logo www.alahmad.com
25-6-1438

هارون الرشيد

25/6/1438ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إن الحديث عن التراجم والسير حديث ذو شجون.

ثم إن ما يقوم به بعض من المستشرقين ومن سار في ركابهم من أبناء هذه الأمة، من تشويه تاريخنا والإساءة إلى بعض الشخصيات التاريخية من أسلافنا عبر وسائل مختلفة، من أشدها تأثيراً ما يسمى بالمسلسلات التاريخية، بقصد فصل هذه الأمة عن تراثها الحقيقي ومجدها الأصيل، حتى يتسنى لهم مسخ شباب أمة الإسلام، وتوجيههم إلى ما يشتهون، وإماتة عقيدة الولاء والبراء في قلوبهم. نسأل الله العافية.

لذا كان لابد بين فترة وأخرى الحديثُ عن تاريخنا، والحديثُ عن الشخصيات الهامة في أمتنا.

ومن هذه الشخصيات التي شُوهت، شخصية خليفة من الخلفاء، وملك من ملوك المسلمين، كان يحكم من الصين شرقاً إلى بلاد المغرب غرباً، وتولى الخلافة وعمره 22 عاماً، وقاد الجيوش في عهد والده وهو حدث صغير يناهز الحلم، وغزا الروم وانتصر عليهم، ثم عقد معهم هدنة على أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. كل ذلك وهو شاب صغير. إنه: هارون الرشيد.

ولد هارون الرشيد عام 148هـ وتولى الخلافة عام 170هـ وتوفى عام 193هـ أي أنه مكث في الخلافة 23 عاماً، وحينما توفي كان عمره 45 عاماً رحمه الله رحمة واسعة وغفر له.

أيها المسلمون: لقد كان الرشيد أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزواً وحجاً. لقد كان يحج عاماً ويغزو ويجاهد عاماً آخر، وكان رحمه الله ذا شجاعة ورأي وكان من أحسن الملوك وأنبلهم، كان إذا حج أخذ معه مائة من الفقهاء والعلماء وأبنائهم، وإذا لم يحج، ححج ثلاثمائة منهم بالنفقة السابغة والكسوة التامة عليهم.

كان يتصدق بألف درهم كل يوم، وكان يروي الحديث بسند متصل إلى جده النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول ذلك على المنبر إذا خطب يوم الجمعة ويحدث بهذا الحديث: "اتقوا النار ولو بشق تمرة".

كان رحمه الله يجل العلماء ويجالسهم ويستمع منهم الحديث والموعظة. فيبكي حتى يبل الثرى بدموعه. دخل عليه يوماً أحد العلماء وكان ضريراً فوعظه فبكى هارون. فجاءه مرة ثانية في دعوة على الطعام، وبعد تناول الطعام، صب الخليفة الماء على يدي هذا العالم ليغسلها وقال له: أتدري من يصب عليك الماء؟ قال لا: قال: أمير المؤمنين. قال: إنما أردتُ تعظيم العلم.

لقد كان هارون عابداً، كان يكثر من النوافل كل يوم ركعات كثيرة إلى أن مات. وكان يبغض أهل البدع ويبغض الجدال. وكان لا يتساهل مع البدع المكفرة. دخل رجل على هارون الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق، قد قطعت رأسه، والسياف يمسح السيف من أثر الدم. فقال الرشيد للرجل: إنه يقول بخلق القرآن. تلاحظ أن الخليفة ذكر سبب قتل ذلك الرجل قبل أن يُسأل. وتلاحظ كيف أنه قتل الرجل لبدعته المكفرة، لأن كلام الله صفة من صفاته ليس بمخلوق. فكم تحتاج الأمة لهذا السيف حتى يتخلصوا من أهل الأهواء والبدع المكفرة الذين ينشرون البدع والمحدثات، وينشرون الإلحاد والشرك، متسترين بحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون، وهم أبعد الناس عنه، ومتخذين من الفن والمسرح واجهة لنشر كفرهم وردتهم.

