logo www.alahmad.com

 نواقض الإسلام

د. ناصر بن محمد الأحمد

إعلم أن نواقض الاسلام عشرة نواقض:

الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفرما دون ذلك لمن يشاء) وقال: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار) ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر.

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً.

الثالث: من لم يكفر المشركين أوشك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.

الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفر.

السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثواب الله أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم).

السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر. والدليل قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنه فلا تكفر).

الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين).

التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.

العاشر: الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به والدليل قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون).

ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطراً، ومن أكثر ما يكون وقوعاً، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.


الشرح:

إعلم رحمك الله تعالى أن نواقض الاسلام عشرة نواقض:

العلم: هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع.

إعلم: أي كن متهيئاً لما يلقى إليك من هذه النواقض.

نواقض: جمع ناقض، والنقيض ضد اللإبرام، نقضت الحبل أي حللته، إنتقض الجرح: أي فسد ويطلق على البطلان، ومن ذلك انتقض الوضوء أو الطهارة أي بطلت.

فنواقض الاسلام: هى الأمور التى إذا فعلها الشخص فسد توحيده وانتقض، وهي مجموعة من الأحكام تفسد إسلام المرء إذا ارتكبها وتحبط عمل صاحبه، ويصير من الخالدين في النار والعياذ بالله.

والمقصود بالاسلام: إسلام الشخص، لا الإسلام المقصود به الدين. أي أن هذه النواقض تفسد إسلام الشخص.

والمتقدمون لم يكونوا يستخدموا هذه اللفظة - نواقض - وإنما عباراتهم: ردة، ارتد عن دينه، كفر، ونحو ذلك. ثم من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب استعملها أبناؤه و أحفاده وصارت شائعة.

هل نواقض الإسلام عشرة فقط؟

الجواب: لا بل هي كثيرة. فلماذا اقتصر المصنف على هذه العشرة؟

الجواب: بينه رحمه الله في آخر الرسالة، لأنها من أعظم ما يكون خطراً ومن أكثر ما يكون وقوعاً. ولأنه بالتأمل تجد أن بقية النواقض مرجعها إلى العشرة.

هل يعذر أحد بالجهل بها؟

من كان يعيش بين المسلمين فإنه لايعذر بالجهل بها.

ولو تأملت في هذه النواقض التى عدها الشيخ، تجد أن بعضها اعتقادي وبعضها نواقض من جهة العمل. وهذا فيه رد على من لا يرى التكفير إلا بالإعتقاد، ويقول أن العمل وحده لا يكفر به الشخص ما لم يعتقد. وهذا غير صحيح، فمذهب أهل السنة أن الإنسان يكفر باعتقاد أو بقول أو بعمل أو حتى بالشك.


الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفرما دون ذلك لمن يشاء) وقال: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار) ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر.

بدأ رحمه الله بأعظم النواقض وأشدها، فإن الشرك أعظم ذنب عصي الله به، إنه هضم للربوبية وتنقص للألوهية.

الشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، فكيف لا يكون أعظم ذنب؟

جاءت آيات كثيرة في القران تحذر من الشرك: منها ما ذكره المؤلف: قال تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون). وقال تعالى: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق). وقال تعالى: (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة).

الشرك أعظم شعب الكفر:

الشرك أخطر الموبقات وأكبر الكبائر، قال الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم). وفي الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلا يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين.... الحديث" ولهذا كانت عقوبة الشرك قول الله تعالى: (إن الله  لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). وقال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار).

الشرك: من أعظم الذنوب، وما عُصي الله عز وجل بذنب أعظم من الشرك وما بعثة الأنبياء والرسل إلا لتحقيق التوحيد في قلوب الناس وتخليصهم من الشرك بكل صوره وألوانه، كم استمرت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وكم بذل عليه الصلاة والسلام من الجهد والمعاناة، وكم لاقى من الأذى والحرب والمقاومة، كل هذا لمقاومة وإزالة الشرك الذي كان موجوداً فى زمنه وعصره، وقبله إخوانه من أنبياء الله ورسله، فكم كانت مدة دعوة نبي الله نوح عليه السلام، ألف سنه إلا خمسين عاماً، كل هذا فى مقاومة ومحاربة الشرك والدعوة إلى توحيد الله جل وعلا. ولو تأملنا بعد ذلك فى الجهود التي بذلها العلماء الأجلاء على مر العصور وما كتبوا وألفوا حول هذه القضية الخطيرة لرأينا عجباً، ألوف المجلدات والكتب سطرت بأقلام علماء الأمة، منذ القديم حتى يومنا هذا وهم يحذرون من الشرك وخطورته وآثاره السيئة على الأمة، وما يترتب على بقاءه. فهذه كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم، جُلّها فى مقاومة الشرك ونشر التوحيد، والرد على بدع وشركيات الفرق المخالفة لعقيدة السلف فى زمانهم، ومن قبلهم ما كتبه وقاله الامام أحمد والشافعي، وبعدهم كتب ورسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن جاء بعده من أئمة الدعوة، كلها لمقاومة الشرك وما يزال الأمر يحتاج إلى المزيد، وما يزال الناس واقعون في صور وألوان كثيرة من الشرك.

