خدمة rss
وقفات مع أحداث غزة

   

New Page 1

وقفات مع أحداث غزّة

 

إن الحمد لله: أما بعد ...

لا يخفى على أحد منكم في هذه الأيام، ونحن نعيش أحداث شهر كامل، تلك الهجمة العنيفة الظالمة التي يتعرض لها إخواننا المسلمون من أهل قطاع غزة في فلسطين، وهي الحملة التي خَطط لها ورتب فصولها أعداء هذا الدين، من المحافظين الجدد وساسة البيت الأبيض، بالتعاون مع إخوانهم الصهاينة المستعمرين لأرض فلسطين. فقد نشرت وكالات الأبناء قبل أحداث غزة الأخيرة العديد من التقارير التي تحدثت عن مخطط أمريكي صهيوني يهدف إلى عزل غزة عن بقية أرض فلسطين المحتلة، وممارسة الحصار عليها بشتى أنواعه وأشكاله، وتقسيم البلاد هناك إلى معسكرين أحدهما ينعم بالمساعدات الدولية وبالرخاء والأمن وعدم ملاحقة القاطنين فيه، والآخر يُحاصَر ويمنع من المعونات ويعزل سياسياً، تمهيداً لتصفية حركات الجهاد ورجال المقاومة الشريفة الذين يرابطون في ذلك الثغر العظيم. ولم يعد هذا الأمر سراً، فها هي ذي طلائع تلك الحرب الظالمة قد بدت للعيان، وهاهم إخواننا من أهل غزة يشهدون الغارات تلو الغارات، ويمارس بحقهم أقسى أنواع العزل والحصار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وتخرج الطائرات الصهيونية لتغتال من تشاء من أبناء تلك البقعة المباركة، ويستمر مسلسل التجويع وقطع المعونات ومنع التعاملات المالية، حتى وصل الحال بإخواننا هناك إلى وضع مأساوي عظيم، إذ عُدمت الأغذية، وانقطعت الأدوية، وحل البلاء، ونزل الكرب، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، فهم في نازلة وضيق ليس لها من دون الله كاشفة.

يشهد العالم هذه الأيام، إرهاباً عالمياً من أبشع صور الإرهاب في العالم، إرهاب صهيوني يهودي بدعم أمريكي نصراني موجه لأهل غزة في فلسطين، الهدف منه هو الإسلام الذي يقاوم اليهود، اتفق العالم الغربي كله مع منافقي هذه الأمة وأجمعوا على سحق هذا الشعب المسكين، لأنه الشعب الوحيد الذي يقف في وجه ما يسمى بإسرائيل.

هذا العالم الغربي المنافق يقوم ولا يقعد بسبب دارفور، ويغزو ويحتل العراق، ويقتل مليوناً من أبنائه تحت شعار تحرير العراقيين وحماية أرواحهم من دكتاتورية النظام السابق، ويقيم دولة لأهل تيمور الشرقية، ولكنه لا يحرك ساكناً عندما تمارس إسرائيل مجازرها في حق أبناء الشعب الفلسطيني، فإسرائيل فوق كل القوانين تستطيع أن تفعل ما تشاء، تقتل وتدمر وتُجوّع وتحاصر دون أي حساب.

إن الوضع المأسويّ يتفاقم في غزة، ولكم أن تتصوّروا حجم المعاناة التي يعيشها إخواننا في القطاع، حين يحاصرون من الخارج والداخل، وحين يشمت بهم الصديق مع العدو، ولا يسلمون من أذى بعض الجيران فضلاً عن الأبعدين، إنّها محن وبلايا، ليست جديدة في تاريخنا، فطالما تعاقد الكفّار مع المنافقين على حرب المسلمين، ولئن حاصرت قريش المسلمين في مكّة في حصار الشِعب المعروف حيث تقاسموا على الكفر، فقد حاول المنافقون حصار المسلمين اقتصادياً وقال قائلهم: (لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا). ولئن مثّل اليهود والنصارى والمشركون أطراف الحرب الخارجيّة ضدّ المسلمين، فقد كان المنافقون يقومون بدورهم في الحرب في الداخل إرجافاً وتخذيلاً وتعويقاً وسخريّةً وإضراراً (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه).

ارتفعت حصيلة سلسلة المجازر الصهيونية الأخيرة المتواصلة على امتداد قطاع غزة والتي أصبحت تستهدف منازل المواطنين والمساجد إلى أكثر ألف شهيد، في حين بلغ عدد الجرحى أكثر من 3000 جريح عدد كبير منهم حالاتهم خطرة.

وأظن أن الجميع متابع لما يعرضه الإعلام من صور ومشاهد وقد قامت طائرات العدو الصهيوني بقصف مجمع الوزارات الحكومية، واستهدفت منشآت رسمية ورياضية، بل واستهدفت المساجد والبيوت السكنية.

في غزة اليوم، يحيا المرضى فيها بؤساً وشقاءً كبيراً، فهم يعانون الأمرّين جرّاء هذا القصف والقتل والحصار الذي حرمهم من الحصول على أبسط حُقوقهم الآدمية التي كفلتها لهم كافة الشرائع والقوانين. فهم في انتظار الموت البطيء، والمتجول في مستشفيات قطاع غزة يقف على المعاناة الشديدة لهؤلاء المرضى الذين تقطعت بهم السبل، من أطفال ونساء وشيوخ، جميعهم حالهم يغني عن سؤالهم، وكل يوم ينتظرون الفرج القريب لكربتهم.

