logo www.alahmad.com
20-7-1439

حوض نبينا

صلى الله عليه وسلم

20/7/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: من جملة اعتقادنا عن يوم القيامة، أن هناك حوضاً يُنصب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع السلف على هذا، وآمن به المؤمنون: (كل من عند ربنا). قال عليه الصلاة والسلام: "إن لكل نبي حوضاً، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردةً، وإني أرجوا أن أكون أكثرهم واردةً". وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث النضر بن أنس عن أنس قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي؟ فقال: أنا فاعل. فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض".

إذا خرج الناس من قبورهم، وإذا أذِنَ الله للأجساد الميتة أن تُبعث مرة أخرى يوم القيامة، خرج الناس من القبور، مغبرّة رؤوسهم، حافية أقدامهم، عارية أجسادهم، فيحشرون في الموقف، والشمس تكون قريبة من رؤوسهم قدر ميل، فيصيبهم من العطش ما يصيبهم، أحوج ما يكونون إلى شربة ماء يروون بها ظمأهم، فيكون هناك الحوض في أرض المحشر.

الحوض: مكرمة ومنّة عظيمة للرسول صلى الله عليه وسلم، ليواصل المؤمنون به الشرب الحسي، كما شربوا في الدنيا الشرب المعنوي، من الاهتداء والاقتداء به صلى الله عليه وسلم، ولا يشرب ذلك الشرب الحسي في عرصات القيامة، إلا من شرب الشرب المعنوي في الدنيا، وإلاّ فإنه يذاد عنه ويطرد جزاءً وفاقاً.

الحوض: منّة الله على رسوله في الآخرة، هو الذي قال الله فيه: (إنا أعطيناك الكوثر) والكوثر نهر في الجنة يصب منه ميزابان يشخبان في حوض النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وظاهر الحديث أن الحوض يجانب الجنة ليصب فيه الماء من النهر الذي داخلها".

الحوض: يكون قبل الصراط، عند وجود الناس في المحشر، يرده المؤمنون ويذاد عنه الكافرون.

الحوض: مربع الأضلاع، طوله شهر، وعرضه شهر، كما بين المدينة وصنعاء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء في عددها ونورها ولمعانها، وهو أبرد من الثلج، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، يصب فيه نهر الكوثر الذي حافتاه قباب الدر المجوّف، وطينه مسك أذفر، وهو موجود الآن لقوله : "وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن" رواهالبخاري.

وعندما يقل نور النبوة ويخبو في الناس، ينسى الناس أمثال هذه الأحاديث ومثل هذه العقائد. فقد حصل السؤال عن الحوض في عهد الصحابة، وأنكره بعضهم لأنهم لم يسمعوا به عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد دخل أبو برزة الأسلمي على عبيد الله بن زياد، فقال له: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فيه شيئاً؟ فقال أبو برزة: "نعم، لا مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، ولا خمساً، فمن كذّب به فلا سقاه الله منه". وعن أنس قال: دخلت على ابن زياد وهم يذكرون الحوض، فقلت: "لقد كانت عجائز بالمدينة كثيراً ما يسألن ربهنّ أن يسقيهنّ من حوض نبيهنّ". وكان أنس يقول: "ما حسبت أن أعيش حتى أرى مثلكم ينكر الحوض". هذا في عهد من بقي من الصحابة، فما تظن الناس اليوم تعرف عنه؟ ولو عرفت فماذا أعدّت لتلك الساعة ولتلك اللحظة؟!.

يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث عن صفة هذا الحوض، فهل لك أن ترعني سمعك بقلب حاضر وأنت تسمع هذه الأحاديث؟.

- قال صلى الله عليه وسلم: "إن حوضي أبعد من أيلة "بلدة بالشام" من عدن، لهو أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصُد الناس عنه كما يَصُدّ الرجل إبل الناس عن حوضه".

- وقال صلى الله عليه وسلم: "أولُ الناس وروداً عليه فقراء المهاجرين، الشعث رؤوساً، الدُنُس ثياباً، الذين لا يَنكِحون المنعّمات، ولا تفتح لهم السُدد، الذين يُعطُون الحق الذي عليهم، ولا يُعطَون الذي لهم".

- وقال صلى الله عليه وسلم: "إن في حوضي من الأباريق بعدد نجوم السماء".

- وقال صلى الله عليه وسلم: "حوضي كما بين صنعاء والمدينة، فيه الآنية مثل الكواكب".

- وقال صلى الله عليه وسلم: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منه فلا يظمأ أبداً".

أيها المسلمون: إنها صفات تسلب العقل، وتثير الإيمان، وتجدد العهد مع الله، والمؤمن الصادق إذا سمع بمثل هذه الأحاديث عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم اشتاقت نفسه إليه، وعملت كل ما تستطيع حتى تشرب منه، شربة هنيئة تنالها من يد المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الحوض: موعدنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

الحوض: مأوى أهل الإيمان قبل دخول الجنة.

الحوض: يُروى عنده الظمئى.

الحوض: يَأمن عنده الخائفون.

الحوض: يَسعد عنده المحزونون.

الحوض: يقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبوبكر وعمر وعثمان وعليّ، وبقية الصحب الكرام.

الحوض: يقف عليه سادات الأمة وعلماؤها.

الحوض: يرتوي منه مصلحوا الأمة ودعاتها.

الحوض: بداية فرح المؤمن في الآخرة، لأنه لا يرده إلاّ وقد نجى من هولٍ عظيم وكربٍ جسيم.