الشرك: محبط لجميع الأعمال قال تعالى: (ولو أشركوا لحبط عنهم ماكانوا يعملون) وقال جل وعز: (ولقد أوحي إليك وإلي الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين). الشرك: هبوط وسقوط من أوج العزة والكرامة إلى حضيض السفول والقلق وعدم

الاستقرار والرذيلة قال تعالى: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).

الشرك: مهدر للدم مبيح للمال، قال الله تعالى: (فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) وقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". وقال أيضاً: "بعثت بالسيف حتى يعبد الله وحده".

الشرك: يحرم على صاحبه الجنة ويخلده في نار جهنم قال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار).

الشرك: أعظم الظلم كما قال تعالى: (أن الشرك لظلم عظيم).

إذا كان الشرك بهذا المستوى من القبح والخطورة فهذا مما يوجب شدة الحذر من الوقوع فيه، ويوجب على المسلم أن يعرفه ليتجنبه، ويوجب على المسلمين مقاومته والقضاء عليه.

ذكر المحدثون والمفسرون بأن أول من عرف بالشرك هم قوم نوح عليه السلام وذلك بسبب غلوهم في الصالحين حيث كان لهم رجال صالحون فلما ماتوا أوحى إليهم الشيطان أن يصوروا صورهم إحياء لذكراهم كما يقال وإن ينصبوها فى مجالسهم لينشطوا في العبادة كلما رأوهم. فلما هلك ذلك الجيل الذي نصب تلك الصور جاء من بعدهم فعبدوها. ومن ذلك الحين حدث الشرك فى الأرض فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام. فأصروا على شركهم (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا). عند ذلك دعا عليهم نوحاً فأهلكهم الله بالطوفان وأنجى نوحاً ومن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل، ثم تتابعت الرسل من بعد نوح تدعوا إلى التوحيد وتنهى عن الشرك إلى أن جاء عهد إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. وقد بلغ الشرك والطغيان والجبروت مبلغاً غظيماً فقاوم الخليل الشرك والمشركين بالحجة والبرهان وحطم الأصنام بيده ولقى فى سبيل ذلك أشد أنواع الأذى وأقسى أنواع التعذيب الذي سلمه الله منه حين ألقوه في النار فجعلها اللة بقدرته ورحمته برداً وسلاماً، وجعل العاقبة الحميدة له وجعل في ذريته النبوة والكتاب. وبقيت النبوة وكلمة التوحيد في ذريته كما قال تعالى: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) وقال تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه) خصوصاً العرب بني إسماعيل ثم لم يزل التوحيد فيهم حنى ظهر في العرب عمرو بن لحي الخزاعي، فغير فيهم دين إبراهيم ودعاهم إلى عبادة الأصنام فأجابوه، والسبب في ذلك أنه ذهب إلى الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء رأى أهلها يعبدون الأصنام ولم يكن العرب يعلمون إذ ذاك شيئاً عن الأصنام وعبادتها، وكانوا جميعاً على فطرة التوحيد والإيمان بالله فقال لهم ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له هذه آله نعبدها، نستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم أفلا تعطونى منها واحداً فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب" وفي لفط "غير دين إبراهيم". وهكذا انتشرت عبادة الأوثان في الجزيرة العربية وشاع فى أهلها الشرك فانسلخوا بذلك عما كانوا عليه من عقيدة التوحيد واستبدلوا بدين ابراهيم غيره. فعبدوا الأوثان وانتهوا إلى ما انتهت إليه الأمم الأخرى من الضلال والقبائح في المعتقدات والمفاهيم والأفعال. إلى أن بُعث نبينا صلى الله عليه وسلم فدعا إلى التوحيد ونهى عن الشرك وجاهد المشركين باليد واللسان حتى نصره الله عليهم وهدم أوثانهم وحطم أصنامهم وأعاد الحنيفيه ملة إبراهيم صافية نقية وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلى هالك، لكن زاغ الناس بعده صلى الله عليه وسلم وانحرفوا وتمثل فيهم الشرك وقد اخبر صلى الله عليه وسلم بذلك قبل وفاته بأنه لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من هذه الأمة بالمشركين، وحتى تعبد فئام من هذه الأمة الأوثان، وحتى تضطرب إليات نساء بني دوس على ذي الخلصه.

