logo www.alahmad.com
5-3-1439

من هو اليتيم؟

6/3/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إننا نعيش مع تربية الأولاد هذه الأيام بين يُتْمَيْن: يُتم واقع أفسده التدبير، ويُتمٍ صنعته الغفلة وغذَّاه التفريط. وهذه وقفات مع اليتيمين:

لما كان اليتيم ضعيفاً ومَظِنّة للتغرير به والاعتداء عليه من ذوي النفوس الضعيفة والذمم الدنية، دون أن يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئاً، تولى الله التأكيد على حفظ حقه وماله، ورحمته وإكرامه والعناية به: (كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليَتِيم) (الفجر: 17)، وحذّر بأقوى عبارة وأشد خطاب من أكل ماله والاعتداء عليه: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء: 10). وجاء في السنة النبوية الحث على الإحسان إلى اليتيم وكفالته ليكون نوعاً من التعويض عما فقده من رعاية والده له، فقال صلى الله عليه وسلم: "كافل اليتيم أنا وهو كهاتين في الجنة" وأشار مالك راوي الحديث بالسبابة والوسطى. رواه مسلم. وحث صلى الله عليه وسلم على المسح على رأس اليتيم وعدَّ ذلك سبباً لرقة القلب، فقد شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوةَ قلبه، فقال: "أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعِمه من طعامك، يلِن قلبُك، وتُدرِك حاجتَك" رواه الإمام أحمد. ولكن هذه العناية من الإسلام باليتيم، وهذا الحث والتأكيد على الإحسان إليه، لا يعني أن تنقلب الحال إلى نوع من الإغراق في العاطفة والانجراف وراء رحمة مزعومة، فيقع بسببها إغفال التربية الصحيحة التي يجب أن يقام بها على اليتيم.

لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسح على رأس اليتيم كنوع من الرحمة والرأفة والعناية، لا أن يتوجه الجهد كله إلى المسح على بطنه حمايةً له من الجوع، أو يجلل برداءٍ خشية البرد، أو يظلل بكساءٍ وقاية له من حر الشمس. إن مراد الإسلام من الرحمة والعطف على اليتيم أن يَحِلَّ محلَّ ولد الصلب في النصح له وتوجيهه.

لقد تحولت تربية اليتيم في أحيانٍ كثيرة إلى نوعٍ من الدلال والتغييب التام له عن المسؤولية، مما يجعله يعيش نوع أزمة مع الحياة في مستقبل أمره، إذ يبقى ناقص التربية، معدوم التجربة، ضعيف القرار، سطحي التفكير. إننا نخطئ في نظرتنا لليُتم فنتعامل معه على أنه نوع نقصٍ وعيب. لذا، فإننا نحاول جاهدين أن نخفيه وأن نقطع كل صلة تُذكّر به، بل ربما استفاد اليتيم الألمعي من لفظة اليُتم ورَقَةَ ضغطٍ واستعطاف لتحقيق مطالبه كيف كانت. بينما لو فهمنا اليُتم على أنه تحمُّل مبكِّر للمسؤولية وأفهمنا اليتيم ذلك، لربما أشعلنا فيه من الرغبة والطموح والرقي شيئاً لا يشعله غيره.

إنه في بعض الأحيان، قد يكون وجود الأب سبب ركودٍ للابن، بسبب الاعتماد الاتكالي عليه، والاكتفاء بترديد مفاخره مع القعود عن محاكاته والسير على طريقته.

أيها المسلمون: إن اليُتم ليس عيباً ولا نقصاً، وكيف يكون عيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم عاش أول حياته يتيماً؟ فقد توفي أبوه وهو حِمل في بطن أمه، ثم توفيت أمه وهو ابن ست سنين.

قالوا اليتيم فماجَ عطرُ قصيدتي وتلفتت كلماتُها تعظيمَا

وسمعت منها حكمةً أزليةً أهدت إليّ كتابَها المرقوما

حسْبُ اليتيمِ سعادةً أن الذي نَشَرَ الهدى في الناس عاش يتيمَا!

يكفي اليتيم شرفاً أنه شارك النبيَّ صلى الله عليه وسلم في وصف اليتيم! ولعل في يُتمه أسوة للأيتام في كل زمان ومكان، ليعرفوا أن اليتم ليس نقمة، وأنه لا يقعد بصاحبه عن بلوغ أسمى المراتب.