إن هذا القصف والقتل والتدمير، وقبله الحصار الذي فرضته المؤسسة الاحتلالية الإسرائيلية وطواغيت البيت الأبيض على مليون ونصف مليون من أهلنا في قطاع غزّة الصابرة الصامدة، سيبقى هذا القتل وهذا الحصار وصمة عار أبدية لا تُمحى عن جبين المؤسسة الاحتلالية الإسرائيلية وعن جبين طواغيت البيت الأبيض وعن جبين المارقين والانتهازيين من المطبّلين والمزمّرين الذين باتوا يردّدون هتافات الذلّ والعار والخزي والمهانة تأييداً لهذا القتل وهذا الحصار. وسيبقى لطخة سوداء بحجم الجبل في جبين هيئة الأمم المتحدة التي باتت تستقوي على الضعفاء فتحتلّ أرضهم في السودان باسم حلّ مشكلة اللاجئين في دارفور، وتحتلّ أرضهم في الصومال باسم التصدّي لمد الإرهاب الإسلامي، وتحتلّ أرضهم في أفغانستان باسم محاربة قوى الشرّ، وتحتلّ أرضهم في العراق باسم تصدير الديمقراطية، ولكن هذا المخلوق الجبان والممسوخ الذي يطلقون عليه "هيئة الأمم المتحدة" لا يزال يخرس كل الخرس، ويصمت صمت القبور عن هذا الحصار الذي لا يزال جاثماً بمآسيه المتصاعدة وويلاته المتزايدة على مليون ونصف مليون مريض وجائع وعارٍ في غزّة. أين عضلاتك أيّها المخلوق المشوّه الذي يطلقون عليه هذا الاسم الذي بات أضخم من جسمه بملايين الملايين من المرات "هيئة الأمم المتحدة"؟. أين عضلاتك التي لا تزال تفتلها على المستضعفين في السودان ولبنان والصومال وأفغانستان والعراق؟. أين عضلاتك من الإرهاب الأمريكي في غزّة المحاصرة؟! أين عضلاتك من الاحتلال الإسرائيلي في غزّة المحتلّة، والضفّة المحتلّة، والقدس المحتلّة، والمسجد الأقصى المحتلّ؟!. وسيبقى ما حصل إكليل شوك يزهر النذالة والمهانة على رأس كل هيئة أو جمعية أو لجنة تدّعي لنفسها أنّها نصيرة حقوق الإنسان، ولكنّها لا تزال خرساء بكماء عمياء لا تقوى أن تنطق ببنت شفة حيال ما يقوم به شلّة طواغيت البيت الأبيض وجلاوزة الاحتلال الإسرائيلي في غزّة الذبيح، حيث الملايين على الجوع تنام، وعلى البرد تنام، وعلى المرض تنام، وعلى الدمع تنام، وعلى الألم تنام، وعلى الموت تنام. وسيبقى ما حصل جلباب ذلّ وعجز وعيب يحيط بكلّ مسلم من رأسه حتى أخمص قدميه، أياً كان وفي أي أرض يعيش، وتحت أي سماء يستظلّ، وأيّ منصب يتقلّد، وأي مسؤولية يدّعي حملها، إذا ظلّ هذا المسلم متفرجاً على مشهد الوجع والمأساة والمصيبة في غزّة المطاردة من قبل كل قوى الشرّ في كلّ العالم. إنّه حصار جزّار، إنّه حصار سفّاح، بات يطمع باسم حبس الحليب عن أطفالهم، ومنع الدواء عن مرضاهم، ومصادرة الدفء من بيوتهم، وسلب النوم من عيونهم، وإعمال القصف على منازلهم، واستباحة حرق زرعهم وإهلاك ضرعهم، ومطاردة أحرارهم برصاص الأباتشي الأمريكي وقذائف الدبابات المجنونة، بات يطمع باسم كل هذه الأدوات الإجرامية أن يضغط على أهلنا ضغطاً بعد ضغط طامعاً كالمسعور أن يدفعهم للتخلّي عن خيارهم الانتخابي الذي صاغ لهم عرساً في الضفّة الغربية وقطاع غزّة والقدس، شهد على نزاهته كلّ اللجان الدولية التي راقبت مجريات العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها، وأفرز ذاك العرس الانتخابي يومها مجلس تشريع فلسطيني، ثمّ أفرز رئيس حكومة فلسطينية اسمه "اسماعيل هنية"، ولكن ولأنّ ثمار هذا العرس الفلسطيني لم تأت وفق مواصفات ومقاسات الإرهاب الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي، فقد باشرت ماما أمريكا وربيبتها إسرائيل بفرض هذا الحصار الهستيري عقب الإعلان عن ثمار ذاك العرس الكبير.

كان قطاع غزة حتى الأمس القريب سجناً كبيراً مساحته مئة وخمسون ميلاً مربعاً، يضم مليون ونصف المليون معتقَل، نصفهم من الأطفال دون سن السادسة عشرة، الآن وبعد أن أغلق يهود ومن يتعاون مع اليهود كل المعابر، وأُوقف الوقود والغاز والدواء والطعام بشكل محكم، تحول القطاع إلى فرن غاز كبير أشد فتكاً من أفران النازية.

إن هذه المأساة ليست من نسج الخيال إنما هي حقيقة يعانيها إخواننا المحاصرون في غزة الآن، قبل القصف الأخير وبعده، إن عرض هذه المأساة ليست تقريراً إخبارياً، ولكنّه تذكير بالواجب الذي تقتضيه الأخوة الإسلامية من النُصرة، إن عرض هذه المأساة تذكير لنا بنعمة الأمن التي نعيشها، إن عرض هذه المأساة تذكير لنا بأن الغفلة وللامبالاة بما يحل بالمسلمين من نكبات قد تؤدي لحلول العقوبة بالغافلين اللاهين الذين لا تتمعّر وجوههم ولا تتألم نفوسهم لِمَا يحُل بإخوانهم. ولنا مع ما حصل لأهلنا في قطاع غزة عشر وقفات:

الوقفة الأولى: إن ما يحصل لإخواننا في غزة من تآمر وقتل وتجويع وتدمير إنما هو بقضاء الله وقدره، وبعلمه ومشيئته، ما يجري اليوم من كيد وقتل وهجوم شرس من اليهود والنصارى والكفار وأذنابهم على غزة إنما هو بعلم الله عز وجل وإرادته وتدبيره، قال الله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون) ومشيئته وإرادته سبحانه وتعالى لا تنفك عن حكمته بل له سبحانه الحكمة البالغة في خلقه وأمره، والعارفون بربهم عز وجل يعلمون ذلك، ولذا فهم يحسنون الظن بربهم سبحانه ويرون أن عاقبة هذه الأحداث خير ومصلحة ولطف بالموحدين إن شاء الله تعالى. نقول ذلك تحقيقاً لا تعليقاً.

