logo www.alahmad.com
27-2-1439

وفد مضر دروس وعبر

28/2/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: السيرة النبوية هي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والأحداث التي مرت بحياة النبي صلى الله عليه وسلم يصعب حصرها، وكل موقف وحدث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر لنا محل أسوة وقدوة.

نقف اليوم مع حدث من أحداث السيرة، هذا الحدث يُسمى في كتب السيرة بوفد مضر، وقد رواها الإمام مسلم في صحيحه.

فعن أبي عمرو جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه قوم عُراة مجتابي النِّمار أو العَبَاءِ متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَا رأى بهم من تلك الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام ثم صلى ثم خطب، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة). [النساء: ١] والآية الأخرى التي في آخر الحشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَد). [الحشر: ٨١]. تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشقِّ تمرة، فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت. ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمَيْنِ من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلَّل كأنه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". رواه مسلم.

أيها المسلمون: ولنا مع قصة وفد مضر دروس وعبر:

الدرس الأول: الإحساس بمعاناة الناس:

لم يعش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيداً عن واقعه أو بيئته أو أصحابه، ولم يكن ينأى يوماً ما بنفسه ويعتزل الناس في بيته ومع أزواجه، ويغلق دونهم أبوابه، ويضع عليها الحجَّاب فلا يصل إليه أحد إلا بشقِّ الأنفس، كلَّا، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش معاناة الناس كأنها معاناته هو، بل ينهى من ولَّاهم الله أمر المسلمين أن يغلقوا أبوابهم دون حاجات الناس، ويحذّر من مغبَّة فعل ذلك، فقد قال عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه لمعاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخَلَّة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خَلَّته وحاجته ومسكنته". رواه الإمام أحمد.

لقد كان صلى الله عليه وسلم يعيش بين الناس ومعهم يتلمَّس أحوالهم، ويتحسَّس أخبارهم حتى قبل البعثة، فها هي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تقول له: "والله لا يخزيك الله أبداً: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق". رواه البخاري. هذا هو واقعه، وتلك هي حياته، وهكذا كانت علاقته بالناس قبل أن يكون نبياً مرسلاً.

وفي هذه الحادثة نجده صلى الله عليه وسلم يتأثر تأثراً إيجابياً وفاعلاً بما رآه من حال القوم الذين وفدوا على المدينة واستقروا بمسجده حيث لم يأبه بهم أحد وهم على حالة وصفها الصحابي بقوله: " قوم عُراة مجتابي النِّمار أو العَبَاءِ"، فتغيرت ملامح وجهه صلى الله عليه وسلم من التبسط والتبسم إلى التمعُّر، بالإضافة إلى سلسلة من الأعمال الإيجابية التي هي بمنـزلة مساهمة من القائد والحاكم لتغيير هذا الواقع.

فرقٌ بين تأثر سلبي لا ينتج إلا الجمود والسكون والتفرج على الواقع دون مشاركة في تغييره وتحسين وضعه، بل ربما يكون سبباً في استمراره وتجذُّره في المجتمع من خلال الانتقادات الهدَّامة ونَكْءِ الجراح والظهور بمظهر المتميز الخالي من العيوب والنواقص، وبين تأثر إيجابي فاعل ينطلق من لحظة التفرُّج والنظر إلى ساعة التطبيق في ميدان العمل.

إنها رسالة نبوية إلى أولئك الذين أنعم الله عليهم بالأموال، أن التفتوا إلى حال أمتكم المنكوبة التفاتة صدقٍ، فهي أحوج ما تكون اليوم لمن يتأثر لحالها فيتحرك ليُشبع جائعها ويُسقي ظمآنها ويَكسو عاريها.

الدرس الثاني: القائد يتحمَّل المسؤولية:

قول جرير رضي الله عنه حكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فدخل ثم خرج". ينبئنا عن عظم المسؤولية التي كان يتحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم. لم يكن صلى الله عليه وسلم متكئاً على أريكته لا يبالي بما يلمُّ بالناس من أحداث وأوضاع هم أحوج ما يكونون إلى معونته ونجدته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان كان من أفضل أهل زمانه وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله". وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أبغوني ضعفاءكم، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم". رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ولكن السؤال: أين دخل النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومن أين خرج؟ لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجراته الملتصقة بالمسجد لعله يجد شيئاً يسد به جوعة هؤلاء المحتاجين ولو كان قليلاً.

