logo www.alahmad.com
24-7-1438

مساوئ الأخلاق وسقوط الدول

24/7/1438ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: يقول أهل التاريخ وعلماء السير: "إن مساوئ الأخلاق تُسقط الدول"

حينما دخل المسلمون الفاتحون بلاد الأندلس، كانوا قد انصهروا في بوتقة الإسلام، حيث تأدبوا بآدابه، فاتبعوا أوامره واجتنبوا نواهيه، كما مثلوا أخلاقياته وما يدعو إليه من قيم سامية واقعاً ملموساً، أدركها جميع أهل تلك الديار، فأعجبوا بها. فقد قال أحد قادة لذريق في رسالة بَعث بها إليه يصف بها جيش المسلمين الأول الذي عبر إلى الأندلس بقيادة طارق بن زياد: "لقد نزل بأرضنا قوم لا ندري أهبطوا من السماء أم نبعوا من الأرض".

وقد بقي المسلمون خلال القرون الثلاثة الأولى من وجودهم في بلاد الأندلس محافظين على تلك القيم، معتزين بها. ولكن مع مضي الزمن بدأ البعض منهم بالتحلل منها مما أفقدهم شيئاً من مقومات أصالتهم ووجودهم هناك، وقد أدرك هذه الحقيقة ابن خلدون حين قال: "إذا تأذّن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في الأندلس وأدى فيما أدى الى ضياعه". انتهى ..

كما أدركها أحد الكتاب النصارى حيث قال: "العرب هَوَوْا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل الى الخفة والمرح والاسترسال بالشهوات". صدق وهو كذوب. وصدق الله العظيم إذ يقول: (وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا) [الإسراء 16]. ومنذ أن بدأ الضعف في الجانب الخلقي عند بعض مسلمي الأندلس بالظهور كعرض من أعراض بعدهم عن منهج الله انتاب الوجود الإسلامي هناك نوع من الضعف وذلك لأن كل تقدم حضاري وسياسي وسمو فكري وارتفاع معنوي وأية عزة في السلطان كان مرده إلى التمسك بالإسلام، ومرتهناً بمقدار الالتزام بشريعته.

ومما لا شك فيه أن هذا الضعف التدريجي الذي أدى في النهاية إلى خروج المسلمين من بلاد الأندلس لم ينشأ من فراغ، كما لم يكن وليد يومه أو ليلته، بل إنه كان نتيجة لعدة عوامل وأسباب نشأت في ظروف معينة، فلما نمت وترعرعت تمخض عنها ضعفهم وخروجهم من الأندلس، ويمكن إجمال تلك العوامل والأسباب في ثلاثة انحرافات: الأنانية وحب الذات. والتشبه بالعدو وتقليده. وانتشار المجون والخلاعة بين المسلمين. "إن مساوئ الأخلاق تُسقط الدول".

أولاً: الأنانية وحب الذات: إن الإيثار والتعاون من أهم سمات المجتمع الإسلامي، فقد دعا الإسلام إلى هذا الأمر وأصّله في نفوس المسلمين، قال الله تعالى: (والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون) [الحشر 9]. وقد دخل المسلمون الفاتحون الى بلاد الأندلس بهذه الأخلاق الطيبة، كما تربي أفراد المجتمع الإسلامي هناك على هذا الخلق الإسلامي الأصيل عامتُهم وخاصتهم،

وقد سار المسلمون بالأندلس على هذا النهج حتى آخر عمر الدولة الأموية حيث ذُكر أن المنصور بن أبي عامر كان يسهر على مصالح رعيته وكانت متابعته لأمور رعيته تستنفد منه كل وقته لدرجة أنه كان لا ينام إلا سويعات قليلة متفرقة فلما قيل له: قد أفرطت في السهر وبدنك يحتاج إلى أكثر من هذا النوم، أجاب قائلاً: "إن الملِك لا ينام إلا إذا نامت الرعية، ولو استوفيت نومي لما كان في دُور هذا البلد العظيم عين نائمة".

وفي آخر عمر الدولة الأموية ضعف تمسك الناس بكثير من الأخلاق الإسلامية، فانعكست آثار ذلك على المجتمع الإسلامي فضلاً عن الدولة الأموية التي بدأت تظهر عليها علامات الهرم والشيخوخة حينما خف اعتبارها عند الناس، لأن قادتها فقدوا واحداً من أهم مقومات دولتهم. فالكثير منهم لا همّ له إلا تحقيق مصلحته الذاتية وإشباع أنانيته، وتثبيت أقدامه في السلطة ولو على حساب مصلحة المسلمين، وكأن الأندلس إنما وجدت له ولمصلحته الذاتية، ولهذا جعل الله بين أولئك الملوك والأمراء من التحاسد والتنافس والغيرة ما لم يجعله بين الضرائر المترفات، فلم يتعاونوا على بر أو تقوى أو يسعوا لمصلحة إسلامية، بل انصبت كل جهودهم على توفير ما يخدم مصالحهم الخاصة. هكذا كان واقع أولئك القوم، انشغلوا بأمورهم الخاصة وغفلوا عن الخطر النصراني الذي كان يتهدد الجهة الشمالية من بلادهم.

