logo www.alahmad.com
20-2-1439

حكم المزاح بالدين

21/2/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إن الدين الإسلامي لم يحرم المزاح، فالمزاح والمرح إذا كان في حدود الشرع فلا بأس به، لكن إذا تعدى ذلك إلى المزاح والسخرية بشيء من الدين والشرع وأحكام الإسلام، فهنا يختلف الحكم وقد يصل إلى الردة والخروج من الدين، وقد يُحكم على صاحبه بالكفر الأكبر المخرج من الملة.

ومع كل أسف فقد تفشى في بعض المجتمعات الإسلامية، من الاستهانة بأمر الدين، والسخرية من بعض مقدساته والتنقيص منها وسبّها، من خلال ما ينشر في الصحف من مقالات، أو من خلال الرسوم الفكاهية في بعض الصحف والمجلات، أو في بعض ما يُبَثّ من المسلسلات التي تسخر من الدين، أو تستهزئ بالمتدينيين، أو ما يتناقله الكثير من الناس عبر برامج التواصل الاجتماعي مقاطع فيها الكثير مما ذُكر، الأمر الذي يحتم على العلماء والدعاة بيان خطورة هذا السلوك، وتوضيح ما يتعلق به من أحكام شرعية وآداب مرعية.

قال الله تعالى: (يَحْذَرُ المنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ، وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيـمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين) (التوبة : 64-66). أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَب) قال: "قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وما يدريه بالغيب؟".

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا: يرجو هذا الرجل أن تُفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات! فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "احبسوا عليَّ هؤلاء الركب". فأتاهم فقال: "قلتم كذا قلتم كذا". قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون".

وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره وأناس من المنافقين يسيرون أمامه، فقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فلنحن أشر من الحمير".

قال القاضي أبو بكر بن العربي: "لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزَلاً، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة".

أيها المسلمون: إن جانب الربوبية والرسالة والوحي والدين جانب محترم لا يجوز لأحد أن يعبث فيه لا باستهزاء، ولا بإضحاك، ولا بسخرية، فإن فعل فإنه كافر، لأنه يدل على استهانته بالله عز وجل ورسله وكتبه وشرعه، وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله عز وجل مما صنع، لأن هذا من النفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ويصلح عمله ويجعل في قلبه خشية الله عز وجل وتعظيمه وخوفه ومحبته.

وقد أجمع علماء الإسلام على أن من تنقص النبي صلى الله عليه وسلم، فضلاً عمن تنقص الله تعالى أنه مرتد، يقام عليه حد الردة. قال القاضي عياض: "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابّه".

وذهب بعض العلماء ومنهم المالكية إلى أن من سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم أو استهزأ به أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه لا يستتاب، يقتل ولا يستتاب مسلماً كان أو كافراً.

وإقامة الحد من مسؤولية الإمام واختصاصه، ولا يجوز لفرد من الأمة فعله إلا إذا كان مُوَكّلاً من الإمام.

وأيضاً تلحقه اللعنة في الدنيا، إضافة إلى العقوبة الأخروية: قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا) (الأحزاب : 57). ومعنى لعنهم الله: أي أبعدهم وطردهم وأبغضهم فِي الدُّنْيَا بالحمل على ما يوجب السخط، والآخرة بإدخال دار الإهانة. ولما كان الحامل على الأذى الاستهانة، قال: (وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا).

واللعن: الإبعاد عن الرحمة وتحقير الملعون، فهم في الدنيا محَقَّرون عند المسلمين ومحرومون من لطف الله وعنايته، وهم في الآخرة محقَّرون بالإهانة في الحشر وفي الدخول في النار.

والعذاب المهين: هو عذاب جهنم في الآخرة، وهو مهين لأنه عذاب مشوب بتحقير وخزي.

فاتقوا الله عباد الله: واحذروا النكت والسخرية وإضحاك الآخرين بشيء فيه تنقص للرسول صلى الله عليه وسلم أو للشريعة أو لأي شيء يتعلق بالدين أو المتدينيين أو الصالحين فالأمر خطير وجد خطير.

ولا يجوز نقل تلك النكت أو الرسوم أو التعليقات التي فيها شيء من السخرية أو الاستهزاء دون إنكاره، خصوصاً في هذه الأيام ومع كثرة انتشار واستعمال هذه الجوالات الحديثة، ومع كثرة استخدام الناس لبرامج التواصل، والكثير مما يتناقله الناس من النكت والمقاطع المضحكة، فالحذر ثم الحذر أن يحتوي شيء منها على تنقص أن تنكيت على أي أمر متعلق بالشريعة أو الدين أو المتدينيين أو الصالحين، ومن فعل لحِقَه الوعيد، لأن فعله هو أعلى أنواع الإقرار: قال الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء : 140).

أخرج ابن المنذر عن السُّدي في الآية قال: "كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله والقرآن فشتموه واستهزؤوا به، فأمر الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره".

وقال الإمام الطبري: وقوله: (إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) يعني: وقد نزّل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال: مثلُهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فأنتم إذاً مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه.

فإذا كان هذا حكم القرآن فيمن يجالس ويسمع كلام من يستهزئ بدين الله، فأولى بالحكم منه من ينقل ما يجري في مجالسهم دون إنكاره، فالحكاية أشد من الاستماع.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: المزاح المشروع في ديننا ما تضمن إدخال السرور على الآخرين بالملاطفة والانبساط. قال الإمام البخاري في صحيحه: باب الانبساط إلى الناس. وأخرج حديث أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: "إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْر".

وعن الحسن قال: "أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال: "يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز". قال: فولّتْ تبكي. فقال: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا) (الواقعة : 35-37) رواه الترمذي. وفي الباب أحاديث كثيرة. قال رجل لسفيان بن عيينة: المزاح هجنة: أي مستنكر؟ فأجابه قائلاً: "بل هو سنة، لكن لمن يحسنه ويضعه في مواضعه".

إليك أخي المسلم أهم ضوابط المزاح في الإسلام:

أولاً: خلوه مما يتضمن تنقيصاً لله سبحانه أو رسله أو دينه.

ثانياً: عدم اشتماله على السخرية بالآخرين، قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات : 11).

ثالثاً: خلوه من الكذب: عن بهز بن حكيم قال حدثني أبي عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له" رواه أبو داود.

رابعاً: عدم الإكثار: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب".

اللهم ..