الوقفة الثانية: يا أهل غزة: لستم وحدكم، فإخواننا في العراق وقبلهم أفغانستان بعد أن نكأ الأعداء جرحها من جديد، وكذلك الصومال والشيشان وكشمير والفلبين وغيرها من المناطق التي يتعرض فيها المسلمون للإبادة كما في البوسنة والهرسك وكوسوفا سابقاً، يُعانون كما تُعانون، ويُجاهدون الأعداء بكل ما يستطيعون وقد قل الناصر والمعين.

يا أهل غزة: لستم وحدكم من يناله الألم، فإن كان عندكم شهداء فإن أعداءكم عندهم قتلى، وإن كان عندكم جرحى وخسائر فهم كذلك عندهم جرحى وخسائر، ولكن ما ننتظره ونرجوه لا ينتظرونه ولا يرجونه، قال الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُون).

يا أهل غزة: لستم وحدكم، فقد قال الله تعالى:(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه) أي: إن كنتم قد أصابتكم جراحٌ وقُتل منكم طائفةٌ، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس) أَيْ: نُدِيل عَلَيْكُمْ الْأَعْدَاء تَارَة وَإِنْ كَانَتْ لَكُمْ الْعَاقِبَة لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَة (وَلِيَعْلَمَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذ مِنْكُمْ شُهَدَاء) يَعْنِي يُقْتَلُونَ فِي سَبِيله وَيَبْذُلُونَ مُهَجهمْ فِي مَرْضَاته. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أَيْ: يُكَفِّر عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبهمْ إِنْ كَانَتْ لَهُمْ ذُنُوب، وَإِلَّا رَفَعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتهمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ (وَيَمْحَق الْكَافِرِين) أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفِرُوا بَغَوْا وَبَطَرُوا فَيَكُون ذَلِكَ سَبَب دَمَارهمْ وَهَلَاكهمْ وَمَحْقهمْ وَفَنَائِهِم.

يا أهل غزة: لستم وحدكم فالله معكم بعونه ونصره وتأييده لكم، قال الله تعالى: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم)، أَيْ: وَلَنْ يُحْبِطَهَا وَيُبْطِلهَا وَيَسْلُبكُمْ إِيَّاهَا بَلْ يُوفِّيكُمْ ثَوَابهَا وَلَا يُنْقِصُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا.

يا أهل غزة: لستم وحدكم ونحسبكم ممن لا تضره المخالفة والخذلان، كما قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" أخرجه أحمد.

يا أهل غزة: لستم وحدكم، ولن يسلمكم إخوانكم، وسيدفع الأعداء ثمن جرائمهم وحصارهم وظلمهم وطغيانهم، ولن تبقى الديار مسلوبة والحرمات منتهكة والمقدسات مدنسة، والعاقبة للمتقين، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين).

ولكنكم يا أهل غزة اليوم ووحدكم، من ينال شرف مقارعة أعداء الأنبياء، ووحدكم من يرابط في أرض الأنبياء، ووحدكم من يُحاصِر الحصار، ولأنتم أكبر الكِبار في زمن الصَغار، ووحدكم من يبدد وهم الكيان الصهيوني، ووحدكم من يصطاد أفاعيه، ووحدكم من يقهره، ووحدكم من يتمنى المجاهدون في كل مكان أن يكونوا معكم ليشاركوا في تحرير مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينالوا أجر الانتقام من قتلة الأنبياء.

الوقفة الثالثة: لماذا يباد أهل غزة هذه الإبادة؟ لماذا يحاصر أهل غزة هذا الحصار؟ لماذا يقتل أهل غزة هذا القتل؟. إن أهل غزة يقتلون اليوم، ويحاصَرون اليوم، ويجوّعون اليوم، من أجل دينهم وعقيدتهم. يقتلون ويحاصَرون لأنهم يطالبون بتحرير بيت المقدس من أيدي اليهود الغاصبين. يقتلون ويحاصرون لأنهم رفضوا التنازل عن المسجد الأقصى المبارك. يقتلون ويحاصرون لأنهم لم يرضوا بالتطبيع مع العدو الصهيوني. يقتلون ويحاصرون لأنهم حملوا المشروع الإسلامي على رؤسهم وفدوه بأرواحهم. يقتلون ويحاصرون لأنهم أصرّوا على بقاء عَلَمِ الجهاد مشرعاً إلى يوم القيامة لا يُنّكَّسُ أبداً. يقتلون ويحاصرون لأنهم يدافعون عن حرمات المسلمين ومقدرات الأمة. من أجل هذا كله يقتل ويحاصَر أهل غزة اليوم.