إننا لو فَهِمنا اليُتم على أنه ليس عيباً ولا نقصاً، وأن عدداً من العظماء عاشوا أيتاماً، وأن اليُتم ما هو إلا تحمُّلٌ مبكرٌ للمسؤولية، فلربما جعلنا من اليُتم فرصة قوةٍ وضخٍ تربويٍ، لا فرصة ضعفٍ وانهزامٍ أو ابتزازٍ عاطفيٍ.

لقد حفِل التاريخ بأناس عاشوا اليتم، ولكنهم ملؤوا الدنيا علماً وجهاداً ودعوةً وعبادةً. فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يخبر عن نفسه فيقول: "نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطني وعُقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركِبوا، وأحتطب إذا نزَلوا. فالحمد لله الذي جعل الدين قِواماً، وجعل أبا هريرة إماماً". والزبير بن العوام رضي الله عنه الذي عدله عمر رضي الله عنه بألف فارس كان ناتج تربية أمه صفية رضي الله عنها بعد أن مات أبوه وهو صغير. عن عروة بن الزبير، أن الزبير كان طويلاً تخُط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، أَشْعَر، وكانت أمه صفية تضربه ضرباً شديداً وهو يتيم، فقيل لها: قتلتِه، أهلكتِه! قالت:

إنما أضربه لكي يدبّ ويَجُرَّ الجيش ذا الجلب

فماذا كان بعد؟ قال الثوري: هؤلاء الثلاثة أحد نجدة الصحابة: حمزة، وعلي، والزبير. وعن عروة قال: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف: إحداهنّ في عاتقه، إن كنتُ لأدخل إصبعي فيها، ضُرب اثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك. ولا تنسَ أنه اليتيم الذي كانت أمه تضربه!.

خلق الله للحروب رجالاً ورجالاً لقصعةٍ وثريدِ!

الإمام الأوزاعي رحمه الله مات والده وهو صغير، فربّته أمه. نقل الذهبيّ في ترجمته عن العباس بن الوليد قال: ما رأيت أبي يتعجب من شيء تعجُّبَه من الأوزاعي، فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء! كان الأوزاعي يتيماً فقيراً في حِجر أمه تنقله من بلد إلى بلد، وقد جرى حلمك فيه أن بلَّغته حيث رأيتُه. يابني! عجزت الملوك أن تؤدب نفسها وأولادها، أدب الأوزاعي نفسَه!.

الإمام الشافعي رحمه الله: قال الحميدي: سمعت الشافعي يقول: كنت يتيماً في حِجر أمي، ولم يكن عندها ما تعطي المعلِّم، وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب، وأخفف عنه. فأي شيء كان الشافعي بعد ذلك؟ قال عبد الله ابن الإمام أحمد لأبيه: أي شيء كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر الدعاء له؟! فقال له: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين مِن خَلَف أو عنهما عِوض؟.

الإمام أحمد رحمه الله: قال المروذي: قال لي أبو سراج بن خزيمة: كنت مع أبي عبد الله في الكُتَّاب، فكان النساء يبعثن إلى المعلم: ابعث إلينا بابن حنبل ليكتب جواب كتبهم، فكان إذا دخل إليهنّ لا يرفع رأسه ينظر إليهنّ. قال أبو سراج: فقال أبي وذكره، وجعل يعجب من أدبه وحُسْن طريقته. فقال لنا ذات يوم: أنا أنفق على ولدي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، انظر كيف يخرج! وجعل يعجب.

وغير هؤلاء كثير، كالقاسم بن محمد، وابن الجوزي، وغيرهم من السلف عاشوا اليُتم، لكنهم أناروا الدنيا بالعلم والفهم، ولم يكن اليُتم عائقاً لهم عن النهوض، بل ربما كان دافعاً لهم. وإذا أردت أمثلة حاضرةً قريبةً فهي غير قليلة أيضاً، أمثال: صِدِّيق حسن خان، وعبد الرحمن السعدي، وعبد الله القرعاوي، ومحمد الأمين الشنقيطي، وعبد العزيز بن باز، رحمهم الله. كل هؤلاء عاشوا اليُتم، لكنهم ملؤوا الدنيا فقهاً وعلماً ودعوةً.

