logo www.alahmad.com
29-1-1439

فلنتفائل

30/1/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: لقد جاء الإسلام حاثّاً على الرجاء والأمل، وداعياً إلى التفاؤل الإيجابي الدافع للانطلاقة والعمل من أجل التصحيح والتطوير، بل إن اليأس والقنوط والإحباط والتشاؤم جوانب ليست بداخلة في نسيج التفكير الإسلامي البتة، مهما أحاطت بالمؤمن الشدائد، وادلهمت الخطوب، وغيّم الجو وتلبّد.

ونصوص الشريعة شديدة الصراحة والوضوح في هذا الجانب. قال الله تعالى على لسان نبيه يعقوب عليه السلام مخاطباً أبناءه: (وَلاَ تَيْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ)، وقال سبحانه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام: (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ).

ولذا نجد التفاؤل، والثقة بموعود الله تعالى وحسن الظن به سبحانه أصل راسخ، وسِمَة ثابتة، ومَعْلَم بارز، قويّ الحضور في حياة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وشواهد ذلك في السيرة العطرة أكثر من أن تُحصَر، ومن ذلك: حديث خباب بن الأرتّ رضي الله عنه حين جاء بعض الصحابة الكرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، يستنصرونه، ويشكون إليه الحال، وقد كانوا في فترة يُضرَبون فيها، ويُجوَّعون، ويُعطَّشون، حتى ما يقدر أحدهم أن يستوي جالساً من شدة الضر، فأنكر صلى الله عليه وسلم عليهم استعجالهم الفرج، ووجَّههم إلى الصبر الآمل الفاعل، الذي يستمر صاحبه في المدافعة، ويبادر بجد ونشاط وحزم إلى تجاوز الأزمة، ومواصلة الدعوة والتربية والعمل، والاجتهاد في الأخذ بأسباب النصر والتمكين، مهما اشتدت الوطأة، وعظمت المشقة، وتفاقمت المحنة، وطال زمن الإصلاح والتغيير، قائلاً: "كان الرجل فيمن قبلكم، يُحفَر له في الأرض، فيُجعَل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيوضَع على رأسه، فيُشَق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه. ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. واللهِ ليَتِمنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".

وفي طريق الهجرة، وهو صلى الله عليه وسلم طريدٌ مُهْدَر الدم، نجده في غاية الثقة والاطمئنان، فيقول لأبي بكر رضي الله عنه حين قال له وهما مختبئان في الغار: "يا رسول الله! لو أن أحدهم رفع قدمه لرآنا، فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، ونجده يخاطب سراقة بن مالك أحد متعقبيه، الطامعين في قتله أو أسره قائلاً له: "كيف بك إذا لبست سوارَيْ كسرى؟".

وفي الخندق، وهو صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم محاصرون في المدينة من الأحزاب من كل صوب، وأحدهم لا يأمن على نفسه حين يذهب إلى الغائط، ويمكث صلى الله عليه وسلم من الفاقة ثلاثاً بدون طعام مع ضخامة الجهد المبذول في حفر الخندق، ومشقة العمل، وقيامه بترتيب شؤون الناس وإعدادُهم للنّـزال، وحمله همّ الولوج في معركة فاصلة، تداعى لها الأعداء من كل حدب، وحال المؤمنين كما وصف ربنا تعالى: (إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)، نجده صلى الله عليه وسلم يبعث الطمأنينة في نفوس أصحابه الكرام، ويعمّق ثقتهم بالله تعالى ويستنبت التفاؤل والأمل في دواخلهم، فيقول صلى الله عليه وسلم: "أُعطيت مفاتيح الشام. أُعطيت مفاتيح فارس. أُعطيت مفاتيح اليمن". وما ذاك منه صلى الله عليه وسلم إلا إدراكٌ لخطورة الإحباط، والشعور بالخيبة، واعتقاد العجز، إذ تُقتَل الإرادة، ويُقضَى على المبادرة، ويُزرَع القلق والجزع، ويُحدِث الاضطراب والتوتر، ويُحال بين المرء وبين الجد والمثابرة، إضافة إلى ما يتضمنه ذلك من ظن ما لا يليق بالله سبحانه وغير ما يليق بحكمته ورحمته، ووعده الذي سبق لرسله من أن جنده هم الغالبون، وأن أعداءه هم المخذولون.

وفي المقابل يأتي ذلك إدراكاً منه صلى الله عليه وسلم لعلو كعب الرجاء، وارتفاع منـزلة التفاؤل، وضرورة العيش بنفسية آملة، طامحة بالنجاح، ناشدة تحقيق الأهداف، حسنة الظن بالله تعالى، واثقة من تنـزُّلِ نصره وحدوث فَرَجه، وأن الأمر لا يعدو مرحلة استكمال الأمة لما هي مطالبة به من القيام بما عليها من تحقيق متطلبات النصر والابتعاد عن موانع التمكين.

