خدمة rss
عبادة بن الصامت رضي الله عنه

   

New Page 1

عبادة بن الصامت رضي الله عنه

ناصر بن محمد الأحمد

إن الحمد لله ..

إن تاريخ الإسلام هو صنيعة تلك الفتية الذين آمنوا بربهم, ونسيج أولئك الرجال الأشداء الذين ضحوا بدمائهم وعرقهم وجهودهم في سبيل الله, بعد أن تربوا في مدرسة الإيمان الصحيح, وانتهلوا من معين النبوة المشرقة, والتزموا هدى الله تعالى التزاماً دقيقاً في مختلف الأحوال, فهم بكلمة موجزة: أبناء النبوة والوحي. ومما ضاعف ضرورة معرفة تاريخ رجالاتنا الأوائل ما نعيشه الآن من تمزق وانقسام, وضيعة وهوان, وتوالي ضربات جسام في صميم الكرامة والعزة والمقدسات, مما أوغر الصدور, وأثار الحميّة, وغذى الحماسة, وحرك الشوق والحنين في نفوس الآلاف المؤلفة من الشباب المؤمن لمعرفة كيفيات صنع الأوائل, وإغنـاء الأفكار بسيرة النماذج الفذة في سجل حياة الإسلام الغابرة, كيما يقتدي الأبناء بالآباء, ويتأسى الصغار بالكبار في الأفعال لا في الأقوال، وتدرك حينئذ مناحي النقص والقصور في وقت عز فيه وجود القائد الناجح, والمفكر الواعي, والمجاهد الحق, ونضب في أوساطه وارد المؤثر النَّـفاذ في حياة الأمة والبلاد. وقدَّر النشء بدهياً مدى الحاجة الملحة للاطلاع على سير السابقين في الإسلام, لتأكيد وتحقيق وجود الذات المسلمة في عصر التسابق العلمي, والصراع الشديد على توفير النفوذ والتقدم والسيطرة على مقدرات الأمم الضعيفة, ومحاولة كل شعب إرساء قواعد الصمود في وجه التحديات حتى لا يتزحزح أصحاب الحق عن مواطنهم. ومن أهم تلك المحاولات توليد الرغبات ودفع الأفراد نحو البناء والإنتاج والعطاء. وظهر من وسائل الترغيب أحياناً أن الشعوب التي لا تجد لها ماضياً يذكر أو حضارة تعرف, تصطنع لأبنائها أبطالاً أسطوريين, وتنسج حولهم ملاحم شعرية أو قصصاً خيالية لا تعدو أن تكون من وضع الأدباء, وخيال المفكرين والكتاب والمؤرخين، فيتناقل الناس أخبارهم وتقام لهم التماثيل, وتسمى بأسمائهم الشوارع والميادين, ويردد أناشيد بطولاتهم الأطفال في مدارسهم, وقد ينتقل صيتهم, وتذاع شهرتهم في الأقاليم المجاورة. ونحن ولله الحمد بتاريخنا القريب الثابت بالنسبة للأمم الغابرة أثرياء بأبطالنا الحقيقيين, وبالذات في حقبة المائة الأولى من ظهور الإسلام التي كانت من معجزات التاريخ. فالخلفاء الراشدون ومن عاصرهم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانوا مُثلاً رائعة في كل مجال, وشموساً مضيئة في غرة جبين الزمان. ولا سبيل لإعادة مجدنا أو الحفاظ على وجودنا إلا بفلتات مشابهة من طراز السابقين, الذين عاشوا بفطرة الإسلام والتزموا أدبه, وناضلوا من أجل الحق والخير, وقمعوا الباطل وقاوموا الشر, وعملوا بإخلاص في سبيل المجد والرفعة وعلو الشأن, ممثلاً ذلك كله تحت عنوان خالد هو: الجهاد في سبيل الله.

