العدل والمساواة توافق وفروق
الشيخ/ د.ناصر بن محمد الأحمد
إن الحمد لله:
يخطئ كثير من الناس عندما يقول أو يظن بأن الإسلام دين المساواة المطلقة، والصحيح أن الإسلام دين العدل وليس المساواة المطلقة. فالمساواة المطلقة فتح للباب على مصراعيه وهو عبث، بل يصادم نصوص الشرع الصريحة الواضحة التي تنفي المساواة بين بعض الأشياء، مثل قول الله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُون) وقوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "أخطأ على الإسلام من قال: إن دين الإسلام دين مساواة، بل دين الإسلام دين العدل، وهو الجمع بين المتساويين والتفريق بين المفترقين". وقال أيضاً: "لم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبداً، إنما يأمر بالعدل" انتهى. بمعنى: إذا فرّق الشرع بين أمرين فهو العدل، وإذا ساوى بينهما فهو العدل. واليوم يعصف بالأمة تيارات فكرية مختلفة، وقد تنوعت صور الكيد والمكر الفكري بثقافة الأمة وهويتها، وهناك طرح قوي من بعض التيارات اليوم تنادي بالمساواة، من خلال كتابات أو مقابلات أو لقاءات صحفية أو فضائية، تسعى جاهدة بمكر وخديعة إلى إقناع الناس بأن الإسلام دين المساواة، ومع الأسف انطلت هذه اللعبة على الكثيرين من أبناء الأمة رجالاً ونساءً، وصاروا يطالبون بالمساواة في بعض المجالات التي تتعارض مع أحكام الشرع المطهر، وصار هناك توسع في الطرح، وقد ترتب على التوسع في مفهوم المساواة آثار خطيرة جداً تناقض أصولاً، وتناقض ما هو معلوم من الدين بالضرورة. ويمكن إجمال أهم الفروق بين العدل والمساواة في الآتي:
أولاً: إن العدل في الشرع مأمور به ومرغَّب فيه مطلقاً في كل مكان، ومع أي شخص كان. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون) وقال تعالى: (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْـمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون). أما المساواة فمنفية في بعض المواضع، كما في قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُون).
ثانياً: إن العدل يشمل التسوية والتفريق وكلاهما موجود في الشريعة. أما المساواة فهي تشمل التسوية فقط، فالإسلام دين العدل وليس دين المساواة المطلقة، لأن المساواة قد تقتضي التسوية بين شيئينِ الحكمةُ تقتضي التفريقَ بينهما. ومن أجل هذه الدعوة الجائرة إلى التسوية صاروا يقولون: أي فرق بين الذكر والأنثى؟! حتى إن الشيوعية قالت: أي فرق بين الحاكم والمحكوم، لا يمكن أن يكون لأحد سلطان على أحد، حتى بين الوالد والولد، ليس للوالد سلطة على الولد، وهلمَّ جرّاً. لكن إذا قلنا بالعدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحقه، زال هذا المحذور. وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المواضع عن المساواة بالعدل، وذلك لما جاءه بشير بولده النعمان، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنِّى أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحةَ عَطِيّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟". قَالَ: لاَ. قَالَ: "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ!". قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ". فمن العدل التسوية بين الزوجات في النفقة، ومن العدل التسوية بين الأولاد في العطية، ومن العدل التفريق بين الرجل والمرأة في الميراث والشهادة.
هناك صور يوجد فيها المساواة في الإسلام يستغلها أصحاب الفكر المنحرف، ودعاة المساواة المطلقة إما للتشكيك في الشرع بدعوى التناقض لوجودها هنا وانتفائها هناك، أو للاستدلال بها على المساواة المطلقة، وكِلا الأمرين باطل. ومن هذه الصور:
أولاً: المساواة في أصل الخلقة: والمقصود بذلك أن الناس في أصل الخلقة سواء، أي في الإنسانية، فكل الناس لآدم وآدم خلق من تراب، لا فرق بين أبيض وأسود وأحمر، ولا طويل ولا قصير، ولا عربي ولا عجمي إلا بالتقوى، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير). فجميع الناس في أصل الخلقة سواء، وعلى هذا قامت الشريعة.
