logo www.alahmad.com
3-4-1439

العنوسة .. أسبابه وعلاجه

4/4/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: العنوسة: ظاهرة عمت المجتمعات، ودخلت جل البيوتات، وحطمت آمال وتطلعات كثير من الشباب والشابات.

والعنوسة لفظ يطلق على النساء والرجال.

قال أبو قيْس بْن رفاعة:

منا الذي هو ما إنْ طر شاربه والعانسون ومنا المرد والشيب

فهذه الظاهرة آفة باتت تهدد كيان المجتمعات العربية كما تشير إلى ذلك الدراسات والإحصائيات، ففي مصر أظهرت دراسة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن عدد من وصلوا إلى سن الخامسة والثلاثين دون زواج وصل إلى تسعة ملايين شخص، منهم ما يزيد على ثلاث ملايين امرأة، وستة ملايين رجل. كما أوضحت إحصائية وزارة التخطيط السعودية أن عدد النساء اللاتي بلغن الثلاثين دون زواج وصل إلى مليون و90 ألف. ووفْقاً للإحصائيات الرسمية الجزائرية فإن نسبة النساء العازبات وصلت إلى 51% من إجمالي عدد النساء، من بينهم أربعة ملايين فتاة لم يتزوجن رغم تجاوزهن سن الرابعة والثلاثين. وأظهرت دراسة أن نسبة العازبات في البحرين أكثر من 20%، وفي الكويت 30%. وقل مثل ذلك في معظم الدول الإسلامية والعربية.

وهذه الظاهرة تختلف نسبتها من بلد إلى آخر، ومن بيئية إلى أخرى، تبعاً لاختلاف الأسباب المؤدية إليها.

وتتعدد أسباب هذه الظاهرة وتختلف العوامل التي أدت وما تزال إلى انتشار هذه الظاهرة وتفشيها، وتصب جميعها في بوتقة البعد عن منهج رب العالمين، وهدي سيد المرسلين، ولكن من الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة إجمالاً:

أولاً: العادات والتقاليد: فلكل مجتمع عاداته وتقاليده السائدة فيه، وهذه العادات والتقاليد منها الصالح النافع، ومنها الطالح الضار.

ومن العادات الخاطئة والتقاليد السيئة التي ساهمت في تفشي هذه الظاهرة وازديادها: المغالاة في المهور، والتباهي فيها، وهذا سبب رئيس في هذه المشكلة، وعائق كبير يحول دون زواج كثير من الفتيان. وهذه مشكلة تواجه جل الشباب الراغبين في الزواج.

ومن العادات: اشتراط أن يكون الرجل الذي يرغب في الزواج منهم من أسر معينة، ويشددون في هذا الأمر دون مراعاة لإيمانه وورعه وأخلاقه، وهو ما أدى إلى كثرة الفتيات وازدياد العوانس.

ومن العادات الخاطئة: التزام الترتيب بين الفتيات في الزواج: فبعض الأسر لديهم طقوس معينة في تزويج بناتهم، فتجدهم لا يزوجون البنت الصغرى قبل الكبرى مهما كانت الظروف! ففي أحيان كثيرة نجد أن بعض الفتيات يتقدم لهنّ أكثر من خاطب في أوقات متفرقة، فيردون بحجة أن الفتاة الكبرى لم تتزوج بعد! وهكذا يستمر هذا المسلسل حتى يصل الفتيات في البيت جميعاً إلى مرحلة العنوسة.

ثانياً: من الأسباب: الآباء والأمهات: فجشع بعض الآباء يصد الخطّاب عن ابنته، لأنها موظفة تدر عليه دخلاً شهرياً، ومنهم من إذا رأى في ابنته جانباً من الجمال والأدب الجمّ، دفع عنها الخطّاب على أمل أن يتقدم لها أصحاب جاه أو ثروة، فيساومه عليها، وهذا الصنف وإن كان قليلاً في المجتمع إلا أنه موجود، ولا يسعنا تجاهل كونه سبباً وراء انتشار هذه الظاهرة.

ومن الآباء من يضع شروطاً تعجيزية تُفرض على الزوج، وهو ما يدفعه إلى العدول عن الزواج بابنتهم.

