عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (5)
الدرس الخامس
(فتح المدائن - معركة جلولاء - معركة نهاوند)
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
وبعدما انتهت معركة القادسية، أقام سعد بالقادسية شهرين ينتظر أمر عمر، حتى جاءه بالتوجه لفتح المدائن، ففعل وسار بالجيش لأيام بقين من شوال، وكان فَلُّ المنهزمين لحق ببابل، وفيهم بقايا الرؤساء مصمِّمين على المدافعة، وبدأت مدن وقرى الفرس تسقط واحدة بعد واحدة، واستمرت حملات المسلمين المنظمة حتى وصلوا إلى المدائن، وأمر عمر سعداً بأن يحسن إلى الفلاحين وأن يوفي لهم عهودهم ودخلت جموع هائلة من الفلاحين في ذمة المسلمين، وتأثر الفلاحون بأخلاق جيش المسلمين وبعدلهم ومساواتهم المنبثقة من دينهم العظيم، فأميرهم كأصغر الرعية أمام الحق الأكبر، ولا ظلم، ولا فساد في الأرض، خفت عنهم وطأة الكبرياء والعبودية التي كانوا يسامونها فصاروا عباداً لله وحده، وقد توجه سعد نحو المدائن بعد أمر أمير المؤمنين، فبعث مقدمة الجيش وأتبعه بطائفة من الجيش ثم طائفة أخرى، ثم لحق بهم ببقية الجيش.
والمدائن هي عاصمة دولة الفرس، وتقع شرق نهر دجلة وغربه، بدأ حصار المدينة، وفيها ملك الفرس "يَزْدَجرد"، فحاصرها المسلمون شهرين، وكان الفرس يخرجون أحياناً لقتال المسلمين ولكنهم لا يثبتون لهم، وقد بقي المسلمون في حصارها شهرين استعملوا خلالها المجانيق، وقد صنع لهم الفرس الموالون لهم عشرين منجنيقاً شغلوا بها الفرس وأخافوهم.
عن أنس بن الحليس قال: بينما نحن محاصرون "بهرسير" بعد زحفهم وهزيمتهم أشرف علينا رسول فقال: إن الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة وجبلنُا ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم، فبدر الناس أبو مُفَزِّر الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الله بما لا يدري ما هو ولا نحن، فرجع الرجل ورأيناهم يعبرون النهر إلى شرق المدائن فقلنا: يا أبا مفزِّر ما قلت له؟ قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما أدري ما هو إلا أن عليَّ سكينة، وأنا أرجو أن أكون أُنطقت بالذي هو خير، وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد فجاءنا فقال: يا أبا مفزِّر ما قلت؟ فو الله إنهم لهُرَّاب، فحدثه بمثل حديثه إيانا، فنادى الناس ثم نهد بهم، وإن مجانيقنا لتخطر عليهم، فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان فأمَّنَّاه، وافتتحناها فما وجدنا فيها شيئاً ولا أحداً، إلا أسارى أسرناهم خارجاً منها، فسألناهم وذلك الرجل: لأي شيء هربوا؟ فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجبتموه بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبداً حتى نأكل عسل أفريذين باُتْرُجِّ كوثي، فقال الملك: واويله ألا إن الملائكة تكلَّم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيب عن العرب، والله لئن لم يكن كذلك ما هذا إلا شيء أُلقي على فِيِّ هذا الرجل لِنَنْتَهي، فأرزُوا إلى المدينة القصوى. وهذا بعض كرامات الله جل وتعالى لجنده وأولياءه.
نزل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- ومن معه نحو الجزء الغربي من المدائن، ولما نزل ذلك المكان قرأ قول الله تعالى: {وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} [(44) سورة إبراهيم]. ولما دخل المسلمون في جوف الليل لاح لهم الأبيض وهو قصر الأكاسرة، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر أبيض كسرى، هذا ما وعد الله ورسوله، وتابعوا التكبير حتى أصبحوا. ولما علم سعد أن كسرى قد عبر بالسفن إلى المدائن الشرقية وضم السفن كلها إليه وقع في حيرة من أمره، فالعدو أمامهم وليس بينهم إلا النهر ولا سبيل إلى عبوره لعدم توفر السفن، وهو يخشى أن يرتحل عدوه فيصعب القضاء عليه، وقد أتى سعداً بعض أهل فارس فدلوه على مخاضة يمكن اجتيازها مع المخاطرة، فأبى سعد وتردد عن ذلك، ثم فاجأهم النهر بمدِّ عظيم حتى اسودَّ ماء النهر وقذف بالزبَّد من سرعة جريانه، وفي أثناء ذلك رأى سعد رؤيا صالحة مفادها أن خيول المسلمين قد عبرت النهر، فعزم لتأويل رؤياه على العبور، وجمع الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: إن أعدائكم قد اعتصموا منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا، فَيُنَاوشونكم في سفنهم وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، قد كفاكموهم أهل الأيام، وعطلوا ثغورهم وأفنوا ذادتهم، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد عدوكم بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل.