وكان هارون الرشيد رحمه الله يتقبل الموعظة والنصيحة من أي شخص كان، ويبكي عند سماعه لها، ومن هؤلاء رجل اسمه عبد الله بن عبد العزيز العمري حيث وعظ الرشيد يوماً فأطنب. قال له وهو واقف على الصفا بمكة: انظر كم حولها من الناس؟ مشيراً للكعبة فقال: كثير، فقال: كل منهم يُسأل يوم القيامة عن خاصة نفسه، وأنت تُسأل عنهم كلهم، فبكى الرشيد بكاءً كثيراً، وجعلوا يأتونه بالمناديل يمسح بها دموعه، ثم قال له: يا هارون إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحَجْر عليه، فكيف بمن يسرف في أموال المسلمين كلهم؟ ثم تركه وانصرف والرشيد يبكي.

وقال له شخص يدعى ابن السماك: يا أمير المؤمنين إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله والوقوف بين الجنة والنار، حين يؤخذ بالكظم، وتزل القدم، ويقع الندم. فجعل الرشيد يبكي بكاءً شديداً.

شيد الرشيد قصراً فخماً وزخرفه وأكثر فيه الطعام والشراب واللذات، ثم استدعى أحد الشعراء فقال صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم فقال الشاعر:

عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور

تسعى إليك بما اشتهيت لدى الرواح إلى البكور

فإذا النفوس تقعقعت عن ضيق حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور

فبكى الرشيد بكاءً كثيراً، فقيل للشاعر: دعاك أمير المؤمنين تسره فأحزنته، فقال الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى، فكره أن يزيدنا عمى.

طلب الرشيد يوماً من الطباخ أن يحضر له لحم جزور، فلم يحضر له، لأنه لم يُذبح في هذا اليوم جزوراً، وبعد مدة من الزمن طلب الخليفة لحم جزور، فأحضر له لحم جزور، فقيل له: أتدري كم كلفت هذه اللقمة من لحم الجزور؟ قال: أربعة دراهم، قيل بل أربعمائة ألف درهم. قال كيف ذلك؟ فقيل له: إنك طلبت قبل مدة لحم جزور، فلم نحضر لك طلبك، ومن يومها نحن نذبح كل يوم جزوراً، ولكنك ما طلبت اللحم إلا اليوم. لذلك فقد صرف منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم، فقام هارون الرشيد من فوق الطعام ولم يأكل منه وأخذ في البكاء وأخذ يتصدق على الفقراء وهو يبكي يومه ذلك كله، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال: ما شأنك يا أمير المؤمنين باكياً في هذا اليوم؟ فذكر أمره وما صرف من المال الجزيل لأجل شهوته وإنما ناله منها لقمة، فقال أبو يوسف: هل كان ما تذبحونه يفسد أم يأكله الناس؟ قيل: بل كان يأكله الناس، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الصدقة، وبما أنفقته من أموال في سبيل الله، وبما رزقك الله في هذا اليوم من الخشية والخوف، وقد قال تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) عندها هدأ الخليفة وطلب الطعام، فكان غداؤه في هذا اليوم عشاء.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: ذكرنا بأن الرشيد كان يحج عاماً ويجاهد عاماً، وأنه قاد الجيش وهو شاب صغير في عهد والده لقتال الروم ووقّع معهم هدنة وأخذ عليهم الجزية. ولكن بعد أن تولى الخلافة تولى حكم بلاد الروم نقفور، فنقض العهد ورفض أن يرسل الجزية لخزينة الدولة الإسلامية، وأرسل رسالة إلى أمير المؤمنين قال فيها: من نقفور ملك الروم إلى هارون الرشيد ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق، فحمَلت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إليها، وذلك من ضعف النساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إليّ ما حمَلته إليك من الأموال وافتد نفسك به، وإلا فالسيف بيننا وبينك.

فغضب الرشيد غضباً شديداً وكتب على ظهر الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأتُ كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام.

