logo www.alahmad.com
22-8-1438

في استقبال رمضان

23/8/1438ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

الحمد لله يسر على عباده بشريعة أبي القاسم، وجعل فيها للخير وللجود والبر خيرَ المواسم. أحمده سبحانه حمد من بات لربه بين تال وذاكر، أو ساجد وقائم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فَضّلَ ريحَ المسك عنده خُلوفُ فمالصائم، فهو الذي يتولى جزاءه في يوم تنشر فيه الدواوين وترد فيه المظالم. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير خلقه، وصفوة أنبيائه، ورسوله إلى الناس كافة عربِهم والأعاجم. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الفضل والجود والجهاد والمكارم، وسلم تسليما.

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، واعتصموا بحبله، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

معاشر المسلمين: من سنة الله في الخليقة تعاقب الليالي والأيام، وما تحمله من آمال وآلام، ما تلبث أن تصير بعد الحقيقة حديثاً وذكرى، وما بقي منها يقرب من الحقيقة الكبرى، الموت، أول منازل الدار الأخرى.

والكيس من حزم أمره فاتقى الله حق تقاته، وذكَره وتقرب إليه في جميع أحواله وسائر أوقاته، واستعد ليوم لا بد آت، ذلكم هو آخر يوم في حياته، فحزم أمره، وجمع فكره، ونقل زاداً من العمل الصالح ينتفع به بعد مماته.

وإن الكيّس من يزداد في مواسم الخير تقرباً وطاعة، لعلمه شدة حاجته لما يثقل ميزانه يوم تقوم الساعة، فينتهز موسم الخير فيكثر فيه من خزن البضاعة، ويعوض فيه ما فات من وقت في غير الخير أضاعه.

فيشتري نفسه في الدنيا بصالح الأعمال، فدية لها وعصمة مما ستواجهه من فتن وأهوال، أهونها الموت، فكيف بما بعده من صعق وزلزال؟ دع عنك انفطار السماء ودكدكة الجبال، فما بين عينيه صورته وهو موقوف بين يدي الكبير المتعال، فأيمن منه النار، وأشأم منه النار، وبين يديه النار، فلا منقذ له من سلاسلها والأغلال، إلا صلاة وصيام وحج وبر وصلة ودعاء وابتهال.

أيها المسلمون: رمضان يوشك أن نستقبل أيامه، وننصب خيامه، ونطرد عن قلوبنا الملل والسآمة، ونعيش الأمل بعتق من النار، وبموفور السعادة والكرامة. فما هي إلا أيام قليلة، وتظلنا أيام فضيلة، ونسائم عليلة، تحمل الرحمة والمغفرة، والعطايا الجزيلة.

بعد أيام: ستفتح أبواب الجنان، وينادى: يا باغي الخير أقبل.

بعد أيام: تغلق أبواب النار وينادى: يا باغي الشر أقصر.

بعد أيام: يعتق في كل ليلة عتقاء من النار. وتنشر على الصائمين والقائمين رحمة الرحيم الغفار.

بعد أيام: ندرك من الله نعمة، ما أجلها من نعمة، وتيسر لنا فرصة، ما أعظمها من فرصة، بلوغ رمضان، تدركه وأنت آمن في سربك، معافاً في بدنك، عندك قوت يومك، فهي نعمة عظيمة، ومنّة جسيمة، من فاتته فما أعظم خسارته! وما أكسد تجارته! نص على ذلك حبيبنا وقرة أعيننا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم إذ قال: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين". أخرجه أحمد والترمذي.

أيها المسلمون: إن من أهم ما يستقبل به الضيف بشاشة الوجه، وطلاقة المحيا، والسعادة الغامرة بقدومه، وانشراح الصدر به، وبذل ما يمكن بذله في الاستعداد احتفاء بقدومه، وفرحة ببلوغه. وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". وما من ضيف ينـزل بمسلم أفضل من رمضان. فأكرمه أخي الحبيب بما يليق به من إكرام. فما يحمله لك من البشائر والعطايا شيء جزيل، لو أفنيت عمرك كله في نيله فما أنت بمغبون ولا بخاسر.

