logo www.alahmad.com
13-2-1439

الوقف والحضارة الإسلامية

14/2/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: الأوقاف تعدُّ مفخرة من مفاخر الإسلام، حيث نشأ وتطور في ظل الحضارة الإسلامية، وقد عَرفت الأوقاف منذ عهد النبوة وعبر العصور الإسلامية نموّاً وتنوّعاً واتساعاً، فشمل كل ما يعتمد عليه الناس في معيشتهم وحاجاتهم الأساسية، ولم يقتصر على العناية بفئات المجتمع فحسب، بل وصل خيره وبره غير البشر من الدواب والطيور وغيرها مما لم يُعرف في حضارة سابقة أو معاصرة.

ومن قرأ تأريخ الوقف سيرى بوضوح أن الدول والحضارات ارتبطت بالوقف ارتباطاً وثيقاً من حيث النهضة والانحطاط والتقدم والقوة وضدها، وكم كانت الشعوب والأمم في اطمئنان اقتصادي واستقرار اجتماعي في ظلاله.

الوقف من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، وهو مندوب الفعل، سواء كان وقفاً على جهة من الجهات العامة، كالفقراء، وطلبة العلم، أو وقفاً على القرابة والذرية، دلَّت على مشروعيته نصوص عامة من القرآن الكريم، وفصَّلته أحاديث من السنة المطهرة، وعمل به الصحابة رضي الله عنهم، وأجمعت الأمة من السلف والخلف على مشروعيته. ومما يدل عليه من القرآن الكريم: قول الله جل وعلا: (لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) (آل عمران: 92). وفي الصحيحين لما نزلت هذه الآية، قام أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَخْ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. فقال: أفعلُ يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً فإن شِبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات" رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له" رواه مسلم.

أيها المسلمون: من خصائص الوقف استمراره قروناً طويلة وذلك بسبب امتناع التصرف في أصل الوقف، وقد تحقق بهذا المبدأ حماية الوقف وعدم تعريضه لطيش المتولين عليه أو سوء نيتهم، وهو ما جعل الأصل في الوقف الاستمرار والبقاء. هذا وقف عثمان رضي الله عنه الذي ورد اسمه في أسماء المؤسسين في جبل عمر بمكة. وكذلك ولاية القضاء على الأوقاف، فتحققت بذلك حماية الوقف من التدخل. وفيه حِفظ الله للمال الموقوف ورعايته له، وشواهد التأريخ على ذلك مبرهنة. ثم النماء والبركة في المال الموقوف، حيث هو تجارة مع الله جل وعلا. إليك هذا المثال: حاج من تركستان، أوقف في مكة عام 1307هـ، أي قبل 132 سنة، أوقف غرفتين فقط، وفي عام 1389هـ أصبح ريعه 300,000 ريـال، وفي عام 1416هـ أي بعد 27 سنة كان الوقف يملك ثلاثة أبراج في مكة، ثم حصلت للوقف نقلة كبيرة عندما تولى النظارة عليه أستاذ جامعي، فتفرغ له وطور استثماراته وحوله لإدارة مؤسسية، فأصبح الوقف في عام 1433هـ يملك أحد عشر برجاً في مكة يقدر أحدها بـ 400 مليون ريال.

أيها المسلمون: لقد تنوع مصارف الأوقاف في التاريخ الإسلامي، وهذا ما ساعد في بناء الحضارة الإسلامية العريقة. ومن أشهر ما يمكن الإشارة إليه في استعراض نماذج الأوقاف وشمولها شتى مناحي الحياة:

الوقف على القرآن والحديث والمساجد والعلم، وما يتعلق به من إنشاء المدارس والجامعات والمكتبات، وصرف الرواتب على الطلبة والمعلمين: فقد كانت المساجد أول وقف في الإسلام، حيث بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء أول وقف في الإسلام، ثم بنى مسجده صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يتسابقون إلى إقامة المساجد والصرف عليها، والتأريخ يسجل بإعجاب كثرة الأموال التي أنفقها الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك على بناء الجامع الأموي بدمشق مما لا يكاد يصدقه الإنسان لكثرتها. ومما ذُكر من مآثر نور الدين زنكي أنه بنى في بلاده مساجد كثيرة، ووقف عليها وعلى من يقرأ بها القرآن أوقافاً كثيرة.

أما أوقاف العلم فقد ذكر بعض المؤرخين أنها وجدت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت من الكثرة بحيث عدَّ ابن حوقل ثلاثمائة كتّاب في مدينة واحدة من مدن صقلية. وكان الكُتَّاب في بعض البلدان من السعة بحيث يضم مئاتٍ وآلافاً من الطلاب، ومما يروى عن أبي القاسم البلخي أنه كان له كتَّاب يتعلم به ثلاثة آلاف تلميذ، وكان كتّابه فسيحاً جداً، ولذلك كان أبو القاسم يحتاج إلى أن يركب حماراً ليتردد بين طلابه ليشرف على شؤونهم، وكانت هذه الكتاتيب تمول بأموال الأوقاف.