ندب سعد الناس إلى العبور وقال: من يبدأ ويحمي لنا حتى تتلاحق به الناس لكي يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو التميمي وكان من أصحاب البأس والقوة، وانتدب بعده ستمائة من أهل النجدات، فأمّر عليهم سعد عاصماً فسار فيه حتى وقف على شاطئ دجلة وقال: من ينتدب معي لنحمي من عدوكم ولنحميكم حتى تعبروا؟ فاندب له ستون من أصحاب البأس والنجدة، ثم اقتحموا دجلة، واقتحم بقية الستمائة على إثرهم، وهكذا تكونت من جيش المسلمين فرقة من الفدائيين عددهم ستمائة وقد سميت كتيبة الأهوال، واستخلص عاصم منهم ستين تحت قيادته ليكونوا مقدمة لهذه الفرقة، وهذا تخطيط محكم من سعد أولاً ثم من عاصم، وذلك أن مواجهة الأهوال والمغامرات لا تكون بالعدد الكبير، وإنما تكون بأصحاب البأس الشديد والقدرة القتالية العالية وإن كانوا قلائل، وذلك أنه إذا انضمَّ لهذه الفرقة من هم أقل كفاءة وشجاعة ثم ارتدوا عند هجوم الأعداء يسببون انهزام الفرقة كلها. وقد اقتحم عاصم النهر بالستين على الخيول فلما رآهم الأعاجم أعدُّوا لهم فرساناً فالتقوا بهم في النهر قرب الشاطئ الشرقي، فقال عاصم: الرماح الرماح، أشرعوها وتوخَّوا العيون، فالتقوا فاطّعنوا وتوخَّى المسلمون عيونهم، فولوّا نحو الشاطئ والمسلمون ينخسون خيولهم بالرماح لتسرع في الهروب فصارت تسرع وأصحابها لا يملكون منعها، ولحق بهم المسلمون فقتلوا عامتهم ونجا من نجا منهم عوراناً، ولحق بقية الستمائة بإخوانهم فاستولوا على الشاطئى الشرقي، ولما رأى سعد عاصماً تقدم، أذن للناس في الاقتحام وقال: قولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وتلاحق مُعظم الجند فركبوا اللُّجَّة، وإنَّ دجلة لترمي بالزبد، وإنها لمسودَّة، وإن الناس ليتحدثون في مسيرهم على الأرض، وكان الذي يساير سعداً في الماء سلمان الفارسي فعامت بهم الخيل، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرنّ الله وليَّه، وليظهرنّ الله دينه، وليهزمن الله عدوه إن لم يكن في الجيش بَغْي أو ذنوب تغلب الحسنات، فقال له سلمان: الإسلام جديد، ذُلِّلتْ لهم والله البحور كما ذُلِّلَ لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجنّ منه أفواجاً كما دخلوه أفواجاً، وقول سلمان رضي الله عنه: الإسلام جديد، يعني لا يزال حياً واتباعه أقوياء الإيمان معتزون به، وقد جعلوه قضيتهم التي من أجلها يحيون ومن أجلها يموتون، وإليها يدعون وعنها يدافعون، أما حين يتقادم العهد فإنه تأتي أجيال ترث هذا الدين وراثة لا اختيارا، ولا تجعله القضية التي تأخذ على أفرادها مشاعرهم واهتماماتهم، بل يجعلون همهم الأكبر هو العلو في الدنيا والتمتع بمتاعها ويصبح الدين أمراً ثانوياً في قاموس حياتهم، فعند ذلك يخرجون منه أفواجاً كما دخلوه أفواجاً.
