logo www.alahmad.com
6-7-1439

ثقافتنا وثقافتهم

6/7/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: الثقافة مصطلح جميل وبرّاق.

كل واحد منا يحب أن يوصف بأنه رجل مثقف، وينزعج وربما يغضب إذا قيل عنه بأنه غير مثقف. ويمثل مصطلح الثقافة واحداً من أشهر المصطلحات التي عرفها الفكر الإنساني في تاريخه المعاصر.

ولكل أمة من الأمم، ولكل مجتمع من المجتمعات البشرية ثقافة تحدد الإطار الذي يحكم سلوك أفرادِها، ويوضح معالم فكرِها الذي بدوره يحدد أنماط السلوك الاجتماعي لأفراد هذه الأمة أو تلك، لتتميز بها عن الأمم الأخرى، وهذه الخصائص المميزة يعرف بها نوع ونهج أيّةَ أمة.

تتوقف قدرة الأمة على مواجهة التيارات الفكرية والثقافية الوافدة من المجتمعات والأمم الأخرى على نوعية وصلابة ووضوح المنهج الثقافي الذي تقوم عليه لحمة نظامها الاجتماعي.

والقرآن الكريم يمثل العمود الفقري لثقافة الأمة الإسلامية، فهو النبع الذي تستقي منه الأمة، وعلى توجيهاتِه وأوامره ونواهيه يقوم بناؤها الثقافي وإليه تلتجئ، لتستمد منه الحماية عند تكالب الأعداء، والنيل من أسسها ومتطلباتها التي يرتكز عليها أعداء هذه الأمة بقصد إنهاكها، والقضاء على مصدر القوة الذي عليه تعتمد، وبه تصمد ضد فك ارتباطها بمقوم وجودها.

أيها المسلمون: لقد ابتليت الأمةُ الإسلاميةُ في عصورها المتأخرة، بجملةٍ من الابتلاءات وسلسلةٍ من التحدياتِ التي تستهدف النيلَ من عقيدةِ الأمة وأخلاقِها وقيمِها ومبادئِها، وكان من ضمنِ ما ابتليت به طائفة من أبنائها يعتبرون أنفسهم مثقفين، ويسمون أنفسهم بالمثقفين، تدنست فطرهم، وتلوثت عقولهم، وماتت ضمائرُهم، تلك الطائفةُ متخبطة في عقائدها متضاربة في ولاءاتها، حائرة في توجهاتها، إنهم طُغامٌ من البشر يُكثرون الدندنةَ حول مصطلح الثقافة، ويطيلون الجدل والفلسفةَ عبر المقروء والمرئي والمسموع، لِسَوْق الناس إلى متاهاتٍ من العقائدِ والأفكارِ، وسراديب مظلمةٍ منتنة من الأخلاق والسلوك، وتلمّسُ روحُ التعالي ومنطقُ الاستعلاء ظاهرين بوضوحٍ في كل ما يتناوله أولئك البائسون، وأن المرء يتسائلُ أي ثقافة تلك التي يفاخرون بها؟ ويشمخون بأنوفهم من أجلها؟ وعلى أي شيء تثقفوا؟ ومن هم أساتذتهم المثقِفون لهم؟ ولا يمضون وقت طويل، إلا وتتكشف لك حقائق الأمور ويفتضح أولئك الدجاجلة لتجد ثقافتهم لا تعدو كونها ثقافة وافدة، شرقية إلحادية تارة، وغريبة انحلالية تارة أخرى، فليتهم تثقفوا بما عند أسيادهم من علوم وثقافات مفيدة كعلومهم في الطب والهندسة والزراعة والتصنيع، لكن يا لخيبتهم.

إن ما تثقفوا به هو أسوأُ ما عند الشرق وأقبحُ ما عند الغرب، إن ثقافتهم هي روايات شكسبير الإنجليزي الهالك، ومسرحيات شارل وشابلن المهرّجين الغابرين.

وحتى تكون مثقفاً في نظر أولئك ما عليك إلا أن تتناول قلماً وتكتب مقالاً ليس من شروطه الإنصاف والموضوعية، وليس من شروطه القوة والجدية، وليس من شروطه حسن العرض وسلامة الأفكار، وليس من شروطهِ الجِدةُ وروعةُ الابتكار، كلا! كل ذلك لا قيمة له ولا وزن، بل يكفي أن تهجو من خلاله المقبلين على الله الملتزمين بشرعه، ويكفي أن تسخر من الهيئة وأعضائها، ويكفي لكي تكون مثقفاً أن تتندر بالعلماء وطلبة العلم، ويكفي أن تنتقد الدين وأحكام الشريعة، ولكي تكون مثقفاً يجب أن تحشر في مقالك ذاك عدة مصطلحات معروفة تكررها بين كل سطر والذي يليه، ففي السطر الأول مصطلح الظلاميين، وفي السطر الثاني مصطلح القرون الوسطى، وفي السطر الثالث مصطلح الماضوي، وغيرها من الشنشنة التي نعرفها من أخزم.