إنّ الأمة التي تنطلق من أجل عقيدتها أياً كانت هذه العقيدة أقدر على الثبات والمواجهة، وهذا هو الذي تميزت به دولة يهود في بعض الفترات عندما تنكر غيرهم لدينهم وعقيدتهم، إذ أنها انطلقت في بنائها من التعاليم التوراتية، التي أصبحت هي الأصل في كل مواقفها السياسية والعسكرية، بينما مع الأسف الشديد تنكّر العرب لعقيدتهم الإسلامية وخلفيتهم الحضارية، ورفعوا شعار القومية تارة، والوطنية تارة ثانية، والبعثية تارة ثالثة، ونخرت هذه الشعارات النفعية في جسد الأمة نخراً شديداً، حتى أصابها التشتت والتمزق، ولم تعد قادرة على انتزاع أيسر حقوقها وأوضحها، فالاحباطات المتراكمة تسيطر عليها من كل جهة. ولمّا رجع بعض الناس إلى هويتهم الأصيلة، وتعالت في صفوفهم آيات الأنفال وآل عمران، وارتفعت ألوية التوحيد، جُنّ جنون اليهود، واضطربت عقولهم، وأخذوا يبطشون بكل قسوة وجبروت، لعلهم يئدون هذا الوليد في مهده، ويخنقون صوته، لكنهم لم يجدوا إليه سبيلاً. إنّ الأحداث المتتالية علمتنا أن اليهود لا يمكن مواجهتهم إلا بسلاح العقيدة، وأن الرجال الصادقين المخلصين هم وحدهم القادرون على الثبات وإن أصابهم ما أصابهم من شدة وقتل، ولا يمكن ترويضهم أو تذليلهم، فهم حريصون على الشهادة أكثر من حرص غيرهم على الدنيا.

الوقفة الرابعة: إن ما يفعله اليهود في أرض فلسطين، وما يرتكبونه في حق إخواننا هناك في قطاع غزة، يجب أن لا يلجئنا إلى الصراخ والعويل والشكوى إلى ما يسمى مجلس الأمن، وهذا مع كل أسف سمعناه وقرأناه في بيانات بعض الطيبين. هناك بيانات صدرت تطالب وتناشد المنظمات الدولية بأن تطبق مقررات العدل، وتراعي قيم الإنسانية، وتتدخل لإنهاء هذه المأساة. إن هذه المنظمات وهذه المجالس لا يسمعوننا، ولو سمعوا ما استجابوا لنا! وتدل على ذلك عشرات إن لم تكن مئات المرات التي جرى فيها بيننا وبينهم حوار الطرشان دون إسماع أو إفهام!.

إن ما يسمى بالنظام الدولي والذي أجهدنا أنفسنا في مناشدته بالضغط لرفع الحصار ثم السعي لوقف العدوان، هو بالضبط من أسبغ على ذلك الحصار ثم ذاك العدوان صبغة "الشرعية الدولية" تمامًا كما فعل في حصار العراق ثم العدوان عليه، وحصار أفغانستان ثم العدوان عليها، والحصارات التي فرضت ويمكن أن تفرض على بلاد أخرى إسلامية تمهيدًا للعدوان عليها، مثل السودان أو الصومال أو غيرها من شعوبنا الإسلامية المتربص بها لأهداف استكبارية، كما أن ذلك النظام الدولي هو الذي أعطى شرعيته الدولية منذ ست عقود لوجود الدولة الصهيونية المعتدية على أرضنا الإسلامية، إضافة إلى ذلك فإن المجتمع الدولي الرسمي تحت ذاك النظام هو الذي اجتمع مع أمريكا في حربها العالمية ضد المسلمين المقاومين للعدوان باسم الحرب على الإرهاب التي كان ولابد أن تشمل منظمة حماس وفقًا للتصنيف الأمريكي، والتصفيق العربي.

إن ما يفعله اليهود في أرض فلسطين بالتعاون مع إخوانهم النصارى يجب ألا يلجئنا إلى البكاء على الذكريات، ولا أن نقول: أين أنت يا صلاح الدين؟. ولكننا نقول: إن الصراع بيننا وبين اليهود صراع طويل، وما يقوم به شجعان غزة من هذه العمليات الاستشهادية التي أقرت عيون المؤمنين، ما هي إلا جزء من هذا الصراع، لقد قلنا ولا نمل من التكرار: إن هؤلاء القادمين من أوربا شرقيها وغربيها لا يفهمون إلاّ لغة القوة، وهذا الأوربي والأمريكي الذي يمد هؤلاء لا يفهم إلا لغة القوة، إنه لن يقف في وجه اليهود إلا هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم، ولا أدل على ذلك من حالة الرعب والهلع الذي يعاني منه شعب يهود ومن وراء يهود، فهل يعي ذلك دعاة السلام والاستسلام؟!.

والآن وفي هذه الأحداث الأخيرة والتي أسفر صباح الحقيقة، وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في مستقبل قضية فلسطين، واستسلمت كل الرايات  وبقيت راية واحدة تعلن الرفض وتتمسك بثوابت الحق، وتفي وتحمل الأمانة إلى الأجيال القادمة، تلك هي راية الإسلام، وأولئك هم أبناء الصحوة الإسلامية المجاهدة في فلسطين وفي أرض الله الواسعة كذلك.

ومما هو جدير بالتذكر الآن، أن هذه الرايات المنكوسة، هي ذاتها التي حاربت راية الإسلام على مدى نصف قرن، وقهرت كل من حاول رفعها في العديد من ديار الإسلام، وذلك باسم قضية فلسطين، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ومنذ ذلك التاريخ وفلسطين تضيع قطعة قطعة!.

إن الغضب الإسلامي مشروع ولا ريب، الغضب لله ولدينه ولحرماته ولمسجده الأقصى، ولكن الذي ينبغي الحذر منه، أن يصبح الغضب فورة عاطفة، وانفلاتة أعصاب ومشاعر، دون أن تقنن هذه العاطفة وتلك المشاعر في خطط جديدة طويلة الأمد، ندير من خلالها صراعنا الجديد القديم مع اليهود، ونظام الظلم العالمي الجديد. إن ما حدث أخيراً، هو مفتتح جديد للتاريخ، بالقدر نفسه الذي يمثل نهاية مرحلة وتاريخ، وهذا التاريخ الجديد يتحمل فيه الإسلاميون وحدهم عبء المواجهة، وتبعات الجهاد الأكبر، فنسأل الله تعالى أن يوفقهم لنصرة الإسلام وأهله، وأن يسدد خطاهم.