تم عبور المسلمين جمعياً سالمين، ولم يُصَب أحد منهم بأذى، لقد دهش الفرس من عبور المسلمين، وهرب يزدجرد قاصداً "حلوان" ودخل المسلمون من غير معارض، ونزل سعد القصر الأبيض واتخذه مصلى وقرأ قوله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [(25-28) سورة الدخان]، وصلى ثمان ركعات صلاة الفتح، وكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم كتيبة الخرساء وكان الذي يقود كتيبة الأهوال، عاصم بن عمرو التميمي، وأما كتيبة الخرساء فكان يقودها القعقاع بن عمرو.
لحق القعقاع بفارسي يحمي الناس فقتله، وإذا معه غِلافان وعيبتان، وإذا في أحد الغِلافين خمسة أسياف وفي الآخر ستة، وهي من أسياف الملوك من الفرس، ومن الملوك الذين جرت بينهم وبين الفرس حروب وفيها سيف كسرى وسيف هرقل، وإذا في العيبيتين أدراع من أدراع الملوك وفيها درع كسرى ودرع هرقل، فجاء بها إلى سعد، فقال: اختر أحد هذه الأسياف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام، وأما سائرها فنفلها كتيبة الخرساء التي هي بقيادة القعقاع، إلا سيف كسرى والنعمان، فقد رأى أن يبعثهما إلى أمير المؤمنين لتسمع بذلك العرب لمعرفتهم بهما.
أثنى أكابر الصحابة -رضي الله عنهم- على ذلك الجيش، ومن ذلك قول سعد بن أبي وقاص: والله إن الجيش لذو أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت على فضل أهل بدر. وقال جابر بن عبد الله: والله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كالذي هجمنا عليه من آمانتهم وزهدهم. وأكبر من ذلك ثناء أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- لما رأى خُمس تلك الغنائم وكان معها سيف كسرى ومنطقته وزبرجده فقال: إن قوماً أدَّوا هذا لذَوو أمانة، فقال علي -رضي الله عنه-: إنك عففت فعفَّت الرعية ولو رتعت لرتعت.
اجتمع الفرس على مفترق الطرق إلى مدائنهم في "جلولاء" فتذامروا وقالوا: إن افترقتم لم تجتمعوا أبداً، وهذا مكان يفرّق بيننا، فهلموا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم فإذا كانت لنا فهو الذي نريد وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا وأبلينا عذراً، واجتمعوا على قيادة "مهران"، وحفروا خندقاً حول مدينتهم وأحاطوا به الحسك من الخشب إلا الطرق التي يعبرون منها، وقد كتب سعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين عمر يخبره بذلك، فكتب إلى سعد يأمره ببعث هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى جلولاء في اثني عشر ألفاً، وأن يجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو التميمي، وعلى ميمنته مسعر بن مالك، وعلى ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة، وعلى ساقته عمر بن مرة الجهني، وسار إليهم هاشم بجيشه فحاصرهم وطاولهم أهل فارس فكانوا لا يخرجون لهم إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون ثمانين زحفاً، كل ذلك يعطي الله المسلمين عليهم الظفر، وغلبوا المشركين على حسك الخشب التي اتخذوها لإعاقة المسلمين فاتخذ الأعداء حسك الحديد، وجعل هاشم يقوم في الناس ويقول: إن هذا المنـزل منـزل له ما بعده وجعل سعد يمده بالفرسان، حتى إذا طال الأمر وضاق الأعداء من صبر المسلمين اهتموا بهم فخرجوا لقتالهم فقال: ابتلوا الله بلاءً حسنا ليتم لكم عليه الأجر والمغنم واعملوا لله، فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحاً أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافت فرسانهم في الخندق فلم يجدوا بداً من أن يردموا الخندق مما يليهم لتصعد منه خيلهم فأفسدوا حصنهم. فلما بلغ المسلمين ما قام به الأعداء من ردم الخندق قالوا: أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه؟ فلما نهض المسلمون لقتالهم خرجوا فرَموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا تقدم عليهم الخيل وتركوا مكاناً يخرجون منه على المسلمين فاقتتلوا قتلاً شديداً لم يقتتلوا مثله إلا ليلة الهرير وهي من ليالي القادسية، إلا أنه كان أقصر وأعجل، وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم فأخذ به وأمر منادٍ يقول: يا معشر المسلمين هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به فاقبلوا إليه ولا يمنعنَّكم من بينكم وبينه من دخوله، وإنما أمر بذلك ليقَوِيِّ المسلمين به، فحمل المسلمون وهم ولا يشكُّون في أن هاشماً فيه فلم يقم لحملتهم شيء حتى انتهوا إلى باب الخندق فإذا هم بالقعقاع بن عمرو وقد أخذ به وأخذ المشركون في الهزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فُعقرت دوابهم بسبب حسك الحديد التي أعدوها للمسلمين وعادوا رجّالة، وأتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا من لا يُعَدّ، وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف، فجلَّلت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهو جلولاء الوقيعة.
