logo www.alahmad.com
19-3-1439

قضيتنا الأولى

20/3/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إن قضية الأرض المباركة والمسجد الأقصى قضية إسلامية تعني كل مسلم ومسلمة، فجراحات المسلمين واحدة، وجماعتُهم مثَل الجسد الواحد: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه. والنصوص التي أوجبت نصرة المستضعفين وإعانة إخواننا المسلمين كثيرة، قال الله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء : 75)، بل لو لم تكن أرض فلسطين يوماً أرضاً إسلامية، فإن واجب الجهاد باقٍ، وأولى الأماكن به التخوم القريبة، ومع ذلك فقد اجتمعت في أرض المقدس أسباب جعلتها الأولى بنصرة المجاهدين فيها، وأحق من غيرها بالعناية والتقديم، ومن ذلك:

أنها أرض إسلامية، افتتحها المسلمون في زمن الفاروق، وأسلم جمهور أهلها، ثم احتلها كافر أصلي لا يمتري في كفره إلّا كافر، ثم هو مع كفره لا عهد له ولا ذمة، فلا يُشتبه قتاله.

وأن فيها المسجد الأقصى، وله عند أهل الإسلام مكانة خاصة، فهو أولى القبلتين، وثالث المسجدين، شرع الله تعالى شدَّ الرحل إليه بنص نبينا صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى". متفق عليه.

وأنها أرض مباركة بنص قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير) (الإسراء : 1). وفي بركة بيت المقدس وفضل الشام وتخومها آثار وأخبار معروفة، صنف فيها شيخ الإسلام وغيره من علماء الإسلام سابقُهم ولاحقُهم.

وأنها بلادٌ مَطالِبُ أهلها عادلة، فقد أُخرجوا من ديارهم وأموالهم من قبل محتل مفسد غاشم، فلو ما كانوا مسلمين لكان قتالهم عدواً اعتدى على ديارهم، وأخرجهم من أرضهم، معنى معقولاً غيرَ مُنكر.

وكل ما احتج به منتسبو الأديان في تسويغ احتلال اليهود لفلسطين أو بعضها، هو عند أهل الإسلام حجة لهم في دفع المحتل عنها. فإن قالوا أرضُ ميعاد موسى وهؤلاء أهلُ دينِه، فنحن المسلمون أولى بموسى وبإبراهيم ومَن بينهما من الأنبياء عليهم السلام مِن سائر أهل الأديان الذين حرَّفوا وبدّلوا، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "نحن أولى بموسى منهم". متفق عليه. وفي التنـزيل: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران : 67-68).

فمن حيث الدين: المسلمون أولى ببيت لحم والمسيح من سائر النصارى اليوم، والمسلمون أولى بموسى وداود وسليمان وبيت المقدس من سائر أهل الكتاب اليوم.

وأما إذا نظرنا إلى الحق التاريخي، فيعقوب عليه السلام وفد إلى الأرض المقدسة وقد كان فيها أهلها، وغادرها مع بنيه إلى مصر وبقي فيها أهلها، ولما عاد اليهود بعد التيه إلى الأرض المقدسة كانت مأهولة بشعبها، فكيف إذا علمنا أن اليهود الذين ترجع أصولهم إلى بني إسرائيل أقلية في فلسطين! مع أن نسبة أكثرهم إلى بني إسرائيل تحتاج إلى إثبات.

إن فلسطين أرض المسلمين، والمسجد الأقصى كذلك على مرّ التاريخ كان مسجدَ المسلمين من قبل أن يوجد اليهود، ومِن بعد ما وُجدوا، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أيّ مسجد وضع في الأرض أول؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى". قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة". رواه البخاري. وهذا ولا شك قبل بعثة موسى عليه السلام، فإبراهيم عليه السلام الذي رَفع مع إسماعيل القواعد من البيت، هو الذي عَيَّن بأمر الله مكان المسجد الأقصى، وهو إمام الحنفاء المسلمين. فبيت المقدس أرض إسلام قديمة، وسيبقى بيت المقدس وتخوم بيت المقدس كذلك أرضاً إسلامية، فقد ثبت في فضائل الشام وبيت المقدس ما لا يدع مجالاً للشك في كون احتلالها عارضاً، وأن الفِرقة الناجية والطائفة المنصورة ستعود إليها.

أيها المسلمون: مشاريع التهويد لمدينة القدس تتصاعد بصورة متسارعة وغير مسبوقة. الأنفاق والحفريات اليهودية مستمرة بشكل يهدد بنيان المسجد الأقصى. المغتصبون والمتطرفون اليهود يقتحمون المسجد الأقصى ويتطاولون على حرمته بشكل متكرر، ويصادرون أجزاء منه. هدم المنازل والمزارع، وتهجير السكان، ومصادرة الهويات المقدسية، وتصاعد حركة الاغتصاب في محيط مدينة القدس لم تتوقف منذ بداية الاحتلال.

