logo www.alahmad.com
11-11-1438

قواعد أوقات الأزمات

12/11/1438ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: الأمة الإسلامية اليوم تعيش زمناً عصيباً، تحتاج معه إلى فقه ودراية، وسعة نظر وإدراك، حتى يمكنها ودون ضوضاء مزعجة أن تحدد الجرح، وتضع الدواء المناسب عليه، ثم تحيطه بعصابة تسارع في بُرْئه، فتستطيع بذلك أن تحمي الأجزاء السليمة أن يطولها الضرّ أو يغشاها البلاء.

إن فقه التعامل مع الفتن وحُسن إدارة الأزمات جزء من حلها، وعامل رئيس في تخفيف حدّتها، والحدّ من أثرها، وبالمقابل فالجهل والتوتر والتهور الناتج عن قلة الفقه يزيد من تأزم الأزمة ويضاعف أثرها.

إن النظر في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي النفس وضوحاً في الرؤية، وبُعْداً في النظر، وحكمة في التعامل، وهذا كله لازم لفقه الأزمات بصورة صحيحة. وقد روي في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنّتي". رواه الحاكم في المستدرك.

لقد عايش النبي صلى الله عليه وسلم وعايشت الأمة معه أزمات كثيرة، فكيف كان المخرج منها؟ كيف كان التوجيه الإلهي يتنـزل حيال هذه الأزمة أو تلك؟ كيف كان تصرُّف النبي صلى الله عليه وسلم وتعامله مع هذه الأزمات وهذه الفتن المدلهمّات؟.

وفي زحمة المتغيرات وتتابع الأزمات يضعف البصر، وتختلط الأصوات، ويلتبس الحق بالباطل لكن لا يضيع وكما يقول مطرِّف بن عبد الله: "إن الفتنة إذا أقبلت تشبهت، وإذا أدبرت تبيّنت". ولذا كانت الحاجة اليوم ماسّة إلى معالم في فقه الفتن والأزمات نستفيد منها في التعامل مع أزمة واقعة، أو التنبّه المبكر لأزمة متوقعة، ينبغي مراعاتها حال النظر في الفتن والأزمات.

المَعْلَم الأول: لله الحكمة البالغة:

لله الحكمة البالغة في تقديره وتدبيره وأمره ونهيه، لا يقع في الكون شيء إلا بعلمه وأمره. لم يخلق شيئاً عبثاً، ولا شراً محضاً. اتُّهم بيت النبوة في عرضه وكانت نازلة عظيمة على المؤمنين عاشها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه شهراً فأنزل الله: (لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُم) ( النور : 11 ). وجاء فرض القتال الذي فيه تزهق النفوس فكرهه أناس! فأنزل الله: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُم) ( البقرة : 216 ). وأنزل الله في الرجل يكره المرأة ويطلب فراقها قولَه تعالى: (فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) ( النساء : 19 ). ويخفى علينا الأمر، لكن الله يعلمه، ويختار لعباده المؤمنين خيراً.

كادت قضية فلسطين أن تُنسى فأتى الله بالانتفاضة المباركة، نعم ذهب فيها أطفال، لكن استيقظ بسببها رجال، جاءت الانتفاضة فأثارت في النفوس وبقوة عداوة يهود، الأمر الذي كاد يخبو تحت شعارات السلام وفي أروقة التطبيع! جاءت الانتفاضة لتنفض عن المسلمين غبار اليأس والنوم، فإذا بالعالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ينتفض لقضيته الأولى ومسرى نبيه صلى الله عليه وسلم، جاءت الانتفاضة لتبطل مخططات كانت تدار في دهاليز مظلمة، بغرض عزل القضية الفلسطينية عن هُويتها الإسلامية.