ثانياً: المساواة في أصل الخطاب الشرعي بالإسلام: إن الخطاب الشرعي بالإسلام جاء للناس جميعاً، العرب والعجم، البيض والسود، دون تمييز، لأن الله تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم للناس كافة. قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون)، فالخطاب موجه للناس جميعاً دون تمييز. فلا يجوز أن يقال إن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لجنس دون جنس، ولا لجهة دون جهة. ومن آمن من الناس كان أصل خطاب التكليف موجهاً إليهم جميعاً رجالاً ونساءً على قدم المساواة، إلّا ما خصه الشارع لحكمة يعلمها. قال الله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْض)، فأركان الإسلام الخمسة بالجملة يطالَب بها الرجال والنساء، وأركان الإيمان الستة يطالب بها الرجال والنساء لم تستثنِ الشريعة واحداً منهم، والترغيب في فضائل الأعمال للرجال والنساء، كالإنفاق، والدعوة إلى مكارم الأخلاق كالصدق والأمانة وغير ذلك.
ثالثاً: المساواة في الحكم بين الناس: وفي الحُكْم بين الناس لا يجوز التفريق بين الخصمين لأي سبب من الأسباب، لذلك قال الله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون) فلا يجوز أخذ حقوق الناس بمجرد العداوة والبغضاء، لأن الإسلام دين العدل. وقد قضى شريح القاضي ليهودي بدرع، مع أن الخصم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلم يعرف الإسلام الظلم في تاريخه بل كان العدل شعاره.
رابعاً: المساواة في بعض الأحكام الشرعية: فالشريعة ساوت بين الناس في بعض الأحكام الشرعيةِ، العدلُ يقتضي التسويةَ فيها، فمن ذلك على سبيل المثال: التسوية بين الأولاد في العطية كما في الحديث السابق، والتسوية بين الزوجات في النفقة والمبيت، وغير ذلك من الأحكام.
ومع أن الناس فيما ذكرنا سواء، ولكن قامت موانع منعت من المساواة بينهم في بعض الأمور، تقضي الحكمة حصول التفرقة فيها ونفي المساواة، إما لمانع شرعي، أو مانع جبليّ.
المانع الشرعي الذي جاءت به النصوص الشرعية، ولا أحد يستطيع تجاوز الشرع كائناً من كان، كالمنع من المساواة بين المسلم والكافر. قال الله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُون)، قال البغوي رحمه الله: "نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، وذلك أنه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد بن عقبة لعلي: اسكت، فإنك صبيّ، وأنا والله أبسَطُ منك لساناً، وأحدُّ منك سِناناً، وأشجع منك جنِاناً، وأملأ منك حشواً في الكتيبة. فقال له عليّ: اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُون) ولم يقل: لا يسـتويان، لأنه لم يرد مؤمناً واحداً وفاسقاً واحداً، بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين". انتهى. فهم لاَّ يَسْتَوُونَ عقلاً ولا يستوون شرعاً، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، وكذلك لا يستوي ثوابهما في الآخرة. قال الله تعالى: (أَفَنَجْعلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون). حتى بين المسلمين لا يستوي أصحاب الأعمال، كما قال تعالى: (لا يسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْـمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ، فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً، وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْـحسْنَى، وَفضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيما). وقال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا، وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير)، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على التفرقة بسبب الشرع. وقد يصلي رجلين بجوار بعضهما البعض والفرق بينهما في الأجر كما بين السماء والأرض، مما يحصل في قلب كل واحد منهما من الإيمان والتقوى والخشية والتدبر والإخلاص، ولما يكون عليه أثر الصلاة على كل واحد منهما بعد ذلك في حياته اليومية وجوارحه من يد ورجل ولسان وفرج وغيرها من الأعضاء.