وأيضاً: الوقف على توفير الماء: حيث تبارى المسلمون في إنشاء الأسبلة، باعتبارها نوعاً من الصدقة الجارية التي يصل ثوابها إلى صاحبها حتى بعد موته، فقد روي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله! أي الصدقة أفضل؟ قال: "سَقي الماء" رواه ابن ماجة. وقد كانت الأسبلة تقوم مقام مرفق المياه حالياً. ومن أشهر الأسبلة: عين زبيدة بمكة، وموجودة آثارها حتى هذا اليوم.

وأيضاً: الوقف على توفير الغذاء: تنافس المسلمون في تخصيص الأوقاف لإطعام ذوي الحاجة من البائسين وأبناء السبيل والمغتربين في طلب العلم، وقد تبارى المسلمون في إنشاء "التكايا" التي كان لها دور بارز في توفير الطعام لطوائف كثيرة من الفقراء والمساكين وابن السبيل وطلبة العلم، ولم يقتصر على تقديم الطعام والشراب، بل كانت مؤسسة إسلامية متعددة الأغراض تُستخدم لاستضافة الغرباء والمسافرين، وإيواء الفقراء وطلبة العلم. وقد أبدع الواقفون في عمارة التكايا وتصاميمها، بحيث لا تبدو مجرد مأوى أو مطعم. واشتهرت الجامعات الإسلامية العريقة، مثل الأزهر، بتوزيع ما عُرف بالجِراية، وهي وجبات طعام يومية على طلابها، وكان يتم تمويل هذه الجِرايات من عوائد الأوقاف.

وأيضاً: الوقف على البلاد المقدسة: ومن أشهر ملوك الإسلام الذين اعتنوا بهذه الأوقاف صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس رحمهما الله.

وأيضاً: وقف الدور: لإيواء اليتامى واللقطاء ورعايتهم، ولرعاية المقعدين والعميان والشيوخ، ووقف الدور هو أشهر أوقاف الصحابة.

وأيضاً: الوقف على الرعاية الصحية: تجلى الدور البارز للوقف في المجال الصحِّيِّ منذ القرن الأول الهجري، حيث اتخذت "البيمارستانات"، وأوَّلُ مَن اتَّخذها للمرضى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، حيث بنى بيمارستاناً بدمشق سنة 88 للهجرة وسبَّلَه للمرضى. وقد أبدى الوليد اهتماماً خاصّاً بمرضى الجذام، ومَنَعَهُمْ من سؤال الناس، ووقف عليهم بلداً يَدِرُّ عليهم أرزاقاً، كما أمر لكل مُقْعَدٍ خادماً، ولكلِّ ضرير قائداً. ويذكر ابن جبير في رحلته أنه وجد ببغداد حياً كاملاً من أحيائها، يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمَّى سوق البيمارستان، ومباني كثيرة كلها أوقاف وُقِفَت على المرضى، وكان يؤمه الأطباء والصيادلة وطلبة الطب، إذ كانت النفقات جارية عليهم من الأموال الوقفية المنتشرة في بغداد.

ومن لطيف الأوقاف الطبية: ما يعرف بوقف مؤنسي المرضى الذي خُصص ريعه لرعاية قومٍ عملهم الأساس إدخال السرور على قلوب المرضى وإيناسهم، مما يكون سبباً بإذن الله لشفائهم، فهل عرف التأريخ مثل هذا في غير تاريخ المسلمين؟.

وأيضاً: الوقف على سكنى الحجيج وإطعامهم وسقياهم وعلى طريق الحج: فقد وقف عمر رضي الله عنه داره التي في مكة على الحُجاج، وتصدق عمر بن عبد العزيز رحمه الله بداره على الحجاج والمعتمرين. وأعمال زبيدة زوجة الرشيد رحمهما الله في سقيا الحجيج أشهر من أن تذكر. وَوَقَف المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي ضيعة له لعمل طعام بمنى أيام الحج. ووقف السلطان أحمد بن محمد بن مراد أوقافاً على طريق الحج بين مصر ومكة.

وأيضاً: الوقف على العاجزين عن الحج: ذكر ابن بطوطة رحمه الله في رحلته أثناء حديثه عن الأوقاف في دمشق أن منها أوقافاً على العاجزين عن الحج يُعطى لمن يحج عن الرجل منهم كفايته.