الدرس الثالث: الأسوة الحسنة:

دخول النبي صلى الله عليه وسلم حجراته ليأتي للقوم بطعام أو شراب وخروجه بدون شيء يوضح لنا درساً مهماً من دروس القدوة والأسوة، إذ كان صلى الله عليه وسلم بإمكانه أن يدعو الناس مباشرة إلى الصلاة ويخطب بهم ويحثهم على الصدقة وينتهي من هذا الأمر، ولكنه بدأ بنفسه لعله يقوم به دون الحاجة إلى إشراك الناس وتحميلهم أمراً ربما لا يطيقونه ولا يقدرون عليه.

إن قيام القائد بالمبادرة ابتداء يُعدُّ دافعاً مهماً لأتباعه للاقتداء والتأسِّي دون حاجة إلى الوعظ والحث أو التحريض على الفعل صالحاً كان أو سيئاً، فماذا لو دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته وخرج بشيء من طعام أو شراب والصحابة ينظرون هل كانوا يحتاجون إلى وقوفه صلى الله عليه وسلم هذا الموقف الوعظي وإلى التمعُّر والغضب وهم قد تلقوا منه الأحاديث الجمَّة في الحثِّ على الصدقة، ورأوا منه المواقف المتكررة الدالة على كرمه وجوده صلى الله عليه وسلم؟ فلما لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في بيته لم يكن منه إلا التذكير، والذكرى تنفع المؤمنين.

الدرس الرابع: القائد لم يقدم شيئاً:

دخل صلى الله عليه وسلم حجراته ولم يأتِ بشيء، سبحان الله! وهو القائد الذي فتح مكة وجاءته الأموال وقسَّم الغنائم بين الناس، إنه في آخر مشواره. إنه القائد الذي لا يملك شيئاً! لم يقدم شيئاً، نعم! فهو لا يملكه، لأنه لو كان يملكه لم يكن ليبقى عنده، فعن عقبة رضي الله عنه قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر، فسلَّم ثم قام مسرعاً، فتخطَّى رقاب الناس إلى بعض حُجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: "ذكرت شيئاً من تِبْرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرتُ بقسمته". رواه البخاري.

إن من عاش على شظف العيش وقلة ذات اليد ومرارة الجوع وقلة الشبع جدير به أن يتصور آلام الآخرين ومعاناتهم ويقدرها قدرها ويعطيها حقها من الاهتمام والمتابعة لا سيما وهو يتمتع بقوة الإيمان ورسوخ المبادئ وأصالة القيم، أما من عاش على التنعم والرفاهية فأنَّى له أن يحسَّ بمعاناة الناس وجراحاتهم، وإن أحسَّ بها فإنما هو كإحساسه بذباب وقع على أنفه فأزاحه بشيء مما لديه وهو لا يشعر، وسبق درهم مائة ألف درهم.

الدرس الخامس: لاجئون في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم:

لقد وصف جرير رضي الله عنه هؤلاء القوم بأنهم "قوم عراة مجتابي النِّمَار أو العباءِ، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر"، هذا الوصف يوحي لنا بأنهم كانوا لاجئين إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقوم عراة بمعنى أنهم كانوا متّزرين فحسب، وربما كانت الأُزُر ممزقة، فكأنهم من فرط ضعفها وهوانها جعلتهم كالعراة. وهذه الصورة صورة الإنسان الفقير فقراً مدقعاً، فالذي لم يجد ما يَلبَسه أحرى أن لا يجد ما يُشبعه. والإسلام يقف موقفاً إيجابياً تجاه من لجأ إليه أو استجار به، سواء كان هذا اللاجئ يريد سماع كلام الله أو يريد الأمان أو حتى يريد الطعام والشراب والكسوة، فها هو صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن هؤلاء الأعراب ولا عن ملتهم أو التزامهم أو تفريطهم، ولكنه بادر لإعانتهم وسد جوعتهم وكسوتهم، عملاً بقوله تعالى: (وَإنْ أَحَدٌ مِّنَ الْـمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون) [التوبة: ٦]، هذا في حق المشرك المستجير، فكيف بغيره؟ ومفهوم الاستجارة يتسع لأن يدخل فيه الضيافة والإكرام.

والإسلام منهج هداية لا منهج إبادة، وهو حريص على كل قلب بشري أن يهتدي وأن يثوب. ورحمة الإسلام باللاجئين واهتمامه بهم والقيام بحقهم وعدم تركهم يتضوَّعون جوعاً يلتحفون السماء ويفترشون الطرقات، بل يموت بعضهم مرضاً وقهراً، كما نرى في واقعنا المعاصر، فأهل الإسلام يهبُّون لإغاثة المحتاج وهداية الضال وإكساب المعدوم وفعل كل وجوه الخير للناس، هكذا وجَّههم ربهم تعالى فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) [الحج: ٧٧].