حكم الشرك:

من المعلوم أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، قال تعالى: (واعبدوا الله ولاتشركوا به شيئا) فقرن النهي عنه بأعظم أمْر أمَر به وهو عبادته التى من أجلها خُلق الخلق كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). وهو أول المحرمات كما يدل عليه قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون).

إطلاقات الشرك:

اعلم أنه إذا مر بك في كتب التوحيد حكم بالشرك فإنه قد يعني فيه صاحبه الشرك الأكبر المخرج من الملة وقد يعني به الشرك الأصغر. وعلى ذلك فلا بد أن تعرف هنا أن الشرك في معناه الشرعي يطلق على ثلاثة معانٍ:

أحدها: الاعتقاد بوجود شريك مع الله فى الملك والربوبية والخلق والرزق والتصرف فى الكون. فمن اعتقد أن أحداً غير الله يتصرف فى هذا الكون ويدبر شئونه فقد أشرك في الربوبية وكفر بالله.

الثاني: الاعتقاد في غير الله النفع والضر، وأن هذا الغير واسطة بين الله والخلق فيتوجه إليه ويصرف له بعض أنواع العبادة، وهذا الشرك هو الشرك فى الألوهية، وهو الذي كان عليه أكثر كفار قريش فقد كانوا يقولون عن آلهتهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وقد كان هذا الشرك اعتقادهم السائد كما قال تعالى عنهم: (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير).

الثالث: المراعاة لغير الله في الأعمال والأقوال: وهو أن تظهر من المسلم أمور فيها مراعاة غير الله معه فيما يستحقه وحده. وقد تكون هذه المراعاة في الأعمال كالرياء في العمل، وقد تكون في الأقوال كالتلفظ بأقوال فيها المساواة لغير الله بالله وإن لم يعتقد معناها.

فأما المراعاة بالأعمال: فالمراءاة لأهل الدين كمن يصلي فيطيل القيام ويطول الركوع والسجود ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيظهر الناس أنه صائم فيقول مثلاً مخاطباً غيره: اليوم الاثنين والخميس ألا تعلم؟ أو يتكلف بأن يستزير عالماً أو عابداً ليقال إن فلاناً قد زاره، أو يزورهم ليقول فى المجالس إننا زرنا فلاناً وقد التقينا بفلان وفلان من العلماء ونحو ذلك.

وأما المراءاة بالأقوال لأهل الدين: كمن يتصدر المجالس بالوعظ والتذكير فيحفظ الأخبار والآثار الخاصة بالمناسبات ليحاور بها الناس ويجادلهم فيظهر لهم أنه على معرفة بها فيظهر لهم غزارة العلم وشدة العناية بأحوال السلف وتجده مباعد عن حياة السلف وأخلاقهم مع أهله في الداخل. ومن ذلك تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، بينما لا ينكرها أو يتغافل عنها فى منـزله. وكل هذه الأعمال ينافى فعلها كمال التوحيد والإخلاص.

أقسام الشرك:

ولو نظرنا تقسيم أهل العلم للشرك فإنهم يقسمون الشرك عدة تقسيمات وأكثرهم ينظر في تقسيمه إلى الشرك في الألوهية فنجد أن منهم من يقسمه إلى أكبر وأصغر، ومنهم من يقسمه إلى ثلاثة أقسام أكبر وأصغر وخفي، ومنهم من يقسمه على حسب أنواع التوحيد الثلاثة، ومنهم من قسم الأكبر إلى أربعة أقسام ومنهم من قسمه إلى قسمين: قسم يتعلق بذات الله، وقسم يتعلق بعبادته.

والتقسيم الذي يجمع هذه التقسيمات ويؤالف بينها أن الشرك نوعان:

شرك أكبر، وشرك أصغر.

الأول: الشرك الأكبر:

وهو نوعان: شرك يتعلق بذات الله، وشرك يتعلق بعبادته.

فأما ما يتعلق بذات الله فهو الشرك في الربوبية وهو نوعان؟

1- شرك فى التعطيل كشرك فرعون وشرك الملاحدة.

والتعطيل ثلاثة أقسام:

- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.

- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس وهذا هو الشرك في الأسماء والصفات.

- تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.

2- وشرك من جعل مع الله إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة.

وأما ما يتعلق بعبادة الله وهو الشرك في الألوهيه فهو أربعة أنواع:

1- شرك الدعوة: بأن يتوجه بالدعاء الذي هو العبادة لغير الله تعالى.

2- شرك النية والإرادة والقصد: فإن إرادة غير الله بالعمل يبطل ثوابه ويحبطه.

3- شرك الطاعة: بأن يطيع العبد مخلوقاً في معصية الله تعالى.

4- شرك المحبة: بأن يحب العبد مخلوقاً كمحبة الله تعالى.

1- أما شرك الدعوة: فدليله قول الله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون).

