logo www.alahmad.com
10-7-1438

فقه أحاديث الفتن

10/7/1438ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: هناك أبواب في كتب الحديث تحت عنوان "كتاب الفتن" أو "الملاحم وأشراط الساعة" فيه أحاديث بيّن فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون من الفتن التى تقع بين المسلمين، أو الأحداث التى ستكون بينهم وبين غيرهم من الأمم والملل، ونجد في بعضها تصريحاً بيّناً وفي بعضها الآخر رموزاً وإشارات موحية. علينا أن نسأل أنفسنا: لِمَ حدَّث النبى صلى الله عليه وسلم بتلك الأحاديث؟ ولم كان منه ذلك الاهتمام الشديد بالفتن وأخبارها حتى كان الصحابة يُصابون بشيء من الذعر لكثرة حديثه عنها؟!.

يستيقظ عليه الصلاة والسلام مرة من نومه فتسمعه زوجه السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وعقد سفيان أحد رواة الحديث بيده عشرة) وتقول له السيدة زينب: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث". رواه مسلم.

ويشرف على أُطُم من آطام المدينة فيقول لأصحابه: "هل ترون ما أرى؟ إنى لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر". رواه مسلم.

ويحدثهم النبى صلى الله عليه وسلم عن فتن بعيدة عن عصرهم ويهتم بها أي اهتمام، ويستعيذ منها ويعلّم المسلمين أن يفعلوا ذلك، ومنها فتنة الدجال.

ومن الثابت في صحاح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قص على أصحابه ما سيكون من أحداث الدنيا وفتنتها حتى يوم القيامة، عمّ بذلك الصحابة كلهم، وخص بعضهم بما لم يقله على الملأ. ولنستمع إلى أبي زيد عمرو بن أخطب يحدثنا بهذا الحديث العجيب، قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنـزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبر بما كان وما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا". رواه مسلم. ولعل حذيفة رضي الله عنه يشير إلى هذه الخطبة في قوله: "لقد خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله". متفق عليه.

وقد اشتهر حذيفة رضي الله من بد الصحابة بمعرفته بأحاديث الفتن فهو يقول: "أخبرني رسول صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألتُه، إلا أني لم أسأله ما يُخرج أهل المدينة من المدينة". رواه مسلم. وكان حذيفة رضي الله عنه يتحرج من ذكر كل ما يعلم من أمر الفتن، خشية أن يكون بعض ما يعلمُه مما أسرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم إليه دون غيره من الصحابة.

ومن الأمثلة على معرفة حذيفة بتفاصيل الأحداث ما يرويه محمد بن سيرين عن جندب قال: جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس، فقلت: ليُهرَقَنّ اليوم ههنا دماء، فقال ذاك الرجل: كلا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله. قلت: بلى والله، قال: كلا والله، إنه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنيه. قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم، تسمعني أخالفك وقد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تنهاني؟ ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه، وأسأله، فإذا الرجل حذيفة. رواه مسلم. ومن ذلك أيضاً ما يرويه حذيفة عن حوار دار بينه وبين عمر بن الخطاب عن الفتن، وذلك في قوله: كنا جلوساً عند عمر رضي الله عنه فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله، قال: إنك عليه لجريء. قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد! ولكن الفتنة التى تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال: أيُكسر أم يُفتح؟ قال: يكسر! قال: إذاً لا يُغلق أبداً، قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة. متفق عليه.

ويحدث حذيفة أصحابه عن سر تمكنه من أخبار الفتن فيقول: إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر. فأنكر ذلك القوم - أي الذين كان حذيفة يحدثهم - فقال لهم: إني سأخبركم بما أنكرتم من ذلك: جاء الإسلام حين جاء فجاء أمر ليس كالجاهلية، وكنت قد أُعطيت في القرآن فهماً، فكان رجال يجيئون فيسألون عن الخير، فكنت أسأل عن الشر! فقلت: يا رسول الله، أيكون بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر؟ فقال: نعم. قلت: فما العصمة يا رسول الله؟ قال: السيف. قال: قلت: وهل بعد هذا السيف بقية؟ قال: نعم، تكون إمارة على أقذاء، وهُدنة على دَخَن، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم تنشأ دعاة الضلالة، فإذا كان لله يومئذ في الأرض خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فالزمْه، وإلا فمت وأنت عاضّ على جِذل شجرة، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: يخرج الدجال بعد ذلك معه نهر ونار، من وقع في ناره وجب أجره وحُط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يُنتِج المهر فلا يُركب حتى تقوم الساعة. رواه الإمام أحمد.