وعبادة بن الصامت رضي الله عنه من ذلك الطراز الشامخ الذي يجدر بنا التعرف على سيرته المترعة بجلائل الأعمال، تديناً, وورعاً, وخلقاً، وسلوكاً, وعلماً، وفضلاً, وعملاً، وإنتاجاً, وولايةً، وقيادةً، وحكمةً, وجهاداً متواصلاً, وهمةً عالية، وعقلاً راجحاً, بوأه كل ذلك أن يكون كما أرخ المؤرخون من سادات الصحابة, وكان أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة. ومصدر عبقرية عبادة وعظمته في التاريخ أنه عمل كثيراً, وأجاد في كل عمل, وجال في كل ميدان, رغم أنه خافت الذكر, صامت الشهرة بين الناس, وكأن صمت أبيه قد انعكس عليه, فمنع انتشار صيته وإشاعة سمعته, وهذه سمة المخلصين من العظماء الذين يؤثرون التواضع والركود على الشهرة وإذاعة الأحاديث المطولة عن أعمالهم. فابن الصامت وإن لم ينصفه التاريخ, وقلت التراجم والأخبار عنه, إلا أن القليل منها كثير معبر, له مدلول كبير, فهو لا يقل أهمية وأثراً في رحاب البطولات والفتوحات عن خالد بن الوليد وأمثاله من كبار الفاتحين الشجعان, وميزته البارزة: عقيدة لا تتجزأ, ومتانة في الوازع الديني, واستقامة في الحياة.

اسمه: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري الخزرجي. يكنى أبا الوليد الأنصاري.

أما والدته: فقد أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم، واسمها قُـرَّة العين، وليس في الصحابيات من يسمى بهذا الاسم سواها.

ولد عبادة في المدينة أيام الجاهلية قبل البعثة، وعاش 72 سنة، فهو إذن مخضرم عاش في الجاهلية والإسلام .

كان عبادة عربياً قحاً أسمر اللون جميلاً طويلاً جسمياً ضخماً. وهذا يشعر بأنه كان رجلاً مهيباً، ساعدته القوة الجسدية والضخامة على تحمل أعباء القيادة وأعمال الحرب.

تزوج عبادة بامرأة صالحة هي أم حَرام بنت مِلْحان، صحابية من الأنصار من أهل قباء، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء استراح عندها. ولأم حرام سبعة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أهمها تلك القصة التي تعتبر من أعلام النبوة ومعجزات الرسالة بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم لها عن غزو البحر، وصنع الأسطول البحري، بعد أن صحا في بيتها من قيلولته ضاحكاً، وتناقلها المحدثون في الكتب الصحاح. روى البخاري في كتاب الجهاد، ومسلم في كتاب الإمارة وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنة مِلْحان، فاتكأ عندها، ثم ضحك، فقالت: لم تضحك يا رسول الله؟ فقال: ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مَـثَـلُهم مَـثَـل الملوك على الأسِرَّة، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعلها منهم. ثم عاد فضحك، فقالت له: مثلَ أو ممَّ ذلك؟ فقال لها: مثلَ ذلك. فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنتِ من الأولين، ولستِ من الآخرين. قال أنس: فتزوجت عبادةَ بن الصامت، فركبت البحر مع بنت قَرظَة، فلما قفلتْ، ركبت دابتها فوقصتْ بها فسقطت عنها فماتت. ودفنت في قبرص.

وكان عبادة مع زوجته راكباً البحر، مشتركاً معها في فتح قبرص، فانطبق على كل واحد منهما بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ملك على السرير.

