logo www.alahmad.com
30-9-1438

خطبة عيد الفطر 1438هـ

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون:

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.

عندما يقبِل العيدُ تشرِق الأرضُ في أبهى صورَة، ويبدو الكونُ في أزهى حللِه، كلّ هذه المظاهر الرائعةِ تعبيرٌ عن فرحةِ المسلمين بالعيد، وهل أفرحُ للقلب من فرحةٍ نال بها رضا ربّ العالمين لِما قدّمه من طاعةٍ وعمل وإحسان.

سرورُ المسلم بسعيه وكدحه وفرحتُه بثمرة عمله ونتاج جهدِه من الأمورِ المسلّم بها، بل إنَّ أهلَ الآخرة وطلابَ الفضيلة لأشدّ فرحاً بثمرة أعمالهم مع فضل الله الواسع ورحمته الغامرة، (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُون) [يونس:58].

وحُقّ للمؤمن أن يفرحَ ويتهللّ عقِب عشرٍ مباركة عظيمةٍ، صام فيها وقامَ وأذاب الجسمَ في مواطِن الخير ومسالك الجدّ ووجوه العملِ الصالح.

يقعُ هذا العيدُ شكراً لله تعالى، تكملةً لما اتّصل وشكراً لله تعالى على نعمِه التي أنعمَ الله بها على عباده، وتكريمٌ من الله لجميع المسلمين بأن جعلَ لهم عقبَ الأعمال الصالحة إظهارُ الفرح والسرور، وهذا ومن شعائر هذا الدين الحنيف.

يومُ العيد يمثّل وسطيّةَ الدين، بهجة النفس مع صفاء العقيدة، إيمان القلب مع متعة الجوارح. العيدُ في حساب العمر وجريِ الأيام والليالي أيامٌ معدودة معلومَة، ومناسبةٌ لها خصوصيّتها، لا تقتصر الفرحةُ فيه على المظاهر الخارجيّة، لكنّها تنفذ إلى الأعماق وتنطلق إلى القلوب، فودِّع الهمومَ والأحزان، ولا تحقد على أحد من بني الإنسان، شاركِ الناسَ فرحتَهم، أقبِل على الناس، واحذَر ظلمَهم والمعصيةَ، فليس العيدُ لمن لبس الجديدَ، إنما العيد لمن خاف يومَ الوعيد.

إنَّها فرحةٌ تشمَل الغنيَّ والفقير، ومساواةٌ بين أفرادِ المجتمع كبيرِهم وصغيرِهم، فالموسرون يبسطون أيديَهم بالجود والسخاء، وتتحرَّك نفوسهم بالشفقة والرحمة، وتسري في قلوبهم روحُ المحبّة والتآخي، فتذهب عنهم الضغائن وتسودُهم المحبّة والمودة.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

في العيد عباد الله تتصافى القلوب، وتتصافَح الأيدي، ويتبادَل الجميعُ التهانيَ. وإذا كان في القلوب رواسبُ خصامٍ أو أحقاد فإنها في العيد تُسلُّ فتزول، وإن كان في الوجوه العبوسُ فإنَّ العيدَ يُدخل البهجةَ إلى الأرواح والبسمةَ إلى الوجوه والشِّفاه، كأنَّما العيد فرصةٌ لكلّ مسلمٍ ليتطهَّر من درن الأخطاء، فلا يبقى في قلبِه إلا بياضُ الألفة ونور الإيمان، لتشرق الدنيا من حوله في اقترابٍ من إخوانه ومحبِّيه ومعارفِه وأقاربِه وجيرانه.

إذَا التقى المسلمان في يوم العيد وقد باعدت بينهما الخلافاتُ أو قعدت بهما الحزازات فأعظمُهما أجراً البادئ أخاه بالسلام.

في هذا اليوم ينبغي أن ينسلخَ كلّ إنسان عن كبريائه، وينسلخَ عن تفاخرِه وتباهيه، بحيث لا يفكّر بأنّه أغنى أو أثرى أو أفضل من الآخرين، وبحيث لا يتخيّل الغنيّ مهما كثُر مالُه أنّه أفضلُ من الفقير.

الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.

بناءُ الأمة الداخلي عباد الله قاعدةُ كلّ بناءٍ واستقرار وانطلاقٍ حضاريّ، والعيدُ مناسبة لتغذيةِ هذا البناء، بتحقيق مقتضياتِ الأخوّة، صفاء للنفس، الترابط بين الإخوة، زرع الثقة بين أفراد الأمة صغيرِها وكبيرِها. بناءُ الأمة داخلياً مطلبٌ مُلِحٌّ وعنصر رئيس في مفردات معاني القوّة التي تنشدها الأمّة اليوم لتقيَ أبناءها موجاتِ فتنٍ هائجة وتياراتِ محنٍ سائرة تكاد تعصف بل كادت تعصف بالعالم المعاصر.

أعظمُ البلاء أن تؤتَى الأمةُ من داخلها، ويُنخَر جسدها، فلا تقوى على مقاومةِ الرياح العاتية، قال الله تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُم) [الأنفال:46]، والقرآن يوضِّح لنا بجلاءٍ ما الذي أصابَ ويصيبُ الأمة قال الله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُم) [آل عمران:165]، قل: هو من عند أنفسكم، ضعفٌ في الإيمان، هجرٌ للقرآن، تضييعٌ لآكد أركانِ الإيمان الصلاة، منعُ الزكاة، تراشقٌ بالتهَم بين المسلمين، حبُّ الدنيا، فشوّ المعاصي، ضعفُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تعالمُ الغلمان، تصدّر الأقزام، تقاطعٌ وتدابر، تشاحن وسوءُ ظن، إلى غير ذلك من الأجواء التي يحيط بها من نوّر الله بصيرتَه وطَهّر سريرته، قال الله تعالى: (ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى ٱلأرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَاتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأمُور) [الحج:41].