أما المانع الجِبِلِّي فبسبب أصل الخِلْقة، بمعنى أن الناس جميعاً خرجوا من آدم، ولكن الله تبارك وتعالى أقام في خِلْقة المرأة والرجل فروقاً فرّق بسببها بينهما في التكاليف. قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض) فالتفضيل هو للمزايا الجِبِلِّية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذبّ عنها وحراستها لبقاء ذاتها، لذلك قد بُني على هذا المانع التفرقة بين الرجل والمرأة في بعض التكاليف الشرعية التي يقتضي التفريق في أصل الخلقة التفريق بينها في هذه الأحكام. كالشهادة، لأن النسيان من أصل خِلْقَتها. قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأُخرَى)، وكذا الولاية، لأن الضعف في أصل خِلقتها، ولأن العجلة من أصل خلقتها. إلى غير ذلك.
لقد أثرت فكرة المساواة المطلقة على الفكر في مجالات عديدة، وترتب عليها آراء منحرفة عن الصواب، كانت سبباً في إضلال كثير من الناس. ويمكن القول إن معظم الآراء والأفكار المنحرفة تؤثر فيها المساواة المطلقة تأثيراً مباشراً، إما لكون الفكرة أساساً بنيت على هذه المساواة، أو أنها عمود أساسي من أعمدتها، ومن هذه الأفكار:
أولاً: اعتبار المواطنة هي الأصل في الحقوق والواجبات: من أبرز آثار المساواة المنحرفة دعوتها إلى المساواة الكاملة بين أبناء الوطن الواحد، ومناداتها بإزالة كل أمر يفرّق أبناء الوطن الواحد حتى ولو كان الدين، فتذوب في ظلها كل الفوارق الدينية والجنسية، فلا فرق في ظل الوطن بين المسلم وغيره، وبين الرجل والمرأة، وبرزت الدعوة إلى أن الأساس في الحقوق والواجبات هو المواطنة، وتسمى أحياناً الدعوة إلى القومية، ومنها فكرة القومية العربية التي هي حركة سياسية فكرية متعصبة تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم على أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين، وهي صدى للفكر القومي، الذي سبق أن ظهر في أوروبا.
إن أخطر ما في هذه الدعوة وأمثالها أن بعض المسلمين يتحمس لها ويدافع عنها بحسن نية وسلامة مقصد، بل تجدهم يرددون ما يزعمون أنه حديث نبوي: "حب الوطن من الإيمان" وهو ليس بحديث. ويتبنَّى أصحاب هذه الفكرة شعار: "الدين لله، والوطن للجميع" والهدف من هذا الشعار إقصاء الإسلام من أن يكون له أي وجود فعلي، وجعْل أُخوّة الوطن مقدَّمة على أخوة الدين. ومن أخطر آثار الوطنية والقومية بمفهومها العلماني بناؤهما على المساواة الكاملة في الوطن أو الجنس، ويتمثل ذلك الخطر في إلغاء عقيدة الولاء والبراء، لتحل محلها عقيدة الوطنية والقومية، فيوالي المسلمُ اليهوديَّ والنصرانيَّ والمبتدع في ظل الوطن، ويعادي المسلمُ أخاه المسلمَ بل يقاتله، بل يستعين بغير المسلمين من أجل معاداته، ولا يخفى خطر ذلك. يقول الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله: "ومن الوجوه الدالة على بطلان القومية العربية، أنها سُلَّم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين واتخاذهم بطانة، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم. ومعلوم ما فيه من الفساد الكبير والمخالفة لنصوص القرآن والسنة الدالة على وجوب بُغض الكافرين من العرب وغيرهم وتحريم موالاتهم". انتهى.
ومن مساوئ المواطنة إباحة الردة وترك الإسلام: لأنه في نظر دعاة القومية لا فرق بين المسلم والكافر، وكما هو معلوم لقد صرح بذلك عدد من الناس. وأيضاً إباحة زواج المسلمة من الرافضي واليهودي والنصراني للمساواة في الوطن أو القومية. مع أن الإسلام حرم ذلك. وأيضاً جواز ولاية الكافر على المسلم، الولاية العظمي أي الرئاسة، وولاية القضاء، والجيش، بحجة المساواة في الوطن، وبناءً على هذه الفكرة فقد تم إسقاط شرط الإسلام من شروط الرئاسة في دساتير أكثر الدول الإسلامية إلا من رحم الله، ومعلوم أن هذه الولايات انعقد الإجماع على عدم جوازها لغير المسلم، ومستند ذلك قول الله تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ سَبِيلا).