انتهت معركة جلولاء بانتصار المسلمين، وقد غنموا فيها مغانم عظيمة أرسلوا بأخماسها إلى أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- فقال حين رآه: والله لا يُجنِّه سقف بيت حتى أقسمه، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم يحرسانه في صحن المسجد، فلما أصبح جاء في الناس فكشف عنه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا لموطن شكر! فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، والله ما أعطى الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم.
كان الفرس قد بدؤوا بالتجمع مرة أخرى بتحريض من ملكهم يزْدجرد، فاجتمعوا في رامهرمز بقيادة الهرمزان، وقد كان سعد بن أبي وقاص أخبر أمير المؤمنين بخبر اجتماعهم فأمره بأن يجهز إليهم جيشاً من أهل الكوفة بقيادة النعمان بن مقرن، وأمر أبا موسى الأشعري بأن يجهز جيشاً من البصرة بقيادة سهل بن عدي، وإذا اجتمع الجيشان فعليهم جميعاً أبو سبرة بن أبي رهم، وكل من أتاه فهو مدد له، وخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة، ثم سار نحو "الهرمزان" والهرمزان يومئذ برامهرمز، ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشَّدةَّ ورجا أن يقتطعه، وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل إمدادهم تنتشر، فالتقى النعمان والهرمزان بأربك، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم إن الله -عز وجل- هزم الهرمزان للنعمان، وأخلى رامهرمز ولحق بتستر، وأما سهل بن عدي فإنه سار بأهل البصرة يريد رامهرمز فأتتهم المعركة وهم بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر بأن الهرمزان قد لحق بتستر، فمالوا إلى تستر، ومال إليها النعمان بأهل الكوفة. وصل جيش النعمان بن مقرن وجيش سهل بن عدي إلى تستر، واجتمعا تحت قيادة أبي سبرة بن أبي رُهْم، وقد استمد أبو سبرة أمير المؤمنين فأمدهم بأبي موسى الأشعري فأصبح قائد جيش البصرة، وظل أبو سبرة قائد الجيش كله، وقد بقي المسلمون في حصار تستر عدة شهور قابلوا فيها جيش الأعداء في ثمانين معركة وظهرت بطولة الأبطال بالمبارزة، فاشتهر منهم عدد بقتل مائة مبارز سوى من قَتلوا في أثناء المعارك، ولما كان آخر لقاء بين المسلمين وأعدائهم، واشتد القتال نادى المسلمون البراء بن مالك وقالوا: يا براء أقسم على ربك ليهزمنَّهم لنا، فقال: اللهمَّ اهزمهم لنا، واستشهدني، وقد باشر المسلمون القتال وهزموا أعداءهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم، ولما ضاق الأمر على الفرس واشتد عليهم الحصار اتصل اثنان منهم في جهتين مختلفتين بالمسلمين وأخبراهم بأن فتح المدينة يكون من مخرج الماء، وقد وصل الخبر إلى النعمان بن مقرن، فندب أصحابه كذلك، فالتقى الأبطال من أهل الكوفة والبصرة في ذلك المكان ليلاً، ودخلوا منه بساحة إلى المدينة فكبَّروا وكبر من وقفوا في الخارج، وفتحوا الأبواب، فأبادوا من حولها بعد شيء من المقاومة، وقد استشهد في هذه المعركة البراء بن مالك ومجزأة بن ثور حيث رماهما الهرمزان، وكان استشهادهما بعد انتصار المسلمين في المعركة، ولجأ الهرمزان قائد الفرس إلى القلعة، وأطاف به المسلمون الذين دخلوا من مخرج الماء، فلما عاينوه وأقبلوا قِبلَه قال لهم: ما شئتم، قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، ومعي في جعبتي مائة نشَّابه، ووالله ما تصلون إليَّ ما دام معي نشابة، وما يقع لي سهم، وما خير إساري إذا أصبت منكم مائة بين قتيل وجريح، قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء، قالوا: فلك ذلك، فرمى بقوسه وأمكنهم من نفسه، فشدوا وثاقه وأرصدوه ليبعثوه إلى أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل، فاقتسموا أربعة أخماسه، فنال كل فارس ثلاثة آلاف وكل راجل ألف درهم. وأرسل أبو سَبرة بن أبي رُهم قائد المسلمين في تلك المعارك وفداً إلى أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-، وأرسل معهم الهرمزان، حتى إذا دخلوا المدينة هيأوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجاً مكللاً بالياقوت وعليه حليته، كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منـزله فلم يجدوه، فسألوا عنه فقيل لهم: جلس في المسجد لوَفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه في المسجد فلم يروه، فلما انصرفوا مرُّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدُّدكم؟ أتريدون أمير المؤمنين؟ فإنه نائم في ميمنة المسجد، متوسداً برنسه، وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس، فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه نزع برسنه ثم توسده فنام، فانطلقوا ومعهم النظارة حتى إذا رأوه جلسوا دونه وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والِّدرة في يده معلقة فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا، وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه، وأصغى الهرمزان إلى الوفد فقال: أين حرسه وحُجَّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب ولا ديوان، قال: فينبغي له أن يكون نبياً، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالساً ثم نظر إلى الهرمزان، فقال الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله وتأمل ما عليه وقال: أعوذ بالله من النار، الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، ولا تُبطرنكم الدنيا فإنها غرارة. فقال الوفد: هذا ملك الأهواز فكَّلمه، فقال: لا حتى لا يبقى عليه من حليته شيء، فُرمي عنه بكل شيء عليه إلا شيئاً يستره، وألبسوه ثوباً صفيقاً، فقال عمر: هيه يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلىَّ بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا، ثم قال عمر: ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلتني قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك، واستسقى ماءً، فأتى به في قدح غليظ، فقال: لو متُّ عطشاً لم أستطع أن أشرب في مثل هذا، فأتي به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجف، وقال إني أخاف أن أُقتل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه فقال عمر: أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إني قاتلك، قال: قد أمنتني، فقال: كذبت، فقال أنس: صدق أمير المؤمنين، قد أمنته، قال ويحك يا أنس أنا أُؤمِّن قاتل مجزأة والبراء، والله لتأتينّ بمخرج أو لأعاقبنّك، قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني، وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك فأقبل على الهرمزان وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم، فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة.
كان النعمان بن مُقرِّن والياً على كسكر، فكتب إلى عمر -رضي الله عنه-: مثلي ومثل كسكر كمثل رجل شابِّ وإلى جانبه مُومسة تلوَّن له وتعطَّر، فانشدك الله لما عزلتني عن كسكر، وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين، فكتب إليه عمر: أن ائت الناس بنهاوند، فأنت عليهم.