عاش عبادة في أفضل عصور الإسلام على الإطلاق، فهو قد عاصر أحداث النبوة برمتها، إذ كان من السابقين إلى الإسلام، فشهد نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرف أسرار التأويل وأدرك مرامي الشريعة، وحضر المشاهد كلها مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وحاز قصب السبق من كل نوع من أنواع الخير، فجمع بين فضيلة الصحبة عموماً، وميزة مشاهير الصحابة خصوصاً، واصطبغ بصبغة الإسلام النقية وذاق حلاوته الشذية. ثم عاش عبادة بعد النبي صلى الله عليه وسلم في أزهى وأرفع فترة زمنية إلى أن توفي قبيل استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه بعام واحد، بعد أن شارك في أعمال الإسلام الكبرى.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوافي المواسم كل عام، يتّبع الحجاج في منازلهم في المواسم، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يُبلِّـغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه. ولما أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه وإنجاز ما وعده، ساقه إلى هذا الحي من الأنصار، لما أراد الله به من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم وهم يحلقون رؤوسهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله، فأسرعوا وآمنوا وصدقوا وآووا ونصروا وواسوا. وكانوا ستة نفر كلهم من الخزرج. ثم قدموا إلى المدينة، فدعوا قومهم إلى الإسلام، فأسلم من أسلم، ولم يبق دار من دور الأنصار إلى فيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي العام المقبل أي في السنة الحادي عشر من البعثة وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً: عشرة من الخزرج فيهم عبادة بن الصامت، واثنان من الأوس، فبايعهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة وهي بيعة العقبة الأولى.

كان عبادة كثير الصلاة والعبادة، شديد الخوف والخشية من الله، ملتزماً جانب التقوى لله، يؤدي واجبه خير الأداء، ويكثر الدعاء والاستغفار، وينفر من المعاصي والمحرمات. كان أبي النفس، عالي الهمة، عفيف اليد، خالي المطمع في مغانم الدنيا وزينتها.

تقلد عبادة عدة مناصب في عهد النبوة وفي عصر الخلافة الراشدية. كان عبادة عاملاً على جباية الصدقات في عصر النبوة، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر خليفة بن خياط أن أبا عبيده ولاه إمرة حمص ثم صرفه إلى الجهاد، ولما توفي أبو عبيدة ولاه عمر حمص ثم صرفة إلى الجهاد في مصر. ثم عاد إلى بلاد الشام، فلم يزل بالشام إلى أن توفي بالرملة.

كان عبادة بن الصامت من أشهر قادة الفتوح في الشام ومصر، وكان مجرد وجوده في جيش يرفع معنويات جيش الفاتح، مثل خالد بن الوليد تماماً. وقد شهد له عمر بن الخطاب أنه يعدل ألف رجل، لامتيازه بروح عالية من التضحية، وقدرة فائقة على القتال والإقدام، وشجاعته نادرة في ميدان المعركة، وعقلية راجحة في التخطيط والتقدير، وفهم أسرار العدو وتحركاته وإحباط مؤامراته، وحب في الموت في سبيل الله، وإيمان بالقضاء والقدر، وتفان في سبيل نصرة الإسلام.

شهد موقعة بدر الكبرى، وأحد والخندق، والمشاهد الحربية كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان بايع الرسول أن لا يخاف في الله لومة لائم. وغزا أرض الروم مع معاوية، واشترك في فتح اللاذقية، وجبْلة، وقبرص، وشهد فتح مصر سنة 20 هـ، وكان أمير ربع المدد، وكان قائد فتح الأسكندرية سنة 25 هـ. قال ابن عبد الحكم: لما أبطأ على عمرو بن العاص فتح الأسكندرية، استلقى على ظهره، ثم جلس فقال: إني فكرت في هذا الأمر، فإنه لا يصلح آخره إلا من أصلح أوله - يريد الأنصار - فدعا عبادة بن الصامت، فعقد له، ففتح الله على يديه الأسكندرية من يومهم ذلك.

حينما كان المسلمون يحاصرون حصن بابليون وأبطأ عليهم الفتح، وبينما عبادة بن الصامت في ناحية يصلي وفرسه عنده، رآه قوماً من الروم، فخرجوا إليه، وعليهم حلية وبِـزَّة، فلما دنوا منه سلم من الصلاة، ووثب على فرسه، ثم حمل عليهم، فلما رأوه ولّـو هاربين وتبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم فصار لا يلتفت إليه حتى دخلوا إلى الحصن، ورُمي عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يتعرض لشيء مما طرحوه من متاعهم، حتى رجع إلى موضعه الذي كان فيه، فاستقبل الصلاة، وخرج الروم إلى متاعهم وجمعوه. والحق أن المجاهد في سبيل الله، إن شغل بالغنائم عن الجهاد، خُذل وضعف وهُزم، كما حدث في الجولة الأولى للمسلمين في موقعة أحد.

وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبادة إلى الشام قاضياً ومعلماً، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، فولي قضاءها، واستقر به المقام فيها، فكان أول من تولى قضاء فلسطين، وكان أيضاً يُعلّم أهلها القرآن، وظل على هذا النحو إلى أن مات بها.

وبعثه عمرو بن العاص في عشرة نفر لمقابلة المقوقس، وكان عبادة بن الصامت أسود اللون، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا عليه، تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده، فقال: نحُّـو عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني. فقالوا: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً، وهو سيدنا وخيرنا، والمقدَّم علينا، وإنا نرجع جميعنا إلى قوله ورأيه، وقد أمّره الأمير دوننا بما أمّره به، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله. فقال المقوقس للوفد: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون دونكم؟. قالوا: كلا! إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعاً وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً، وليس ينكر السود فينا. فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد عليّ كلامك ازددت لك هيبة. فتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلَّفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم مثلي، وأشد سواداً مني وأفظع منظراً، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم مني، وأنا قد وليّت، وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً، وكذلك أصحابي. فلما سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط! لقد هبِت منظره وإن قوله لأهيب عندي من منظره، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض، وما أظن ملكهم إلا سيغلِب على الأرض كلها.

هذه سفارة من أهم السفارات في التاريخ السياسي الإسلامي، كان عبادة من أنجح السفراء فيها، والسبب في نجاحه الباهر أنه تجمعت لديه كل خصائص وصفات السفراء الجسمية والخلقية والثقافية. فقد عرفنا أنه كان طويلاً جسمياً جميلاً فصيحاً متكلماً. وكان نافذ الرأي حصيف العقل سريع البداهة نابه الشأن، قوي الشخصية، جوال الفكر عميق النظرة، منضبط النفس، متزن الجواب، كثير الحلم، كاظم الغيظ، بالرغم من الاستفزازات الشخصية والنفسية والجماعية التي قابله بها المقوقس. ألا إن عبادة في هذه السفارة دل على أنه يتمتع بأرفع صفات القائد الحربي، وأجلى مقومات الشخص العبقري العميق الفكر، الصادق الإسلام، السياسي المحنك.

كان عبادة بن الصامت من كتّاب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتولى عبادة تعليم القرآن أيضاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده، فكان يعلم أهل الصفة القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وكتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب: "قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم" فأرسل عمر معاذ بن جبل وعبادة وأبا الدرداء، فأقام عبادة بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، فمات بها. وأقام أبو الدرداء بدمشق، ومات معاذ في فلسطين عام طاعون عَموَاس.

عبادة أحد النقباء الاثني عشر الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الأولى، وشهد العقبة الثانية مع الثلاثة والسبعين من الأنصار. كان عبادة بدرياً، أحد أبطال معركة بدر الكبرى التي حولت مجرى التاريخ، وأعزت الإسلام وأذلت الكفر بقتل صناديد قريش وأسر كبرائهم، مع قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، وفرقت بين الحق والباطل، فسميت معركة الفرقان. وسمي كل من شهدها من المسلمين بدرياً، وكانوا يعتزون بهذه التسمية ويفخرون. وكان عبادة أيضاً أحدياً شهد موقعة أحد واعتبر بنتائجها، كما شهد انتصار المسلمين في الخندق، وسائر المشاهد والغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم.