ومن الأسباب: سمعة بعض العوائل، كأن تكون سيرتها غير حسنة، أو تكون الأسرة غير مستقرة، أو تكون الأم مطلقة ولديها عدد من البنات في سنّ الزواج، فيتخوف الخطّاب من التقدم لديهم. أو أن نفس الفتاة ترى كل يوم المشاكل بين والديها فتنشأ الفتاة ولديها عقدة عن الزواج، فترفض الإقدام عليه خوفاً من الوقوع في المشاكل ذاتها.

ثالثاً: من الأسباب التي تقف وراء هذه ظاهرة العنوسة: نفس الفتيات: فلا يمكن لإنسان منصف أن يعفيهنّ من دورهنّ في انتشار هذه الظاهرة، وذلك من خلال تعذرهنّ بإكمال الدراسة: فبعض الفتيات يرفضن الزواج بحجة إتمام الدراسة، فيمضي بهنّ قطار العمر، ويتقدم بهنّ السنّ، فلا يشعرن إلا حين يقف بهنّ في محطة العنوسة. وكذلك غرور بعضهنّ واعتقادهنّ أن فارس أحلامهنّ لم يولد بعْد، وأنه لا أحد يستحق جمالهنّ. وكذلك حرص بعضهنّ على الوظيفة، حتى أن بعضهنّ يشترطن على الخاطب أن لا يمعنهنّ من العمل. وكذلك اختيار بعضهنّ للعنوسة اختياراً، وذلك من خلال بحثهنّ عن ما يسمونه الحرية الزائفة، والتحلل من القيود، والتهرب من الالتزامات.

ومن الأسباب: سوء سمعة بعضهنّ: كأن تكون تاركة للحجاب، فينصرف عنهنّ كثير من الشباب الذي يبحث عن المحتمشمة. وكذلك انسياق بعضهنّ وراء التيارات الفكرية المنحرفة التي تنادي زوراً وبهتاناً بتحرير المرأة، ومساواتها بالرجل، فهذه لا يريدها الشاب المحافظ.

رابعاً: أسباب اجتماعية وقدرية: فمن ذلك: أزمة المساكن، وارتفاع أسعار وأجور العقارات: ففي بعض البلدان والمجتمعات يُعدّ البحث عن المسكن الملائم ليكون عش الزوجية من المهمات الصعبة، ومن الأمور التي تثقل كاهل الشباب الذين يرغبون في الزواج، وبخاصة إذا كانوا من ذوي الدخل المحدود، الذين لا يفي دخلهم بمتطلبات تأسيس بيت، والإنفاق على أسرة في مجتمع يهتم بالشكليات والمظاهر. وكذلك ضيق فرص العمل: فارتفاع نسبة البطالة بين السكان القادرين على العمل من أبرز الأسباب الكامنة وراء عزوف كثير من الشباب عن الزواج. ومن الأسباب: الحروب المدمرة: التي يذهب ضحيتها الآلاف من الشباب، فتزيد نسبة الإناث إلى الذكور. وكذلك كثرة المواليد من الفتيات، كما يشهد بذلك الواقع.

خامساً: من الأسباب: وسائل الإعلام: فوسائل الإعلام تتحمل وزراً غير قليل في تفشي ظاهرة العنوسة من خلال ما تعرضه صباح مساء من خلال الدعوة لمساواة المرأة بالرجل، ومحاربة التعدد وتجريمه. ومحاربة الزواج المبكر. ونشر الصور الإباحية والأفلام الخليعة. وتشجيع الصداقة بين الجنسين، والحب الوهمي بين الشباب والفتيات.

أسأل الله أن يصلح أحوالنا وأحوال جميع مجتمعات المسلمين.

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: يكمن علاج ظاهرة العنوسة والحد منها في معرفة أولاً أسبابها، وقد عرفنا بعض أسبابها، وثانياً في إيجاد بعض العلاجات ومنها:

تخفيف المهور وتسهيلها، والبعد عن المغالاة فيها: فقد حث الإسلام على ذلك. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ألا لا تغالوا صدقة النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه، ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية" أخرجه الترمذي. وزاد ابن ماجه: "وإن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه".

إن الزواج عباد الله هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة، فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها، والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس.