ثانياً: من آثار المساواة المطلقة: الدعوة إلى تحرير المرأة: وهي فكرة علمانية ظهرت ونشأت في مصر في بادئ الأمر، ثم انتشرت في أرجاء العالم الإسلامي، وهي تدعو إلى إبعاد المرأة عن دينها باعتماد المساواة الكاملة بينها وبين الرجل، فهي في الأصل بيع للمرأة في سوق النخاسة. ففكرة تحلل المرأة من قيودها الشرعية، المسماة بتحريرها جاءت ونشأت من فكرة المساواة المطلقة التي اتخذوها ذريعة للقضاء على التكاليف الشرعية. والذي لا يخفى على أحد أن الشريعة الإسلامية خصت المرأة بتكاليف دون الرجال، فالدعوة إلى المساواة إبطال لهذه التكاليف. وتأكيداً لذلك نفت الشريعة المساواة بين الرجل والمرأة، فقال تعالى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم) وقال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) وقال تعالى: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى).
ماذا يريدون من تحرير المرأة؟ ترتب على فكرة تحرير المرأة التي بنيت على المساواة المطلقة عدة آثار منها: جواز ولاية المرأة: فقد ترتب على مساواة الرجل بالمرأة، مساواتها به في الولاية العامة أي رئاسة الدولة، وقد سقط من كل دساتير الدول الإسلامية شرط الذكورة في الرئاسة إلا القليل، ولا يخفى على الناس حرمة ذلك، فقد بينت الشريعة أن هذا المقام لا يجوز للمرأة أن تصل إليه، فقد قال أبو بكرة رضي الله عنه: "لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيَّامَ الجمَل، بَعْدَمَا كِدْتُ أَنْ أَلحقَ بِأَصْحَابِ الجمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ. قَالَ: لَـمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً". قال ابن قُدامة رحمه الله: "ولا تصلح المرأة للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يولِّ النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد ولا من بعده امرأةً قضاءً ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخلُ منه جميع الزمان غالباً". انتهى..
ومن الآثار في إطلاق فكرة تحرير المرأة ضياع حقوق الرجال التي قامت على أساس التفرقة بين الرجل والمرأة، كالقوامة، فإذا انتفت القوامة حصل النشوز والارتفاع على الزوج، وهذا الذي يريده دعاة المساواة، وهو أن تتجاوز المرأة الرجل لا أن تساويه. وأيضاً ضياع حق العصمة، فإذا حصلت المساواة، أصبح من حق المرأة طلب العصمة ونيلها، فيكون لها حق العقد والطلاق والرجعة. وأيضاً فقدان الرجل حق الطاعة المطلقة في غير معصية الله. قال صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لأَمَرْتُ المرْأَةَ أَنْ تسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّي حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِي عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْه"، قال أهل العلم: واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها، لأن الله تعالى قال: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَات) فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة، فهي لا بد أن تكون قانتة مطيعة.
ما كان لهؤلاء الحاقدين أن يدخلوا على الناس في بيوتهم ويخرجوا بناتهم ونساءهم, ولكنهم بمخططهم الماكر، افتعلوا قضية أسموها "تحرير المرأة" ليوحوا للمرأة أن لها قضيةً تحتاج إلى نقاش، وتستدعي الانتصار لها أو الدفاع عن حقها المسلوب. ولذلك يكثرون الطنطنة في وسائل كثيرة ومختلفة على هذا الوتر, بأن المرأة في مجتمعاتنا تعاني ما تعاني، وأنها مظلومة وشقٌّ معطل، ورئة مهملة، ولا تنال حقوقها كاملة، وأن الرجل قد استأثر دونها بكل شيء. وهكذا, ليُشعروا الناس بوجود قضيةٍ للمرأة في مجتمعنا, هي عند التأمل لا وجود لها.