إن الأنانية وحب الذات قد تأصلت عند ملوك الأندلس حتى أصبحت خُلقاً مألوفاً لدى الكثير منهم يصعب عليهم التخلص منها أو السعي لغيرها. وهذا بلا شك كان من أكبر معاول الهدم التي أصابت قوة المسلمين في تلك الفترة.

والإمام ابن حزم رحمه الله من علماء الأندلس الكبار، وقد عاش تلك الفترة المريرة، وهو ممن كتب عن تلك الحقبة، فكان مما قال: "اللهم إننا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموال ربما كانت سبباً في انقراض أعمارهم وعوناً لأعدائنا عليهم عن حاجة ملتهم حتى استشرف لذلك أهل القلة والذمة، وانطقت ألسنة أهل الكفر والشرك". وقال أيضاً يصف أنانية الحكام وحبهم لذواتهم: "والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم بادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنوهم من حُرَم المسلمين وأبنائهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس". انتهى ..

وهكذا نرى كيف أن الأنانية وحب الذات عند ملوك الأندلس قد جعلتهم يقدمون التنازلات الكثيرة للنصارى من أجل البقاء في السلطة حتى ولو كان ذلك على حساب مصلحة المسلمين العامة والله المستعان. "إن مساوئ الأخلاق تُسقط الدول".

أيها المسلمون: العامل الثاني من عوامل الانحراف والذي بسببه سقطت الأندلس وضاعت: التشبه بالعدو وتقليده:

حينما دخل المسلمون بلاد الأندلس كانت لهم شخصيتهم الإسلامية المستقلة، التي تميزوا بها عن غيرهم من الشعوب والأمم، وقد ظلوا خلال القرون الثلاثة الأولى للوجود الإسلامي هناك محافظين على تلك الشخصية التي تأصلت فيها الأخلاق والقيم النبيلة، ولكن حينما اعترى وجودهم الضعف، وعصفت بهم الفتن، وخف الوازع الديني عند بعضهم بدأوا بالتخلي عن بعض تلك الأخلاق والتأثر بأخلاق وعادات غريبة عليهم وعلى مجتمعهم، الأمر الذي جعل شخصيتهم الإسلامية تأخذ بالاضمحلال ويسري فيها الضعف.

من ذلك أن جند مسلمي الأندلس تشبهوا بالنصارى في زيهم وأسلحتهم، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن بعض مسلمي الأندلس قلد النصارى في الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الدينية. وهناك فئة أخرى من المسلمين كانت تحضر مجالس النصارى وتشاركهم أفراحهم، ومن هؤلاء "منذر بن يحيى" أحد حكام الأندلس، فقد بالغ في التشبه بالنصارى وموالاتُهم حيث كان يحضر عقود المصاهرة التي كانت تتم بين أبنائهم. كما أن حسام الدولة "يحيى بن عبد الملك" كان يقلد النصارى في اقتناء القرود حيث أهدى إليه ألفونسو السادس ملك قشتالة قرداً كان يفتخر به على ملوك الأندلس. وقد أدى التشبه بالعدو وتقليده عند أولئك القوم أن ذل الرئيس والمرؤوس وافتقرت الرعية وفسدت أحوال الجميع بالكلية وزالت من النفوس الأنفة الإسلامية.

ومما لا شك فيه أن هذا الانهزام الذي مُني به المسلمون في ذلك الوقت حينما تأثروا بالنصارى قد تمخض عنه كسر الحاجز النفسي الذي كان موجوداً عند المسلمين إزاء العدو النصراني الأمر الذي جعل مخالطتهم أو التأسي بهم أمراً مألوفاً عند بعض المسلمين هناك. وهكذا زالت مهابة المسلمين عند النصارى حينما تخلوا عن أصالتهم وقيمهم الإسلامية حيث أصبحوا حقيرين في عين العدو وأقل من أن يُهتم بهم. "إن مساوئ الأخلاق تُسقط الدول".

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: العامل الثالث: الخلاعة والمجون:

كان من مظاهر الضعف الخلقي عند مسلمي الأندلس في عصر ملوك الطوائف انتشار كثير من الأوجاع الخلقية بينهم، كالمجون والخلاعة وشرب الخمر والاستغراق في الملذات الجسدية والإكثار من الجواري والنساء حيث كان هذا الأمر قاسماً مشتركاً بين كثير من ملوك الطوائف.

وقد أسهب المؤرخون في الحديث عن هذا الأمر، وذكروا لنا قصصاً يشيب منها الولدان، من فضاعتها وبشاعتها.