هو شهر البركة والرحمة، تُحطّ فيه الخطايا، ويستجاب فيه الدعاء، ينظر الرب تعالى إلى التنافس فيه، ويباهي بالمتنافسين فيه الملائكة، فالشقي كل الشقاء من حرم رحمة الله، ولم يكتب في سجلالعتقاء.

إن شهر رمضان يحمل معه الهدايا للطائعين، والبشر والخير للناس أجمعين. فهو شهر الطاعات بأنواعها، صيام بالنهار، وقيام بالليل، وتهجد بالأسحار. ترتيل لكتاب الله، وجود على عباد الله، وتسبيح وأذكار. فهو بحق سيد الشهور، فأهلا به ومرحباً.

يفرح بقدومه الصالحون، ويبتهج بإدراكه العابدون. يشترك في البهجة به والسرور الفقراء والأغنياء على حد سواء. إذ فيه يزداد إيمانهم، وتقوى في الطاعة عزائمهم، وتخشع بكتاب الله قلوبهم، وتدمع تأثراً بآياته عيونهم. فيَدَعون ما يشتهون، ويصبرون على ما يكرهون. ويترقبون ساعة الفطر فيفرحون بصيامهم، وبفطرهم فيؤملون.

فلا تعجب من قول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به". متفق عليه. وفي رواية لمسلم: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به".

فيا مسلم يا عبدالله: الملكُ القدوسُ السلامُ، يتولى جزاء صيامك، ولم يحدد لك من جزائك شيئاً، وهو الكريم الجواد الرحيم، فدع لنفسك أن تذهب كل مذهب تتخيل فيه ما ستناله من صيامها، فوالله لن تستطيع أن تتخيله، أو أن تتصوره. فاصبري يا نفس مع الصابرين، واركعي مع الراكعين، وارفعي اليدين مع الداعين، ففي الصيام يقول الحق تبارك وتعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وفي الصيام يقول الكريم السميع المجيب: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان). وفي الصيام يقول الكريم المنان: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم).

وفي الصيام يقول الحبيب عليه الصلاة والسلام: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه. وللصائمين ليس إلا باب خاص من أبواب الجنة يقال له الريان، يدخل منه الصائمون، جعلني الله وإياكم منهم. لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد. متفق عليه.

أيها المسلمون: فرحة رمضان تغمرنا لكثرة مسابقاته ومنافساته، مسابقات للصائمين، ومنافسات بين القائمين، فشارك مع المشاركين، ودع عنك اللهو واللغو والعبث مع العابثين.

إن كثيراً من المسلمين هداهم الله، يستقبلون رمضان بالاستعداد بتسجيل أوقات عرض المسلسلات والمسابقات، فيمضي ليلهم بعد فطرهم بمشاهدة هذه وتلك من القنوات، والتسوق وشراء الأكل والملبوسات. فلا صيامهم حفظوا ولا بصلاتهم قاموا. فما أقربهم من أن ترغم أنوفهم، يوم لا ينفع مال ولا بنون، فإن المحروم من حرم رحمة الله في وقتها، وعرضت عليه بأبخس الأثمان فأعرض عنها وعافها. فبكم تشتري مقعدك من الجنة؟ وبكم تبيع مقعدك من النار؟ لو ربحت مسابقات الدنيا كلها، وخسرت مكانك في الجنة فوالله إن ذلك لهو الخسران المبين. فوالله لموضع السوط من أحدنا في الجنة خير من الدنيا وما عليها.

إن أناساً تخاط أكفانهم بين يومنا هذا وبين رمضان! فهل تأمن أن تكون منهم؟ وإن بلغت رمضان فهل تضمن أن تكمل أيامه؟ أو أن تكمل صيامه وقيامه؟ وإن أكملتها فهل تضمن أن تعود إليه عامك القادم؟ وهب أن أدركت عشرين أو ثلاثين رمضان قادمة، لم تتب فيها ولم تعمل صالحاً في أيامها فهي عليك حسرة، وعليك حجة، وعليك شهيدة، وفي النهاية ستُحمل على الأكتاف يوماً تتمنى فيه ركعة أو ركعتين، تسبيحة أو تسبيحتين!.