فغزاهم الرشيد واستولى على بعض بلادهم وسبى ابنة الملك، وغنم الأموال، فطلب نقفور الموادعة ورضي بدفع الجزية، فأجابه هارون إلى ذلك ووقّع معه الاتفاقية بالهدنة ودفع الجزية تدفع كل عام إلى خزينة الدولة الإسلامية.

أيها المسلمون: ذكر الحافظ ابن كثير هذه القصة في تاريخه عن أحد أبناء هارون الرشيد رحمه الله: وهو أحمد بن هارون الرشيد الذي كان لا يحب التوسع من الدنيا، وكان هذا الابن لا يقبل أن يأكل إلا من عمل يده. كان زاهداً عابداً ورعاً، وكان يعمل في الطين في البصرة لدى أحد أصحاب المزارع، كان يعمل يوماً واحداً في الأسبوع بدرهم ودانق، فيقسم هذا الأجر على بقية أيام الأسبوع يتقوت به ويتفرغ للعبادة. هذا الشاب هو ابن أمير المؤمنين هارون الرشيد الذي كان يحكم من الهند إلى بلاد المغرب، أي يحكم ما يقارب من خمسين دولة من الدول الموجودة الآن أو أكثر، يأتيه خراجها ومواردها، ولديه من القوة الاقتصادية والعسكرية ما قد سمعتم. هذا ابن أمير المؤمنين لم يتخذ من موقع والده مركز نفوذ له بل قد اختفى عن سمع وبصر والده أيضاً حتى ظن أنه توفى وأنه ليس على قيد الحياة، ولم يكن يعرفه أحد بأنه ابن أمير المؤمنين.

هذا الشاب مرض وكان لديه خاتم لوالدته يعرفه أبوه هارون الرشيد، فحينما أحس الابن بدنوا الأجل قال للشخص الذي كان يعمل عنده: خذ هذا الخاتم وأعطه لأمير المؤمنين أثناء مروره للحج وقل له: إن صاحب هذا الخاتم يقول لك: إياك أن تموت في سكرتك هذه فتندم حيث لا ينفع نادماً ندمه. فإن ما أنت فيه لو دام لغيرك لم يصل إليك، وسيصير إلى غيرك، وقد بلغك أخبار من مضى.

فلما مات أحمد بن هارون الرشيد تعرّض الرجل لموكب الخليفة وأعطاه الخاتم وأخبره بقول ابنه وهو لا يعلم، فلما نظر الخليفة إلى الخاتم صرخ وقال: ويحك أين صاحب الخاتم، فقال الرجل مات يا أمير المؤمنين، وذكر له قصته وعمله في الأسبوع يوماً واحداً ثم يتفرغ بقية الأسبوع للعبادة، فلما فرغ الرجل قام الخليفة وألقى بنفسه على الأرض وجعل يتمرغ ويقول وهو يبكي: والله لقد نصحتني يا بني. ثم سأل عن قبره وذهب إليه ليلاً وبكى عنده حتى الصباح.

إن في هذه القصة عظة وعبرة لهذه الأمة، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وكان الرشيد قد حفر قبره في حياته، فنظر إليه وهو يقول: إلى هنا تصير يا ابن آدم ويبكي، ثم يقول: (ما أغني عني ماليه، هلك عني سلطانيه). ويبكي ويقول: اللهم انفعنا بالإحسان واغفر لنا الإساءة، يا من لا يموت، ارحم من يموت.

أما زوجته زبيدة: فقد بقي الناس زماناً وهم يشربون من العين التي ساقتها إلى مكة والمعروفة باسمها: "عين زبيدة".

هذه نبذة عن هذا الخليفة الذي شوهت صورته عن طريق بعض الكتب والوسائل الإعلامية المغرضة، وهناك من الخلفاء والملوك من كانوا على دين وتقوى وتحمل للمسؤولية ورفع لراية الجهاد في عصور مختلفة، كانوا يسيرون على نهج السلف الصالح الخلفاء الراشدين، مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم، مستمسكين بالوحي، خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً.

اللهم ..