الوقفة الخامسة: إذا أردنا أن نعقد مقارنة سريعة بين ما سمي حرب 67م وهذه الحرب، في كلا الحربين كان الطرفان عرب ويهود. في الحرب الأولى دخلت ستة دول عربية الحرب ضد إسرائيل، وهذه الدول دخلت الحرب بجيوش منظمة، ولديها من الأسلحة ما يقارب أسلحة إسرائيل في ذلك الوقت، من الدبابات والطائرات والصواريخ، ومع ذلك فقد خسر العرب تلك الحرب، بل انتهى الحرب تماماً عن هزيمة العرب خلال ستة أيام فقط.

وهذه الحرب جاوزت العشرين يوماً إلى الآن، وغزة صامدة ولم تهزم، مع إمكاناتها البسيطة والضعيفة، وقبلها تم حصارها وتجويعها أكثر من سنتين، علماً أن قوة إسرائيل الآن أضعاف أضعاف ما كانت عليه يوم دخلت حرب 67م. فلماذا سقطت ستة جيوش عربية في ستة أيام ولم تسقط غزة وهي محاصرة في أكثر من عشرين يوماً؟ الجواب: أن حرب 67م لم تكن الراية إسلامية صافية، بل كانت الراية، راية قومية وعروبة، وهذه الحرب هي الأولى والتي يواجه فيها اليهود راية إسلامية صافية.

الوقفة السادسة: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون). كم بذلت الولايات المتحدة خاصة والدول الغربية عامة من أموال وجهود وقرارات ومؤتمرات وغيرها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتخدير الأمة وإماتة روح الجهاد فيها، بل وأعلنوها عالمياً بالحرب على الإرهاب، بل كم ضغطت على كثير من الدول العربية لتغيير مناهجها التعليمية وحذف معظم ما له علاقة باليهود والنصارى والجهاد، بل وصل التضييق حتى على دروس المساجد والمحاضرات، بعدم التحدث في قضايا لها تعلق بالجهاد ونحوها من المواضيع التاريخية التي تذكر بعز هذه الأمة في الماضي وكيف كانت تقارع عدوها.

فأقول: بأن كل هذا المكر والكيد وكل هذه الجهود والأموال التي صرفت خلال سنوات ذهبت خلال الساعات الأولى من قصف إسرائيل لقطاع غزة لتلتهب الأمة من أقصاها إلى أقصاها تنادي بفتح باب الجهاد. بل إن ما بذل من جهود ضخمة لما يسمى بالسلام مع إسرائيل ابتداءً بكامب ديفيد مروراً بأوسلو كل هذه الجهود والأموال ذهبت في مهب الريح خلال ساعات. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على غباء اليهود وغباء الإدارة الأمريكية، فهم بتصرفهم هذا وبقرارهم هذا هدموا في لحظة ما بنوه في سنوات، وهذا يجعلنا نؤكد أنه لا يلزم من أن هؤلاء القوم يوفقون في كل قرار يتخذونه، ونؤكد أنهم بشر ضعاف وأغبياء فقد يتصرفون بما يضرهم ولا ينفعهم، ونؤكد بأن الله جل وتعالى يقدر الخير للأمة في بعض الأحيان من جوانب لا تخطر منا على بال.

ومن رحمة الله عز وجل ولطفه في هذه الأحداث أنها حركت العزائم وشحذت الهمم وألهبت حماس المسلمين لجهاد الكفرة المحتلين من اليهود والصليبيين في كل مكان وأثبتت للمسلمين عامة والمجاهدين خاصة أنه لا حل مع الغزاة والمعتدين إلا بالسيف والجهاد، وأن الحديد لا يفله إلا الحديد، وسيظهر من خلال هذه الأحداث وبعدها أن المجاهدين الصادقين هم طليعة الأمة وأشرافها. ولذلك تداعت عليهم الأمم في جنبات الأرض الأربعة ولم يكن المجاهدون في فلسطين وما حولها ولن يكونوا استثناءاً من هذه الطليعة، فلهؤلاء المدافعين عن بوابات وحرمات الأمة دعاؤنا بالتأييد على أرض فلسطين كما أيد الله المجاهدين في أرض الرافدين، فالمعركة لازال في فصولها بقية على الأرضين، ورجاؤنا أن يلتحم الفريقان ويلتقيا بعد عبور النهر محققين خبر الصادق المصدوق: "لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقي النهر وهم غربيه".

نسج العدو بمكره وحصاره أكفان غزة.

والقدس يصرخ خلف جدران اليهود المستفزة.

وتواكب الشهداء في ثوب الفدا غرراً أعزة.

في الشِعب كان نبينا واليوم إخوانٌ بغزة.

يا ليت شعري من يحرك في ضمير القوم هزة.

يا رب فابعث في نفوس المسلمين مزيد عزة.

الوقفة السابعة: ارتفاع سقف الخطاب بعد هذه الأحداث. لقد صدرت بيانات وفتاوى وخطابات لعدد كبير من العلماء والدعاة وطلاب العلم، على مستوى العالم الإسلامي والعربي، بعضها جماعية وبعضها فردية، تندد وتستنكر هذا العدوان الغاشم على أهلنا في قطاع غزة. وهذه هي المرة الأولى والتي يرتفع فيها سقف هذه البيانات والفتاوى من حيث القوة والجرأة والوضوح، بل والتصريح بالأسماء لقادة وزعماء وغيرهم. بل تحرك وتفاعل منبر الجمعة في كل مساجد العالم الإسلامي مع الحدث، وألقيت خطب قوية جداً ما يعهد من قبل، ولا شك أن في هذا خير كثير للأمة حصل بسبب هذا الحدث.