وأيضاً: الوقف على الأيتام والأرامل: وقد اعتنى الوقف الإسلامي بالأرامل والمساكين انطلاقاً من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، ويعدُّ الزبير رضي الله عنه أول من وقف وقفاً لصالح الأرامل والمطلقات من بناته، وهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يشير إلى الاهتمام بهذه الفئة فيقول: "لئن سلمني الله لأدعنَّ أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً". وقد ذكر ابن العماد الحنبلي رحمه الله في ترجمة نور الدين زنكي أنه بنى المكاتب للأيتام ووقف عليها الأوقاف.

وأيضاً: الوقف على الثغور والجهاد وفكاك الأسرى: وهذا ما يصعب عدّه وحصره في التاريخ الإسلامي، ويكفي أن تتأمل آثاره، فلا شك أن ما وصل إليه الفتوحات الإسلامية من الصين شرقاً حتى أوربا غرباً، كان للأوقاف دور بارز في تغذية وتحمل مصاريف الجهاد في سبيل الله. ولك أن تتخيل كيف سيكون حال الأمة اليوم لو وُجِدت فيها مثل هذه الأوقاف.

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: وأيضاً من نماذج الأوقاف الإسلامية: الوقف على إعمار الأوقاف: وهذا من اهتمامهم بالوقف وعنايتهم به، وقد ذُكر أن بعض خلفاء بني العباس كانوا يوقفون بعض الضياع على إعمار صدقات النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً: الوقف على التزويج وأوقاف للحلي والزينة للأعراس وغيرها: وهو من غرائب الوقف، وقد ذكر ابن بطوطة أنه وجد وقفاً بالشام لتزويج البنات الفقيرات اللواتي لا قدرة لأهلهنّ على تزويجهنّ. وكذا في تونس والمغرب. وفي أكثر من بلد إسلامي كان هناك وقف لإعارة الحلي والزينة في الأعراس والأفراح، فيستفيد منها المحتاج لأجل التزيُّن بها في الحفلات، ثم يُعيدها إلى مكانها بعد انتهائه منها.

وأيضاً: أوقاف لتنـزه الفقراء والمساكين بأولادهم: ومن ذلك الوقف الذي أقامه السلطان نور الدين الشهيد قرب ربوة دمشق، حيث جعل مكاناً فسيحاً جميلاً ليتنـزه فيه الفقراء بأولادهم مثل ما للأغنياء، حتى لا يشعروا بالحرمان والمسكنة.

وأيضاً: أوقاف للنساء المرضعات: ومن عجائب الأوقاف في أن أوقافاً خُصصت للنساء المرضعات تسمى "أوقاف نقطة الحليب" يوزع منها الحليب على المرضعات في أيام محددة في كل أسبوع، إلى جانب الماء المذاب فيه السكر، وقد كان ذلك من صنيع القائد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.

وأيضاً: أوقاف لمن يقع بينها وبين زوجها نفور: حيث كان بمَرَّاكش بالمغرب مؤسسة وقفية تُسمى "دار الدُّقة"، وهي ملجأ تذهب إليه النساء اللاتي يقع بينهنّ وأزواجهنّ نفور، وقد توفي والداها، فلهنّ أن يقمن آكلات شاربات إلى أن يزول ما بينهنّ وأزواجهنّ!.

وأيضاً: أوقاف على رعاية البيئة والحيوانات والطيور: امتدت الأوقاف الإسلامية إلى رعاية البيئة والحيوان فوجدت أوقاف لصيانة الترِع والأنهار، وأوقاف لطيور الحرم المكي الشريف، وأنشئت أوقاف لإطعام الطيور والعصافير في مدن عديدة، منها: دمشق والقدس وفاس، وأوقاف للحيوانات الأهلية الهرمة أو المعتوهة لإيوائها وعلاجها كما هو شأن وقف المرج الأخضر في دمشق وغيرها.

أيها المسلمون: إن هذه الأمثلة الناصعة في تاريخ المسلمين توضح بجلاء كيف كانت الأوقاف مكوناً أساسياً للحضارة الإسلامية العظيمة، وكيف شمل خيرها وبرها وأثرها نواحي الحياة بلا استثناء، ويكفي أن تعلم أن الإمام النووي رحمه الله لم يكن يأكل من فواكه دمشق وخضراواتها، لأن أكثر أراضيها وقف، وكان ورعاً يخشى أن يكون خرج الموقوف عن الوقف بغير استحقاق.

إن حقائق التأريخ وشواهده تثبت أن الأوقاف الإسلامية كانت تقوم بجميع مصالح رعايا الدولة المسلمة واحتياجاتهم المهمة بلا استثناء، لتخفف وترفع بذلك عبأً كبيراً عن الدولة المسلمة، وتعطي أماناً وطمأنينةً لرعاياها. وقد كانت الدول والممالك الإسلامية تزول ويحل محلها غيرها ومصالح المسلمين لا تتأثر بذلك! بسبب قيام تلك المصالح على الأوقاف بكل استقلالية عن الدول وسيادتها وتعقيداتها، ومحاسنها ومساوئها.

اللهم ..