ذكر المؤرخون أن جَبَلة بن الأيهم أتى عمر بن الخطاب وهو على نصرانيته، فعرض عمر عليه الإسلام وأداء الصدقة، فأبى ذلك وقال: أقيم على ديني، وأؤدي الصدقة. فقال عمر: إن أقمت على دينك فأداء الجزية، فأنف منها. فقال له عمر: ما عندنا لك إلا واحدة من ثلاث: إما الإسلام، وإما أداء الجزية، وإما الذهاب إلى حيث شئت. فدخل بلاد الروم في ثلاثين ألفاً. فلما بلغ ذلك عمر ندم، وعاتبه عبادة بن الصامت، فقال: لو قبلت منه الصدقة، ثم تألفته لأسلم.

ولعبادة قصص متعددة مع معاوية، وإنكاره عليه أشياء، تدل على قولته في دين الله، وقيامه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجرأته في الحق التي لا تعرف التردد. روى ابن ماجه عن عبادة بن الصامت أنه غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كِسَر الذهب بالدنانير، وكسر الفضة بالدراهم، فقال: يا أيها الناس، إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، لا زيادة بينهما، ولا نَظِرة" فقال له معاوية: يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نَظِرة، فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدثني عن رأيك! لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك عليّ فيها إمرة. فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة وما قال من مساكنته. فقال: أرجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبَّـح الله أرضاً لست فيها وأمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر.

وأخرج الحافظ ابن حجر والطبراني عن يَعْلى بن شداد قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون في خطبته، فقال له عبادة: أمك هند أعلم منك، فأتم خطبته، ثم صلى، ثم أرسل إلى عبادة، فنفذت رجال الأنصار معه، فاحتبسهم، ودخل عبادة فقال له معاوية: ألم تتق الله وتستحي إمامك؟ فقال عبادة: أليس قد علمت أني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، أني لا أخاف في الله لومة لائم؟. ثم خرج معاوية عند العصر، فصلى العصر، ثم أخذ بقائمة المنبر، فقال: أيها الناس، إني قد ذكرت لكم حديثاً على المنبر فدخلت البيت، فإذا الحديث كما حدثني عبادة، فاقتبسوا منه فهو أفقه مني.

وأخرج الحافظ ابن حجر عن الوليد بن عبادة قال: كان أبي عبادة مع معاوية في عسكره، فقام خطيب يمدح معاوية ويثني عليه، فقام عبادة بتراب في يده فحثاه في فم الخطيب، فغضب معاوية، فقال له عبادة مجيباً له: إنك يا معاوية لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة على السمع والطاعة في منشطنا ومكسلنا وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احثوا في أفواه المداحين التراب". فكتب معاوية إلى عثمان بالمدينة أن عبادة قد أفسد عليّ الشام وأهله، فإما أن تكفه إليك، وإما أن أخلي بينه وبين الشام، فكتب إليه عثمان أن أَرحِل عبادة حتى ترجعه إلى داره من المدينة، فبعث بعبادة حتى قدم المدينة، فدخل على عثمان في الدار، وليس فيها إلا رجل من السابقين أو من التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين، فلم يفج عثمان به، إلا وهو قاعد في جانب الدار، فالتفت إليه، وقال : مالنا ولك يا عبادة؟. فقام عبادة بين ظهراني الناس، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا القاسم يقول: إنه سيلي أموركم بعدي رجال يُعرِّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تضلوا بربكم، فو الذي نفس عبادة بيده، إن فلاناً - يعني معاوية - لمن أولئك، فما راجعه عثمان بحرف.

وذكر ابن جرير الطبري عن حميد بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها: قول الله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) فقال عبادة: ما سألني عنها أحد قبلك: الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن في المنام أو تُرى له. وفي لفظ آخر عن عبادة أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) فقد عرفنا بشرى الآخرة: الجنة، فما بشرى الدنيا؟ قال: "الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وهي جزء من أربعة وأربعين جزءاً، أو سبعين جزءاً من النبوة".

وروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وأحد وثمانون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين، فكان بذلك معدوداً من أكابر الصحابة حفَظَة الحديث،  وأحصيت له أكثر من عشرة أحاديث متواترة. حتى إن له في مسند الإمام أحمد مسنداً مستقلاً بأحاديثه وأخباره.