الوقفة الثامنة: ومما حصل من الخير في أحداث غزة ظهور المنافقين المندسين في الصفوف وفضحهم سواء كان ذلك في صفوف الفلسطينيين أو خارجها، وفي هذا رحمة للمسلمين حيث انكشف أمر المنافقين وافتضح نفاقهم وخيانتهم وبذلك يحذرهم المسلمون. فقد فضح الله جل وتعالى في هذه الأحداث عدداً ليس بالقليل من الأشخاص سواء كانوا زعماء أو وجهاء أو كتّاب أو صحفيين ممن أظهر الله نفاقهم وتبين أمرهم أنهم يقفون مع العدو في خندق واحد والعياذ بالله. كما أظهرت هذه الابتلاءات خبث دولة الرفض والتشيع وربيبها حزب الشيطان في لبنان وفضحت نفاقهم وكذبهم وخداعهم لمن كان مخدوعاً بهم من المجاهدين في فلسطين وخارجها، فأين وقوفهم ونصرتهم للمجاهدين في غزة الصابرة وأين عنترياتهم وصواريخهم؟. وظهر في هذه الأحداث معرفة الولي المناصر من العدو المخذّل، وفي هذا خير للمجاهدين هناك حيث تميز لهم الموالي من المعادي وذلك على مستوى الأفراد والهيئات والحكومات.

الوقفة التاسعة: من العجيب في أحداث غزة أن عدداً من النصارى ليس بالقليل وأيضاً من اليهود كانت لهم مواقف مشرفة في نصرة الفلسطينيين، سواء على مستوى الحكومات أو الشعوب أو الجمعيات، على رأسهم رئيس فنـزولا "شافيز" فقد قام بطرد السفير الإسرائيلي من بلاده وأغلق السفارة وطرد موظفيها، وهو رجل نصراني. ورأينا على فضائيات العالم تلك المظاهرات الضخمة من قبل نصارى وبعضها يهود في دول عديدة في أوربا وأمريكا تندد وتستنكر على إسرائيل وعلى حكوماتهم هذا العدوان، ويطالبون رؤسائهم أن يكون لهم مواقف إيجابية تجاه ما يحصل لأهل غزة. بل قام يهودي بحرق جواز سفره الإسرائيلي في بعض المظاهرات تعبيراً عن استنكاره على دولته أن تقوم بمثل هذا العمل.

الوقفة العاشرة: إن ما يجري في فلسطين المحتلة من تقتيل وتجويع وحصار هو امتحان شديد للأمة جمعاء. هذه الأمة التي كانت وما زالت على مر التاريخ أمة شجاعة معطاة، لهذا فهي تعيش على مفترق طرق يراد منها أن تتنازل عن ثوابتها، وأن تركع لعدوها، وإن فلسطين أحد الميادين التي يقاتل فيه العدو أمة الإسلام كلها. فصبراً يا أهل فلسطين، فإن أمم الكفر ولو وقفوا ضدّكم بمكرهم وكيدهم فإن معكم الفئة التي لا تُغلب، والمُعين الذي يَخذُل، ومعكم المَلِك الذي لا تنفد خزائنه. صبراً يا أهل غزة، فإنْ منعوا عنكم الدواء والغذاء والماء، فإنهم لا يستطيعون أبداً أن يمنعوا عنكم مدد السماء. قولوا لهم: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّاب، أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَاب، جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنْ الأَحْزَاب).

إن من أرقى جوانب العظمة في الدين الإسلامي الحنيف، ما اشتمل عليه من خصال التآزر والتناصر، وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف، وحال إخوانكم اليوم في غزة وعموم أراضي فلسطين المحتلة حال عظيمة من البلاء، فقد مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، وأحاطت بهم الأمم من كل حدب وصوب، ورماهم الناس عن قوس واحدة، وما ذاك إلا لأنهم وقفوا في وجه المحتل الغاصب لأرضهم، وأرادوا نصرة دين الله ورفع راية الجهاد في سبيله، وإحياء هذه الفريضة الغائبة. إن من الواجب على المسلمين أن يتذكروا حال إخوانهم هناك، وأن ينصروهم نصراً مبيناً، بمد يد العون والمساعدة لهم، كلٌ بما تجود به نفسه، وإن من أعظم مصارف الصدقة والزكاة التصدق على أهل الثغور المرابطين في سبيل الله، والسعي في تفريج كرباتهم، والوقوف معهم في محنتهم، وهو ما نهيب بإخواننا المسلمين كافة أن يفعلوه، وأن لا يحقروا شيئاً من المعروف، فهذا من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، ألا وهو الجهاد بالمال. والدعم ليس مقصوراً على المال فحسب، بل يجب دعمهم سياسياً وإعلامياً، ونصرة قضاياهم، والتعريف بحقهم في المحافل والنوادي، والسعي الحثيث إلى رفع الظلم عنهم، وكشف ما دهمهم من البلاء، فبمثل هذه الأعمال الصالحة يُستدفع الشر والسوء، وتحل البركة وينتشر الخير، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. إنَّ أهل الرباط في قطاع غزة باتوا اليوم يفكرون في قوت عيالهم، وطعام صغارهم، فأبواب الدنيا أغلقت في وجوههم، ومنافذ الخير ما عادت كما كانت، والهمّ يزداد، والمصيبة تكبر، والعبء عليهم يتسع، والصغار قبل الكبار، والجهلة قبل المتعلمين، يتساءلون: أين خوّاص الأمة وعوامّهم من قضيتنا؟ أين أهل العلم؟ أين الدعاة والعلماء؟ أين الذين نراهم عبر الفضائيات؟ أين الذين نقرأ لهم في الجرائد والمجلات؟ أين الذين يكتبون في الصحف صباح مساء؟ أين أصحاب الرأي والمشورة؟ أين أصحاب القلوب الرقيقة والأعين الدامعة؟ أين أصحاب الشهادات العالية؟ أين كل هؤلاء؟ وأين كل أولائك؟. ألا يسمعون أنَّاتِ النساء الثكالى المقهورين، وصرخات المسلمين المعذبين، وصيحات المؤمنين المنكوبين؟ ألا يسمعون نداءات الأسرى، واستغاثات المعتقلين المظلومين؟ ألا يرون عبر فضائيات العالم كيف يُذْبَحُ الشعبُ المقهور وَيُجَوَّع؟ ألا يرون عبر شاشات التلفاز وصفحات الجرائد كيف يُخَوَّفُ الشعبُ الأعزل وَيُرَوَّع؟.