يقال لهؤلاء الناعقين: أي حريّة للمرأة تريدون؟! أتريدونها أن تكون ألعوبة في يد
القاصي والداني؟! أم تريدونها أن تكون ورقةً مبذولةً تطؤها الأقدام وتمزقها الأيدي,
بعد أن كانت جوهرةً مصونةً لا يكاد يرى أحد منها شيئًا من غير محرمها إلا بعقد
صحيح؟ أيّ حرية في أن تكون المرأة مع الرجل جنبًا إلى جنب في كل شيء حتى في مصنعه
وهندسته؟! عجبًا! ثم عجبًا!. يقول سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
"فلا يخفى على كل من له معرفةٌ ما عمت به البلوى في كثير من البلدان من تبرج الكثير
من النساء وسفورهن، وعدم تحجبهم من الرجال، وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله
عليهن إبداءها، ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة، ومن أسباب
حلول العقوبات ونزول النقمات، لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش
وارتكاب الجرائم وقلة الحياء وعموم الفساد". ثم يقول رحمه الله: "فاتقوا الله أيها
المسلمون، وخذوا على أيدي سفهائكم وامنعوا نساءكم مما حرم الله عليهن، وألزموهن
التحجب والتستر واحذروا غضب الله سبحانه، وعظيم عقوبته، فقد صح عن النبي
أنه قال:
"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم
الله بعقابه". ويقول رحمه الله رادًّا على دعاة الاختلاط ونزع الحجاب: "إن
ثمرات الاختلاط مُرة, وعواقبه وخيمة, رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة
بالقرار في بيتها، والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه، ومن أراد أن يعرف
عن كثب ما جناه الاختلاط من المفاسد التي لا تحصى، فلينظر إلى تلك المجتمعات التي
وقعت في هذا البلاء العظيم بإنصافٍ من نفسه وتجرد للحق عما عداه، فسيجد التحسر على
انفلات المرأة من بيتها وتفكك الأسر" ا.هـ
ومن الآثار السيئة في فكرة المساواة المطلقة وهذا ثالثاً: الدعوة للديمقراطية: إن فكرة الديمقراطية من الأفكار التي دخلت المجتمعات المسلمة وتبنتها مع كل أسف بعض العقول المسلمة، بل روَّج لها بعض المسلمين، وشبهها بعضهم بالشورى التي لا علاقة لها بها لا شكلاً ولا مضموناً ولا منهجاً، لأن الديمقراطية بنيت أصلاً على مبدأ المساواة المطلقة.
وترتب على دخول المساواة في فكرة الديمقراطية عدة مخالفات شرعية منها: إزالة الحواجز الشرعية بين الرجال والنساء بدعوى الحرية والمساواة الديمقراطيتين، فأبيح الاختلاط والتبرج وغير ذلك.
ومن المخالفات الشرعية: إظهار شعائر الكفر من رفع الصليب والاحتفال بالأعياد الكفرية في كل مكان وفتح المساجد أبوابها على الكنائس، وتعانق الهلال مع الصليب، والتحام المصحف مع الإنجيل، إلى غير ذلك من الأباطيل، وكل ذلك تحت مسمى الحرية والمساواة في ظل الديمقراطية، وإن شئت قلت: حرية الكفر.
إن المفتونين بالديمقراطية والمروجين لها صاروا يصورونها كالبلسم الشافي لكل مشكلات المجتمع السياسية وغير السياسية. وأول ما يؤخذ على الديمقراطية كونها اسماً لا حقيقة له، أعني أنه إذا وصف لك نظام سياسي بأنه دكتاتوري أو ديني مثلاً تصورت ما المقصود بهذا الوصف، وكانت صورتك الذهنية هذه مطابقة للواقع الذي يوصف بهذا الوصف. ولكن ليس كذلك الأمر بالنسبة للديمقراطية، إذ إن الديمقراطية كما يدل عليها اسمها، وكما يعرفها كبار منظريها وساستها هي حكم الشعب، لكن الصورة الواقعية لما يسمى بالديمقراطية مهما كانت حسناتها أو سيئاتها ليست هي حكم الشعب:
أولاً: لأن مفهوم الشعب نفسه مفهوم غامض كما يرى بعض كبار منظري الديمقراطية.
ثانياً: لأن الشعب لم يكن في يوم من الأيام ولن يكون حاكماً، ذلك أمر متعذر.