هذه سيرة شذية عبقة تفوح بالأريج المعطار لرجل من رجالات الإسلام العظام، تربوا في مهاد النبوة، وانطلقوا يفتحون الدنيا شرقاً وغرباً بعقلهم وذكائهم وسلوكهم الحميد وعزيمتهم وإيمانهم الصلب الذي لا يتزعزع.

لقد لمسنا في دراسة حياة عبادة بن الصامت معاني جمة تصلح للتأسي والاقتداء لأبناء الجيل المسلم في كل زمان ومكان. فمنذ أن شرح الله صدره للإسلام أصبح في رباط دائم واستعداد مطّرد للعمل البنَّاء والعطاء والخير. فأصلح نفسه، وأناب لربه، وخشعت جوارحه لخالقه، وكان من أوائل المسلمين الصالحين.

كان مهيباً في طلعته، زعيماً في قومه، جريئاً في الحق، لا يهاب أحداً، عفيف النفس، جواداً، متحلياً بأكمل الخصال ومن أهمها: إيثار غيره.

شهد أحداث الإسلام الكبرى، وخاض كل المعارك مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتابع جهاده في الشام ومصر في عهد الخلفاء الراشدين، وسجل بقيادته انتصار الفتح لكثير من البلاد، بسبب تضحيته وفدائه وحكمته.

كانت عائلة عبادة مرتبطة بحلف قديم مع يهود بني قينقاع بالمدينة
ومنذ هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ويهودها يتظاهرون بمسالمته، حتى كانت الأيام التي تعقب غزوة بدر وتسبق غزوة أحد، فشرع يهود المدينة يتنمّرون، وافتعلت إحدى قبائلهم بنو قينقاع أسباباً للفتنة وللشغب على المسلمين، ولا يكد عبادة يرى موقفهم هذا، حتى ينبذ إليهم عهدهم ويفسخ حلفهم قائلا: إنما أتولى الله ورسوله والمؤمنين. فيتنـزل القرآن محيياً موقفه وولاءه، قائلا في آياته: (ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فإن حزب الله هم الغالبون). لقد أعلنت الآية الكريمة قيام حزب الله، وحزب الله هم أولئك المؤمنون الذين ينهضون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملين راية الهدى والحق، والذين يشكلون امتداداً مباركاً لصفوف المؤمنين الذين سبقوهم عبر التاريخ حول أنبيائهم ورسلهم، مبلّغين في أزمانهم وأعصارهم كلمة الله الحي القيّوم، ولن يقتصر حزب الله على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بل سيمتد عبر الأجيال الوافدة، والأزمنة المقبلة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ضمّاً إلى صفوفه كل مؤمن بالله وبرسوله، وهكذا فإن الرجل الذي نزلت هذه الآية الكريمة تحيي موقفه وتشيد بولائه وإيمانه لن يظل مجرّد نقيب الأنصار في المدينة، بل سيصير نقيباً من نقباء الدين الذي ستنـزوى له أقطار الأرض جميعاً. أجل لقد أصبح عبادة بن الصامت نقيب عشيرته من الخزرج، رائداً من روّاد الإسلام، وإماماً من أئمة المسلمين يخفق اسمه كالراية في معظم أقطار الأرض لا في جيل ولا في جبلين أو ثلاثة، بل إلى ما شاء الله من أجيال ومن أزمان ومن آماد!.

إن الغالب على إنسان هذا العصر انحصاره في زاوية واحده معينه من الحياة، لا يكاد يستطيع مغادرتها إلى زوايا أخرى، فهو يعيش متميزاً في جانب معين طوال حياته، ويصبح أسير مهنته في أكثر أيام دهره، وإن طولب بتغيير عمله ضاق ذرعاً، وامتلأ هماً، وكبرت الدنيا في عينيه وكأنه حينئذٍ يكابد الموت، أو يصارع المستحيل عقلاً أو عادة. أما إنسان الإسلام الأول فيتعجب المرء اليوم كيف تهيأ له التميز في عدة جوانب من الحياة، والتحليق في أجواء مختلفة من العلوم، والإبداع والابتكار في عدة ألوان من الاختصاصات.