وحَثّ الإسلام على تزويج الشباب الأكفياء، وحذّر من ردهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" أخرجه الترمذي. وفي منع الفتاة من تزويجها بكفئها ثلاث جنايات: جناية الولي على نفسه بمعصية الله ورسوله، وجناية على المرأة حيث منعها من كفئها الذي رضيته، وجناية على الخاطب حيث منعه من حقٍ أَمَرَ الشارع بإعطائه إياه. وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من عضل الفتاة، وتأخير زواجها بالرجل الكفؤ، فعن عليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ثلاث لا تؤخر: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً" أخرجه الترمذي. وهناك طريقة عملية في تسهيل أمر الزواج، وتخفيف حدة المغالاة في المهور، قد أشار إليها الشيخ فقيه العصر العلامة ابن عثيمين رحمه الله فقال: "ولو أننا نسلك طريقة لتسهيل الأمر، وتخفيف حدة المغالاة بتأجيل بعض المهر، بأن تُقدّم من المهر ما دعت الحاجة إليه في النكاح، ونؤجل الباقي في ذمة الزوج لكان هذا جائزاً وحسناً، وفي ذلك تسهيل على الزوج، ومصلحة للزوجة، فإن ذلك أدعى لبقائها معه، لأنه لو طلقها لحل المهر المؤجل إذا لم يكن له أجل معين".

بل إن الآباء الصلحاء يسهلون أمر الزواج، ويختارون لبناتهم الأكفياء من الرجال، ويعرضون ذلك عليهم، فهذا الرجل الصالح صاحب مَدْيَن يَعرض بنته على موسى عليه السلام: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج) (القصص: 27)، قال القرطبي رحمه الله: "فيه عرْض الولي ابنته على الرجل، وهذه سنة قائمة، عَرَض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الحُسن عرض الرجل وليته، والمرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح.

قال ابن عمر: لما تأيمت حفصة قال عمر لعثمان: إن شئتَ أُنكحك حفصة بنت عمر. وعرض سيد التابعين سعيد بن المسيب ابنته على أحد طلبته وزوجه بها، فعن ابن أبي وداعة، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أياماً، فلما جئته، قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، قال: ألا أخبرتنا فشهدناها. قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة، فقال: أنا، فقلت: أو تفعل؟ قال: نعم، ثم حمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو ثلاثة.

وكذلك من العلاج: أن لا تجعل الفتيات الدراسة عائقاً لهنّ عن الزواج: فإن الزواج بالنسبة للفتاة أهم من الدراسة، لأن قطار الزواج يفوت بخلاف الدراسة فمجالها واسع، وقد ندمتْ كثير من الفتيات على زمان مضى رفضن فيه الزواج، وقدمنّ الدراسة عليه، حتى أن إحداهنّ صرخت بأعلى صوتها قائلة: خذوا شهاداتي وكل مراجعي، وأسمعوني كلمة: "ماما". وتقول إحداهنّ والبكاء يقطع أحشاءها: لقد كنت أرجو أن يقال: طبيبةً، فقد قيل، ماذا نالني من مقالها؟ فقل للتي كانت ترى فيّ قدوة: هي اليوم بين الناس يُرثى لحالها.

ومن العلاجات المهمة: العمل على حل أزمة المساكن، وضيق فرص العمل: وهذا واجب من واجبات الدول والحكومات، وينبغي للمؤسسات والجمعيات الخيرية أن تساهم في ذلك، وأن تقيم المشاريع الخيرية التي تسهم في زواج الشباب، وتخفف من معاناتهم.

وأيضاً: أن تقوم وسائل الإعلام بدورها المنشود: وأن تكون أدوات تشجيع للشباب والفتيات على الزواج، لا أن تكون أدوات تخذيل وتثبيط، وأن تعمل على إبراز فضائل التعدد، وقبوله بشروطه الشرعية، وتشجيع الزواج المبكر ما كانت المصلحة فيه، وقلتْ أضراره بغلبة الظن، وأن تحْجم عن الدعوة إلى الإباحية، ونشر الصور الخليعة.

وأخيراً: التعدد من العلاجات في الحدّ من العنوسة: فقد أباح لهم الإسلام ذلك للقادر بضوابطه وشروطه، فقال تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاع) (النساء: 3). ولا يمكن للشريعة أن تحث على أمر إلا وفيه مصلحة للناس وحل لمشاكلهم. والتعدد بضوابطه ميزة تميز بها الإسلام عن بقية الأديان. والإسلام حينما أباح ذلك إنما أباحه لما فيه من المصالح المرعية للرجال والنساء.

فهذه بعض الحلول التي إن عملنا بها وأخذناها بعين الاعتبار، فسنحدّ من هذه الظاهرة بإذن الله.

اللهم ..