2- شرك النية والإرادة والقصد: والدليل: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لايبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ماكانوا يعملون). قال ابن القيم رحمه الله: "أما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجوا منه من أراد بعمله غير وجه الله".

واعلم بأن هذا الشرك يكون شركاً أكبر لمن كانت جميع أعماله يريد بها غير وجه الله تعالى. أما من طرأ عليه الرياء فهذا شرك وسيأتي.

3- شرك الطاعة: والدليل: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هوسبحانه عما يشركون). قال شيخ الإسلام: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر. أما إن أطاعوهم فى معصية الله، مع اعتقادهم بالتحريم والتحليل كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.

4- شرك المحبة: والدليل: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله). قال ابن القيم رحمه الله: وها هنا أربعة أنواع من المحبة:

1- محبة الله وهذه لا تكفي وحدها للنجاة من عذاب الله فإن المشركين واليهود والنصارى يحبون الله.

2- محبة ما يحب الله وهذه هى التي تدخل في الإسلام وتخرج من الكفر.

3- الحب لله وفيه وهذا من لوازم محبة ما يحب الله.

4- المحبة مع الله وهي المحبة الشركية واتخاذ الند مع الله.

الأنواع الأربعة للشرك الأكبر كلها مخرجة من الملة، لأنها عبادات وصرف العبادات لغير الله شرك أكبر.

النوع الثاني: الشرك الأصغر:

هو: ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر.

وقد عرّف الشيخ العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله الشرك الأصغر بأنه: "كل وسيلة وذريعة يُتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة".

وعرفته اللجنة الدائمة: "كل مانهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركاً". 1/517

من أنواعه:

له أنواعاً كثيرة ويمكن حصرها بما يأتي:

أولاً: قولي: وهو ما كان باللسان ويدخل فيه ما يأتي:

- الحلف بغير الله: إن لم يقصد تعظيم المحلوف به وإلا صار شركاً أكبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك".

- قول: "ما شاء الله وشئت" أو: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو أنا تائب لله وفلان، أو أرجوا الله وفلاناً ونحو ذلك.

ولعل الضابط في هذا أن يكون الشيء مما يختص بالله جل وعلا، فيعطف عليه غيره سبحانه لا على سبيل المشاركة وإنما بمجرد التسوية في اللفظ، وأما إن كان يعتقد المشاركة فهذا يدخل تحت الشرك الأكبر.

- قول: "قاضي القضاة" وهذا من الشرك الأصغر لأن فيه شبه منازعة في خصائص الرب ولو كان في التسمية فقط قياساً على ملك الأملاك الثابت منعه في الحديث الصحيح.

- وهكذا: التعبيد لغير الله، كعبد النبي وعبد الرسول إذا لم يقصد حقيقة العبودية.

- وإسناد بعض الحوادث إلى غير الله عز وجل مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، وقول الرجل: لولا الله وفلان.

- وقول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا.

ولعل الضابط في هذا: الاعتماد على سبب لم يجعله الله سبباً.

ثانياً: فعلي: وهو ما كان بأعمال الجوارح: ويدخل فيه ما يلي:

- التطير: وهو التشاؤم بالطيور أو الأسماء أو الألفاظ أو البقاع وغيرها قال رسول صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" وعن ابن مسعود مرفوعاً: "الطيرة شرك". وهو سوء ظن بالله، وتعلق بأسباب موهومة. جاء في الحديث: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك" رواه أحمد. وعن أبى داود عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك". كل هذا إذا لم يعتقد القدرة في المتطير به. وإلا فهو أكبر.

- إتيان الكهان وتصديقهم إذا لم يعتقد وجود علم الغيب لديهم.

- الاستعانة على كشف السارق ونحو بالعرافين إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم بالغيب.

- تصديق المنجمين والرمالين وغيرهم من المشعوذين إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم بالغيب.

- لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه إذا لم يعتقد تأثيرها بذاتها.

ثالثاً: قلبي: ويدخل فيه ما يلي:

- يسير الرياء: ويكون بالأعمال: كمن يصلي فيطيل القيام والركوع والسجود ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيُظهر للناس أنه صائم.

ويكون من جهة القول: كالرياء بالوعظ والتذكير، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس ونحو ذلك.

وقد يكون من جهة الزي: كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب مع تشميرها ليقال: عابد وزاهد.

وقد يكون الرياء بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أو يستزير عالماً ليقال: إن فلاناً قد زار فلاناً، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الخير يترددون عليه.

قال صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال الرياء" هذا الخوف من الرسول صلى الله عليه وسلم على من؟ على الصحابة. والصحابة عاشوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وشاهدوا التنـزيل فكيف بمن هم أقل منهم علماً وإيماناً؟.