كان ملوك الطوائف إذا احتاجوا إلى شيء من الملهيات يرسلون رسلهم إلى قرطبة للبحث والتنقيب عن الأوصاف التي يريدونها من الجواري. وَرَدَ على أبي الوليد بن جهور في قرطبة رسول المظفر بن الأفطس يلتمس شراء وصائف ملهيات يأنس بهنّ فوجد له صبيتين ملهيتين عند بعض التجار واشتراهما له.

كما وَرَدَ على أبي الوليد بن جهور بقرطبة من الكتب في يوم واحد كتاب من ابن صمادح صاحب المرية يطلب فيها جارية عوادة، وكتاب من ابن عباد يطلب جارية زامرة.

وقد اشتهر المعتضد بن عباد بأنه كان له شغف بالنساء فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد نظرائه. كما أن المعتمد بن عباد كان مولعاً بالنساء حيث خلع ثمانمائة امرأة من أمهات الأولاد وجواري المتعة وإماء الخدمة.

هكذا غرق أولئك القوم في مستنقع الفحش والرذيلة، وقد استغل هذا الأمر بعض الوزراء والموظفين الذين رغبوا أن يستبدوا بالحكم والسلطان، فأشغلوا حكامهم بإغراقهم في الملذات.

أما شرب الخمر في قرطبة وغيرها من بلدان ملوك الطوائف فيبدو أنه أصبح أمراً لا غرابة فيه في ذلك العصر، ولهذا لما حاول ابن جهور منعها مدحه الشعراء. ولعل القارئ لدواوين الشعر في ذلك الوقت يدرك كيف أن وصف الخمرة والتغني بها كان أمراً مألوفاً عند كثير من شعراء ذلك العصر.

ولم يكن هذا الأمر قاصراً على فئة معينة من الناس، بل كان كثير من الناس يقضون لياليهم أيقاظاً يجتمعون على الكؤوس حتى الصباح. وكان للطرب والغناء نصيب عند أولئك القوم حيث كانوا يتفاخرون بكثرة آلاتها ومجيديها حيث يقولون: عند فلان عودان وثلاثة وأربعة وأكثر من ذلك. فانتشرت مجالس الغناء وأصبح هذا الفن بجملته جزءاً من ثقافة الشعب، حتى لنجد الفلاح في حقله والعامل في مصنعه والفقير في كوخه لا يقل ولع أحدهم بالغناء عن الأمراء والعظماء.

وقد بدأت أعراض تلك الأوجاع التي حلت بالمجتمع الإسلامي في الأندلس في تلك الفترة تظهر عياناً، فقد استخف بعض الناس بالدين، وتجردوا من الأخلاق والقيم الإسلامية، ولم يعد هناك وازع من دين أو ضمير.

ومما لا شك فيه أن هذا الضعف الذي مُني به ملوك الطوائف قد جعل مسلمي الأندلس يصابون بخيبة أمل لأنهم أدركوا أن زمام الموقف أصبح بيد النصارى المتربصين، وقد عبّر عن هذا الشعور الشاعر الأندلسي ابن العسّال حينما قال:

حُثّوا رواحلكم يا أهل أندلس فما المقام بها إلا من الغلط

السلك يُنثر من أطرافه وأرى سلك الجزيرة منثوراً من الوسط

من جاور الشر لا يأمن عواقبه كيف الحياةُ مع الحيّاتِ في سفط

ولم يكن هذا الشعور قاصراً على المسلمين بل تعداهم إلى العدو النصراني الذي أدرك أن حصون المسلمين الداخلية قد ضعفت وأن الفرصة أصبحت مهيأة له لدخول الثغور والحصون الخارجية ولهذا وضع خطة حربية تتناسب مع ذلك الواقع وقد أبان هذه الاستراتيجية الحربية "فرناندو" أثناء حصار النصارى لمدينة طليطلة حيث قال لأهلها الذين خرجوا يطلبون الصلح معه لما أعيتهم المقاومة: "ما أجيبكم إلى سلم، ولا أعفيكم من حرب، فإنما نطلب بلادنا التي غلبتمونا عليها قديماً في أول أمركم فقد سكنتموها ما قضي لكم، وقد نُصرنا الآن عليكم برداءتكم، فارحلوا إلى عدوتكم - يعني بلاد المغرب - واتركوا لنا بلادنا، فلا خير في سكناكم معنا بعد اليوم".

وهكذا كشر النصارى عن أنيابهم العدائية فأبانوا خططهم ونواياهم ضد الإسلام والمسلمين هناك، كما بدأوا بعملياتهم الحربية والتي أسموها بحرب الاسترداد، حيث تمكنوا خلالها من اجتياح العديد من المدن والثغور الإسلامية، وكذلك سقطت الأندلس. "إن مساوئ الأخلاق تُسقط الدول".

اللهم ..