logo www.alahmad.com
18-6-1438

الدجال مسائل وأحكام

18/6/1438ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: ظهور الدجال أحد أشراط الساعة الكبرى، وأعظم الفتن منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى قيام الساعة. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه في أكثر من ثلاثين موضعاً مبيناً خطره تارة، ومحذراً منه حيناً، وذاكراً طرق السلامة منه تارة أخرى.

ولعل سائل يسأل: إذا كان الدجال من أعظم الفتن فلماذا لم يصرح بذكره في القرآن تحذيراً منه ومن شره؟.

الجواب: أنه ذُكر في قوله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها) [الأنعام : 158] فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها". ووقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في قوله تعالى: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) [ غافر : 57]، وأن المراد بالناس هنا الدجال من باب إطلاق الكل على البعض، فيكون من جملة ما تكفل النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه. والعلم عند الله.

أيها المسلمون: والذي يهمنا في موضوع الدجال، أن هناك عدداً من المسائل والأحكام ينبغي أن تكون منا على بال، ألخصها لكم في نقاط:

أولاً: التزود بالطاعات والإكثار من الأعمال الصالحة حصن حصين من الفتن وزاد قوي في التصدي لها عند حلولها: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم (أي الموت)، أو أمر العامة (أي القيامة)". رواه مسلم. فأوصى صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في الأعمال الصالحة، بل والمسابقة إليها قبل حلول وقت الفتن. أخرج الحاكم من طريق قتادة عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه أنه (يخرج يعني الدجال في نقص من الدنيا، وخفة من الدين، وسوء ذات البين، فيرد كل مَنهَل، وتُطوى له الأرض). فانظر رعاك الله إلى ضعف الدين وقلته في وقت خروجه.

ثانياً: الحث على الائتلاف بين المسلمين وترك الخلاف والنـزاع والفرقة، وأن الفتنة أعظم في وقت الخلاف منها في وقت الائتلاف: ويشهد لهذا الحديث السابق الذي رواه الحاكم، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أحدثكم ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق: "إن الأعور الدجال مسيح الضلالة يخرج من قِبَلِ المشرق في زمان اختلاف من الناس وفرقة، فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض أربعين يوماً". رواه ابن حبان بإسناد صحيح.

ثالثاً: الحذر والتحذير من الفتن قبل وقوعها: وهذا ظاهر في كل الأحاديث التي تحدثت عن الدجال، بل إن الأنبياء كل الأنبياء حذروا أممهم منه كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ما بُعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب". رواه البخاري.

رابعاً: عدم الانخداع بالمظاهر خصوصاً وقت الفتن، بل وتحذير الناس من ذلك: ونلحظ ذلك في المظاهر الخادعة التي تصاحب الدجال، ومن ذلك: أن معه جنة وناراً، وأنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، لكن كل هذا بإذن الله تعالى، ولو تمعن المتمعن لما انخدع. لأن الدجال موصوف بالنقص، ولا يستطيع أن يدفع النقص عن نفسه كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه. إذن لا يستطيع أن يدفع الضرر عن نفسه، فكيف يدفعه عن غيره!.

خامساً: ضرورة الابتعاد عن مواضع الشبهات والفتن، وألا يعتقد المرء أنه على قدرة في مواجهة الشبهات والفتن، وخصوصاً مع قلة العلم والدين: عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع بالدجال فَلْينأَ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات". رواه أحمد وأبو داود.

سادساً: لا يكفي تحذير الناس من الفتن، بل الواجب توضيح السبل للخلاص منها: وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من السبل للخلاص من الدجال ومنها:

قراءة فواتح سورة الكهف: قال صلى الله عليه وسلم: "فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف". رواه مسلم.

ومنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه ناراً وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين عليه ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: (كافر) يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب". رواه مسلم.

ومنها: التعوذ منه: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: "وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال". رواه البخاري.

سابعاً: الفتنة ليست شراً محضاً: نقل الإمام النووي رحمه الله عن العلماء أنهم قالوا: هذا من جملة فتنته التي امتحن الله تعالى به عباده ليحق الحق ويبطل الباطل، ثم يفضحه ويظهر للناس عجزه.

ثامناً: الحق لا بد أن ينتصر وتُنهى الفتن ويظهر الحق: وهذه أعظم فتنة تمر على البشرية ثم تنتهي، وينـزل عيسى عليه السلام ليهلك الدجال، كما ثبت في صحيح مسلم: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه".

تاسعاً: أهمية العلم الشرعي في مواجهة الفتن: فالمؤمن الذي يكشف زيف الدجال وكذبه مسلم متمسك بالعلم الشرعي المبني على الدليل الشرعي، لذا تجده يخاطب الدجال بلهجة الواثق كما في صحيح البخاري: "فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه". فهو نَسَبَ عِلْمَهُ بالدجال لعلمه بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم العلم الشرعي، فتأمل يا عبدالله.

عاشراً: ويتبع القاعدة السابقة سؤال أهل العلم عما أشكل وخصوصاً وقت الفتن: ومن ذلك ما تكرر من أسئلة الصحابة رضوان الله عليهم عن هذه الفتنة. فقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم: "قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا. اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض .." الحديث. ومن هذا الحديث أيضاً نرى حرص الصحابة على الصلاة وإقامتها في وقتها رضي الله عنهم.