الرياء إذا خالط العمل قد يبطله وقد ينقصه وله حالات:

- من بداية العمل "الرياء المحض" لولا الناس ما فعل الطاعة هذا عمله باطل كالمنافقين الذين قال الله فيهم: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلاً).

- يكون العمل لله ثم يشاركه الرياء.

فإن شاركه الرياء من أصله واستمر معه إلى النهاية ولم يجاهد نفسه فالعمل باطل "أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".

وإن بدأ العمل لله ئم طرأ عليه الرياء واسترسل معه ولم يجاهد نفسه فبعض العلماء يبطل عمله بالكلية والبعض يقول له أجر الإخلاص

وعليه وزر الرياء، والذي يبدو أنه ينظر للعمل فإن كان مرتبطاً أوله بآخره بطل كله كالصلاة، وإن كان لا يرتبط أوله بآخره فالجزء الذي فيه الرياء باطل والآخر مقبول كالصدقة.

- إرادة الإنسان بعمله الدنيا: والمراد به أن يعمل الإنسان أعمالاً صالحة يريد بها الدنيا إما لقصد المال أو الجاه، كالذي يجاهد أو يتعلم ليأخذ مالاً أو ليحتل منصباً أو يتعلم القرآن أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة، لكن نيته الحصول على مصالح دنيوية لا طلب مرضاة الله.

الفرق بينه وبين الرياء:

أن المرائي إنما يعمل لأجل المدح والثناء، والمريد بعمله الدنيا يعمل لدنيا يصيبها كالمال أو المنصب.

فهذه أنواع الشرك الأصغر قد تكون هذه الأنواع في خصائص الربوبية وقد يكون في خصائص الألوهية، كما أن كل قسم من أنواع الشرك الأصغر يحتمل أن ينقلب إلى شرك أكبر وذلك من وجهين:

1- إذا صحبه اعتقاد قلبي وهو تعظيم غير الله كتعظيم الله، كالحلف بغير الله معظماً له كتعظيم الله.

2- أو كان في أصل الإيمان، أو كثر حتى غلب على العبد، كالمراءاة في أصل الإيمان، أو يغلب الرياء على أعماله، أو يغلب عليه إرادة الدنيا بأعماله بحيث لا يريد بها وجه الله.

كيف تفرق عند قراءة النصوص أن هذا شرك أكبر أو أصغر؟

أو ما هي دلالات الشرك الأصغر من خلال النصوص؟

- ماجاء صريحاً في النص أنه أصغر: كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء" رواه أحمد.

- أن يأتي منكراً غير معرف: فإذا جاء معرفاً بأل التعريف دل على أن المقصود به الشرك الأكبر. من ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" رواه أحمد.

- ومن الدلالات ما فهمه الصحابة من النص أنه شرك أصغر: مثل حديث: "الطيرة شرك وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أحمد والترمذي. آخر الحديث على الصحيح أنه من قول ابن مسعود: "وما منا إلا ويقع له شيء من التطير".

مثال آخر: حديث: "من حلف بغير الله فقد أشرك". رواه الترمذي. هذا الحديث عام - أشرك -ولم يفصل. فسر ابن عباس أن الحلف بغير الله من الشرك الخفي والذي يعتبر شركاً أصغر.

- ومن الدلالات أن يفسر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الشرك الذي جاء في نص بما يوضح أن المراد به ما دون الشرك الأكبر: من ذلك حديث معاوية الليثي مرفوعاً: "يكون الناس مجدبين فيُنـزل الله عليهم رزقاً من رزقه فيصبحون مشركين، يقولون مطرنا بنوء كذا" رواه أحمد

فالمراد بهذا الشرك هو كفر النعمة وهو ضد الشكر وهو من الكفر العملي لما أخرجه الشيخان من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء -أي مطر- كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".

- ومن الشرك الأصغر: مايكون شركاً بحسب قائله ومقصده: فمثلاً الحلف بغير الله من حد ذاته من الشرك الأصغر، لكن إن قصد قائله تعظيم المحلوف به كتعظيم الله تعالى صار شركاً أكبر.

الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر:

- أن الأكبر لا يغفره الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فقد اختلف فيه وسيأتي تفصيله بعد قليل.

- أن الأكبر مخرج عن الملة، وأما الأصغر فلا يخرج عن الملة، ولذا فمن أحكامه: أن يعامل معاملة المسلمين فيناكح وتؤكل ذبيحته ويرث ويورث ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.

- إن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في النار وإن دخلها فكسائر مرتكبي الكبائر.

- أن الشرك الأكبر يحل الأنفس والأموال بعكس الأصغر فإن صاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان فاسق من حيث الحكم الشرعي.

- كما أن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، بينما الأصغر يحبط العمل الذي قارنه.

ويجتمعان في:

- استحقاق صاحبهما الوعيد.

- أنهما من أكبر الكبائر من الذنوب.