أيها المسلمون: ولوصول المرء إلى هذه الوضعية المنتجة، القادرة على الانطلاق بإصرار وعزم نحو المستقبل، فإن عليه عدة أمور ألخصها لكم في عشرة نقاط:

أولاً: عليه أن يتعرف على الله تعالى ومدلول أسمائه وصفاته حق المعرفة، حتى يتمكن واقعاً وسلوكاً لا مجرد دعوى من إحسان الظن به سبحانه والاطمئنان إلى تحقق موعوده عزّ وجل الذي تضافرت به نصوص الوحيين، مبشرةً هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين، وأن الله ناصر لجنده، حافظ لأوليائه.

ثانياً: وعليه أن يقرأ في تاريخ البشرية الطويل، ويطالع سِيَر الأنبياء والمصلحين، والذين كانوا يتحسسون في الدجى مفاتيح الفرج وسط أكوام القش، ويثابرون في البحث عنها، حتى يكرمهم الله تعالى بما نذروا أنفسهم له، من هداية أقوامهم، وإخراج أممهم من الظلمات إلى النور، وكيف أن الله تعالى كان معهم بنصره وتوفيقه وحفظه، وخذلانه لمن عاندهم.

ثالثاً: وعليه أن يتعرف على نفسه الأمَّارة بالسوء: داعية الشر، ومركبة الجهل والظلم، فيجاهدها، ويعيد هندسة حياته بصورة تمكنه من استثمار طاقته، وتركيزها في جانب يبقيه في دائرة الأهم ويجنبه ما دونها من مشتتات النفس، ومبعثرات الجهد والوقت، وملهيات المرء عن القيام بالأعمال الأكثر إلحاحاً وضرورة.

رابعاً: وعليه أن يبتعد عن الأطروحات المثالية غير القابلة للتنفيذ بمفردها أو بمجموعة الجوانب التي تتكامل معها في دنيا الواقع، وينتقل للعيش في بيئة يقوم فيها بعمل أفضل ما يمكنه تنفيذه، سواء أكان ذلك بذاته أم من خلال الشراكة مع من يمكنه العمل معهم من إخوانه في حدود الهمم الحاضرة، والإمكانات المتاحة مهما كانت ضعيفة، لأن استثمار الفرص المتاحة هو المولِّد للفرص، والمهيئ للمعالجة وقبول النصيحة، وقد جرت سنة الله تعالى أن من واصل المضي في دربه الصحيح نحو هدفه قدر على تحقيقه ولو بعد حين.

خامساً: وعليه أن يتقي أحاديث اليائسين ومرافقة المحبَطين: زُرّاع الهزيمة، ومطيلي فترة الانكسار وأمد التخلف، ويستعيض عن ذلك بأسر نفسه في محيط أهل المبادرة، ودائرة أهل الإنجاز والعمل: وجه الأمة المشرق، وطليعتها المباركة نحو الإصلاح والتغيير.

سادساً: وعليه أن يتجنب رسم صورة دونية لقدرات نفسه وأمته، ويدع التركيز على عوامل ضعفها والغفلة عن عوامل قوتها من جهة. ولا يغرق في تضخيم جوانب قوة الأعداء، والتغاضي عن جوانب ضعفهم.

سابعاً: وعليه أن يحذر في مسيرته من سمات القانطين، من سطحيةٍ في النظرة، وتسرُّعٍ في الحكم، واستعجالٍ للنتائج، وحِدَّةٍ في المواقف، وتعميمٍ، وإكثارٍ من القول والتشكي مع تأخرٍ في المبادرة وتقاعسٍ عن العمل، وعدم توازنٍ في التفكير، والقيام بالنظر إلى الأمور والتعاطي مع الأشياء على اعتبارها لا تقبل التفريق والتجزئة، ولا تحتمل المرحلية، ولا يمكن النظر إليها عملياً إلا من خلال زاوية واحدة.

ثامناً: وعليه أن يتأمل في قوة الإسلام الذاتية وما يتضمنه من نور وبهاء، ويمتلكه من إبهار وجاذبية ونقاء، في مقابل إفلاس المناهج الوضعية والأطروحات التغريبية في علاج مشاكل الإنسانية بعامة، وأمتنا بصفة خاصة.

تاسعاً: وعليه أن يفرح ويستبشر بإقبال الأمة على الإسلام من جديد، واستعدادها حين يُحسِن المصلحون مخاطبتها والقيام بإثارتها للبذل والتضحية في سبيل تمكين دينها والذود عن حياضه من أن يُمَس من قِبَل أعدائها.

عاشراً: وعليه أن يقوم بنشر ثقافة التفاؤل، وفتح بوابات الأمل، ومد جسور المبادرة والحيوية والنشاط أمام أبناء الأمة لخدمة هذا الدين، كلٌ في المجال الذي يمكنه ويجد نفسه فيه، ليفيض الرجاء، ويعم البِشْر، وتنفرج الأسارير، وتتدفق الحماسة، وتعظم الجدية، وتتبدد ظلمات اليأس والقنوط، مدركاً أن الليل مقدمة الإصباح، والظلمة أول بشائر النور، وأن الجدب يتلوه الغيث، والحياة في أحيان كثيرة لا تنبثق إلا من باطن الأرض الموات.

