logo www.alahmad.com
4-11-1438

القضية الأم

5/11/1438ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: مهما تكالبت الخطوب على هذه الأمة في تاريخها المعاصر، ومهما حصلت فيها من نكبات ومآسي، تبقى قضية فلسطين هي القضية الأم. ولقد تابع العالم أجمع الأيام الماضية الأحداث الأخيرة في فلسطين، وكيف أن اليهود عليهم لعائن الله، منعوا المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى صلاة الجمعة، وهذه لم تحدث منذ أكثر من خمسة عقود. وما زالت الأحداث دامية وملتهبة هناك، وكأنها بادية في الإنفراج:

أطرقتُ حتى ملّني الإطراقُ وبكيتُ حتى أحمرّتِ الأحداق

سامرتُ نجمَ الليلِ حتى غابَ عن عيني وهدَّ عزيمتي الإرهاق

يأتي الظلامُ وتنجليأطرافُه عنا وما للنومِ فيه مذاق

سهرٌ يؤرقني ففي قلبي الأسى يغلي وفي أهدابي الحُرّاقُ

قتلٌ وتشريدٌ وهتكُ محارمٍ فينا وكأسُ الحادثاتِ دِهاقُ

لقد عظمتِ المصيبةُ في فلسطينَ الحبيبة، حرماتٌ تُنتهك، ودماءٌ تُسفك، وأرواحٌ بريئةٌ تُزهق، لأطفالٍ رضع، وشيوخٍ ونساءٍ ركع، لقد بلغ السيلُ الزبى، وجاوز المجرمون من اليهودِ المدى، هدمٌ للبيوتِ على الرؤوس، وحرقٌ للقرى والحقول، وإتلافٌ للمزارع، وضربٌ للمصانع، وقتلٌ لكل مظاهرِ الحياةِ.

ماذا نحن فاعلون والمستهدفون إخواننا؟! ماذا نحن فاعلون والأرضُ المعتدى عليها أرضنا؟! ماذا نحن فاعلون والحرماتُ حرماتنُا والقدسُ قدسنا، والأقصى مسجدنا، وفلسطين أمانةٌ في أعناقنا؟!. بماذا نعتذرُ لربنا؟! ماذا نقولُ عند سؤالنا؟ وبأي شيء نُعذِرُ إلى اللهِ تجاهَ ديننا وأعراضنا وحرماتِنا؟!. كيف السبيلُ والعدو هو أشدُّ الناسِ عداوةً، ومَنْ وراءَه هم أغلظُ البشرِ قلوباً، وأعنفهُم ضراوةً وحقداً.

إلى من نشتكي والقادرون ساكتون، والحكماءُ عاجزون، والعلماءُ صامتون إلاَّ من رحمَ الله، والشعوبُ مخدوعةٌ بالأماني، والجماهيرُ مستنْفَرةٌ بلا خُطة، ومستفزةٌ إلى غير وجهه، ومنساقةٌ كما كان عهدُها دائماً إلى ثورةٍ تعقبُها غورة، بفعلِ إعلامٍ يهيّجُها ولا يوجهُها، ويستثيرُها ولا يوظفُ قواها.

إننا نعيشُ واقعاً مأزوماً مهزوماً منذ أكثرَ من خمسةِ عقودٍ من الزمان، بسببِ عدوٍ حقيرٍ ذليل، تمثلهُ أمةً ملعونةٌ على ألسنةِ الرسل: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) ولكن ماذا دها بعضُ المسلمين وقد أصبحوا أذلةً لهؤلاءِ الأذلاء، يستجدون السلامَ معهم، ويستجيرون بنارهِم من الرمضاء، ويستجيزون إرضاءَهم بإغضابِ ربِ الأرضِ والسماء، مع أنَّ اللهَ وعدَ المسلمينَ بالنصرِ عليهم، والتمكُنِ منهم، ألم يقل الله تعالى: (وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُون) (سورة الحشر: 12) فما الذي جعلنا نولي الأدبارَ أمامهَم؟ فيَهزمون الجيوشَ العربيةَ في أكثرِ الحروبِ التي خاضوها معهم، حتى أصبحَ تاريخنُا معهم نكبةً في عامِ ثمانيةٍ وأربعين، ثم نكسةً في عام سبعةٍ وستين، ثم خديعةً كبرى وإجهاضاً للنصرِ العربي في عامِ ثلاثةٍ وسبعين، ثم غزواً واجتياحاً للبنانَ في عامِ اثنتينِ وثمانين، ثم اجتياحاً مستباحاً لما تبقى من أراضٍ للفلسطينيين بعد ذلك؟! ماذا جرى لأمةِ الإسلام حتى يستذلها هؤلاءِ الطغامِ اللئام، لابُدَّ لنا من وقفاتٍ نتحسسُ فيها أخطائَنا، ونراجعُ أنفسَنا، ونكشفُ اللثامَ عن مواضعِ ضعفنِا وسرَّ هوانِنا، وفي الوقتِ نفسهِ، نفتشُ عن مكامنِ القوةِ المفقودة، والعزةِ المنشودة، وهذه ثلاث وقفات:

الوقفةُ الأولى: كيف تعامَلْنا مع قضيةِ فلسطين؟.