المعْلَم الثاني: اصبروا وصابروا:

عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة، فأعدّوا للبلاء صبراً". رواه ابن ماجة بسند صحيح، ويصف النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عتبة بن غزوان رضي الله عنه هذه الأيام بأنها أيام الصبر، لأن الصبر فيها يعتبر الركيزة الأساس في الاستقرار وتجاوز الأزمات بسلام: "إن من ورائكم أيام الصبر للمستمسك فيهنّ يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم". وبالصبر يحصل الضياء الذي تستبين به الأمور. والذين عاشوا حياة الصبر والمصابرة ذاقوا لذّتها وقطفوا ثمرتها، وتركت تلك المواقف في نفوسهم أثراً نعموا به بقية حياتهم. قال عمر رضي الله عنه: "وجدنا خير عيشنا بالصبر"، وقال علي رضي الله عنه: "الصبر مطية لا تكبو". إن بين النصر والهزيمة وبين القوة والضعف صبر ساعة، فمن صبر عليها نال النصر والقوة، ومن عجز دونها سقطت قواه.

المعلم الثالث: حسن التعامل مع الأخبار:

الإعلام اليوم يمارس نوعاً من التحوير للخطاب الإعلامي، والعبث في صياغة أخباره، جرياً على المصالح السياسية! فهو اليوم فاقد لمصداقيته وحياديته في كثير من أخباره، وعليه فإن علينا أن نقف من هذه الإذاعات والقنوات الإخبارية موقف التمحيص والتدقيق كما في التوجيه الرباني: (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) ( الحجرات : 6 ). إن معرفة الحقيقة وإن كان أمراً صعباً في هذا الوقت إلا أنه ليس بمعجز، إذ الأمر يحتاج إلى نوع ذكاء في التعامل مع الأخبار، وذلك بالنظر إلى عدة مصادر لها استقلاليتها، وإجراء شيء من المقارنة بينها لمعرفة قدر التوافق والتعارض. ومن فقه التعامل مع الأخبار حسن النقل واختيار ما يصلح إذاعته منها مما لا يصلح، فكما أنه ليس كل ما يُقال يصح، فليس كل ما يُعلم يُقال، قال الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) ( النساء : 83 ).

إن من الأخبار ما يكون صحيحاً لكنه غير صالح للنشر، ثم ما كان منها صالحاً للنشر فلا يصح أن ينشر بصورة ترعب المسلمين وتزيد من وجلهم، لأن ذلك في الحقيقة استدراج من العدو للوقوع في أسر الحرب الإعلامية التي ما هي إلا طليعة العدو في حربه المتواصلة علينا.

إن على المسلمين أن يصلوا إلى مستوى رفيع في الفهم، وأن يفقهوا الخطاب الإعلامي ويعلموا أنه مُوجه، وأنه في كثير من أحيانه يفتقد إلى المصداقية. إن من نافلة القول: أن إعلام أيّ دولة سيخدم مصالحها ولا بد، وسيكون داعماً لسياستها ولا ريب، وقل لي بربك: ما هي أبرز المصادر الإعلامية اليوم؟ أليست في يد أعدائنا؟ هل ننتظر من أعدائنا في صياغة الخبر أن يراعوا أوضاعنا وأن ينطقوا بالصدق؟.

ثم على المسلمين أن يعرفوا مسؤوليتهم تجاه علمائهم ودعاتهم وأهل الرأي والعقل فيهم، فيحفظوا لهم قدرهم ويعرفوا لهم مكانتهم، ويرجعوا إليهم في ملمّاتهم، ويصدروا عن رأيهم، ويحيطوا بهم عند الأزمات: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُم) ( النساء : 83 ).

المعلم الرابع: التربية على الاستعلاء رغم الجراح:

قال الله تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين) (آل عمران : 139)، لقد كانت هذه الآية تتنـزل وجيش المسلمين قد رجع من غزوة أحد، وقد قُتل منهم سبعون، وجُرح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يقرر في حقهم أنهم الأعلون، حتى لا تقتلهم الحسرة، أو يحترقوا بنار المحنة. إن الأعداء يحاولون عبر إيحاءات منظمة وممارسات إعلامية مدروسة أن يطيحوا بالأمة في دوائر اليأس والإحباط والسلبية. أما حين تتحرر النفوس من الإحساس بالدونية والضعف والعجز، فعندها تنطلق الطاقات وتتحرك الإمكانات وإن كانت ضعيفة، فهنا تغيّر وجه التاريخ، وتنطلق الأمة الجريحة لملاحقة عدوها كما انبعث جيش أُحُد الجريح لمطاردة عدوه في "حمراء الأسد".