هنالك أمر لا يتفطن إليه كثير من الناس هو أن الديمقراطية في البلاد الغربية ليست ديمقراطية خالصة مطلقة وإنما هي ديمقراطية مقيدة بالليبرالية. ما معنى هذا؟. الليبرالية نظرية سياسية فحواها أن المجتمع يتكون أساساً من أفراد لا من طبقات ولا من أسر ولا من أي تجمعات أخرى. وبما أن الفرد هو أساس المجتمع، وبما أن له بوصفه فرداً حقوقاً أهمها حريته، فإنه لا يجوز للحكومة ولا لفئة من الشعب بل ولا لأغلبية الشعب أن تتدخل في حريته، ولذلك فإنهم يدعون إلى ما يسمونه بالحد الأدنى من الحكومة، أي إن الأساس هو أن يترك الأفراد أحراراً يختارون ما شاؤوا، فعلى الدولة أن لا تتدخل إلا تدخلاً اضطرارياً الغرض منه حفظ حقوق الأفراد.
ما موقفنا من النظم التي تسمى بالديمقراطية:
النظم السياسية التي تسمى بالديمقراطية ليست ديمقراطية بمعنى أن الحكم فيها للشعب، وإنما هي نظم سياسية مختلفة، فمن الخطأ تعريف الديمقراطية بأنها نظام الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو فرنسا أو غيرها من الدول الغربية. وعليه فإذا كان من حق هذه الدول أن تجتهد وتختار لنفسها ما تراه مناسباً لها من تفاصيل المؤسسات والقيم السياسية، مع أنها جميعاً تتسمى بالديمقراطية، أفلا يكون من حقنا أيضاً أن نختار من المبادئ والقيم السياسية ما نراه مناسباً لهويتنا وواقعنا ووسيلة أحسن لتحقيق أهدافنا.
إنه لا يلزم من موافقة الديمقراطية الليبرالية الغربية في بعض الجزئيات أن يأخذ الموافق سائر ما فيها، أو أن يتبنى فلسفتها، أو يتسمى باسمها. ثم إن ما في الديمقراطية من حسنات ليس خاصاً بها ولا مرتبطاً بها، بل يمكن أن تخلو هي منه كما يمكن أن يوجد في غيرها، بل قد وجد الكثير منه حتى في حياة جاهليتنا العربية!.
رابعاً: من الآثار السيئة في فكرة المساواة المطلقة: الدعوة إلى وحدة الأديان: هذه الفكرة كذلك من ثمار المساواة المطلقة حيث ساوت بين كل الأديان، وليتهم قالوا: باعتبار أصلها، وقد عُقدت المؤتمرات من أجل تحقيق هذه المساواة، فلا ينبغي عندهم أن يتميز دين على آخر بشيء فيه، وقد ظهر أثر هذه الفكرة في مجالات عديدة في الحياة، منها: الاعتراف بصحة الأديان المحرفة المتضمنة للشرك، كما قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ، وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَإن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِين كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيم)، وقال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى الْـمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكون)، والاعتراف بصحة تلك الأديان المحرفة يبيح للإنسان مثلاً قراءة الإنجيل بغرض التعبد، ودخول الإنسان إلى الكنيسة لغرض الصلاة ولا حرج في ذلك، والترحم على موتى اليهود والنصارى، بل والتقرب إلى الله ببناء كنائسهم في بلدان المسلمين وغير ذلك مما يندى له الجبين ويقشعر منه الجلد.
ومنها: الشهود للكفار بالإيمان، بل ودعا بعضهم إلى تكوين جبهة المؤمنين، لأنه يعتقد المساواة معهم، وقد قال الله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَة)، وقال تعالى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة).
ومن الآثار السيئة للدعوة إلى وحدة الأديان: جواز الردة، وإنكار حدّها، لأن الأديان كلها بزعمهم صحيحة، فالانتقال من دين إلى دين عند هؤلاء لا إشكال فيه ولا حرج. نسأل الله السلامة.