لقد أجمعنا جميعاً شعوباً وحكوماتٍ على أن قضيةَ فلسطينَ هي القضيةُ المركزيةُ الأولى التي ينبغي أن تجتمعَ حولَها الجهود، وتتكاملُ لأجلهِا الإمكانات، وتُستنفرُ لها الطاقات، ولكن الواقعَ يشهدُ أنَّ ذلك الإجماعَ الإسلاميَ العربي، قد خرقَه وهمُ السلامِ مع اليهود، حتى تحولتِ القضيةُ بعد أن كانت ذاتَ بُعدٍ إسلاميٍ عالمي، إلى قضيةِ صراعٍ عربيٍ إسرائيلي، يوجّهُه اتجاهٍ علمانيٌ لا ديني، ثمَّ لم تلبثِ القضيةُ الكبرى أن تحولت إلى نزاعٍ فلسطيني إسرائيلي، وها هي الآن تكادُ تُختصرُ في مسألةِ زعامةٍ وقيادة، يرادُ من ورائهِا استبعادُ أيِّ احتمالٍ لعودٍ حميد، وتحولٍ رشيدٍ بالقضيةِ إلى وجهتهِا الإسلامية.

لقد خدعَ العلمانيون الأمةَ دهوراً بشعاراتِهم الثوريةِ عن تحريرِ فلسطين، كلِّ فلسطين، وأوهموها بعدمِ التفريطِ في شبرٍ من الأرضِ، أو حبةٍ من الرمل، ثم فاجئوها باعترافهِم لليهودِ بملكيةِ ثلثي فلسطين، وبحقهِم في العيشِ فيها بسلام، معترفةً بهم كدولةٍ مستقلةٍ ذاتِ سيادةٍ على ما استولت عليه من أرضِ فلسطين، وتجاهلَ هؤلاءِ أنَّ السلامَ الدائمَ والشاملَ مستحيلٌ مع قومٍ قال الله تعالى عنهم: (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين) (سورة المائدة:64).

وتناسى هؤلاءِ أنَّ اليهودَ الذي أرادوهم جيراناً وأصدقاءَ، هُم أخبثُ الألداءِ، وأشدُّ الأعداء: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (سورة المائدة:82)، نسىَّ العربُ هذا أو تناسوهُ، وساروا جادين في طريقِ السلامِ عَقْداً كاملاً من الزمان. وتسببَ هذا الوهمُ المزعومُ عن حتميةِ السلامِ مع اليهود،ِ في حالةٍ من الاسترخاءِ على المستوى السياسي، والترهلِ على المستوي العسكري، وعدمِ الجدِّ على المستوى الاقتصادي، والانهزامِ على المستوى الثقافي، استعداداً لعصرِ السلامِ والتطبيعِ مع أبناءِ العمومةِ!! وأصحابِ الجوار، وشركاءِ الشرقِ أوسطيةِ الجديدة، حتى فاجأهم اليهودُ بنقضِ كلِّ العهود.

الوقفة الثانية: ماذا تغيّر من اليهود؟.

أيها المسلمون: إنَّ الأفاعيَ قد تُغَيرُ جلدَها، ولكن لا تتنازلُ عن السمومِ بين أنيابِها، وما لم تُنـزعْ تلك الأسنانُ أو تُفرغْ تلك السموم، فإنَّ تلك الأفاعيَ تظلُ خطراً قائماً، إنَّ اليهودَ منذُ جاءوا إلى فلسطين، وهم يعرفون لم جاءوا، ويعزمون على المضيِ فيما لأجلهِ قدموا، فلماذا جاءوا؟ وهل لا يزالونَ جادين فيما جاءوا من أجله؟.