إن خَطّ الدفاع الأول عن شرف وكرامة الأمة يُرَادُ له اليوم أن يستسلم وأن يرفع الراية البيضاء، يُرَادُ اليوم لأبناء أرض الإسراء والمعراج أن يرضخوا للإملاءات الصهيونية الأمريكية، يُرَادُ اليوم لأبناء بيت المقدس أن يتنازلوا عن المسجد الأقصى المبارك، يُرَادُ اليوم للشعب الذي صمد وصبر طوال60 عاماً وقدَّم الشهداء والجرحى والمصابين وكلَّ ما يملك، يُرَادُ له اليوم أن يبيعَ كرامتَهُ وأن يتنازلَ عن شرفه وعزة أمته!. اليوم يُسَاوَمُ أبناءُ قطاعِ غزةَ على دينهم وعقيدتهم ومبادئهم، عبرَ خطة محكمة في تمريرِ الموتِ لهم بالبطيء، من أجل أن ينسو أن لهم أرضاً محتلة مغتصبة، فيَمنعون عنهم مقومات الحياة، ويعطلون حركة الدنيا من خلال منعهم المواد التشغيلية أن تدخل إلى القطاع، ويغلقون عليهم المعابر ليعيشوا في سجن كبير اسمه قطاع غزة، ويشترك في هذه المأساة والمصيبة بعض أبناء شعبنا من الذين باعوا دينهم بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودة وكانوا في دينهم من الزاهدين، وما عاد الأمر خافياً فهم يُصَرِّحُونَ بذلك دونَ حَيَاء!.

إن الإسْلام العَظِيم في قطاع غزة متمثلاً بأبنائه وحملة منهجه ومتبعي طريقه هو المستهدف، وهو المراد، وهو المبتغى من وراء كل ما يمكرون ويدبرون، فما تراكم تصنعون وتفعلون؟. ومع كل هذا فالخير فيكم باقٍ، والأمل في نواصيكم معقود، فانفروا خفافاً وثقالاً من أجل دينكم وإخوانكم المظلومين. ولو لم يكن هؤلاء المحاصرون إخوة لنا في الدين، لوجب علينا نصرتهم من باب العدل، ورفع الظلم عنهم، فكيف وهم إخوة لنا في الدين، بل يقفون في الخندق الأول دفاعاً عن الأمة وعن مسجدها المسجد الأقصى المبارك، وضد أشد الناس عدواة لنا، الذين يساندهم ويقف معهم في تلك الحرب القذرة عُباد الصليب، ومن باع دينه وخان أمته وضيع الأمانة. إن من حق إخواننا المرابطين في تلك الأرض المقدسة أن نمد لهم يد العون، وأن نقدم لهم كل ما نستطيع، فإنهم الحصن المتقدم الذي يقف في وجه أطماع الأعداء، فإن انهار لا قدر الله تتابعت الحصون من بعده. كما أن الواجب على إخواننا في غزة خاصة وفي فلسطين عامة أن يصبروا على ما أصابهم في سبيل الله، وأن يلجأوا إلى الله بالتضرع، وإظهار الندم والفاقة بين يديه سبحانه، مع الإلحاح عليه في السؤال والطلب، والإكثار من الاستغفار والمناجاة، ليكشف عنهم ما أصابهم، ويصرف عنهم كيد عدوهم، وينصرهم على من بغى عليهم، ويمكن لهم في الأرض، ويحمي بيضتهم، ويحفظ بلادهم وديارهم. ونوصيهم بتقوى الله تعالى في السر والعلن، وبالتوكل عليه سبحانه، فهما مفتاح الفرج، قال الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً).