وختاماً: فإن الإسلام بتوحيده وعبوديته لله والإيمان بأركان الإيمان الستة، وما ينبثق عن ذلك من شريعة ونظام حياة، لا بدّ أن يصطدم بالغرب الصليبي الكافر العابد لغير الله والخاضع لشريعة الطاغوت. والحضارة والثقافة الإسلامية بأُسسها وثوابتها تصطدم بحضارة الغرب بأُسسها وثوابتها. وهذا الصراع أو الصدام هو حكم رباني جاء به الأنبياء جميعاً، ونصوص الكتاب والسنة قائمة على هذا الفرقان بين الحق والباطل، والأدلة حاسمة في هذا الباب. قال الله تعالى عن الكفار: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا)، وقال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم)، ونصوص السنة الصحيحة جاءت مبيِّنة أن القتال مع اليهود والنصارى سيبقى حتى يخرج الدجال وينـزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.
إنه لا مهرب من هذا الصراع أو الصدام بين المسلمين والكفار من الغرب الصليبي ونحوهم حتى لو أُنشئت مئات المنظمات العالمية ووقَّع عليها الزعماء كافة، ودبّج المثقفون والمفكرون من الطرفين عشرات البيانات للتعايش والوئام، إذا لم يجمعهم التوحيد والإسلام الذي جاء به خاتم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن المعلوم أن الشرك وعبادة غير الله لا يمكن أن يلتقيا مع التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، كما أن من كفر بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر ببقية الرُّسُل لأن الإيمان بهم جميعاً متلازم.
إن الإيحاء بأن الصراع أو الصدام إنما هو مع حضارة الغرب في جانبها المادي والتقني، والزعم بأن الإسلام يعادي الحضارة لأنها تقدُّم وحضارة، فهذا كذب على الإسلام وفرية. وقد توسَّع عدد كبير من الكتّاب الإسلاميين في بيان ذلك والرد على الغرب ودهاقنته في مجال الفكر من المستشرقين والمنصِّرين وأذنابهم من العَلْمانيين في بلاد المسلمين. وهي من الوضوح بحيث أصبح الحديث عنها مكرراً مملاً.
والإيحاء أيضاً بأن الإسلام يحقد على الغرب حسداً منه، أو خوفاً من الحضارة واكتشافاتها ونحو ذلك، فهذا فيه ما فيه من البهت، حيث ما من مسلم صادق إلا وهو يفرح ويتمنى لو أن الغرب وغيرهم أطاعوا الله وعبدوه وحده لا شريك له، وهم على ما هم عليه من القوة والسلطان. والمسلمون ليس عداؤهم شخصياً للغرب، وإنما هو الولاء والبراء في الله، هكذا علَّمهم دينهم، وهكذا تلقَّوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم.
واستغلال هذه النظرية لشنِّ حملة على الإسلام وعلى المسلمين وتصوير المسلمين بأنهم إرهابيون أصوليون متطرفون معادون للحضارة، لأنهم ضد الحضارة، ولأنهم متخلِّفون عن ركب العالم الذي هو الغرب بعولمته.
ثم إن حصر الصدام بأنه مع المسلمين فقط، بينما يصطرع العالم قديماً وحديثاً صراعات مادية أساسها اختلاف المناهج وبسط النفوذ، والشواهد على ذلك كثيرة منها:
- الحرب العالمية الأولى والثانية كانت بين دول أوروبية نصرانية، وقد أزهقت ملايين الأنفس ودمَّرت بلداناً ومدناً بأكملها.
- قامت الشيوعية في روسيا وامتدَّ نفوذها إلى عدد كبير من البلدان الإسلامية التي أُدخلت بالقوة والحديد ضمن الحكم الشيوعي كما هو معلوم.
- الصراع بين الشرق والغرب تحت مسمى: الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، وكل منهما ماديّ عَلْماني ملحد، وقد استمرت الحرب الباردة عشرات السنين وكادت أن تتحول إلى حرب حقيقية بينهما في عدة مناسبات.
ومع هذا كله تجد نظرية صدام الحضارات تحولت إلى نظرية أيديولوجية ضد الإسلام والإسلام فقط.