وبعد هذا ماذا أعددّت للحوض يا عبدالله؟ وماذا أعددّت للقيا الحبيب صلى الله عليه وسلم على الحوض؟ أتعلم أنه يُطردُ أناس عن ذلك الحوض؟ أتعلم أن الحوض حرام الشرب منه لأهل الحدث والفجور؟ أتعلم أن الحوض لا يرده إلا المؤمنون الصادقون؟. قال صلى الله عليه وسلم: "إني لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتين أحدكم فيُذب عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقاً" رواه مسلم في صحيحه. وقال صلى الله عليه وسلم: "إني فرطكم على الحوض، من مرّ بي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي". قال أهل العلم: كل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه بما لا يرضاه الله ولم يأذن به، فهو من المطرودين عن الحوض، وأشدهم طرداً المبتدعة الذين يطعنون في الصحابة ويسبونهم، فهؤلاء مبدّلون لدين الله، محدثون في دين الله بما لا يرضاه الله، ولم يأذن به. وكذلك الظلمة المسرفون في الظلم والجور، وطمس الحق وإذلال أهله. وكذلك المعلنون بكبائر الذنوب، المجاهرون بها، الذين لا يستحون من الناس، ولا يستحون من الله. قال ابن عبد البر رحمه الله: "كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء". وقال أيضاً: "وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق المعلنون بالكبائر". وقال القرطبي رحمه الله: "إن أشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدّلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفّون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع". انتهى..

فيا أخي الحبيب: إن الأمر جد: (إنه لقول فصل وما هو بالهزل). من كان على بدعة فلينتبه، ومن كان مجاهراً بكبيرة فلينتبه، ومن كان مصراً على معصية فلينتبه. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم". فكان ابن أبي مليكة يقول: "اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا". رواه البخاري.

كيف بك يا عبدالله وفي ذلك الموقف لو علم بك النبي صلى الله عليه وسلم أنك قد عملت بعده أشياء وأشياء؟. كيف لو علم أن أشخاصاً بأعيانهم من أمته صار يأكل الربا كما يأكل الطعام؟. هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. كيف لو علم أن من أمته وفي بيوت المصلين منهم، يعرض الزنا والفجور بل والكفر بالله عز وجل عبر القنوات الفضائية؟ وهل بعد إدخال الدشوش في البيوت والتساهل في أمره من إحداث. هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. ألا تخشى يا عبدالله أن تطرد عن الحوض يوم العطش الأكبر بسبب ما عملت يداك؟.

ثم إن أهل البدع عامتهم مطرودون عن الحوض، لأنه يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وقد قال هو صلوات ربي وسلامه عليه: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". فاحذر أخي المسلم من البدع، فان كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ومن شؤم البدع أن الله حجب التوبة عن صاحبها كما ورد بذلك الحديث. وذلك لأن البدعة تحلو في عين صاحبها، ويرى أنه يقوم بعمل جليل، فاحذر أيها المسلم من البدع وأهلَها، واهجرهم هجراً جميلا. ومن بلايا هذا الزمان، أن البعض قد يبتلى بالعمل مع المبتدعة، إما رئيساً أو مرؤوساً أو قريناً في العمل، وهم مطرودون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فاحذرهم أخي المسلم، وقل لهم: (لكم دينكم ولي دين).

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: ويوم القيامة يوضع منبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يخطب عليه في الدنيا على حوضه. قال صلى الله عليه وسلم: "ومنبري على حوضي" رواه البخاري. فتأمل ذلك الجلال وانظر إلى هذه المعاني التي تزيد المؤمن إيمانا.

وقد زار النبي صلى الله عليه وسلم البقيع فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنّا قد رأينا إخواننا؟" فقالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد". قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: "أرأيت لو أن رجلاً له خيل غرّ محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟" قالوا: بلى. قال: "فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلمّ، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً".

أهل الوضوء والصلاة يردون على حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وتاركوا الصلاة لا يردون، لأن تاركي الصلاة لا يكونون غراً محجلين، كيف تكون لهم علامة التحجيل وهم لا يصلون؟.

إن المحافظة على الوضوء والصلاة من مبشرات المرء للورود على الحوض، وهذا يدل على النجاة من جهنم وشرها، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". فالمحافظة على الوضوء من صفات أهل الايمان. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الايمان".

إنها أعمال ربما استقلها العبد، لكنها الفلاح والنجاح، إذا أردت الفوز بالجنة والورود على الحوض وعدم الطرد عنه، فحافظ على الوضوء، وصلِ الصلاة المفروضة مع الجماعة، وابتعد عن البدع، فلا سلامة إلا بذلك.

أيها المسلمون: لقد كان الحوض موعداً لكل متظلم لا يجد من ينصفه من خصمه، وكان الحوض موعداً لكل من لا يُؤدَى إليه حقه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة في آخر حياته كما في صحيح البخاري: "إني فرطٌ لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها". قد ترى أنك لم تُنصف في الدنيا ولم تأخذ حقوقك كاملة، وهذا طبع في الناس، يرون الذي لهم وينسون الذي عليهم، يريدون من الدنيا أن تطبع على غير هذا، وهي كما قال الشاعر:

طُبعت على كدرٍ وأنت تريدهاصفواً من الأقذار والأكدار

ومتكلف الأيام ضد طباعهامتطلبٌ في الماء جذوة نار

اصبر يا عبدالله فإن موعدك الحوض، يا من تشعر بأنك مظلوم، فاصبر فإن موعدك الحوض، يا من تحس بحرارة التمسك بالسنة في هذا الزمان، اصبر فإن موعدك الحوض. ومع أول شربة من حوض النبي صلى الله عليه وسلم تنسى كل ما مرّ بك من المظالم والنقائص.

فنسأل الله تعالى شربة هنيئة من حوض نبينا لا نظمأ بعدها أبدا.

اللهم ..