هذه بعض العناوين الكبيرة للمشهد المقدسي، وهي غيض من فيض. وكل عنوان منها يقتضي غضبة حقيقية من الأمة، لنصرة الأرض المباركة واستنقاذها من مخالب اليهود. لكن ما الذي يحدث على الأرض؟!.

لم تعد هذه الأخبار تلفت الانتباه أو تحرّك ساكناً، ولم تعد هذه الأخبار على واجهة الإعلام العربي، بل ولا في حاشية كثير من منابره!.

ولم تعد قضية القدس حاضرة في مناهج التعليم والتربية، بل لم تعد مع الأسف الشديد حاضرة في كثير من منابر الجمعة ومناهج الدعوة!.

أما منظمة التعاون الإسلامي، السلطة الفلسطينية، رابطة العالم الإسلامي، اللجان والصناديق الرسمية المخصصة لفلسطين، فجميعها غائبة عن ذلك المشهد، صامتة لا تسمع لها ركزاً، وكأنَّ القضية لا تعنيها!.

الحاضر الرئيس في قلب الحدث هم أولئك الأبطال والمرابطون في بيت المقدس وأكنافه، الثابتون في ظلال القدس وأروقة الأقصى ومصاطب العلم، فهؤلاء وحدهم من يواجه مشاريع التهويد والهدم والتطاول على المقدسات.

إنَّ ثمة حقيقة لا ريب فيها، وهي أن هؤلاء المقادسة ابتلوا بخذلان وتثبيط كثير من إخوانهم، بل رأينا من يدفعهم دفعاً للاستسلام والرضوخ لليهود، بحجة الواقعية السياسية وتوجّهات المجتمع الدولي! وأرجو أن يكون لهم نصيب وافر من قول الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم) (آل عمران : 173-174). كما أرجو أن يكون هؤلاء المرابطون من الطائفة المنصورة التي بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم: "على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك". وفي بعض روايات الحديث عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين هم؟ قال: "في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس" رواه الإمام أحمد، وفي رواية أخرى: "يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها". أخرجه الطبراني في الأوسط.

ومن تأمَّل هذه الأحاديث يدرك أن ذلك الخذلان والإعراض لن يثني المرابطين عن ثباتهم واستبسالهم في الذبِّ عن حُرمة الأقصى، ففي بعض روايات الحديث: "لا يضرهم من خذلهم" رواه مسلم، خاصة إذا استشعر هؤلاء المرابطون أن ثباتهم على أرضهم خير لهم من الدنيا وما فيها، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل: أمسجد رسول الله أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكنّ أن يكون للرجل مثل شطن فرسه - يعني: حبل فرسه - من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس، خير له من الدنيا جميعاً". قال: أو قال: "خير من الدنيا وما فيها". أخرجه الحاكم بسند صحيح.

فإذا كانت المرابطة في أرض يرى منها بيت المقدس فيها هذا الأجر العظيم، فكيف يكون أجر المرابطة في بيت المقدس نفسه؟!.

إنَّ تغييب الوعي بقضية المسجد الأقصى أزمة كبيرة يتحمَّل تبعاتها أطراف متعددة، لذا فإن إحياء وتجديد الاهتمام بها من الأولويات التي يجب أن توظف لها الطاقات، وتتنوّع فيها المشاريع، وتأتلف عليها الجهود المؤسسية والفردية. ويحسن التأكيد ها هنا على ضرورة استثمار المشاعر الجياشة التي تعمر قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في إبداع مشاريع عملية حيوية وجامعة، تتنوَّع بتنوّع البيئات وتستقطب شتى الطاقات والإمكانات.

وتأملوا قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل: يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس؟ فقال: "ائتوه فصلوا فيه - وكانت البلاد إذ ذاك حرباً - فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يُسرج في قناديله". أخرجه أبو داود وابن ماجة.

إنَّ نصرة المسجد الأقصى ينبغي أن تكون مشروعاً للأمة بمجموعها، ومشروعاً شخصياً لكل مسلم، وحديثُ القناديل لم يترك عذراً لأحد ولو كان بشيء يسير كبعث زيت لإسراجها، وأحسب أن المقصود في إسراج قناديله: إحياء المسجد وتكريمه وعمارته والعناية به، والذبُّ عن حرمته، حتى لا يُهجر وينقطع عنه المصلون.