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

العيد عباد الله مناسبةٌ للمراجعة الصادقة مع النفس، نتأمَّل فيها حكمةَ الله في قضائه، نتأمَّل قدرتَه وحكمَ آجاله، نتذكَّر إخوةً لنا أو أصدقاءَ أو أقرباءَ كانوا معنا في أعيادٍ مضت، كانوا ملءَ السمع والبصر اخترمتهم المنون، فندعو لهم بالرحمة والمغفرة والرضوان.

لم يكن فرحُ المسلمين في أعيادهم فرحَ لهوٍ ولعب، تُقتحَم فيه المحرَّمات، وتُنتَهَك الأعراض، وتشرَّد فيه العقول أو تُسلَب، إنما هو فرحٌ تبقى معه المعاني الفاضلةُ التي اكتسبَها المسلمُ من العبادة، وليسَ كما يظنّ بعضُهم أنَّ غيرةَ اللهِ على حدودِه ومحارمِه في مواسمَ محدّدةٍ ثم تُستبَاح المحرَّمات.

إنَّ يومَ العيد ليسَ تمرّداً من معنى العبوديّة وانهماكاً في الشهوات، كلاَّ، إنَّ من يفعل هذا لا يتمثّل معنى العيدِ بصفائه ونقائه، بل هو في غمٍّ وحزن وخسارة، ذلك أن يومَ العيد هو يومُ طاعة ونعمةٍ وشكر، قال الله تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيد) [إبراهيم:7].

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: تعتبر المرأة وقضاياها محور من محاور الصراع في العالم، يصورها البعض على أنها مظلومة مسلوبة الحقوق، لم تعط حظها من العيش السعيد، لم تخرج كما تحب، ولم تعمل كما تشاء، لم تتسنم مراكز قيادية في الحياة، لم تثبت ذاتها، ولم تبرز شخصيتها، لم تستثمر طاقاتها، إلى آخر القائمة التي تشعر الإنسان بأنه فعلًا أمام امرأة مغيبة عن الحياة مظلومة، لابد أن تخرج إلى العالم وتعمل مع الرجال جنبًا إلى جنب، لابد أن تسافر بدون محرم، وتصاحب من تريد من الشباب، حتى يرفع عنها الظلم وتعيش كما الناس في هذه الحياة! ولكن هل هذه هي الحقيقة؟! وهل فعلًا هذا حال المرأة؟!.

إن الذين يزعمون الدفاع عن المرأة يحرصون على تغييب بعض الحقائق عنها حتى يوقعونها في شراكهم.

وإليكم بعض الحقائق المتعلقة بالمرأة والتي لا يعتريها الشك أبدًا، وهي التي يحرص أعداء المرأة على تغييبها:

الحقيقة الأولى: أن المرأة خلقت لعبادة الله وحده: قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين) [الذاريات: 56 - 58].

ومعنى عبادة المرأة لله أن تجعل حياتها كلها منضبطة بكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فتُعلي حكم الله في حياتها وتطلبه في كل أعمالها، وهذه هي السعادة الحقيقية، كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) [النحل: 97].

فلماذا يسعى العلمانيون والليبراليون لإبعاد هذه الحقيقة عن حياة المرأة؟.

الحقيقة الثانية: أن النساء يوم القيامة أكثر أهل النار: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار. قلن وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير". هذه الحقيقة لا يمكن إغفالها عند النصح للمرأة، إذ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نصحه لهنّ أخبرهنّ بها في يوم عيد للإسلام، إذ الهدف هو إنقاذ النساء من هذه النار، ولذلك أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النساء إلى سبيل النجاة منها بلزوم الصدقة والاكثار من الاستغفار.

ومن رجاحة عقل الصحابيات أنهنّ سألن عن السبب الموقع في النار ليجتنبنه، فأخبرهنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يدور في فلك اللسان.

فأين هذه الحقيقة اليوم في كلام المدافعين عن المرأة بزعمهم؟ أين تحذيرهم للمرأة من الأسباب الموقعة في غضب الله ولعنته كالتبرج وإظهار الزينة وتجاوز حدود الله فيها، والتعالي على الزوج ومعاندته وغيرها.

أيتها المسلمة: فكري جيدًا في هاتين الحقيقتين، واعرفي من عدوك ومن ينصح لك، واحرصي على إنقاذ نفسك من النار ونيل السعادة في الدنيا والآخرة.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعلنا من الذين قبلت منهم رمضان وأعتقتهم من النيران. اللهم واجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له ما تقدم من ذنبه، وممن قام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له ما تقدم من ذنبه، وممن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً فغفرت له ما تقدم من ذنبه.

اللهم إنا نسألك أن تفرج عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرجاً عاجلاً غير آجل، اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا.

اللهم أعد علينا رمضان أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في أمن وإيمان وبر وإحسان وعلى طاعة واستقامة يا رب العالمين.

اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد.

سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العلمين ..