وحتى تبتوأ منـزلةً أعلى في سُلّم المثقفين يحسن أن تحفظ قاموساً من الشتائم تسب من خلاله في كل مناسبة ملتزمٍ شريف، وتسخر من كل ذي خلقٍ عفيف، ويجب أن يعلو صوتك ويرتفع صراخك وتملأُ الدنيا ضجيجاً وأنت تنادي بالتقدمية، وتنادي بالمدنية، وتنادي بالتبعية، وتنادي بمحاكاة الكفار في عقائدهم الوثنية، وفي أخلاقهم السافلة، وفي سلوكياتهم المنحرفة، وفي مناهجهم البائسة، وفي فلسفاتهم المتخلفة، وفي معاملاتهم الجافة، وفي ظلمهم وفي بغيهم وفي عدوانهم وفي فجورهم وفي انحلالهم وفي تهكمهم.

هذا أحد مجانين الثقافة يقول: "إنَّ الحضارةَ الأوربيةَ حضارةٌ مطلقة، بمعني أنها قابلةٌ للتطبيق في كل زمانٍ ومكان، بينما الحضاراتُ السابقة تاريخيةً نسبيةً".

أتدرون ما يقصده هذا المثقف المجرم؟ إنَّهُ يمجدُ الحضارةَ الأوربيةَ ويرى قابليتها للتطبيق في كل زمان، أي: إلى الأبد، وفي كل مكان، أي: في كل شبر من أصقاع الأرض، بينما الحضارات السابقة بما فيها الإسلام هي تاريخية نسبية، أي: لها أمد محدود من الزمان تنتهي عنده.

ويقول مجرمٌ آخر من مثقفي آخر الزمان: "من المستحيل أن نقبل تقنيات الغرب ونرفض في الوقت نفسه فلسفاته وثقافاته".

إنه يريد أن يقصدنا وكأننا أطفال صغار بأننا إذا أردنا أن نستورد من الغرب الطائرة والسيارة فيجب أن نستورد معها كل ما يتبناه الغرب من عقائد وفلسفاتٍ وأفكارٍ وأخلاق، يجب أن نستورد عقيدته في التثليث وتقديس الصليب ونسبته الولد إلى الله جل جلاله. ويجب أن نستورد مع الطائرة والسيارة فجور الغرب وطغيانه وسفوله وانحطاطه، هذه ثقافتهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون.

وحتى تصبح مثقفاً أكثر وأكثر، وحتى تزداد ثقافةً وتمتلئ ثقافة يحب أن تسافر في كل إجازةٍ إلى أوروبا حتى ولو استلفت قيمة التذكرة، يجب أن تزور أوروبا كلها، مرةً إلى باريس، وأخرى إلى روما، وثالثةً إلى مدريد، ورابعةً إلى فينيا، وإلا كيف ستقابل أصدقائك المثقفين؟ بأي وجهٍ ستقابل أولئك الرحّالة الأبطال؟! ثم أي حرج ستوقع به زوجتك حين تجلس مع زوجاتهم. ثم لا تنسى حتى تكتسب مزيداً من الوجاهة بين الناس أن تحشر في ثنايا حديثك معهم ألفاظاً باللغة الإنجليزية، وتعتذر قُبيل كل كلمة أجنبية، تقولها وتعتذر بالعبارة المشهورة: "لا أدري ماذا تسمونه بالعربية"!.