تلك عشرة كاملة.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إن من أهم ركائز الأمل ومتطلبات التفاؤل: سعة الأفق، وبُعد النظر، وطول النَّفَس، والصبر والمصابرة، وإعطاء المعالجة والبناء المدى الزمني الذي يحتاجان إليه، وقد كان ذلك جلياً في حياة من جعله الله تعالى أسوة حسنة لنا، وانظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو في (قرن الثعالب) يمشي مهموماً بعد أن طرده بنو عبد ياليل وآذوه ورجموه حتى أدموه، والملأ من قريش مصممون على منع عودته إلى مكة، وقد جاءه مَلَك الجبال فقال: "إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين"، فأجابه صلى الله عليه وسلم، وكُله تفاؤل وأمل، وصبر ورحمة، وبُعد نظر، واستشراف عميق للمستقبل: "بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً!".

فيا أخي المسلم: كن من جيل التجديد: رواد النهوض وصناع التاريخ، فإن القانطين هم الضالون، والآيسين هم طائفة التخاذل، وجماعة التشاؤم، وركب الإحباط والعجز، ورافعو راية الاستسلام والهزيمة. لم يستطيعوا بناء الحياة السوية في نفوسهم وفي أجواء أسرهم، فكيف يصنعونها لغيرهم؟! وقديماً قيل: فاقد الشيء لا يعطيه.

فهيَّا إلى التفاؤل وقراءة الأحداث والمواقف بنفسية متزنة، ورؤية واعية عميقة متفائلة، غير مغرقة في نظرية المؤامرة، فإنه لا سبيل لركوب دروب العزة، والوصول لساحة الكرامة في الدنيا والسعادة في الآخرة إلا من خلال ذلك.

ولنحذر من الغرور والتمني الكاذب الذي يعيش صاحبه في أجواء السذاجة والغفلة، ويكتفي بالتغني بالأمجاد السالفة، ويرى أن كل الأمور خيِّرة، وكأنَّا لا نعيش في أجواء التبعية، وأن أعداءنا لم يعبثوا بقيمنا، ولم يستولوا على مقدساتنا، ولم يزهقوا أرواحنا، وينتهكوا أعراضنا، ويقتطعوا من أراضينا، ويستولوا على خيراتنا.

ودون أن يصاحب تمنيه اندفاع في تلقي العلم، ومثابرة في تقوية الإيمان، وأخذ النفس بالعزم، ودون أن يرافقه اجتهاد في تحصيل جوانب القوة، وامتلاك أسباب النصر، فإن في ذلك من تخدير الأمة، وتعييشها في أجواء التقاعس والغفلة ما يتوازى في أثره مع فعل غارسي أشواك الإحباط والقنوط.

ولْنَتَوَقّ القيام بزراعة اليأس، واستنبات القنوط في دواخل نفوسنا وأوساط أمتنا، إذ لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط هو في ذاته من رحمته تعالى، ولا أن يُحبِّط الناس وييئِّسهم من فرجه سبحانه فإن من قال: هلك الناس، فهو مُهلكهم وأَهلَكَهم.

ولنتذكر أن تباشير النصر قد بدت، وطلائع الضياء قد بزغت، والنصوص الثابتة وأحداث التاريخ يخبراننا بجلاء أن العسر يعقبه اليسر، وأن الكُرَب متى اشتدت انفرجت، وأن الحادثات متى تناهت فموصول بها الفرج القريب، ولكن أنَّى للمحبَطين الغارقين في دوامة اللحظة، والذين لا يرون إلا في حدود محيطهم الضيق أن يدركوا ذلك فضلاً عن أن يشاهدوه؟!.

إذا رمى الليلُ بظلمائه فوق الروابي واعتزَى بالرياحْ

واغتال آمال القلوب التي تبحث عن نورٍ يداوي الجراحْ

وغيَّب البدر المنير الذي يسكب في الظلماء روح انشراحْ

وغرَّر الأنجم حتى غدتْ أضواؤها مسكونةً بالكُساحْ

وحاصر الأطيارَ في وكرها حتى جفاها، أو جفتْه الصُّداحْ

ومدَّ رجليه على أرضنا وظلَّ يستنـزف صَبْرَ البِطاحْ

إذا رأيت الليل مستوحشاً يُتيح للأحزان ما لا يُتاحْ

يعلِّق الجوزاءَ في كفِّه يخرق عينيها بأقسى الرِّماحْ

يُغلق أبوابَ الثريَّا التي غنّى بها الشعرُ الغناءَ المباحْ

إذا رأيتَ اللَّيلَ في زَهْوه وقد تعالى فيه صوتُ النُّباحْ

واستنسرتْ فيه البُغاثُ التي يعجبها في الليل خَفْقُ الجناحْ

وصار كهفاً مُرعباً مظلماً فبشِّر الدنيا بنور الصباحْ

فبشِّر الدنيا بنور الصباحْ .. فبشِّر الدنيا بنور الصباحْ.

اللهمَّ برحمتك وجودك بُثَّ الأمل والتفاؤل فينا، وارزقنا بفضلك حسن الظن بك، والثقة بموعودك، والاجتهاد في التمسك بشرعك، والعمل لدينك، ومقارعة أعدائك، إنك على كل شيء قدير.