وفي ظل الأوضاع الحالية لا يمكن المقاربة بين الحق والباطل وإن وصفت بأنها مقاربة سلمية، وهي صعبة المنال في ظل قوة الغرب وجبروته وغطرسته وسياسة الإخضاع لعولمته: العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والتقنية، والفكرية والعقدية والثقافية والتي يوجهها للعالم أجمع، ولكن يركز في تطبيقها وتسويقها ولو بالقوة على العالم الإسلامي وعلى المسلمين في كل مكان نظراً لإدراكه أن الخطر عليه قادم من الإسلام.
وفي المقابل فالمسلمون لن يتخلَّوا عن إسلامهم ودينهم لأجل الغرب أو خوفاً منه، وهم وإن كانوا ضعفاء مادياً وفيهم من يسعى جاهداً للارتماء في أحضان الغرب مهما كان الثمن إلا أن علماءهم ودُعاتهم ورجالهم وأهل الرأي فيهم ومعهم عامة المسلمين يرفضون الخضوع والاستسلام للغرب، مهما كان ثمن هذا الرفض، والله معهم وهو مولاهم فنعم المولى ونعم النصير.
ثم يجب أن نعلم بأن الإسلام يختلف عن الأديان والـمِلَل الأخرى الكافرة، لأن تلك الأديان محرَّفة، ولا ضيرَ عندها في أن تغيِّر دينها وشريعتها، وأن تقتبس من غيرها ما تشاء، بناء على أنها ديانات قابلة للتطوير والتحوير وإن كان هذا صعباً في بعض الأحيان.
أما الإسلام فهو دين محفوظ وقائم، أسسه ومصادره من الكتاب والسنة قائمة كالجبال الراسيات، فلا يملك أحد ولا يستطيع لها تغييراً ولا تبديلاً، وكل المحاولات من هذا النوع منذ بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم باءت بالفشل الذريع. والمحاولات المعاصرة التي تقوم بها دوائر الاستعمار والاستشراق والاستخبارات في الغرب بجهود وضغوط منها وباستخدام العَلْمانيين أو الليبراليين أو مَنْ دونَهم من أصحاب الأهواء من الفرق الإسلامية أو أصحاب الاتجاهات التنويرية ونحوها في بلاد المسلمين، وتجييش ذلك كله لإخضاع الإسلام وتغيير أصوله وقواعده وشريعته باءت كلها وستبوء بالفشل الذريع.
يجب أن نقوم نحن المسلمين بحماية أمتنا من ذلك الذوبان ولو على حساب ضعف حوار الحضارات وما أشبهه، لكن على ألا ننسى أن ديننا للعالم أجمع، وأن ديننا هو دين التوحيد والرحمة بالخلق، قال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين).
يضاف إلى ذلك أن نأخذ بأسباب القوة والرقي الحضاري النافع ومسائله متاحة إذا صدقنا العزم والنية والعمل حتى لا نكون عالة على غيرنا، وحتى نكون نحن الأقوى بعون من الله وتوفيقه، وفي هذه الحالة سنكون نحن الهداة كما كانت أمتنا سابقاً الذين يقدمون للعالم كله المبادئ والأسس والأصول التي تسعده.
أسأل الله أن يحمي المسلمين من شر المتربصين بهم وبعقيدتهم إنه ولي ذلك والقادر عليه .. والحمد لله أولاً وآخراً ...
التعليقات
vxrpryj
r55VZX zxzxvvosdlgu, [url=http://hacvpvhkbiqo.com/]hacvpvhkbiqo[/url], [link=http://efowlxteshat.com/]efowlxteshat[/link], http://tqjzecxwfgbp.com/
xcottehfbq
VQOkRi cpfezgyjvohv, [url=http://wswjiigypdnp.com/]wswjiigypdnp[/url], [link=http://wwucbfskrtvd.com/]wwucbfskrtvd[/link], http://eufvfjnconsl.com/
agyutciuzhj
M4OBAU gmxidpemhbtx, [url=http://nqyaungwytbk.com/]nqyaungwytbk[/url], [link=http://rtgzvntsvhrj.com/]rtgzvntsvhrj[/link], http://lyufpgeodgrc.com/
ufpvai
C8vWit sbdgobxqpwrz, [url=http://xuprytmmoazl.com/]xuprytmmoazl[/url], [link=http://kksvwhkiawez.com/]kksvwhkiawez[/link], http://tzmhwtrdogqc.com/