الحادي عشر: الكثرة ليست دائماً دليلاً على الحق، والدجال باعتباره فتنةً عظيمة سيتبعه أناس كثيرون، فهل نقول إنه على الحق؟ لا بالطبع. فعلى المسلم أن يلزم الحق ولو كان وحده، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة".

قال ابن حجر: وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين في الحلية بسند حسن صحيح إليه قال: "لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة". وهذا لا يقال من قِبَلِ الرأي. والله أعلم.

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: وإضافة إلى ما تقدم من مسائل وأحكام حول الدجال، فثمة فوائد وقواعد في الدعوة:

أولاً: التأكيد على أمور العقيدة من أهم المهمات: وهذا يتضح من أحاديث الدجال في التركيز على عدة مهمات عقدية منها:

غرس توحيد الأسماء والصفات: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بُعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور". رواه البخاري ومسلم.

ومنها: إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة وعدم رؤيته في الدنيا: روى الإمام أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس وهو يحذرهم فتنة الدجال: "تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت".

ومنها: حسن الظن بالله جل جلاله: روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة أنه قال: ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته وإنه قال لي: "ما يضرك منه؟" قلت: لأنهم يقولون: إن معه جبلَ خبزٍ ونهر ماء. قال: "بل هو أهون على الله من ذلك". والمعنى: أنه أهـون على الله من أن يجعل ما خلقه الله تعالى على يده مضلاً للمؤمنين ومشككاً لقلوبهم، بل إنه جعله له ليزداد الذين آمنوا إيماناً، ويثبت الحجة على الكافرين والمنافقين ونحوهم.

ومنها: عظم التوكل على الله والالتجاء إليه: قال صلى الله عليه وسلم: "إن من بعدكم الكذاب المضل، وإن رأسه من بعده حُبُكٌ حُبُكٌ حُبُكٌ (أي متكسر من الجعودة) ثلاث مرات، وإنه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: لستَ ربُنا، لكن ربُنا الله عليه توكلنا وإليه أنبنا نعوذ بالله من شرك لم يكن له عليه سلطان". رواه الإمام أحمد.

ثانياً: من القواعد المهمة في الدعوة والمستفادة من أحاديث الدجال: أن يُعطَي كل أمر حقه من العناية: فينبغي أن يُحذَّر من الأمر الخطير بطريقة تختلف عن الأمر الأخف خطورة، وينبغي الأمر بالواجبات والفرائض بطريقة تختلف عن الحث على المسنونات والمستحبات، وللأسف فإن بعض الناس هداهم الله يجعل المكروه محرماً أثناء النهي، أو يجعل الصغيرة كبيرة، بل يتعدى بعضهم ذلك وذاك إلى أن يجعل أحد خوارم المروءة من المحرمات. وانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف يحذر من الدجال بطرق وأساليب مختلفة متنوعة، ولماذا؟ لأن الدجال فتنة عظيمة! فهو يدَّعِي الربوبية، بل يَظهر له من الفتن الشيء العظيم، ومن ذلك ما أخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم! فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه يقولان له: يا بني اتبعه فإنه ربك. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، ويمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبت، فتمطر حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظم، وأمده خواصر، وأدره ضروعاً".

ثالثاً: لا بد من التوضيح والبيان وقت الحاجة: لذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الدجال وصفاً دقيقاً في أكثر من حديث بينت صفته وأفعاله وكذبه، وما يحتاجه المسلم لمواجهته، ومن أشملها ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنذرتكم فتنة الدجال، فليس نبي إلا أنذر قومه أو أمته، وإنه آدَمُ، جعدٌ، أعور عينه اليسرى، وإنه يمطر ولا ينبت الشجرة، وإنه يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها ولا يُسلط على غيرها، وإنه معه جنة ونار ونهر وماء وجبل خبز، وإن جنته نار وناره جنة، وإنه يلبث فيكم أربعين صباحاً يرد فيها كل مَنهل إلا أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والطور، ومسجد الأقصى، وإن شكل عليكم أو شُبِّه، فإن الله عز وجل ليس بأعور".

رابعاً: الصبر والثبات على الحق لا سيما مع ظهور الفتنة: وانظر إلى ذاك الرجل المؤمن الثابت الذي ما زاده فَرْقُه له فِرقتين إلا بصيرة به وتكذيباً. ففي صحيح مسلم: "فيقول: أنت المسيح الكذاب، قال: فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم فيستوي قائماً. قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة".

خامساً: الاهتمام بالنساء في الدعوة، والتأكيد على تعليمهنّ العلم الشرعي: والمرأة إذا لم تُرشد للخير فقد تنساق مع الشر، ومع قلة الدين في زمن ظهور الدجال تجد أن أكثر أتباعه النساء اللاتي يغتررن بالمظاهر والفتن والشبهات. أخرج الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيكون أكثر من يخرج إليه النساء حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه".

سادساً: الارتباط بالقرآن الكريم قراءة وحفظاً وحث الناس على ذلك: عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجال"، وفي رواية: "من قرأ". رواه مسلم.

اللهم ..