logo www.alahmad.com
23-12-1438

مع المثل القرآني

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل). وقال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل). وقال سبحانه: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون). وقال عز وجل: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: أيها المسلمون: إن الله عز وجل ضرب لنا في كتابه الكثير من الأمثال ليبين لنا الأشياء بأشباهها ونظائرها، فالأمثال تقرب المعنى إلى الأذهان، وكم من معنى جميل زاده التمثيل روعة وجمالاً فكان ذلك أدعى لتقبل النفس له واقتناع العقل به. فالأمثال القرآنية تبرز المعقول في صورة المحسوس الذي يلمسه الناس. وتكشف الأمثال عن الحقائق، وتعرض الغائب في معرض الحاضر كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ).

والأمثال القرآنية تأتي أحياناً للترغيب كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم). وتأتي الأمثال القرآنية أحياناً أخرى للترهيب والتنفير كقوله تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتا). ويكون المثل أحياناً للمدح كقوله تعالى في الصحابة: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّار). ويضرب جل وتعالى المثل أحياناً للذم وبصفة يستقبحها الناس، كما ضرب الله مثلاً لحال من آتاه الله كتابه فتنكب الطريق عن العمل به وانغمس في الدنيا وأطاع هواه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).

أيها المسلمون: أن الأمثال أوقع في النفس، وأبلغ في الوعظ، وأقوى في الزجر، وأقوم في الإقناع. وقد أكثر الله تعالى الأمثال في القرآن للتذكرة والعبرة، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون).

وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل الأمثال في العديد من الأحاديث الثابتة عنه. وما يزال الدعاة يستعينون بالأمثال في كلامهم ومواعظهم لإقامة الحجة وإحقاق الحق ودفع الباطل. وكثيراً ما يستعين المربون بالأمثال في وسائل الإيضاح للتشويق والتعليم.

قال الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم رحمه الله: "قالوا: قد ضرب الله سبحانه الأمثال، وصرّفها قدراً وشرعاً، ويقظة ومناما، ودلّ عباده على الاعتبار بذلك .. ثم ذكر كلاماً طويلاً حتى بدأ في اختيار بعض الأمثلة التي ضُربت في القرآن، ويذكر مراد التأويل والتفسير منها فقال رحمه الله: ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل، لأن العامل زارعٌ للخير والشر، ولا بد أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره، فالدنيا مزرعة، والأعمال البذر، ويوم القيامة يوم طلوع الزرع للباذر وحصاده.

ومن ذلك: تأويل الخَشب المقطوع المتساند بالمنافقين: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَة). والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنـزلة الخَشب الذي هو كذلك، ولهذا شبه الله تعالى المنافقين بالخُشب المسنّدة لأنها أجسام خالية عن الإيمان والخير. وفي كونها مسنّدة نكتة أخرى: وهي أن الخَشب إذا انتُفع به جُعل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير مُنتفع به جُعل مسنداً بعضه إلى بعض فشبه المنافقين في الحالة التي لا يُنتفع فيها.

ومن ذلك: تأويل النار بالفتنة، لإفساد كل منهما ما يمر عليه ويتصل به، فهذه تحرق الأثاث والمتاع والأبدان، وهذه تحرق القلوب والأديان والإيمان.

ومن ذلك: تأويل النجوم بالعلماء والأشراف، لحصول هداية أهل الأرض بكل منهما، ولارتفاع الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم.

وقال رحمه الله في موضع آخر: "أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها".

يقصد رحمه الله بأن الأمثال التي ضربها الله عز وجل في القرآن فيها أصول وقواعد لتعبير الرؤى، لكن تريد العالم الذي يحسن الاستلال من أمثلة القرآن في تفسير الرؤى.

ثم ساق ابن القيم بعد ذلك بعض الأمثلة فقال رحمه الله: وأصول التعبير الصحيحة إنما أُخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تعبر بالنجاة لقوله تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَة). والطفل الرضيع يُعبّر بالعدو لقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَنا). والرماد يُعبّر بالعمل الباطل لقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح). والنور يعبّر بالهدى والظلمة بالضلال، ومن هنا لما قال حابس بن سعد الطائي لعمر بن الخطاب وقد ولاّه القضاء: يا أمير المؤمنين، إني رأيت الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم بينهما نصفان. فقال له عمر: مع أيهما كنت؟. قال: مع القمر على الشمس. فقال له عمر: كنتَ مع الآية الممحوّة، اذهب فلست تعمل لي عملاً، ولا تُقتل إلاّ في لبس من الأمر. فقتل يوم صفين.

ويُعبّر بالخُشب على المنافقين. والحجارة بقساوة القلب. وأكل لحم الرجل بالغيبة. والنعاس بالأمن. والبقل والبصل والثوم والعدس يُعبّر بمن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

وقيل لرجل يفسر الرؤى: رأيت الشمس والقمر دخلا في جوفي. فقال: تموت. واحتجّ بقول الله تعالى: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرّ). وقال رجل لابن سيرين: رأيت معي أربعة أرغفة خبز، فطلعت الشمس. فقال له: تموت إلى أربعة أيام. ثم قرأ قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً). وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة كثيرة، نكتفي بما ذكرنا.