كان المسلمون قد انتصروا على جيوش الفرس في معارك عديدة متتالية، وأضحوا يطاردون فلول تلك الجيوش دون أن يتركوا لها فرصة لالتقاط أنفاسها، فمنذ انتصارهم الساحق في معركة القادسية بالعراق حتى المعركة الحاسمة في نهاوند، مرت أربع سنوات كان المسلمون ينتقلون خلالها من نصر إلى نصر، وكانت تلك الجيوش تتابع تقدمها لكي تقضي على ما تبقى من فلول جيوش الإمبراطورية الهرمة، لولا أن أوامر الخليفة عمر -رضي الله عنه- كانت تقضي بالتوقف أمام جبال زاغروس وعدم تجاوزها، وذلك بغية إعادة تنظيم الجيوش المنهكة من القتال المستمر، وتنظيم إدارة الأقاليم المفتوحة، ولقد أثارت الهزائم المتتالية التي ألحقها المسلمون بالفرس بعد القادسية خاصة حفيظتهم وخنقهم، ولم تكن كافية على ما يبدو للقضاء نهائياً على مقاومتهم، فكتب أمراؤهم وقادتهم إلى مليكهم "يزدجرد" يستنهضونه للقتال من جديد، فعزم عليه، وأخذ يعد العدة للعودة إلى قتال المسلمين فيما تبقى له في بلاده من معاقل ومعتصمات، فكتب إلى أهل الجبال من الباب إلى سجستان فخراسان أن يتحركوا للقاء المسلمين وواعدهم جميعاً نهاوند، وكان قد وقع عليها كمركز أخير للمقاومة، وكميدان للمعركة الحاسمة، فهي مدينة منيعة تحيط بها الجبال من كل جانب ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر مسالك وعرة صعبة، وقد تحشَّد الفرس في هذه المدينة واجتمع ليزدجرد فيها مائة وخمسون ألف مقاتل: ثلاثون ألفاً من الباب إلى حلوان، وستون ألفاً من خراسان إلى حلوان، ومثلها من سجستان إلى حلوان، فجعل يزدجرد عليهم الفيرزان قائداً. كان سعد بن أبي وقاص في الكوفة حين علم بخبر الحشود الفارسية فكتب إلى الخليفة عمر ينبئه بذلك ويستأمره، شارحاً له الوضع من مختلف جوانبه، فجمع عمر في المدينة أهل الرأي والمشورة من المسلمين واستشارهم في الأمر، ثم قرر بعدها إرسال جيش لقتال الفرس في معقلهم الأخير "نهاوند"، وكان النعمان بن مقرن المزني يومئذ عاملاً على كسكر، وكان قد كتب إلى الخليفة كتاباً يقول له فيه: مَثلي ومثل كسكر كمثل رجل شاب إلى جنبه مومسة تلون له وتعطر، فانشدك الله لما عزلتني عن كسكر وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين. واستشار عمر مجلس شوراه وتقرر أن يتولى قيادة جيوش المسلمين في نهاوند النعمان بن مقرن، واستطاع الفاروق أن يحشد جيشاً مقداره ثلاثين ألف مقاتل وتحرك جيش الإسلام بقيادة النعمان بن مقرن إلى نهاوند، ووجدها محصنة تحصيناً قوياً وحولها خندق عميق وأمام الخندق حسك شائك مربع الأضلاع يثبت منه ضلع في الأرض وتظل الأضلاع الثلاثة الباقية أو اثنان منها على الأقل فوق سطحها، لتعيق تقدم المهاجمين أو تؤذي خيالتهم بأحداث ثقوب في حوافر جيادهم مما يمنعها من متابعة الجري، أما جيش الفرس داخل سور المدينة فكان على تعبئة وقد انضم إليه بنهاوند كل من غاب عن القادسية، وقد ركز الفيرزان رماته باتجاه محاور التقدم المحتملة للمسلمين كي يطالوا جندهم بنبالهم إذا ما حاولوا التقدم. اصطدمت خيول المسلمين بالحسك الشائك ثم بالخندق فلم يستطيعوا اجتيازها، بينما تولى رماة الفرس رمي جند المسلمين الذي تمكنوا من الاقتراب من السور، واستمر الأمر كذلك لمدة يومين ورأى النعمان أن يجمع أركان الجيش الإسلامي لتدارس الوضع معه، وخرجوا بنتيجة الاجتماع بالخطة التالية وكان صاحبها طليحة بن خويلد الأسدي: تخرج خيول المسلمين فتنشب القتال مع الفرس، وتستفزهم حتى تخرجهم من أسوارهم، فإذا خرجوا تقهقرت خيول المسلمين أمامهم فيعتقدون تراجعها ضعفاً ويطمعون بالنصر، فيلحقوا بها وهي تجري أمامهم، تستدرج خيول المسلمين المتظاهرة بالهزيمة الفرس إلى خارج أسوارهم ومواقعهم، يفاجئ المسلمون الذي يكونون قد كمنوا في أماكن محددة ومموهة الفرس المتدفقين خلف خيول المسلمين، ويطبقون عليهم وهم بعيدون عن مراكزهم وخنادقهم وأسوارهم. وشرع النعمان لتنفيذ هذه الخطة ووزع قواته فرقاً على الشكل التالي:
الفرقة الأولى: خيالة بقيادة القعقاع بن عمرو ومهمتهما تنفيذ عملية التضليل وفقاً للخطة المرسومة آنفاً، واقتحام أسوار العدو والاشتباك معه.