أيها الأخ الكريم: إليك هذا المشهد من يوميات من يسمي نفسه مثقف عربي لتدرك أي سطحية وهامشية يمتاز بها أولئك! فلقد حسب الواحد منهم لكي يكون مثقفاً أن يجمع في مكتبته المتخلفة ركاماً من الكتب الأنيقة بلغات أجنبية متعددة، ويضيف إليها ديوان المتنبي وأبي تمام وبخلاء الجاحظ وكليلة ودمنة، ثم يستيقظ التاسعة صباحاً فيدخل مكتبته، ثم تأتيه خادمته بالقهوة الأمريكية، إذ أن من مستلزمات الثقافة وشروط المثقف أن يشرب قهوة أمريكية حتى لو كان لا يحبها، ثم يشعل سيجارته ويقرأ الجريدة الصباحية الصادرة باللغة الإنجليزية طبعاً، أليس هو مثقفاً؟! ليس المهم أن يحسن القراءة، وليس المهم أن يفهم ما يقرأ، المهم أن يقرأ مع قهوة الصباح جريدة أجنبية حتى لو أمسك بها بالمقلوب! ثم يتصل بصديقه الإنجليزي الذي تعرف عليه في لندن الصيف الفائت، كل هذه من يوميات المثقف التي لابد أن يمارسها .

بئست الثقافة هذه، وبئس المثقفون من هذا الطراز: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف:179).

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله يُعطي ويمنع، ويخفضُ ويرفع، ويضرُ وينفع، ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد ورسوله، صلى الله وسلم وبارك على الرحمةِ المهداة والنعمةِ المسداة وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين.

أمَّا بعدُ: أيها المسلمون: فممَّا تقدم ذكره تبين أي تبعية ذليلةِ وأي عبوديةِ مهينة للرجل الأوروبي يعيشها أولئك المأفونون، يريدون إرضاءهُ بأي ثمن، يقلدونهُ في طريقةِ مشيته لكي يرضى، يقلدونه في طريقة محادثته لكي يرضى، ويقلدونه في إعداده لقهوته لكي يرضى، ويقلدونه في هواياته لكي يرضى، ويقلدونه في تربيته لكلبه لكي يرضى، المهم أن يرضى عنهم كي يصبحوا مثقفين. ما لهم قاتلهم الله وللرجل الأوروبي رضي أم سخط.

ألا سحقاً لها من ثقافة، إن كانت ركائزها قهوة غربية وجريدة أجنبية.

ألا بُعداً لها من ثقافة، إن كانت ركائزها سياحة أوروبية وجلسات غليونية.

ألا تباً لها من ثقافة، إن كانت ركائزها ضعفاً في البصيرةِ، وهوساً في العقل، وتبلداً في الشعورِ.

أفٍ لها من ثقافة، إن كانت ركائزُها تنكراً للإسلام، وحقداً على حملته وهجوماً على حُلّته وشرعيته.

أمَّا نحن أتباع محمد r فثقافتنا قرآنٌ وسنة، ثقافتنا قال الله وقال رسوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85).

ثقافتنا: أخرجه البخاري ورواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة.

ثقافتنا: قال الأوزاعي وقال سفيان الثوري وحدثنا أبو زرعة.

ثقافتنا للإسلامِ خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.

ثقافتنا للإيمان ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن القدر خيره وشره.

ثقافتنا: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ) (آل عمران:18).

ثقافتنا: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (المنافقون :1).

ثقافتنا: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (البقرة : 43).

ثقافتنا: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: 185).

ثقافتنا: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة: 196).

ثقاتنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً) (النساء:136).

ثقافتنا: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر:49).

ثقاتنا: ملةٌ إبراهيمية وشريعةٌ محمدية.

ثقافتنا: أن وراء الحياة موتاً، وأن وراء الموت قبراً، وإن وراء القبر بعثاً، وأن وراء البعث حساباً، وأن وراء الحساب جنةً أو ناراً، وأن في الجنة نعيماً وحورا، وأن في النار جحيما ً وثبورا.

ثقافتنا: عميقة الأصول، ثقافتنا ضاربة الجذور، ثقافتنا ممتدة الجوانب، ثقافتنا مشرقة الأنحاء.

ثقافتنا: تفسير وحديث، ثقافتنا فقهٌ ولغة، ثقافتنا تاريخٌ وأدب، ثقافتنا علومٌ نافعة ومعارف جامعة.

مثقفونا: علماء ودعاة، مثقفونا: خطباء وأدباء، مثقفونا: فصحاء وبلغاء، مثقفونا: مناضلون ومجاهدون، مثقفونا: سياسيون واقتصاديون، مثقفونا: اجتماعيون وتربويون.

فهل يسمع أولئك الدجاجلة هذا الكلام.

لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ،وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة.

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين لا ضاليَن ولا مُضلين بالمعروف آمرين وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين.

ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى آلهِ وصحابته أجمعين.

وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي ..

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ يا عزيزُ يا غفور. سبحان ربك رب العزة عما يصفون..