أيها المسلمون: وهذه بعض الأمثال القرآنية، نقف عندها قليلاً لأخذ العبرة والعظة والدلالة:

المثل الأول: قول الله تعالى في سورة الرعد: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلال).

في هذا النص القرآني تمثيل عجيب في دعاء الكافرين الذين يدعون من دون الله ويرجون من دعائهم خيراً لهم، فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا هذا المثل في أولئك الذين يدعون غير الله، كالذي يبسط كفيه من بعيد إلى الماء ليبلغ فمه لكي يشرب، ثم لا يستخدم أي وسيلة صحيحة لينقل بها الماء إلى فمه، فهل ينفعه عمله شيئاً؟ كذلك الذين يدعون من دون الله لا ينفعهم دعائهم شيئاً.

المثل الثاني: قول الله تعالى في سورة الحج: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق).

في هذه الآية الكريمة يضرب الله عز وجل مثلاً لانتكاس الإنسان عندما يشرك بربه سبحانه وتعالى بالذي يسقط من السماء على رأسه، فيصل إلى أسفل سافلين إلى مكان تمزقِه وسحيق هلاكه. لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ورفعه إلى مرتبة العبودية له التي هي أشرف المراتب، فإذا اختار الإنسان بإرادته أن يشرك بربه فقد أسقط نفسه من هذه المرتبة الرفيعة، وبسقوطه انتكس على رأسه فخرّ من مرتبة السمو وهوى إلى سحيق مهلك. ثم إذا انتهت حياته ووافته منيته لقي حسابه وعذابه عند ربه.

المثل الثالث: قول الله تعالى في سورة الملك: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم).

لقد ضرب الله عز وجل في هذه الآية مثلاً للكافر ومثلاً للمؤمن. أما الكافر فهو الذي يسير في حياته على غير هدى، فمثله كمثل المكبّ على وجهه. وأما المؤمن المتقي الذي يسير في حياته على صراط الله المستقيم فهو كالذي يمشي سوياً على طريق مستقيمة.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: المثل الرابع: قول الله تعالى في سورة النور: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم).

يضرب الله عز وجل مثلاً لنوره الذي أضاءت السماوات والأرض، وصلح به أمر الدنيا والآخرة، فمثّل الله بهذا النور وهُداه في قلب المؤمن كمشكاة وهي الفتحة الصغيرة في الحائط، وهذه المشكاة فيها مصباح، والمصباح داخل زجاجة، والزجاج جسم شفاف يظهر فيه النور أكمل ظهور، وهذه الزجاجة مُثّلَتْ وكأنها كوكب دريّ في السماء مضيء، وهذا المصباح يوقد من زيت شجرة زيتونةٍ مباركةٍ من عند الله، لا تغيب عنها الشمس من عند ظهورها حتى غروبها، فهي شجرة بارزةٌ في فضاء لا يظلها شجر ولا جبل وذلك أصفى وأنقى لزيتها، وهذا الزيت الصافي النقي يكاد يضيء ويشرق بنفسه ولو لم تمسسه نار، فكيف لو مسّه نار؟ وهذا نور على نور، فنور النار يجتمع على نور الزيت، فلما اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحدٌ بغير صاحبه. هذا مثل نور الله وهدايته في قلب عبده المؤمن، نور الإيمان ونور القرآن اجتمعا، فكان لهم هذا المثل الواضح المبين، يهدي الله لنوره من يشاء.

قال صلى الله عليه وسلم في دعائه المأثور: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة". وفي الصحيحين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ". وروى الإمام أحمد في مسنده قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نوراً من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل".

المثل الخامس: قول الله تعالى في سورة البقرة: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون).

ضرب الله عز وجل هذا المثل في الذي تنكّر لطاعة الله وبدّل طاعة الله كفراً وفسوقاً، وكيف بدّل الله حاله وغيّر عليه، أيحب أحدكم أن تكون له جنة ذات أشجار وثمر طيب فيها النخيل والأعناب والزروع من كل صنف ولون، وتجري من تحت عروقها الأنهار، ثم تقدم بك السنّ فأصبحت ضعيفاً لا تقدر على العمل بسبب الشيخوخة، ولك ذرية ضعفاء صغار لا يقدرون على الكسب وتصريف أمورهم، فأتاهم أمر الله فاحترقت، فضاع كل ما قمت به في شبابك ولا تستطيع أن تعيدها كما كانت، ولا تستطيع ذريتك مساعدتك لعجزهم وضعفهم. ضرب الله عز وجل هذا المثل لرجل غنيّ عمل بطاعة الله ثم انقلب وترك الطاعة واتبع شيطانه وعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله السابقة، فإذا ما أُوقف بين يدي الله وهو في أشد الحاجة إلى ذرة من عمل صالح، نظر فإذا هو قد غُيّر وبُدّل واستنجد بأقرب الناس إليه وهم ذريته، فلم يستطيعوا نصره لضعفهم من ذلك وعجزهم. نسأل الله تعالى حسن الختام.

اللهم ..