الفرقة الثانية: مشاة بقيادته هو، ومهمتهما التمركز في مواقع ثابتة ومموهة بانتظار وصول الفرس إليها حيث تنشب القتال معها.
الفرقة الثالثة: خيالة، وهي القوة الضاربة في الجيش، ومهمتها التمركز في مواقع ثابتة ومموهة ثم الهجوم على قوات العدو من الجانبين.
وأمر النعمان المسلمين في كمائنهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم، والتزم المسلمون بالأمر ينتظرون إشارة النعمان بالهجوم. وشرع القعقاع في تنفيذ الخطة ونجح نجاحاً رائعاً، وكانت مفاجأة الفرس مذهلة عندما وجدوا أنفسهم، في آخر المطاف محاصرين بين قوات المسلمين التي شرعت سيوفهم في حصد رقاب المشركين، ولاذ المشركون بالفرار ليتحصنوا بخندقهم وحصونهم إلا أنهم وقعوا في خنادقهم وفي الحسك الشائك، واستمر المسلمون يطاردونهم ويعملون سيوفهم في ظهورهم وأقفيتهم حتى سقط من الفرس ألوف في الخندق، واستطاع القعقاع أن يطارد الفيرزان فلحقه وقضى عليه، ودخل المسلمون بعد هذه المعركة نهاوند ثم همذان، ثم انطلقوا بعد ذلك يستكملون فتح ما تبقى من بلاد فارس دون مقاومة تذكر، ولم يكن للفرس بعد نهاوند اجتماع، وملك المسلمون بلادهم لذلك سميت معركة نهاوند بفتح الفتوح.
ونال النعمان بن مقرن الشهادة في تلك المعركة الحاسمة ووصل خبر النعمان إلى أمير المؤمنين فقال: (إنّا لله وإنا إليه راجعون) وبكى ونشج واشتد حزنه وسأل عن الشهداء فسمى له أسماء لا يعرفها فقال: أولئك المستضعفون من المسلمين ولكنَّ الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم وما يصنع أولئك بمعرفة عمر؟.
ومما يستحق الذكر أن المسلمين عثروا في غنائم نهاوند على سفطين مملؤين جوهراً نفيساً من ذخائر كسرى فأرسلهما حذيفة أمير الجيش إلى عمر مع السائب بن الأقرع، فلما أوصلهما له قال: ضعهما في بيت المال، والحق بجندك. فركب راحلته ورجع فأرسل عمر وراءه رسولاً يُخِب السيَر في أثره حتى لحقه بالكوفة فأرجعه، فلما رآه عمر قال: مالي وللسائب ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها، فباتت الملائكة تسحبني إلى السفطين يشتعلان ناراً؟ يتوعدوني بالكيِّ إن لم أقسمها، فخذهما عني وبعهما في أرزاق المسلمين، فبيعا بسوق الكوفة.
وبعد معركة نهاوند تسارع زعماء الفرس من همذان وطبرستان وأصبهان وطلبوا الصلح وتم لهم ذلك على التوالي. بعد انتصار المسلمين في وقعة نهاوند لم يقم للفرس أمر، وانساح المسلمون في بلاد العجم وأذن لهم عمر في ذلك فافتتح المسلمون بعد نهاوند مدينة أصْبهان بعد قتال كثير وأمور طويلة، فصالحوا المسلمين وكتبوا لهم كتاب أمان وصلح، وفر منهم ثلاثون نفراً إلى كرْمان لم يصالحوا المسلمين، وفي سنة إحدى وعشرين افتتح أبو موسى قُمَّ وقاشان، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كَرْمان.
تقدم أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند فتحوا حُلْوان وهمذان ثم إن أهل همذان نقضوا عهدهم الذي صالحهم عليه القعقعاع بن عمرو، فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يسير إلى همذان فسار حتى نزل على ثنية العسل، ثم تحدر على همذان، واستولى على بلادها وحاصرها فسألوه الصلح فصالحهم ودخلها، فبينما هو فيها ومعه اثنا عشر ألفاً من المسلمين إذ تكاتب الديلم وأهل الرأي وأهل أذر بيجان، واجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير، فخرج إليهم بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له واج الرُّواذ، فاقتتلوا قتالاً شديداً وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تك دونها، فقتلوا من المشركين جماً غفيراً لا يحصون كثرة، وقتل ملك الديلم وتمزق شملهم، وانهزموا بأجمعهم بعد من قتل بالمعركة منهم، فكان نعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين.