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: أما النوع الآخر من اليُتم فهو الذي أحدثته الغفلة، وهذا ما يهمنا اليوم في حديثنا عن اليتيم، فإن أعداده تتضاعف مع مرور الأيام وكثرة المشاغل والملهيات، فالأب مشغول في وظيفته أو تجارته أو سهرته أو سفرته، والأم كذلك قد تركت ولدها للخادمة، وأصبحت مشغولةً بين السوق والوظيفة وبين الأزياء والموضة. وحين يكبر الولد وينتهي من رعاية الخادمة ويملك الخروج من المنـزل ولو مع صغر سنّه فإنه يلتقم ثدي الشارع ويختاره سكناً بدل البيت، ليقطع فيه جُل الوقت. إنه يُتم التربية وكفى!.

ليس اليتيم من انتهى أبواه مِن همِّ الحياةِ وخلّفاه ذليلا

فأصاب بالدنيا الحكيمةِ منهما وبحسن تربيةِ الزمان بديلا

إن اليتيمَ هو الذي تلقى له أمّاً تخلّت، أو أباً مشغولا

والمشكلة في هذا اليُتم غيابُ المسؤولية عند الولي، وكونه لا يعتني به إلا النـزر اليسير. في استفتاء استهدف عدداً من أولياء الأمور الذين يقضون جزءاً كبيراً من أوقاتهم في الاستراحات مع زملائهم بعيداً عن أولادهم، وُجِّه هذا السؤال: الاستراحة تؤكد غفلة الأب عن ابنه، مما يسبب آثاراً سيئة، هل توافق أم لا؟ فأجاب 30%: نعم، و 58%: ممكن.

إن تقرير واقع اليُتم التربوي الذي يعيشه كثير من أبنائنا اليوم لا يحتاج إلى جهد كبير، فصفحة الواقع تحكي شيئاً كثيراً من التردي الخُلُقي والفشل التربوي الذي يعيشه الأبناء، وخاصة في أوقات الفراغ النظامي كأوقات الاختبارات والعطل.

إننا لا نطلب من الرجل ولا من المرأة أن يتركوا أشغالهم التي يطلبون منها لقمة العيش، لكننا نقول لهم: إن فترة الغياب الطويل عن الأولاد لها أثر كبير. ولذا، كان من الضروري على الزوجين تعويض ذلك بتخصيص أوقات كافية للجلوس مع أبنائهم، واصطحابهم، وحل مشكلاتهم، وإشراكهم معهم في الحياة.

في دراسة عن أثر التفكك الأسري على عودة الأحداث إلى الانحراف، أجريت على 39 حدثاً عائداً إلى دار الملاحظة الاجتماعية في الرياض، ظهر من خلالها أن نسبة ليست بالقليلة من أفراد العيِّنة يعيشون في جو أسري متصدع ومتفكك، إما بطلاق أحد الوالدين أو وفاة أحدهما، إضافة إلى سوء العلاقة بين الآباء والأمهات وكثرة المشاجرات بينهم.

وحين نرجع لأسباب الانفصال بين الزوجين سنجد أن منها أسباباً تتعلق بالزوج وأخرى بالزوجة. وبغض النظر عن كون أسباب الانفصال مقنعة أو لا، فإن على الزوجين قبل أن يتخذا قرار الانفصال أن يصارحا نفسيهما: هل خضع قرار الانفصال لدراسة تامة واستشارة واستخارة، بحيث تعذَّر ارتباطهما ببعض ولو جزئياً، أم كان ذلك إملاء اللحظة الحاضرة؟ وهل الصورة النهائية التي سيكون عليها الأبناء بعد الانفصال واضحة عندهما؟ ثم إذا قررا الانفصال، هل هناك اتفاق بينهما لتبادل الأدوار في رعاية الأبناء؟ إن إغراق الناس في اللحظة الحاضرة يجعل العواقب تغيب عنهم، مما يفقدهم كثيراً من الاتفاقات المهمة لحماية الأولاد.