هل الشرك الأصغر لا يغفر إلا بالتوبة كالأكبر أم هو مثل الكبائر تحت المشيئة؟

هذه المسألة محل خلاف بين العلماء: فهناك من العلماء من قال إن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم الآية: (إن الله لايغفر أن يشرك به). وبناءً عليه فلا يقع تحت المشيئة وكون الشرك الأصغر أخطر وأكبر من الزنا وشرب الخمر والكذب واللواط. قال بهذا القول الشيخ عبدالرحمن بن حسن وصديق حسن خان وعبدالرحمن بن قاسم.

وكأن شيخ الإسلام يميل إلى هذا القول حيث يقول: "وأعظم الذنوب عند الله الشرك به، وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والشرك منه جليل ودقيق، وخفي وجلي". جامع الرسائل 2/254.

ويقول بعبارة أصرح من السابقة: "وقد يقال الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن وإن كان صاحب الشرك - أي الأصغر - يموت مسلماً لكن شركه لا يغفر له، بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة". الرد على البكري ص146.

وله كلام آخر رحمه الله يقول عن الشرك في الآية السابقة: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) أنه الشرك الأصغر.

ومن العلماء من قال بأن الشرك في الآية هي الأصغر ويقع صاحبه تحت المشيئة وهو قول الجمهور وقد قال به الإمام ابن القيم رحمه الله حيث يقول: "فأما نجاسة الشرك فهى نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، فالمغلظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء". إغاثة اللهفان 1/98.

ومرة يقول: "الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه" إلى أن يقول: "وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للمخلوق". مدارج السالكين 1/339.

ومع ذلك فإن ابن القيم يؤكد على أن الشرك فوق رتبة الكبائر كما ذكر ذلك في إعلام الموقعين 4/403.

وقد ذكر العلامة السعدي كلاماً مهماً فى هذه المسألة يقول رحمه الله: "من لحظ إلى عموم الآية (إن الله لايغفر أن يشرك به) وأنه لم يخص شركاً دون شرك، أدخل فيها الشرك الأصغر، وقال: إنه لا يغفر، بل لابد أن يعذب صاحبه، لأن من لم يغفر له لابد أن يعاقب، ولكنّ القائلين بهذا لا يحكمون بكفره، ولا بخلوده فى النار، وإنما يقولون: يعذب عذاباً بقدر شركه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة. وأما من قال: إن الشرك الأصغر لا يدخل فى الشرك المذكور في هذه الآية، وإنما هو تحت المشيئة فأنهم يحتجون بقوله تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار) فيقولون: كما أنه بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل في تلك الآية، وكذلك لا يدخل في قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) لأن العمل هنا مفرد مضاف، ويشمل الأعمال كلها ولا يحبط الأعمال الصالحة كلها إلا الشرك الأكبر، ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات والسيئات التى هى دون الشرك الأكبر لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع".

من صور الشرك:

الغلو في مدحه صلى الله عليه وسلم بما قد يفضي إلى عبادته من دون الله كما حصل للنصارى في حق عيسى بن مريم عليه السلام، وهذا غالباً ما يحصل فى الاحتفالات بالمولد، فيُلقى من القصائد والأشعار والمدح والثناء عليه عليه الصلاة والسلام إلى درجة الغلو والشرك، وأنه المتصرف في الكون، ويخلق ويأمر وينهى، ويجعلونه في درجة ومرتبة الألوهية، ولاشك بأن هذا شرك يخرج صاحبه من الملة لو اعتقده، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".

ومن صور الشرك:

تعظيم القبور والاعتقاد بالمقبورين فيها، إما بجلب النفع أو دفع الضر وهذا منتشر والعياذ بالله في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي بل إن بعض هذه القبور يبنى عليها مساجد وتصبح مزارات ويذبح عندها القرابين وتقدم لها الصدقات والأموال وكل هذا شرك صريح لا شك فيه وأكثر ما يعتقد بالقبور الرافضة والصوفية، بل ربما اعتقدوا بأن زيارة هذه القبور أعظم من حج بيت الله الحرام، وقد شوهد بعض هؤلاء يصلي فى المسجد النبوي ويتوجه إلى القبر جاعلاً القبلة خلفه أو عن يمينه أو شماله نعوذ بالله من الخذلان.