إنَّ اليهودَ ما جاءوا إلى فلسطينَ إلا لأهدافٍ دينيةٍ اعتقاديه، مستمدةٍ من توراتهِم المحرفة، وتلمودهِم المخترع، إنهم يزعمون أنَّ نبياً لهم سيخرجُ في آخرِ الزمان، وأنَّ من واجبهِم أن يُهيئوا الدنيا لمخرجهِ، وذلك لن يتمَّ كما هو مسجلٌ في كتبهِم القديمةِ والمعاصرة إلاَّ بأن يعودوا إلى الأرضِ المقدسةِ التي سكنُوها أيامَ داودَ وسليمانَ عليهما السلام، ثمَّ يقيموا فيها دولتَهم، ويتخذوا في القدسِ عاصمتَهم، ثُمَّ يتهيئون بعد ذلك لاستعادةِ قبلتِهُمُ التي كانوا عليها، والتي هُدِمت قبل ألفي عام، والتي يدعونَها بالهيكلِ الثالث، هيكلِ سليمانَ عليه السلام، ذلك المعبدُ الذي يعتقدُ اليهودُ أنَّهُ كان قائماً مكانَ المسجدِ الأقصى، ولذا يعلنون في عزمٍ جازم، وحسمٍ مُؤكد أنهم لابدَّ أن يستعيدوا بناءَهُ لإعادةِ تلك القبلةِ المنسوخةِ، التي نُسِخت بنسخِ ديانتهِم الباطلة.

إنَّ اليهودَ قد عادوا في القرنِ الماضي إلى الأرضِ المقدسة، وأعلنوا فيها دولتَهم، واتخذوا فيها عاصمتَهم، وهم يتهيئون الآن لإعادةِ قبلتهم، وما الأخبارُ التي سمعناها منذُ مدةٍ قريبةٍ عن سماحِ الحكومةِ الإسرائيليةِ للمتدينينَ اليهودِ بوضعِ حجرِ الأساسِ لما يسمى بالهيكلِ الثالثِ إلاَّ دليلاً على جديةِ هؤلاءِ في إكمالِ ما جاءوا من أجله، استعداداً لمقدمِ مسيحهِم المنتظرِ المزعوم.

فبماذا واجه المسلمون هذا المشروعَ الدينيَ الاعتقادي،َ الأسطوريَ الخرافيَ في منطقتنِا الإسلاميةِ، لقد واجهوهُ بإطروحاتِ العلمانيةِ اللادينيةِ، ومرة ًباسمِ القوميةِ العربية، ومرةً باسمِ التقدميةِ الثورية، ومرةً باسمِ الحريةِ الليبرالية، وظل الإسلامُ محجوباً مغيباً عن المعركةِ مع اليهود، حتى استفحلَ خطرُ هؤلاء، ووصلنا نحنُ إلى ما وصلنا إليهِ اليومَ من عجزٍ تام، أمامَ الوقوفِ لمواجهتِهم، وتهربٍ كاملٍ من تحملِ المسؤوليةِ تجاهَ التصديْ لتهديداتهِم لكلِ دولِ المنطقة، فقد أدَّى تفرقُ الصفوف، وتنازعُ الأطراف، واختلافُ السياساتِ والممارساتِ على المستوى العربيِّ والإسلاميِّ إلى فقدانِ الأمةِ لعناصرِ قوتِها، وأسبابِ وحدتهِا.

فنسأل الله عز وجل أن يهيأ لهذه الأمة من أمرها رشدا.

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله..

أما بعد: أيها المسلمون: الوقفة الثالثة: ماذا عن الحبلِ الممدود لدولةِ اليهود؟.

إنَّ أعداءنا لا يقفون في ساحةِ الصراعِ وحدهم، بل إنهم يجدون من يقفُ معهم بحكمِ عواملَ مشتركةٍ من العقائدِ الدينية، والمصالحِ الاستراتيجيةِ، والأهدافِ المستقبليةِ، وهذا يزيدُ من خطرِ اليهود، إذ مُدَّ إليهم حبلٌ من الناسِ أخرجَهم إلى حينٍ من الذلةِ والمسكنةِ المضروبةِ عليهم: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّه) (سورة آل عمران:113) فالذين باءُوا بغضبٍ من الله، قد حَظُوا بتأييدٍ ممن أضلَ الله، فاجتمعَ كيدُ المغضوبِ عليهِم والضالينَ على أمةِ الموحدين، ولم يعدْ أمامَ أهلِ التوحيدِ حيالَ هذا الحبلِ الممدودِ لليهودِ إلاَّ الاعتصامَ بحبلِ الله جميعاً، فوا الله الذي لا إله إلاَّ هو لو استمسكنا بهذا الحبلِ لما خسرنا الجولةَ، ولا صمدتْ لليهودِ دولةٌ، ولا استمرتْ للنصارى علينا تلك الصولة، إنَّه الإسلامُ الذي فيه عِزنا، إنَّه القرآنُ الذي فيه ذكرُنا وشرفُنا: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُون) (سورة الأنبياء:10). قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: فيه ذكركم: أي فيه شرفكم وعزكم. فما بالُنا تركنا هذا العزَ والشرفَ في معركتنِا مع اليهود، حتى آلت أمورنُا إلى ما آلت إليه.