على الأمة أن تردّد أناشيد النصر وإن كانت جريحة، وأن تصرخ بلسان التحدي أمام عدوها وإن كانت سجينة. فالإسلام ليس محصوراً برجل فيُقتل! أو مؤسسة فتُغلق، أو هيئة فتُحجّم، أو دولة فتُحارب. الإسلام نسيم يعمّ الأرجاء، وشمس لا تحجبها يد مشلولة: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُون) ( الصف : 8 ).

المعلم الخامس: بعث الأمل:

لا بد من بعث الأمل في الأمة، وأن يُفتح لها نافذ من النور حتى لا يقتلها الظلام. فبينما الصحابة رضي الله عنهم يحفرون الخندق إذ عرضت لهم صخرة شديدة، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، قال الراوي: "وقد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً" فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول ثم ضرب الصخرة ضربة صدعتها وتطاير منها شرر أضاء هذا الجو الداكن وهو يقول: الله أكبر: أُعطيت مفاتيح الشام، واللهِ إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة، ثم ضربها الثانية فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، واللهِ إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، واللهِ إني لأبصر قصر صنعاء من مكاني الساعة".

ونحن نقول للمسلمين قاطبة وهم في ظل هذه الأزمات العصيبة: أبشروا وأمّلوا خيراً، فإن مع العسر يسراً، وإن الأمة وإن آلمها المخاض فقد قربت ولادة جيل النصر فيها. إن الليل وإن اشتد ظلامه قد آذن الفجر ببلج، فنادِ مع صياح الديك، بل بعد أذان بلال، وردّد أنشودة النصر وملحمة الفتح. ومن علم أن مصابه سيزول هان عليه احتماله، وتسلّى بانتظار زواله، وانبعثت نفسه بالأمل، ونشطت على العمل استعجالاً للفرج. بعكس ما لو انقطع أمله وأصابته حال من اليأس والقنوط، ظنّ معه أن ما هو فيه من أزمة تعتبر نهاية التاريخ، وخاتمة الحياة.

مهما دجا الليل فالتاريخُ أنبأني أنّ النهارَ بأحشاء الدّجى يَثبُ

إني لأسمع وقع الخيل في أذني وأبصر الزمن الموعود يقتربُ

إن ظلمة الليل وإن كانت موحشة، إلا أنها سَكَنٌ للنائمين، وسلوة للقائمين، وأُنْس للذاكرين.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: ومما يعين المسلم في الفتن والأزمات:

المعلم السادس: أنها فرصة للمراجعة والتربية الجادّة:

إن الشدائد تميز بين القوي في الإيمان والضعيف فيه، فهي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويِّها، وتزيل الالتباس بين الصادقين والكاذبين، فالمحن هي الجامعة الكبرى التي تخرّج القادة والمجددين والمصلحين. حيث لا يتحقق التمكين إلا على جسر من الابتلاءات والمحن، التي تصقل النفوس وتخرج خبثها. سئل الشافعي رحمه الله: "أيهما أفضل للرجل: أن يمكَّن أو يُبتلى؟ قال: لا يمكّن حتى يبتلى".

وأنت يا يرعاك الله: حين تتأمل التاريخ وتنظر إلى سير الدعوات، ترى أنها تُقَابل أول ما تقابل بالابتلاءات والصدود والتنكيل، كل ذلك من أجل أن يصلب عود الدعوة وتتخرج قيادات جادة، قادرة على تحمّل أعباء الدعوة ومشاقّها فيما بعد، قادرة على تحصيل النصر وتوظيفه. والذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وأصابهم من الضر والأذى ما أصابهم هم قادة الفتوحات بعد ذلك.

لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتّال

قال الله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب) ( آل عمران : 179 ). يجب أن يُرتَفَعَ بالأمة عن حياة الترف الملهي، والسرف المطغي، فحياة الترف ومناهج الرخاء، والاكتفاء بمجرد الانتساب للصحوة والخير لا يكفي، ولا يُراهَنُ عليه عند اشتداد الأزمات.