يا أمةَ الحقِ من ينصرْ قضيتَنا            من يا تُراهُ يُعيدُ المجدُ والظفرُ

إسلامنا هانهُ أحفادُ نقفورٍ              واستأسدَ الكلبُ لما صابنا الخوَرُ

أين العروبةُ أين الدينُ والقيمُ           أين الشهامةُ أين العزُ والغِيَرُ؟

أين الليوثُ إذا غارتْ مزمجرةً؟              هل نامتِ الأسدُ أم أودى بها الضجرُ؟

أبناؤنا في سجون الكفر مرقدهم        لا يعلمون أصام الناسُ أم فطرو

دمائهم من سياطِ الغدرٍِ قد سُكبت     دُموعهمْ من عذابِ القهرِ تنهمرُ

أعراضهم بين أنذالٍ ممزقةٌ               قلوبهم من لظى للعار تنفطرُ

يا رُبَ معتصمٍ لو كان يسمعهم        آذاننا صمُّ أم في سمعنا وقرُ؟

أين الملايين من أبناء أمتنا؟              أين الصناديدُ لا تُبقي ولا تَذرُ؟

يُسائِلُ الطفلُ أين الخبزُ واللبنُ          أين الدواءُ وهذا الجرحُ مُنفجرُ؟

أطفال غزة يا فخرٌ لأمتنا               إنا بكم يا أباة الحق نفتخرُ

جهادكم في سبيل الله مفخرة          وعزمكمْ أرهب الكفارَ فانبهروا

صبرٌ جميلٌ فإن النصر موعدكم         وعدٌ يقينٌ من الرحمن فانتظروا

أمجادُنا في ذرى حطينَ غائبةٌ            وفي العراق تركنا العلجَ ينتصرُ

مليارنا ضائعٌ في الفنِ منهمكٌ           وفي الرياضةِ مثلُ الثورِ والبقرُ

ساد المرابون في أموال أمتنا             قاد الخنازير في الأخلاق والفِكَرُ

إعلامنا تابعٌ للغربِ منهزمٌ              ذيلٌ فكيفَ يكونُ الذيلُ منتصرُ؟

جيوشنا في وجوه الشعبِ صامدةٌ       وفي المعاركِ فالإذلالُ والخورُ

خانوا الأمانة خانوا الدينَ ويحهمُ       وبالعمالة جيشُ الكفرِ ينتصرُ

يا أمةً قادها الفاروقُ منتصراً           دكَ الجحافلَ ذلَ الرومُ والغجرُ

إسلامنا قادهُ فرسانُ رايتهم             الله أكبرُ في الساحاتِ تنتشرُ

أحفادُ مصعبُُ والقعقاعُ خيلَهمُ        داسوا بها هامة الكفَّار وانتصروا

يا رب عفوك لم ننصر قضيتنا           بل همنا سوقنا بالمال منسعرُ

 

لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك ربنا، عز جارك، وجل ثناؤك، وتقدست أسمائك، سبحانك وبحمدك، لا يهزم جندك، ولا يُخلف وعدك، لا إله إلا أنت، لا إله إلا الله، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، اللهم منك الفرج، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بك.

اللهم إنك تعلم ما حل بإخواننا في غزة، اللهم إنك ترى مكانهم، وتسمع كلامهم، وتعلم حالهم، ولا يخفى عليك شيء من أمورهم، اللهم إنا نشكو إليك أنفساً أزهقت، ودماءً أريقت، ومساجد هدمت، وبيوتاً دمرت، ونساء أيمت، وأطفالا يتمت. اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، مظلومون فانصرهم، مظلومون فانصرهم، مظلومون فانصرهم.

اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود فإنهم لا يعجزونك، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم أهلكم بالسنين، وأخرجهم من المسجد الأقصى وكل مكان دنسوه، اللهم أخرجهم أذلة صاغرين، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، واجعلهم لغيرهم عبرة وآية.

اللهم يا منـزل الكتاب ويا مجري السحاب ويا سريع الحساب ويا هازم الأحزاب، اهزم الصهاينة والصليبيين المحاربين للإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم أهزمهم وزلزلهم، اللهم اِقذف الرعب في قلوبهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم شتت شملهم، اللهم خالف بين آرائهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم أرنا بهم عجائب قدرتك يا قوي يا قادر، اللهم أرسل عليهم الرياح العاتية، والأعاصير الفتاكة، والقوارع المدمرة، والأمراض المتنوعة، اللهم أشغلهم بأنفسهم عن المؤمنين، اللهم لا تجعل لهم على مؤمن يدا وعلى المؤمنين سبيلا، اللهم أتبعهم بأصحاب الفيل، واجعل كيدهم في تضليل، اللهم أرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، اللهم خذهم بالصيحة وأرسل عليهم حاصبا، اللهم صب عليهم العذاب صبا، اللهم اخسف بهم الأرض وأنزل عليهم كسفاً من السماء، اللهم اِقلب البحر عليهم نارا، والجو شهباً وإعصارا يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. اللهم إن بالمسلمين في فلسطين من الجهد والضنك والضيق والظلم مالا نشكوه إلا إليك، لا اله إلا الله العظيم الحليم، لا اله إلا الله رب العرش الكريم، لا اله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم.

اللهم إنك قلت وقولك الحق: (ادعوني أستجب لكم) فنسألك اللهم أن تجعل هذه الساعة، ساعة عز ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين، كما نسألك اللهم أن تجعل هذه الساعة، ساعة ذل وخزي وضعف للكفار والمشركين.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك...

 


  

التعليقات

kdfjfsrbb

Xzbeje tqazfvbeumaa, [url=http://elcknykhwjtk.com/]elcknykhwjtk[/url], [link=http://gvksdgmlasyv.com/]gvksdgmlasyv[/link], http://hmtlfkzzcqed.com/

wcuxlbkunao

4QZaPr guwaryfaduwv, [url=http://xfyxdcakmucl.com/]xfyxdcakmucl[/url], [link=http://bldxhxultktx.com/]bldxhxultktx[/link], http://iingghbhpjlg.com/

crnttb

sOG5Vb rkeenpfldcvi, [url=http://ikddliexuuvm.com/]ikddliexuuvm[/url], [link=http://fzmzwiekiteh.com/]fzmzwiekiteh[/link], http://zmpcqwcfkdhv.com/

uwwpvycxdl

73Go09 ajrbixfukmqh, [url=http://svfslqeqdvsc.com/]svfslqeqdvsc[/url], [link=http://jqdabzgykcrm.com/]jqdabzgykcrm[/link], http://ortggkimsqzd.com/

pali4ever

بارك الله فيك , لقد وجدت موقعك عن طريق الصدفه واعجبت به كثيرآ وفققك الله

zxrfpdrhuo

ZNHwRC zwjbnagpkucf, [url=http://xufeizjcbmtu.com/]xufeizjcbmtu[/url], [link=http://snamwujaixbp.com/]snamwujaixbp[/link], http://debzsrvdmsjl.com/

نزال-فلسطين

اللهم أجزك الجنة والفردوس الأعلى منها ، ومثوبة المجاهدين في فلسطين ، وأحفظ اللهم ديار المسلمين عامة ، ورد كيد من اراد بالمسلمين سوءا الى نحره اللهم آمين .


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

102.6