logo www.alahmad.com
12-10-1438

وسارعوا إلى الحج

13/10/1438ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

الحمد لله الملك العلام، الذي فرض علينا الحج إلى بيته الحرام، وجعله مرة في العمر لا كل عام، وجعل ذلك ركناً من أركان الإسلام، أحمده سبحانه على الرخاء والنعماء، وأشكره في السراء والضراء، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين. اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: أيها المسلمون: انقضى شهر رمضان، ومن نعم الله على أمة الإسلام أنه بمجرد انتهاء رمضان، يمنح الله هذه الأمة بموسم خير آخر مباشرة، وهو دخول أشهر الحج إلى بيت الله الحرام. ويدخل أشهر الحج من أول يوم من شوال، ومن المناسب جداً الحث على الحج من الآن ليتمكن مريده من إتمام إجراءات الحج قبل أن تغلق مكاتب حملات الحج ويضيق عليه الوقت. فأداء ما فرض الله من الحج إلى بيته الحرام واجب على الفور متى استطعتم إليه سبيلاً، خصوصاً لمن لم يحج إلى الآن. فقد قال الله تعالى موجباً للحج: (وَلِلهِ عَلَى الناسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَ اللهَ غَنِيٌ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:97{.

قال المفسرون: في قوله: (عَلَى الناسِ) دليل الوجوب، خصوصًا إذا ذُكر المستحِق. ثم أتبعه بقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِن اللهَ غَنِي عَنِ الْعَالَمِينَ) ليبين أن مَن لم يعتقد وجوبه فهو كافر، وأنه إنما وضع البيت وأوجب حجه ليشهدوا منافع لهم لا لحاجته إلى الحجاج كما يحتاج المخلوق لمن يقصده ويعظمه، لأن الله غني عن العالمين.
وقال تعالى: (وَأَتِموا الْحَج وَالْعُمْرَةَ لِلهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة:196] قال: الشيخ العلامة السعدي رحمه الله: يُستدل بقوله تعالى: (وَأَتِموا الْحَج وَالْعُمْرَةَ) على أمور، أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما. الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما وواجباتهما التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: "خذوا عني مناسككم".

وقال تعالى: (وَأَذِنْ فِي الناسِ بِالْحَج يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُل ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُل فَج عَمِيقٍ) [الحج:27]. قال سعيد بن جبير رحمه الله: "فأَذّن فيهم: "إن لربكم بيتًا فحجوا". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ" ثُمَّ قَالَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" رواه مسلم.

وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ رضي الله عنه: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رِجَالاً إلَى هَذِهِ الأَمْصَارِ فَيَنْظُرُوا كُلَ مَنْ كَانَ لَهُ جدةٌ (أي غِنى) ولم يحُج فيضربوا عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ". قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا قول عمر ولم يخالفه مخالف من الصحابة، وقد حكى رحمه الله اتفاق الصحابة والسلف أن الحج يجب على الفور. أي إذا توفرت شروطه وجب على المسلم المبادرة به وعدم تأخيره، وشروط وجوب الحج: البلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة بالبدن والمال، ويشترط للمرأة زيادةً على ذلك وجود المحرم". وقال رحمه الله بعدما ساق الأحاديث التي تدل على التغليظ في تأخير الحج مع توفر شروطه: "وَهَذَا التَّغْلِيظُ يَعُمُّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ، وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَفِي تَأْخِيرِهِ تَعَرُّضٌ لِمِثْلِ هَذَا الْوَعِيدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا لَحِقَهُ هَذَا، لِأَنَّ سَائِرَ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَحُجُّونَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُصَلُّونَ، وَإِنَّمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ خَاصَّةً".أهـ.

وقال الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله بعدما ذكر أدلة الوجوب: "والأصل في الأمر أن يكون على الفور، ولهذا غضب النبي صلّى الله عليه وسلّم في غزوة الحديبية حين أمر الصحابة رضي الله عنهم بالإحلال من الإحرام وتباطئوا. ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون الآن قادراً على أن يقوم بأمر الله عزّ وجل، وفي المستقبل عاجزاً. ولأن الله أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة:148]، والتأخير خلاف ما أمر الله به، وهذا هو الصواب، أن الحج واجب على الفور". انتهى ..