استخلف نعيم بن مقرن يزيد بن قيس الهمداني، وسار هو بالجيوش حتى لحق بالري، فلقي هناك جمعاً كثيراً من المشركين، فاقتتلوا عند سفح جبل الري، فصبروا صبراً عظيماً ثم انهزموا وقَتل منهم نعيم بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عُدّوا بالقصب، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريباً مما غنم المسلمون من المدائن.
ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قوميس، فسار إليها سويد، فلم يقم له شيء حتى أخذها سلماً وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان وصلح، ولما عسكر سويد بقوميس بعث إليه أهل بلدان شتى منها: جُرْجَان وطبرستان وغيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع، وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح.
كان الأحنف بن قيس قد أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم ويُضيقوا على كسرى يزدجرد، فإنه هو الذي يحث الفرس والجنود على قتال المسلمين، فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه، وأمّر الأحنف وأمره بغزو بلاد خراسان، فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصداً حرب يزدجرد فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة، ثم سار إلى مَرو وفيها يزدجرد وبعث الأحنف بين يديه مُطرّف بن عبدالله بن الشخِّير إلى نيسابور، والحارث بن حسان إلى سَرْخَس، ولما اقترب الأحنف من مرو، ترحّل منها يزدجرد إلى مرو الروذ، فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنـزلها، وكتب يزدجرد حين نزل مرو الروذ إلى خاقان ملك الترك يستمدَّه، وكتب إلى ملك الصغد يستمدَّه، وكتب إلى ملك الصين يستعينه، وقصده الأحنف بن قيس إلى مرو الروذ، فلما بلغ ذلك يزدجرد ترحّل إلى بلخ، فالتقى معه ببلخ فهزمه الله -عز وجل- وهرب هو ومن بقي معه من جيشه فعبر النهر، ورجع الأحنف فنـزل مرو الروذ، وكتب إلى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكاملها، وكتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر.
تحير يزدجرد في أمره ماذا يصنع؟ وإلى أين يذهب؟ فبعث إلى ملك الصين يستغيث به ويستنجده، فجعل ملك الصين يسأل الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذي قد فتحوا البلاد وقهروا رقاب العباد، فجعل يخبره عن صفتهم وكيف يركبون الخيل والإبل وماذا يضعون؟ وكيف يُصَلُّون؟ فكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق عليّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو جئت لنصرك أزالوني ما داموا على ما وصف لي رسولك، فسالمهم وارضَ منهم بالمسالمة، فأقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين ولم يزال ذلك دأبه حتى قتل في إمارة عثمان -رضي الله عنه-.
وهكذا تم فتح العراق وبلاد فارس في عهد عمر -رضي الله عنه- وأقام المسلمون المسالح في شتى أرجائها متوقعين انتقاض الفرس في هذه الديار لقد كانت فتوح المشرق عنيفة اقتضت من المسلمين تضحيات جسيمة بسبب اختلاف الدم، وكان الشعور القومي عند الفرس يزكيه التاريخ الطويل والثقافة المتأصلة، ويشترك رجال الدين المجوسي في تأليب السكان على المقاومة، يضاف إلى ذلك بُعد هذه المناطق عن مراكز الجيش في البصرة والكوفة، وطبيعة الأرض الجبلية التي تمكن السكان من المقاومة، ولذلك فقد انتقضت معظم هذه المراكز، وأعيد فتحها في عهد الفاروق أو في خلافة عثمان -رضي الله عنهما-.
لقد مرت فتوح العراق وبلاد المشرق بعدد من المراحل، فكانت المرحلة الأولى في عهد الصديق حيث تم فتح الحيرة بقيادة خالد بن الوليد، وأما المرحلة الثانية فتبدأ من تولي أبي عبيد الثقفي قيادة لجيوش العراق حتى معركة البويب، وأما المرحلة الثالثة فتبدأ منذ تأمير سعد بن أبي وقاص على الجهاد في العراق إلى ما قبل وقعة نهاوند، وتبدأ المرحلة الرابعة من وقعة نهاوند، وأما المرحلة الخامسة فهي مرحلة الانسياح في بلاد الأعاجم.
والحمد لله أولاً وآخراً ...