فعلام التسويف وأنت ترى الناس في كل يوم ينعون قريباً أو حبيبا؟ فعلام التسويف وأنت ترى عامنا هذا قد انصرم كأحلام ليل لم يبق منه إلا الذكريات، وآلاماً تجرعناها وآمالاً سعدنا بها، فما لبثت أن صارت أحاديث.

وتأمل يا رعاك الله قول ربك تبارك وتعالى: (أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون). فإذا مد الله أجلك، وبلّغك رمضان فما عساك فاعل؟ وما الذي ستملي في أيامه ولياليه على الملكين؟. ألا فاتق الله عبدالله، واستعد لرمضان بحسن الاستقبال، بنية صادقة، وعزم أكيد على شغل أوقاتك بما يفيد، صلاةً وصياماً، براً وصلةً، صدقةً ودعاءً، تلاوةً وذكراً. فرحمة الله قريب من المحسنين، بعيد من المعرضين. والراحة لا تنال بالراحة. ولا يمكن أن تصل إلى الجنة العليا إلا بالنصب والتعب، ومن طلب عظيماً بذل في ذلك نفسه ومهجته، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. وقد قيل لأهلها: (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية). وقيل لهم: (سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون). وقيل لهم: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فهي غاية العبادات، وسبب دخول الجنات، ومنقذة المرء من الهلاك، والوقوع في الدركات.

عباد الله: إن الصيام جُنّة، وسبب موصل إلى الجنة. وبلوغ رمضان فضل من الله ومنّة، فيجب تقبلها بالشكر والثناء، والبذل والعطاء، بنفوس صابرة محتسبة، شاكرة مطمئنة. ها هو من قد طال غيابه، قد قرب إيابه، فيوشك أن تخشع القلوب، فتنيب لربها وتتوب، فتغفرَ الذنوب، وتسترَ العيوب.

في رمضان يُفتح الباب للطالبين، وتُعد المنازل للراغبين، ويُعتق من النار كثير من المسلمين، وتُصفد مردة الشياطين، فغيوم الغفلة تكاد أن تقشع، والعيون من خشية الرحمن تدمع، وقلوب المشفقين تلين وتخشع، والمؤمن بغير جنة الفردوس لا يرضى أو يقنع، فلهذا روّض نفسه، فترك شهوته، وزمّ نفسه، وعن معصية الله أقلع. وأمضى نهاره بالصوم، وليله يمضي وهو يسجد ويركع. ويدعو ويبتهل ويخضع.

يمني النفس بفرحتيها، فقد علم بنص حبيبه صلى الله عليه وسلم أنه: للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه. فما أعظم الفرح حين تلقى مولاك وهو عنك راض، وهو يعلم أنك جعت فلم تأكل وأنت قادر على أن تأكل، وعطشت فلم تشرب وأنت قادر على أن تشرب، ولكنك راقبته وعلمت أنه عليك رقيب وحسيب، فتركت ذلك من أجله، فقال لك: الصيام لي وأنا أجزي به، فتولى بنفسه جزاءك، وترك له لا لغيره ثوابك وعطاءك، فأبشر وأمّل، وحلّق بروحك مع أهل السماء: يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وتب إلى الله توبة نصوحا، واعقد العزم على فعل الفضيلة، وترك الرذيلة، وصم بحسك عن المفطرات، ومعنوياً بترك المنكرات. فإن من لم يدعقول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

فيا مولانا، يا ذا الحول والطول، يا من لا يُبدّل لديه القول، متعنا بما بقي من شعبان، وبلغنا رمضان، واجعلنا ممن كَتبت لهم العتق من النيران، والفوز بالدرجات العلى من الجنان، فنالوا الزيادة، وحلّ عليهم الرضوان.

اللهم..