ولعل من أعظم قناديله التي ينبغي أن تسرج: المرابطون في أكنافه، وقراؤه، وعبَّاده، وحرّاسه، وعمَّار مصاطب العلم وحلقات تحفيظ القرآن، فهم النور الذي يتلألأ، وحقهم علينا: دعمُهم، وتثبيتُهم، وتعزيز صمودِهم، ونصرتُهم بكل ألوان النصرة، ودعم قضيتهم في كل أنحاء العالم.

فاللهم اجعلنا من أنصار الأقصى وعمَّاره.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: لقد حكم المسلمون هذه المدينة المباركة هذه الأحقاب الطويلة فما هدموا بيتاً لساكن ولا معبداً لمتعبد، التزموا بتعالم دينهم، احترموا كل ذي عهد وعقد وذمة، وفاءً للعهد العمري. استمعوا رعاكم الله إلى هذا النص من العهد العمري لمن كان يسكن تلك الديار في عهده من أهل الذمة. بسم الله الرحمن الرحيم: "هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، سقيمها وبريئها وسائر ملتها أن لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم ولا يُضارّ أحدٌ منهم، على ما في هذا الكتاب، عهد الله وذمة رسوله، وذمة المؤمنين إذا أَعطوا الذي عليهم". شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمر بن الخطاب سنة خمس عشرة من الهجرة، شهد على ذلك وكتب وحضر رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم ورضي عن جميع صحب محمد .

لقد تضمن العهد العمري حرية المعتقد وحرية السُكنى وحرية التنقل، وهو عهد منذ أكثر من ألف وأربع مائة سنة، لم يكن متأثراً بشعارات حقوق الإنسان المنافقة في عصرنا، ولكنها كانت تطبيقاً لمنهج الإسلام في التعامل الراقي المخلص مع أهل الأديان الأخرى.

أما اليوم فبيت المقدس يجري فيه ما لم يحدث على أيدي أي غزاة في تاريخ البشرية كلها في تاريخ المقدس، ولم يجرِ ذلك في تاريخ المقدس الممتد آلاف السنين لم يفعل غازٍ أو محتل مثلما فعله ويفعله اليهود اليوم، وليس بعد شهادة التاريخ من شهادة، وليس من رأى كمن سمع على ما تشاهدون في هذه الأيام.

أيها المسلمون: عندما تنعدم الخيارات أمام المظلوم وتضيق المدائن بشعب مقهور فإن كل سلوك متوقع وكل سياسات يمكن فهمها وإن صعب تبريرها، غزارة دم يسيل، وحرارة دم يغلي، ليسا طرفين متكافئين، جيش احتلال مسلح ضد شعب أعزل، القتلى والضحايا في طرف، والقاتل والجلاد الذي يطلق النار في طرف آخر، قاتل ومقتول، وجلاد وضحية. إن القوة والقهر والظلم لا يمكن لها أن تنشىء حقاً أو تقيم سلاماً، إن العدوان لا يولد إلا العدوان، وإن مشاعر الشعوب هي معيار الضغط النفسي وهي مقياس بواعث الانفجار.

إن ما يجري في بيت المقدس وفلسطين المحتلة اليوم امتحان شديد لأمة الإسلام، أمة الإسلام أمة معطاء، تجود ولا تَبخل، في تاريخها المشرق الطويل قدمت ما يشبه المعجزات، وهي اليوم تعيش مفترق طرق خطير يحيط بها وبقدسها وبأجزاء محتلة من ديارها، إنها لم تعجز عن إيجاد آلية منصفة قوية متزنة تعيد الحق إلى نصابه، وترد المغتصب إلى صوابه.

أمة محمد ، أمة جهاد وأمة عزة، لا تعجز بإذن الله أن تجد لنفسها بتوفيق الله وعونه مخرجاً من أزمتها، والقدس والأرض المباركة أغلى وأثمن وأكبر من أن تُترك لمفاوضات أو لمساومات سلام مزعوم، وما أخذ بالقوة فإنه لا يرجع إلا بالقوة.

أيها المسلمون: إن قضية بيت المقدس وقضية فلسطين لا تنفصل البتة عن قضية الإسلام كله، إنها ليست أرضاً فلسطينية أو عربية فحسب، بل إنها قبل ذلك وبعده أرض المسلمين أجمعين، تُفدى بالأرواح والمهج، وإذا ضعف الإسلام في نفوس الاتباع، ضعفت معه روابط الحقوق والحماس والفداء في قضاياه كلها، ويوم يترسخ الإيمان ويصفو المعتقد وتسود الشريعة وتعلو الشعائر، ستحيا كل القضايا وسيتحقق كل مطلوب.

اللهم..