والواقع يحكي أن أبناء المطلقة أو المختلعة أو المفسوخة يسيرون في الأرض حيث شاؤوا دون حسيب أو رقيب. وحين نريد أن نناقش مشكلة الفشل التربوي بعد الانفصال والذي أصبح ظاهرة فإن أول ما نلحظه من أسباب هذا الفشل والضياع التربوي، أن الانفصال أول وقوعه لم يكن على الصورة التي طلب الشرع أن تكون عليها: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان) (البقرة: 229)، بل غالب ما يكون عليه حال الانفصال التلاعن والتنابز والتنقيص، فتجلس الأم مع أبنائها لتخرِج الدعوات الحَرَّى على أبيهم، وترميه بالظلم، والدناءة والخسة، وقلَّة الحياء والمروءة، في قاموس من الشتائم يطول، وتنسى أنها بذلك تؤكد انفصال الأبناء عن أبيهم، وتساهم في زوال قدره من نفوسهم، مما يعطي للأولاد فرصة التمرد والتحرر غير المسؤول. ويكون ذلك في أول الوقت ردّاً على عدوان والدهم السافر على والدتهم، وبمباركة أحياناً من الأم، ثم ما يلبث أن يتسع هذا التمرد ليتناول حتى الأم! وتكون الأم بذلك قد استدعت حتفها بظلفها. وقد يمارس الأب أحياناً شيئاً من ذلك، وقد يشترك في توتير العلاقة أيضاً أهل الزوج أو أهل الزوجة.

إن هذا الجو المشحون الذي يكون بعد الانفصال يجعل فرصة التقاء الأب بأولاده صعبة وإن كان حريصاً، مما قد يُزين للأب البُعد رغبةً في السلامة، ولن يسلَم. فما إن يكبر الولد حتى تظهر مشكلاته على السطح، فيفشل في الدراسة، ويقع في مشكلات السهر الطويل والمبْهَم، ثم في التصرفات المريبة. عندها تستيقظ الأم من غفلتها، ولكن متأخرة! فتُهرَع تستدعي دور الأب ليوقف حالة التدهور التي يعيشها الولد، وكأنها أدركت الآن أنه لا يزال أباً لأبنائها ولو بعد الانفصال. وقد ينتبه الأب لاستدراك الأمر أيضاً، ولكن بعدما تكون الهوة بينه وبين أبنائه قد كبرت، واتسع الرقع، ووقع الفأس بالرأس.

إن بقاء الأب في ارتباط مع أولاده ولو في حالة جزئية سيساعد في حماية الأولاد ورعايتهم، وسيعيشون وهم يشعرون أن لهم أباً يقوم على شؤونهم ويتابع أحوالهم، بعكس ما لو كانوا يرون أن ليس عليهم رقيب، وأنهم يفعلون ما يشاؤون.

لماذا لا يتكلم الأب مع أبنائه المدركين بعد قرار طلاق أمهم بكلام واضح مبين، يُظهر لهم مبلغ الأسى من هذا الفعل، وأن ذلك ليس بمقدروه، ويذكُر أمهم بما فيها من خير، ويوصيهم بخدمتها والإحسان إليها إن كانوا سيبقون عندها، ويشعرهم أن دورهم عظيم، فهم وكلاء عنه في رعاية إخوانهم، ويفتح لهم فرَص اللقاء به متى شاؤوا؟ إنه بذلك سيحوِّل نقطة الضعف التي يشعر بها كثير من الأبناء الذين طُلِّقت أمهاتهم إلى فرصة قوة وشعورٍ بالمسؤولية.

إن الحقيقة تقول وبكل أسى: إن يتيم التربية أسوأ حالاً من يتيم فاقد الوالدين، وذلك أن يتيم التربية يعيش على أنه تحت مسؤولية وليٍّ، لكنه متفلت من كل مسؤولية، لكونِ والده فوق الأرض، فهو لا يرضى بوصاية أحدٍ عليه.

ولك أن تتخيل الحالة التي سيصل إليها وهو شاب مفعم بالقوة، غارق في الفراغ، معدوم الرقابة والمتابعة! لذا، كان على الدعاة إلى الله والمربين دور عظيم في رعاية أيتام التربية، في محاولة منهم لردم الهوة، وجبر النقص الحاصل بغفلة الولي وإهمال الراعي، والله يتولى الصالحين.

اللهم ..