إن التربية الرخوة لا يمكن أن تخرج من بين أروقتها شخصيات جادة ذات مواقف قوية. فالحياة المترفة لا تلد إلا الأجنّة الرخوة. فعلينا أن نستفيد من الأزمات في تربية أنفسنا على الصبر بأنواعه، وعلى حقيقة الصلاة لا مجرد الحركات، فالله تعالى قد أمرنا أن نستعين بالصبر والصلاة، لما لهما من الأثر العظيم في ثبات النفوس واستقرارها وقوتها وحسن تدبيرها للأمور، وإذا تكلّف العبد الصبر واستدعاه صار سجية له كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن يتصبر يصبره الله". رواه البخاري. وقديماً قالوا: "المزاولات تعطي الملكات". وحين يكون عند الأمة استعداد لمواجهة المحنة وتحمل المسؤولية، واستعداد للتخلّي عن الدنيا وزخارفها وملذاتها، والتضحية بذلك كله في سبيل الله، عندها نكون قادرين على أن نستعيد أمجادنا وعزتنا وتاريخنا.

المعلم السابع: مسؤولية الجميع:

إن مسؤولية إنقاذ الأمة وتوجيه أحداثها ليست مسؤولية شخص بعينه أو جهة، بل هي مسؤولية الجميع، فلا يصح أن يعيش فِئام من الأمة على هامش الحياة والأحداث، مكتوفي الأيدي، لا في العير ولا في النفير، بحجة انتظار بطل موعود أو قائد مظفر! إنَّ تعلق كثير من الناس بالرؤى والأحلام هو نوع من الهروب عن الواقع المؤلم، والعيش في أحلام اليقظة بانتظار خوارق تَقْلب موازين الأحداث وتغير مجراها بلمحة بصر، وهذا وربّي ليس دأب المؤمن الذي يواجه الواقع بالعمل والجد وبذل الأسباب، وفي الحديث: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها". رواه الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله عنه.

ومما يتعلق به بعض الناس انتظار المهدي الذي يكون في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وأحاديث المهدي ثابتة في الصحيح ولا ننكرها، إنما ننكر التحري والانتظار، والذي ليس هو من منهج أهل السنة والجماعة، بل هي طريقة الرافضة في انتظارهم واستكانتهم عبر القرون لكِذبة الغائب المنتظر المزعوم!.

إن الجميع مُطالب بالمشاركة في إشاعة الأمن ودرء الفتنة وصناعة النصر، من خلال التوجه أولاً للتغيير في داخل النفس، والانتصار على شهواتها ولذائذها، والعودة بها إلى الله. إن الأمن لا يُسْلب ولا يتأخر النصر إلا بسبب من أنفسنا (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير) ( الشورى : 30 ).

المعلم الثامن: اللجوء إلى الله:

إن التسليم لله والتفويض إليه قبل وبعد فعل الأسباب المقدور عليها من شأنه أن يريح النفس من عناء لا طائل منه، ويربط على القلوب، لتجدها أثبت ما تكون في أوقات الأزمات والشدائد والمحن. كم نحن بحاجة للتوجه إلى الله في كل ما يعرض علينا من ظلم وعدوان أو فقر وحرمان، أو مرض في الأبدان، أو غير ذلك مما لا يملك كشفه وإزالته إلا الله وحده: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِياًّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَم) ( الأنعام : 14 ). على الأمة وهي تواجه الأزمات أن تتجه إلى الله تعالى وتلجأ إليه، وتلوذ بجنابه، وتحتمي بحماه، فإنها بذلك تلجأ إلى ركن شديد، ورب مجيد يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد: (أَمَّن يُجِيبُ المضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْض) ( النمل : 62 ) وإذا لم يكن عونُ الله، وُكِلَ الإنسان إلى نفسه، ومن وُكِلَ إلى نفسه هلك.

إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده

إن الواجب على المؤمنين حين ترتجف بهم الأراجيف وتشاع فيهم الشائعات، أن يلتجئوا إلى الله ويزدادوا إيماناً به وتوكلاً عليه، وبذلك تعظم نفوسهم، وتقوى عزيمتهم، وتطمئن قلوبهم: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيل) ( آل عمران : 173 ). قال ابن عباس رضي الله عنهما: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيل) قالها إبراهيم لما ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُم).

وإني لأدعو الله والأمر ضيقٌ عليَّ فما ينفك أن يتفرجا

ورُب فتىً سُدّت عليه وجوهه أصاب له في دعوة الله مخرجا

اللهم ..