أيها المسلمون: وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدث أصحابه حديثاً عاماً عن الفتن التى ستحدث في أزمان تالية قد يعاصرونها وأكثرها يأتي بعد أن يفارقوا الدنيا، فقد عهد إلى بعض أصحابه عهوداً خاصة بشأن فتن يمرون بها وتصيبهم!. من ذلك ما حدّثت به عائشة رضي الله عنها وعن أبيها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: وددت أن عندي بعض أصحابي. قلنا: ألا ندعو لك أبا بكر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت، قلنا: ألا ندعو لك عثمان. قال: نعم. فجاء، فخلا به، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه ووجْه عثمان يتغير. قال قيس أحد رواة الحديث: فحدثني أبو سهلة - مولى عثمان – أن عثمان بن عفان قال يوم الدار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليَّ عهداً فأنا صائر إليه.

ومن الوصايا الخاصة هذه الوصية التي تلقاها محمد بن مسلمة رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم: عن أبي بردة قال: دخلت على محمد بن مسلمة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون فتنة وفُرقة واختلاف، فإذا كان كذلك فأتِ بسيفك أُحُداً فاضربه حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئة، أو منيّة قاضية". رواه ابن ماجة.

إننا نجد من النبي صلى الله عليه وسلم حرصاً على أن يظل المسلم بعيداً عن الفتن، لا يشارك فيها بسيف، بل ينأى عنها إن استطاع، فهو يوصي المسلم أن يتلف ما كان بين يديه من وسائل الفتن، بكسر السيف أو دق حده بحجر لكيلا يستخدمه أحد في الفتنة، وكسر القِسيّ وتقطيع الأوتار. ولننظر في هذا الحديث الذي يرويه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه. قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينجو إن استطاع النجا. اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أُكرهت حتى يُنطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار". رواه مسلم.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسّروا قِسيّكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابنيّ آدم". رواه ابن ماجة بسند صحيح.

وبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلم ما يفعله عند وقوع الفتن وهو الإكثار من العبادة وذلك في قوله: "العبادة في الهرج كهجرة إليّ". رواه مسلم.

فنسأل الله عز وجل أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ..

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: لم يقتصر تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن على توجيهات تكف المسلم عن المشاركة فيها بالسيف، أو على الفرار منها، بل نجد إلى جانب ذلك تحذيراً من دعاة الفتنة الذين يدعون الناس إلى النار، ونجد بياناً بصفاتهم حتى يحذرهم المسلم، وأمراً نبوياً لطريق التعامل معهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار، فأن تموت وأنت عاض على جذع شجرة خير لك من أن تتّبع أحداً منهم". رواه مسلم. وجاء في حديث آخر عن حذيفة فيه شيء من التفصيل عن هؤلاء الدعاة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون دعاة على أبواب جهنّم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت يا رسول الله، صفهم لنا. قال: هم قوم من جلدتنا، يتكلمّون بألسنتنا. قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال فالزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك". رواه مسلم.

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين ما سيطرأ عليهم من الفتن من خارج مجتمعهم، وما سيكون بينهم وبين أعدائهم من الملاحم، فحدثهم عن الدّجال وفتنته، ونصر اليهود له، وأن منهم سبعين ألفاً من يهود أصبهان، وبيّن لهم من أين سيخرج، وأين سيبلغ من الأرض، وما الذي يَفتن الناس به، وما الذي يعصم منه. كل ذلك في تفصيل دقيق عجيب، يدل على مدى حرص النبي عليه الصلاة والسلام على تأمين السلامة للمؤمنين في عصره وفي العصور التالية إلى يوم القيامة.

ويحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن صراع يقع بين المسلمين والروم الذين يغزون بلاد الشام، ويغزوا المسلمون بلادهم، ويحدثنا عن فتح القسطنطينية، وهو فتح آخر غير الذي تم من قبل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى ينـزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلّوا بيننا وبين الذين سبوا منّا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخليّ بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبداً، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علّقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهلكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوّون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينـزل عيسى بن مريم عليه السلام، فأمهّم، فإذا رآه عدوّ الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته". رواه مسلم.

ولعل قائلاً يقول: أي فائدة ترجى من هذا العلم ونحن في عصر التخطيط والتنظيم الدقيق؟ أليس البحث في هذا نوعاً من الهروب من الواقع أو الاستنامة على نبؤات الله أعلم بها متى تقع؟.

الجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل تلك الأحاديث عبثاً، ولم يلحّ في الحديث عن الفتن لتسوّد بها صفحات من كتب الحديث، أو لتفرد في مؤلفات تقرأ للبركة وتبيّن صدق نبوته عليه الصلاة والسلام فحسب! وإنما قالها ليفقهها عنه المسلمون المعنيون بها في كل عصر من العصور، أنها جزء من الرسالة التي حُمّلها وأَشهد عليها بقوله: "ألا هل بلغت". والمطلوب من المسلمين فهمُها كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن تُفهم، والعمل بالوصايا التي ضمّنها إياها.

إن البحث في فقه أحاديث الفتن وأشراط الساعة لا يخص الفرد المسلم وحده، بل يمتد إلى الجماعات العاملة للإسلام لتنظر في ضوئه في غاياتها ووسائلها، وأي عمل إسلامي لا يستنير بفقه أحاديث الفتن يظل غائم الوُجهة والأساليب. بل إن فقه أحاديث الفتن ضروري للدولة التي تلتزم بالإسلام، وقد مرّ بنا من قريب الحديث الذي بين أن المسلمين في آخر الزمان يتحالفون مع الروم في قتال عدو مشترك! وإن من يفقه أحاديث الفتن يستطيع من خلال إدراكه لروح العصر أن يمتلك وعياً سياسياً يتنبأ به بما يخالف الرأي السائد!. وأضرب على ذلك مثلاً: كان هناك رجل صالح في الأردن يدعى الشيخ الدبّاغ، لقد كان هذا الشيخ يقول للناس ويقسم أن بريطانيا وحلفاءها سينتصرون في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا! وكان الناس يعجبون من ذلك! واتهم بأنه يقوم بالدعاية لبريطانيا. وقد بيّن الشيخ رحمه الله الأساس الذي بنى عليه يقينه، وهو أنه ربط بين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بيّن أن المسلمين سيقاتلون اليهود قبل قيام الساعة، وبين أحداث عصره. فبريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين هي التي رعت فكرة قيام الدولة اليهودية منذ وعد بلفور وما تلا ذلك من أحداث، ولن تقوم لليهود دولة إلا إذا انتصرت بريطانيا! ولو انتصرت ألمانيا لتبدد الحلم اليهودي في الدولة! وقد كان ما فهمه الشيخ من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفسرّ به أحداث عصره، بل تنبأ بالشيء قبل أن يكون!. فنحن بحاجة إلى مراجعة واعية للأحاديث التي ذكرت كثرة النصارى في آخر الزمان، وقتال المسلمين لهم، ومواضع هذا القتال، ثم فتح القسطنطينية ورومية، ونصر اليهود للدجّال، وقتل المسيح ابن مريم عليه السلام له في باب اللدّ في فلسطين. فإن البحث في هذه الأحاديث وفقهها ليس من نافلة القول أو العمل، وليس من باب الترف العلمي، أو الخدر العقلي، بل هو جزء من التخطيط والتفكير والتدبير المستهدي بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

اللهم ..