء حتى أصبح يسيل بغزارة، ولم يكن هذا آتيًا لسد حاجة الجيش، بل أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه سيستمر وستكون هناك جنان وبساتين مملوءة بالأشجار المثمرة، ولقد تحقق ما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد فترة قليلة من الزمن، وما زالت تبوك حتى اليوم تمتاز بجنانها وبساتينها ونخيلها وتمورها، تنطق بصدق نبوة الرسول وتشهد بأن الرسول لا يتكلم إلا صدقًا، ولا يخبر إلا حقا، ولا ينبئ بشيء إلا ويتحقق.
- وأيضًا من المعجزات: تكثير الطعام: قال أبو سعيد الخدري –رضي الله عنه-: "لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وأدمنا، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((افعلوا))، فجاء عمر فقال: "يا رسول الله، إنهم إن فعلوا قل الظَّهْر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم بالبركة لعل الله يجعل في ذلك"، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنطع فبسطه، ثم دعاهم بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف الذرة، والآخر بكف التمر، والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع في ذلك شيء يسير، ثم دعا عليه بالبركة، ثم قال لهم: ((خذوا في أوعيتكم))، فأخذوا من أوعيتهم حتى ما تركوا من المعسكر وعاء إلا ملؤوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكٍّ فتحجب عنه الجنة)).
عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة بعد أن مكث في تبوك عشرين ليلة، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون وهو راجع إلى المدينة، ولما اقترب من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقونه، وهم يرددون:

طلع البدر علينا *** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا *** جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة *** مرحبًا يا خير داع

وقوبل جيش العسرة بحفاوة بالغة، ولم ينس النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذهابه وإيابه أصحاب القلوب الكبيرة الذين صعب عليهم أن يجاهدوا معه فتخلفوا راغمين والعبرات تملأ عيونهم.
روى البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: ((إن في المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم))، فقالوا: "يا رسول الله وهم بالمدينة؟!"، قال: ((وهم بالمدينة حبسهم العذر)).
بهذه المواساة الرقيقة كرّم النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجال الذين شيعوه بقلوبهم، وهو ينطلق إلى الروم فأصلح بالهم، وأراح همًّا ثقيلًا عن أفئدتهم.
ودخل -عليه الصلاة والسلام- المدينة، فصلى في مسجده ركعتين، ثم جلس للناس، وجاء المخلفون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقدمون له الاعتذار، وكانوا أربعة أصناف: فمنهم من له أعذار شرعية وعذرهم الله تعالى، ومنهم من ليس له أعذار شرعية وتاب الله عليهم، ومنهم من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة، ومنهم من منافقي المدينة.
أما مسجد الضرار: فقد شرع المنافقون في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك، وجاؤوا فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: ((إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله))، فلما قفل -عليه السلام- راجعًا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم، مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة، فأمر عمار بن ياسر، ومالك بن الدخشم مع بعض أصحابه وقال لهم: ((انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه))، ففعلوا.
إن ما قام به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الأمر بهدم مسجد الضرار هو التصرف الأمثل، وهذا منهج نبوي سنّه لقادة الأمة في القضاء على أي عمل يراد منه الإضرار بالمسلمين وتفريق كلمتهم، فالداء العضال لا يعالج بتسكينه والتخفيف منه، وإنما يعالج بحسمه وإزالة آثاره، حتى لا يتجدد ظهوره بصورة أخرى.
مسجد الضرار الذي اتخذ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكيدة للإسلام والمسلمين، هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى، يتخذ في صورة نشاط ظاهره الإسلام وباطنه لسحق الإسلام أو تشويهه، ويتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتتترس وراءها وهي ترمي هذا الدين، ويتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدّر القلقين الذين يرون الإسلام يُذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب بما توحيه لهم من أن الإسلام بخير، وأنه لا داعي للخوف أو القلق عليه.
ولا يزال أعداء الإسلام من المنافقين والملحدين، والمبشرين المنصِّرين والمستعمرين، يقيمون أماكن باسم العبادة وما هي لها، وإنما المراد بها الطعن في الإسلام وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وآدابهم، وكذلك يقيمون مدارس باسم الدرس والتعليم ليتوصلوا بها إلى بث سمومهم بين أبناء المسلمين، وصرفهم عن دينهم، وكذلك يقيمون المنتديات باسم الثقافة والغرض منها خلخلة العقيدة السليمة في القلوب، والقيم الخلقية في النفوس، ومستشفيات باسم المحافظة على الصحة والخدمة الإنسانية والغرض منها التأثير على المرضى والضعفاء وصرفهم عن دينهم، وقد اتخذوا من البيئات الجاهلة والفقيرة لاسيما في بلاد إفريقيا ذريعة للتوصل إلى أغراضهم الدنيئة التي لا يقرها عقل ولا شرع ولا قانون.
إن مسجد الضرار ليس حادثة في المجتمع الإسلامي الأول وانقضت، بل هي فكرة باقية، يخطط لها باختيار الأهداف العميقة، وتختار الوسائل الدقيقة لتنفيذها، وخططها تصب في التآمر على الإسلام وأهله، بالتشويه وقلب الحقائق، والتشكيك، وزرع بذور الفتن لإبعاد الناس عن دينهم وإشغالهم بما يضرهم ويدمر مصيرهم الأخروي.
وأما الذين خلفوا، فأشهر قصة في ذلك قصة الثلاثة الذين خلفوا كما في الصحيحين، وهم هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة ابن الربيع، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأمر ما مع الهمّ باللحاق به -عليه الصلاة والسلام-، فلم يتيسر لهم، ولم يكن تخلفهم عن نفاق وحاشاهم فقد كانوا من المخلصين.
فلما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان ما كان من المتخلفين قالوا: "لا عذر لنا إلا الخطيئة" ولم يعتذروا له -صلى الله عليه وسلم- ولم يفعلوا كما فعل أهل النفاق، وأمر رسول الله باجتنابهم، وشدد الأمر عليهم، وقد وقف أمرهم خمسين ليلة لا يدرون ما الله تعالى فاعل بهم، حتى نزلت توبتهم.
وبهذه الغزوة المباركة ينتهي الحديث عن غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم- التي قادها بنفسه، فقد كانت حياته المباركة غنية بالدروس والعبر التي تتربى عليها أمته في أجيالها المقبلة، ومليئة بالدروس والعبر في تربية الأمة وإقامة الدولة التي تحكم بشرع الله.

كلُّ العِدَا قَدْ جَنَّدوا طَاقَاتِهِم *** ضِدَّ الهُدَى والنُّورِ ضِدَّ الرِّفْعَةِ
إِسلامُنا هُو دِرْعُنَا وَسِلاحُنَا *** ومنارنا عَبْرَ الدُّجَى فِي الظُّلْمَةِ
هُو بِالعَقِيدةِ رَافِعٌ أَعْلامَهُ *** فَامْشِي بِظِلِّ لِوَائهَا يَا أُمَّتِي
لا الغَربُ يَقصِد عِزَّنَا كَلا وَلا *** شَرْقُ التَحَلُّلِ إنَّهُ كَالحَيَّةِ
الكُلُّ يَقْصدُ ذُلَّنَا وهَوَانَنَا *** أَفَغَيْرُ رَبِّي مُنْقِذٌ مِنْ شِدَّةِ؟

والحمد لله...
 


  

 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

62.61