ويتساءل كل منا حينئذٍ عن السبب الذي أبدع به الأوائل في كل ميدان خاضوه، فلا يجد تفسيراً لهذه الظاهرة الرائعة إلا أنها بنت الإسلام في صفائه الأول، فهو يمنح ذويه عقيدة لا تتجزأ، ومتانة في الوازع الديني وقوة الضمير، واستقامة في الحياة.

كثيراً ما نقرأ في رجالات هذا الإسلام العظيم أن فلاناً هو التاجر الثري، والفقيه المبدع، والمحدث المتقن، والقاضي العادل، والمحارب اللامع، والسياسي المحنك، والخطيب المِصقَع، والمعلم الناجح، والمربي القدير. ومصدر هذه المعطيات والمواهب العالية أن المسلم الأول كان يعتبر نفسه في جهاد دائم لا يفتر ليل نهار، ومن متطلبات هذا الجهاد: التفاني في القيام بالواجب، والإخلاص في العمل، والإتقان في الوسائل والغايات، وتخطي كل مراحل الضعف والخور واليأس، وحب الفائدة والخير، والالتزام أسمى وأنبل أهداف الجندية الصارمة من أجل حياة مزدانة بالعزة والكرامة والسمو، وتضحية لصالح الجماعة العامة، وتفانياً في سبيل إحراز رضوان الله عز وجل.

وبعبارة مجملة: إن ثبات المسلمين الأوائل على العقيدة هو الذي صنع منهم رجالاً في كل ميدان، غيَّروا به وجه الدنيا، وبدّلو معالم التاريخ (من المؤمنين رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه).

ولعل من أبرز خصائصهم أن الشعور الأصيل من أجل الجماعة المسلمة كأن لا يختلف عن الدوافع الذاتية لتحقيق المصالح الشخصية، بل قد  يفوق الشعور الأول، ويمتاز ويستبد بصاحبه، حتى يجعله نذر الأمة، وفداء الجماعة، وعنوان المجتمع وطليعته.

ولا أنكر لأن هناك عوامل أخلى ثانوية بجوار حب المسلم المصلحة العامة، ساعدته على تحقيق أهدافه، مثل بساطة الحياة الأولى، ونظافة البيئة الذي يعيش فيها من النواحي الدينية والخلقية والاجتماعية، والتفرغ الكامل أثناء القيام بعمل من الأعمال، والاستعداد الفطري السليم.

غير أن هذه العوامل تتصاغر أمام شيئين: زناد العقيدة المتدفق، وهمة المؤمن العالية، فهما سبب الحركية الدائبة في نشاط المسلم وشعاره في حياته. بل هما أساس قوة روحانيته ومحاولة تغييره لما حوله من واقع أليم، ووضع مختلف، وحالة متدنية.

وقد نجم عن هذين العاملين أمر خطير آخر كان له أثر كبير في نشاط حركة المسلمين، ألا وهو احتقار الدنيا والرغبة في الآخرة. لذا كان الواحد منهم متعدد في ذات واحدة، ومجموعة عبقريات وشخصيات في شخصية واحدة، كثير في قليل، وإشعاع ذو ألوان في شيء واحد، وجماعة أو أمة في رجل منفرد.

وعبادة بن الصامت رضوان الله عليه من أولئك القلَّـة المؤمنة: صَحْـبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين غيروا وجه الحياة، فكان والياً، وقائداً محارباً، ونقيباً من سادات الصحابة، وفقيهاً، وقاضياً، ومحدثاً، وفاضلاً خيراً، وعابداً ورعاً، مستغفراً أواباً، عاملاً في البناء والتجارة، معلماً للقرآن، وناشراً مبادئ الإسلام.

مات عبادة الصامت رضي الله عنه بـفلسطين سنة 34هـ في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وله 72 سنة، ودفن في مدينة الرملة.

 

والحمد لله أولاً وآخراً ...



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

60.49