ومن صور الشرك:

السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله والعبادة فيها غير المساجد الثلاثة، وهذا الأمر أيضاً طم وانتشر وهناك مكاتب للسفر ينظم حافلات ويذهب مئات وألوف من الناس إلى سوريا وغيرها من الأماكم لأجل القبور هناك وفى السابق كانت هذه القوافل تذهب لقبور العراق وأماكن التعبد هناك لكن في ظل الظروف الراهنة صارت تتوجه هذه القوافل إلى سوريا ولاشك أن هذا شرك لا نقاش فيه لا  تعظيم لأي بقعه إلا ما عظمته الشريعة ولا تشد الرحال إلا للمساجد الثلاثة، وهؤلاء الجهلة المشركون يسافرون ويقصدون أماكن في الشام، للتبرك بها وعبادتها والصلاة عندها والذبح لموتاها وغالبها قبور لا يعلم من هؤلاء المقبورين فيها، بل ربما بعضها قبور خالية لكن السذاجة وسخافة عقول هؤلاء، ولا يستبعد أن يكون خلف ووراء هذه الأمور مؤسسات ومنظمات تستنـزف مما يدفع من أموال هناك.

ومن صور الشرك:

الذبح لغير الله قال الله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له). فلا يجوز أن يراق الدم من البهيمة في غير وجه الله، عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من آوى محدثاً ولعن الله من غير منار الأرض" رواة مسلم. قال الامام النووي رحمه الله تعالى: المراد بقوله لعن الله من ذبح لغير الله أن يذبح باسم غير اسم الله تعالى، كمن يذبح للصنم ومثله أن يذبح لصاحب القبر أو نحو ذلك وكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له كان ذلك كفراً فإن كان الذابح مسلماً قبل ذلك صار بالذبح مرتداً.

ومن صور الشرك:

إرادة الإنسان بعمله الدنيا: ومن عظيم فقه الامام محمد بن عبدالوهاب أن جعل باباً فى كتابه العظيم التوحيد باباً بهذا العنوان فقال: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، ثم استدل على ذلك بقول الله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لايبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ماكانوا يعملون) وقوله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" رواه البخاري. فالذي يبني مسجداً، وهو لا يريد بهذا المسجد وجه الله، وإنما أراد بعلمه هذه الدنيا من شهره أو جاه أو سمعة أو نحو ذللك فإن هذا المسجد يعد من مساجد الضرار (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

أو الذي يتصدق وينفق حتى ينشر اسمه في الجرائد بأنه أنفق من ماله الخاص وهو لا يريد بذلك وجه الله، فهذا أيضاً ممن أراد بعمله الدنيا، أو الذي يحج إلى بيت الله لكي يقال بأن فلان من حجاج بيت الله الحرام فهذا أيضاً ممن أراد بعمله الدنيا ولم يبتغي وجه الله.

أسباب الشرك ومبادئه:

وبعد معرفة تنوع الشرك فإنه قد يسأل عن أسباب وقوع الأمة في الشرك فأما الشرك الأكبر فإن سبب وقوع بعض المسلمين فيه هو الغلو، وسواء كان الشرك في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، فإننا نجد أن بينها قاسماً مشتركاً، وهو أن للغلو سبب فيها، فالشرك في الربوبية حصل بينهم بالغلو في معرفة الله حيث تركوا الهدي السوي لذلك، واتخذوا مناهج أخرى، فخلوا فى الظلام وأجاعوا أنفسهم وجعلوا لهم أذكاراً خاصة فنشأت من ذلك الإتحادية والوجودية ونحوها بتلبيس الشيطان عليهم.

والشرك فى الأسماء والصفات حصل بالغلو في الوصف والاثبات، أو النفي والتنـزيه، فإن قوماً وصل بهم غلوهم في الاثبات والوصف لله تعالى أن وصفوه فشبهوه بخلقه، وآخرون غلوا في التنـزيه فأنكروا صفات الله أو بعضها ظناً منهم أنهم يقدسون ويعظمون الرب سبحانه.

وأما الشرك فى توحيد الألوهية فسببه الغلو في الصالحين، وقد أوضح ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد فقد عقد باباً سماه (باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين) فقوله (تركِهم) مجرور عطفاً على المضاف إليه (كفرِ): كأنه قال: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم تركهم لدينهم هو أمر واحد وهو الغلو فى الصالحين. ولقد نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الغلو في الدين فقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل) وقال تعالى: (يا أهل الكتاب لاتغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق).


الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً.

س/ ما الفرق بين الناقض الأول وهو الشرك وبين هذا الناقض علماً بأن الشرك أيضا هو جعل شريك مع الله يتوسط به فيُدعى من دون الله ويُسأل؟

الجواب/ إن فعل من وقع في هذا الناقض يعتبر تأكيداً منه في الإصرار على الشرك، ويعتبر الأول أصلاً في تجويزه للشرك. وأيضاً أن الناقض الأول خاص بالعبادة العملية كالذبح والسجود وغير ذلك أما هذا الناقض فهو خاص بالدعاء وهو السؤال والطلب، أي خاص بالعبادة القولية.