أيها المسلمون: لو تأملنا تلك الآيات والأحاديث التي تدل على وجوب الحج الذي لا مرية فيه. ثم تأملنا قول النَبِيِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَجَلُوا إلَى الْحَجِ -يَعْنِي الْفَرِيضَةَ- فَإِنَ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وتوقفنا عند هذا الحديث متسائلين! هل أدرك المسلمون ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر بأداء الحج على الفور، أي من حين اكتمال شروطه فيهم يبادرون؟ وهل أولوا ما يدل عليه من تَوْجِيهٍ اهتمامهم فجعلوا الحج هدفاً يسعون لتحقيقه في أنفسهم ولمن ولاهم الله أمرهم؟.

إذا سرّحت طرفك يا عبدالله في أحوالنا لوجدت مع الأسف في واقعنا تهاوناً وتسويفاً من بعضنا لا ينبغي أن يكون من مؤمن، فكم في مجتمعاتنا اليوم ممن تتوفر فيهم شروط وجوب الحج ومع ذلك سوفوا وأخروا. كم من الأصحاب والزملاء والأقارب ممن نعرف، تجدهم قد حجوا منذ زمن بعيد والآن بناتهم وأولادهم بلغوا سن التكليف ولم يحرص على أن يؤدوا ركنهم.

كلنا يعرف أناساً من أقاربنا وأصحابنا ضربوا الأرض طولاً وعرضاً ولم يدعوا مكاناً جميلاً في هذه الأرض إلا وصلوه ورأوه وربما ترددوا عليه مراتٍ وكرات. ووجدوا للوصول إليه والسياحة في ربوعه سبيلاً، ووفروا للسياحة فيه ما يكفيها من أموال بطُرقٍ عجيبة! ومن هؤلاء مع الأسف من بلغ منتصف العمر أو تعدّاه ومع ذلك لم يؤد فريضة الحج، لا هو ولا أولاده ولم يفكر بإيجاد السبيل إليه.

ونسمع عن آخرين توفرت فيهم شروط وجوب الحج لكنهم لم يحجوا لأنهم يرون أن الإنسان لا يمكن أن يحج إلا إذا تزوج أو تخرج! ولم يجعل أحد من أهل العلم الزواج أو التخرج شرطاً من شروط وجوب الحج.!

وقال بعضهم: لا أحج حتى أكون مستقيمًا على الدين، قائمًا بكل الواجبات، ومنتهيًا عن كل المحرمات ثم أحج. نقول لمن اعتقد هذا الاعتقاد: إن الحج من الأوامر الشرعية، فإذا تمت شروط وجوبه وجب، وهو خطوة في طريق الاستقامة على دين الله وتنفيذِ جميعِ الأوامر الشرعية الأخرى، وقطع الطريق الطويل إنما يكون بخطوة ثم خطوة، وكم رأينا من الرجال كان الحج مفتاحَ صلاحهم وبداية استقامتهم، خصوصًا إذا وفق مريد الحج لرفقة صالحة. أقول لهؤلاء جميعاً: لقد بنيتم عوائق وهميةٍ للحج ليس لها أصل في الشرع.

ونسمع عن نساءٍ توفرت فيهنّ شروط وجوب الحج لكن المحارم اعتذروا عن مرافقتهنّ.
ونسمع عن أناس جابوا الأرض شرقاً وغرباً مع أسرهم وفي أولادهم من بلغ عاقلاً ولم يفكر يوماً بأخذ البالغين لأداء فريضة الحج! نعم ليس واجباً عليه تحجيجهم لكن لو فعل حاز أجوراً كثيرة: منها أجر تحجيج الفريضة، وأجر الدعوة للخير، وأجر الصلة لأقرب قريب في أداء ركن من أركان الإسلام.

نقول لهؤلاء: عجباً لكم كيف تتثاقلون فريضة الحج وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة؟! وكيف تتراخون وتؤخرون أداءه وأنتم لا تدرون لعلكم لا تستطيعون الوصول إليه بعد عامكم هذا؟!.

ونسمع عن كفلاء رفضوا الإذن لمكفوليهم لأداء فريضة الحج بحجة أن العمل يتعطل أو أن المكفول جديد ولا بد أن يمضي عدداً من السنوات حتى يأذن له بالحج، وربما سافر العامل وضاعت على الطرفين فرصة الحج.