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: الدرس السادس في قصة وفد مضر: الأنصار في المقدمة:

قال جرير رضي الله عنه: "فجاء رجل من الأنصار بصرَّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت"، وهنا تتجلى أهمية كسب الأنصار لأي مشروع من مشاريع الحياة، فقد جعلهم الله عماداً تقوم بهم الرسالات، ومن خلالهم تتجاوز المحن والابتلاءات، وتتدلى الثمار يانعات، وهنا أيضاً تتجلى أهمية النصرة للمنكوبين والمضطهدين والجوعى من الفقراء والمساكين والمحتاجين، النصرة للمنهج الحق، وللشريعة السمحاء. إن الأنصار ليسوا من رعاع الناس وهمجهم، الذين جُلّ همهم المكاسب الدنيوية الزائلة، وكم سيكسبون أو يخسرون من هذه النصرة، وليسوا تلك الجموع الغفيرة التي جاءت لتستمع فقط وتهز رأسها إعجاباً بجميل الخطاب ورونق الكلام، فإذا حَقّت الحقائق انفضّوا فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً، كلا، بل الأنصار أصحاب الفاعلية والفداء والتضحية والترجمة العملية لكل ما سمعوه ووعوه فعلاً إيجابياً على الواقع.

رجل من الأنصار، هكذا دائماً نقرؤها في كتب الحديث، وما إن تقرأها حتى تجد بعدها موقفاً إيجابياً أو قولاً حكيماً أو مبادرة فاعلة.

الدرس السابع: ثم تتابع الناس:

ما إن وضع الأنصاري صُرَّته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم حتى تتابع الناس كلٌّ يأتي بما استطاع من ماله وثيابه وطعامه، وهنا نرى أهمية التأثر والتأثير بين الحدث والموقف المناسب، فالحدث الذي حصل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صنع موقفاً تعليمياً عظيماً ليس للصحابة فحسب بل للأمة كلها، وهكذا المواقف العظيمة تصنعها الأحداث المهمة التي يبقى أثرها إلى ما شاء الله متى ما حسنت النيات وصلحت المقاصد.

يحتاج الناس إلى نماذج حية تحفزها للعمل والبذل والعطاء، إنهم يقتفون أثر من يُعجبون بعمله ويتشبهون بفعله، فكم ممن لم يرد خيراً ولا شراً حتى رأى غيره لا سيما إن كان نظيره يفعله ففعله، فإن الناس كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. وعندما تعجز الأمة عن أن تقدم نماذج عظيمة في كل فن من فنون الحياة، والأسوأ من ذلك عندما تستلهم العقول الساذجة نماذجها من عفن الثقافة الغربية الموغلة في أوحال الفاحشة والرذيلة، فلا تعجب حينئذ أن ترى آلاف الشباب يُهرَعون خلف قيادات اللعب واللهو من الممثلين والمغنين والمهرجين، ويصبح هؤلاء هم القدوة والمثل الأعلى لهم في حياتهم!.

لقد أفرز هذا التتابع المبارك وتلك المسارعة الحية إلى فعل الخير نتيجة كبيرة ذكرها جرير رضي الله عنه بقوله: "حتى رأيت كومين من طعام وثياب"، إنها نتائج حقيقية وليست وهمية، يصوغها الإيمان الصادق، وتدفعها الهمة العالية لتتبوَّأ تلك النفوس الطاهرة مكانتها السامقة.

بعدها أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الثناء ومنح العطاء، ليس لهؤلاء فحسب بل للأمة كلها وللأجيال اللاحقة، فقال: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ"، فما من جهد إلا وله ثمرة، سيئةً كانت أو حسنة، حلوةً كانت أو مرة، بحسب نية صاحب ذلك الجهد ومقصده وهدفه، فالأعمال الصالحة التي يفعلها المؤمن لا تضيع سدى ولا تذهب هباء، بل هي عند الله محفوظة، وبالإخلاص مرفوعة، ومن أجور المقتدين بها موفورة.

أيها المسلمون: إن قصة وفد مضر تجاوزت أحداثها من كونها دعوة إلى التصدق والإنفاق في سبيل الله إلى درجة بيان المنهج الإسلامي في التعامل مع الناس باختلاف أحوالهم ومواقفهم، لتصل هذه المنهجية الحكيمة إلى أن تخلق من الأمة المسلمة أمة تغيير نحو الأفضل والأرقى والأسمى.

اللهم ..