logo www.alahmad.com
16-5-1439

الفوز العظيم

16/5/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: الفوز: كلمة جميلة محببة إلى النفوس.

الفوز: هو الغاية التي يسعى إليها المؤمنون، ويشمِّر إليها الأكياس العارفون، وشوَّق الله إليها فقال: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ) ( الصافات : 61 ). الفَوْزُ: النَّجاءُ والظَّفَرُ والخير.

من الذي لا يتمنى الفوز؟ من لا يريد أن يكون مع الفائزين؟.

وأعظم فوز يفوز به المؤمن هو الجنة. فكيف يحصل المؤمن على هذا الفوز؟.

للفوز أسباب:

أولاً: الإيمان والعمل الصالح: قال الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ الْمُبِينُ) ( الجاثية : 30 ).

وقال تعالى في سورة البروج: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ) ( البروج : 11 ). ما العمل الصالح الذي قدَّمه أصحاب الأخدود لينالوا الفوز؟ إنه الثبات على الدين والاستشهاد في سبيله.

ثانياً: من أسباب الفوز: الصدق: قال الله تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ) ( المائدة : 119 ). اعلم أنه تعالى أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة.

ثالثاً: من أسباب الفوز: الولاية بين المؤمنين: قال الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وَعَدَ اللَّهُ المؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ) ( التوبة : 71-72 ). أولياء بعض: في المحبة والموالاة، والانتماء والنُّصرة. فتحقيق الخير ودفع الشر يحتاجان إلى الولاية والتضامن والتعاون، وهذه صورة الأمة المسلمة التي يريدها القرآن.

رابعاً: من أسباب الفوز: خشية الله وتقواه: قال الله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ) ( النور : 52 ). والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يُخشى منه، ولذلك خصَّ العلماء بها في قوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء) ( فاطر : 28 )، أي: يخافه خوفاً مقروناً بمعرفة، فيترك ما نهى عنه، ويكف نفسه عما تهوى، ولهذا قال: (وَيَتَّقْهِ) بترك المحظور، لأن التقوى عند الإطلاق يدخل فيها فعل المأمور وترك المنهي عنه، وعند اقترانها بالبر أو الطاعة كما في هذا الموضع تُفسّر بتوقي عذاب الله بترك معاصيه. والتقوى أعم من الخشية، فهي مراقبة الله والشعور به عند الصغيرة والكبيرة والتحرج من إتيان ما يكره توقيراً لذاته سبحانه، وإجلالاً له، وحياء منه، إلى جانب الخوف والخشية.

خامساً: من أسباب الفوز أيضاً: الجهاد بالمال والنفس: قال الله تعالى: (الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ) ( التوبة : 20 ). وقدم المال على النفس لأنه من لم يَجُدْ بماله لا يَجُدْ بنفسه. والمجاهد استحقر الدنيا ووقف على معايبها، وعرَّض نفسه وماله للهلاك والبوار، ولولا أنه استحقر الدنيا لما فعل ذلك.

سادساً: من أسباب الفوز: الصبر على الإيذاء والاستهزاء: قال الله تعالى: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُون) ( المؤمنون : 111 ). أخبر عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين فقال: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِمَا صَبَرُوا) أي: على أذاكم لهم واستهزائكم منهم أيها المجرمون!.

سابعاً: من أسباب الفوز: الوفاء بالبيعة. بيعة من؟ الوفاء بالبيعة مع الله: قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ) ( التوبة : 111 ). بايعهم الله فأغلى ثمنهم. وما من مسلم إلا لله عز وجل في عُنُقه بيعة، وفَّى بها أو مات عليها. فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم. وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة فانظر إلى المشترِي من هو؟ هو اللّه جل جلاله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى)، وإلى العوض وهو أكبر الأعواض وأجلّها، جنات النعيم: (بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ)، وإلى الثمن المبذول فيها وهو النفس والمال الذي هو أحب الأشياء للإنسان: (أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم)، وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع وهو أشرف الرسل، وبأي كتاب رقم وهي كتب اللّه الكبار المنـزلة على أفضل الخلق: (فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ). إنها صفقة مشتراة، ولشاريها أن يتصرف بها كما يشاء، وفْق ما يفرض ووفْق ما يحدد، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، لا يتلفت ولا يتخير، ولا يناقش ولا يجادل، ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام.

ثامناً: من أسباب الفوز: طاعة الله والرسول وقول السداد: قال الله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) ( الأحزاب : 71 ). فيعمل بما أمره به وينتهي عما نهاه عنه ويقول السداد، (فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) أي: فقد ظفر بالكرامة العظمى من الله. والطاعة بذاتها فوز عظيم، فهي استقامة على نهج الله. والاستقامة على نهج الله مريحة مطمئنة، والاهتداء إلى الطريق المستقيم الواضح سعادة بذاته. قال الله تعالى: (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ) ( الحشر : 20 ). جعلني الله وإياكم من أصحاب الجنة، وأصحاب الجنة هم الفائزون.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: للفوز صور عديدة في كتاب الله، فمن صور الفوز في القرآن:

أولاً: الزحزحة عن النار ودخول الجنة: قال الله تعالى: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) ( آل عمران : 185 ). أي: فمن نُحِّي عن النار فأبعد منها، وأدخل الجنة فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة. عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَوضِعُ سَوْط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها" رواه البخاري. قال: ثم تلا هذه الآية: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ" رواه مسلم. فالأول: رعاية حقوق الله، والثاني: محافظة على حقوق العباد.

ثانياً: من صور الفوز: رضوان من الله: قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ المؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ) ( التوبة : 72 ). (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ) يحله على أهل الجنة (أَكْبَرُ) مما هم فيه من النعيم، فإن نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضوانه عليهم، ولأنه الغاية التي أمَّلها العابدون، والنهاية التي سعى نحوها المحبون، فرِضا رب الأرض والسماوات أكبر من نعيم الجنات. كما جاء في حديث البخاري رحمه الله في كلام الله مع أهل الجنة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ! فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ! وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ! وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً".

أيها المسلمون: تأملوا الفرق بين فهم معنى الفوز عند المنافق وعند المؤمن.

أما فهم المنافق للفوز العظيم: ففي قول الله تعالى: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) ( النساء : 73 )، يتمنى المنافق أن لو كان مع المسلمين في الجهاد ليُضْرَبَ له بسهم من الغنيمة يحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده. يتمنى أنه حاضر لينال من المغانم، ليس له رغبة ولا قصد في غير ذلك من جهاد وقتال، كأنه ليس منكم يا معشر المؤمنين! ولا بينكم وبينه المودة الإيمانية. إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب.

أما فهم المؤمن للفوز: فبضد فهم المنافق تماماً: روى البخاري في صحيحه عَنْ أَنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَقْوَاماً مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَإِلَّا كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيباً. فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَوْمَؤوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!.

قال القاتل: ما الفوز الذي فازه؟ قيل له: الشهادة، فكانت هذه الكلمة سبباً في إسلامه.

اللهم اجعلنا من الفائزين ..