فنقول لهؤلاء: لقد أبعدتم النجعة وفوتم على أنفسكم خيراً كثيراً. وفوتم على من ولاّكم الله أمرهم خيراً كثيراً. فقد فات عليهم أداء أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام.

أسأل الله بمنه وكرمه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.


بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله الذي جعَل ثوابَ الحج المبرور الجنةَ دار السلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له الملك العلام، وأشهد أنَّ سيِّدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله نبيُّ الرحمة وسيِّد الأنام، اللّهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه الأئمّة الأبرار الأعلام.

أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن الخير كل الخير في المبادرة بأداء الحج. وأقول لمن ذكرت أحوالهم جميعاً قفوا وتأملوا معي هذه النصوص.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ" رواه ابن ماجة.

وعن زيدِ بنِ خالدٍ الجهني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن جهَز غازيًا، أو جهز حاجًّا، أو خلَفَه في أهلِه، أو فطّرَ صائمًا، كان له مثلُ أجورِهم من غيْرِ أن ينقصَ من أُجُورِهم شيءٌ". رواه ابن خزيمة والنسائي.

في هذين الحديثين ترهيب وترغيب، ترهيبٌ من مغبة التأخير سواء من تأخر الإنسان بنفسه، أو من ولاك الله أمره، وترغيبٌ في مساعدة مريد الحج سواء من النساء بالمحرمية أو بالمال، أو من الأولاد بالمال والحث على الحج، أو من العمالة بالإذن والمساعدة الإدارية والمالية لهم.

وأقول لأولياء النساء: إن من النساء من تستطيع الحج ببدنها ومالها لكنها لا تستطيع أداء الفريضة بسبب اعتذار المحرم عن مرافقتها، فاحتسبوا الأجر فيمن ولاكم الله عليهنّ من النساء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهنّ عوان عندكم"، أي: أسيرات.

ويقول عليه الصلاة والسلام: "خيركم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".

ومن الوصية بهنّ وتقديم الخير لهنّ مرافقتهنّ إلى أداء فريضة الحج. فبادروا وفقكم الله لكل خير.

ومن الخير عباد الله: أن من كتب الله له الحج منذ زمن، وقد أدى فريضة الله عليه منذ زمن بعيد، أن يعيد عبادة الحج نافلة مرة أخرى، خصوصاً من كان بعيد العهد بهذه العبادة، كيف وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "تَابِعُوا بين الحجِّ والعمرةِ، فإنَّهما ينفيانِ الفقرَ والذنوبَ، كما يَنفي الكيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفضةِ، وليس للحجةِ المبرورةِ ثوابٌ إلا الجنةُ" أخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. ونحن ولله الحمد والمنة من نعم الله علينا أن نعيش في بلدٍ مكة فيه قريبة، والوصول إليها متيسر جداً، والمال موجود، والصحة موجودة، والمحروم من تمر عليه السنوات تلو السنوات ولا يقصد بيت الله عز وجل للحج بحجة أنه قد حج، والحج مرة واحدة في العمر. صحيح أن الفرض هو مرة واحدة في العمر، لكن أعطني عبادة يا عبدالله يرجع فيه المسلم نقياً من الذنوب والخطايا كما ولدته أمه مثل الحج. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن حجَّ هذا البيتَ، فلم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ، رجَع كيومَ ولدَتْه أمُّه". ونحن لا نقول لك حج كل عام! لكن كل خمس سنوات، كل سبع سنوات وهكذا، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: "إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: إنَّ عبدًا أصحَحتُ لهُ جسمَهُ، ووسَّعتُ عليهِ في مَعيشتِهِ، تمضي عليهِ خمسةُ أعوامٍ لا يَفِدُ إليَّ لمحرومٌ".

إضافة إلى ما ذكره العلماء أن ما حثّه الشارع لنا من الإكثار من نوافل العبادات أن من بعض حكمه أن يجبر بها لنا النقص الحاصل في أصل العبادات.

فنوافل الصلاة تجبر الخلل والنقص الحاصل في صلاتنا. ونوافل الصيام يجبر الله بها النقص والخلل الحاصل في صيامنا. ونوافل الصدقات تجبر الخلل والنقص الحاصل في الزكاة وهكذا. وكذلك تكرار الحج يجبر الله بسببه النقص والخلل الذي حصل في الحجة الأولى. ومن الذي يضمن أنه حجه الأول كان مبروراً؟.

اللهم ..