لكن يَرد هنا إشكال: وهو قول المصنف: - يتوكل عليهم - والتوكل عبادة عملية لأنها من أعمال القلوب. ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن المصنف لو ذكر التوكل في الناقض الأول لكان أحسن في الترتيب حتى يكون الناقض الأول خاص بالعمل، والثاني بالقول لكن فد يلتمس للمؤلف أنه لم يقصدها بالذات وإنما لم يرد أن يغير في نفس عبارة شيخ الإسلام فى الفتاوى المجلد الأول (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً).

ومن أشهر ما كتب فى هذه المسألة رسالة شيخ الاسلام ابن تيمية (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) وألف من المعاصرين الشيخ محمد نسيب الرفاعي كتاب التوصل إلى حقيقة التوسل. والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رسالة بعنوان (التوسل أنواعه وأحكامه) وهناك رسائل وشروحات للشيخ محمد بن عبدالوهاب وتلاميذه في هذا الموضوع لو جمعت لكونت كتابا مفيداً فى هذا الموضوع، ومن هنا فإن من المهم بيان وإيضاح التوسل الشرعي والبدعي.

تعريف التوسل في اللغة: الوسيلة: هي المنـزلة عند الملك، والوسيلة: الدرجة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا هو... ).

ومعنى التوسل شرعاً: فهو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته واتباع رسوله، وبكل عمل يحبه ويرضاه. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون). وقال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا). وقد فسر جمع من السلف الوسيلة بمعنى القربة، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "إن الوسيلة هي القربة" وقال قتاده وعطاء والسدي وغيرهم في قوله: (وابتغوا إليه الوسيلة) أي: تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه.

الوسائل الشرعية والكونية:

وقد يخلط بعض الناس بين الوسائل الشرعية والوسائل الكونية، فيكون ذلك سبباً في الخلط بين التوسل البدعي المذموم والتوسل الشرعي الممدوح

أما الكونية: فهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقه الله عليها، وهذه مشتركة بين المؤمن والكافر، ومثالها الماء وسيلة لري الإنسان، والطعام وسيلة لشبعه ونحو ذلك.

وأما الشرعية: فهي سبب يوصل إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله تعالى وبينه في كتابه وسنة نبيه.

وهي خاصة بالمؤمن المتبع لأمر الله ورسوله ومثالها النطق بالشهادتين بإخلاص وسيلة لدخول الجنة والنجاة من الخلود فى النار، وكذلك إتباع السيئات بالحسنات وسائل لمحو السيئات، وصلة الرحم وسيلة لطول العمر وسعة الرزق ونحو ذلك.

صحة الوسائل ومشروعيتها:

والوسائل الكونية لجواز فعلها عند المسلم شرطان:

1- أن تكون مباحة.

2- أن تكون قد ثبت تحقيقها للمطلوب أو غلب ذلك على الظن.

وأما الوسائل الشرعية فلجواز فعلها شرط واحد: وهو أن تكون ثابتة في الشرع.

أنواع التوسل:

توسل مشروع وتوسل ممنوع:

أما التوسل المشروع: فهو كل توسل دل على جوازه نص من الكتاب أو السنة وهو ثلاثة أنواع:

1- توسل بالله تعالى: وهو إما توسل بذات الله وإما بأسمائه الحسنى، وإما بصفاته العليا.

2- توسل بالأعمال: وهو أن يتوسل العبد بأعماله الصالحة، ومثاله: قصة الثلاثة الذين دخلوا في الغار فأغلق عليهم، فسألوا الله بأعمال صالحة لهم ففرج الله عنهم.

3- توسل بدعاء الغير: وهو أن يتوسل العبد إلى ربه بدعاء أخيه المؤمن، ومن ذلك توسل الصحابة رضى الله عنهم بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته. قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله " فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تبارك وتعالى بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم تسليما ".

وهذا الأخير أي التوسل بدعاء الغير هو الذي أُسيء فهمه وخالف فيه المتأخرون مصطلحات المتقدمين وأعرافهم فبينما كانت لفظة (التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم) من الذهاب إليه وطلب الدعاء منه كقصة الإعرابي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسأله الدعاء، وقصة الرجل الأعمى، فهم المتأخرون منها أن المراد التوسل بشخصه بأن يُسأل بذات النبي.

الأدلة:

أما التوسل بالله فدليله قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ماكانوا يعملون). ومن السنة ما روى عبدالله بن بريدة رضي الله عنه عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال: "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" أخرجه أبوداود والترمذي.

وأما التوسل بالأعمال الصالحة فدليله قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا أنك أنت التواب الرحيم). ومن السنة: ما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاءً أدعو به في صلاتي قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وراحمني إنك أنت الغفور الرحيم". رواه البخاري.

وأما التوسل بدعاء الغير من الصالحين فدليله قوله تعالى حكاية عن أبناء يعقوب عليه السلام: (قالوا يا أبانا إستغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين). ومن السنة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائماً، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. فأقلعت وخرجنا نمش