أيها المسلمون: لا ينبغي أن ننسى أن عداوةَ النصارى ستظلُ مصاحبةً لعداوةِ اليهود، فقد أخبرنا الله تعالى بذلك في قوله عز من قائلٍ: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم) (سورة البقرة:120) وقد أُخبرنا أيضاً في الكتابِ المبين أن الولاءَ الواجبَ بين المسلمين لابد أن يواجِهَ الولاءَ القائمَ بين الكافرين، لأن الكفارَ بعضُهم أولياءُ بعض، فلذا وجبَ على المؤمنين أن يكون بعضُهم أولياء بعض: (وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير) (سورة الأنفال: 73) والفتنُ القائمةُ في عالمنا والفسادُ الكبيرُ المنتشرُ في زماننا، إنما هو من أعراضِ الولاءِ الموجودِ بين الكافرين، والمفقودِ بين أكثرِ المسلمين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) (سورة المائدة:51). إن الولاءَ القائمَ بين اليهودِ والنصارى مبعثُه دينيُّ في الأساس، وأيُّ ادعاءٍ بخلافِ ذلك إنما هو وهمٌ وهراء، صحيحٌ أنهم يختلفون فيما بينَهم في الكثير من العقائد، إلا أن هناكَ عقائدَ أخرى مشتركةٌ تجمعُهم على عَدَائِنا، وتربطُ بين مخططاتِهم في أرضينا، فالنصارى الذين كفروا بمحمدٍ r كما كفر اليهود، يزعمون ألاّ حقَ للمسلمين فيما زعموها عاصمةَ المسيح، أي مدينةَ القدسِ، فالقدسُ عند النصارى هي عاصمةُ المسيحِ عندما يعود، وهم جميعاً يؤمنون بعودته، وبأن دعوتَه ستكون في الأرضِ المقدسة، وأنها ستكون في زمانِ قيامِ دولةٍ لليهود، عاصمتُها القدسُ، وقبلَتُها الهيكل، ذلك الهيكلُ الذي يزعمُ النصارى أن عيسى عليه السلام سيخاطبُ العالمَ من منبره، وأن اليهودَ هم الأداةُ القدريةُ لتهيئةِ الأرضِ المقدسةِ له، لأنهم سيؤمنون به هذه المرةَ عندما يعود.

فيا عباد الله: لا تخدعنكم العلمانيةُ الظاهرةُ في السياساتِ الغربيةِ فيما يتعلقُ بعالمنِا الإسلامي، فإن وراءَها برامجَ دينيةً تُطبّقُ بانتظامٍ على أرضِ الواقع، كان أُولهُا إسقاطَ الخلافةِ العثمانية، ثم تلاها احتلالُ الانجليزِ النصارى لفلسطينَ، ثم تسلميُهم إياها لليهود، ثم تمكينهُم من إعلانِ الدولةِ فيها والوقوفِ معهم لاغتصابِ القدس، ثم هاهم يقفون معهم بتواطؤٍ مفضوح ودعمٍ مفتوحٍ لاستكمالِ بقيةِ برنامِجهم الدينيِّ المستقبليِّ في المنطقة، فعلى المستوى السياسيِّ هم أولُ من اعترفَ بدولتهِم، ووقفَ بكلِ صلابةٍ للدفاعِ عنها في المحافلِ الدولية والمنتدياتِ العالمية، رغم ظلمهِم الواضحِ وعدوانهِم المتكرر، أما على المستوى الاقتصادي فلم تقمْ دولةُ اليهودِ إلاَّ على الدعمِ الاقتصادي الغربي بدءاً من المعوناتِ وحتى تمويلِ الهجراتِ اليهودية.

ومع أنَّ اليهودَ من جانبهِم يُصرحون من خلالِ اسم دولتهِم وشعارهِا، ودستورهِا وبرامِجها عن توجهِ دينيٍ صريح، حيثُ سموا دولتهَم باسمِ نبيٍ هو يعقوبُ أو إسرائيل، واتخذوا لهذه الدولةِ شعاراً هو نجمةُ داودَ التي ترمزُ للهيكلِ الثالث، وداودُ الذي سميتْ باسمهِ هذه النجمةُ هو نبيٌ أيضاً، وكذلك جعلوا من التوراةِ دستوراً لهذه الدولة، ثُمَّ حددوا لها برنامجاً دينياً مستقبلياً، ينطلقُ من آيةٍ من سِفْر التكوينِ بالتوراةِ، ومع هذا الوضوحِ المفضوح، فإنَّ المنافقين من العلمانيين أصرُّوا طيلةَ سنواتِ الصراعِ على أن يحجبوا الصبغةَ الإسلاميةَ عنه من طرفِ المسلمين، مُصرِّين على رفعِ الراياتِ العلمانيةِ الجاهليةِ، التي لم ترفعْ الأمةُ بها رأساً، ولم تكسبْ عزةً أو بأسا.

اللهم ..