logo www.alahmad.com
27-7-1439

ماحيات الذنوب

27/7/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إن المصائب لا تقع إلا بإذن الله تعالى، قال الله عز وجل: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم). وإن المصائب بمثابة الإشارات والتنبيهات من الله تعالى لعباده المخالفين وهي آيات للتخويف أيضاً،قال الله تعالى: (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا). لذا يجب على العباد الرجوع والامتثال والاستقامة قبل فوات الأوان، قال الله تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون).

أيها المسلمون: إن الله تعالى قد جعل لكل شيء سبباً يجلبه، وآفة تذهبه، فطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم سبب لجلب النعم المفقودة، وحفظ النعم الموجودة، أما المعاصي فهي سبب لذهاب النعم وحلول النقم، إذ هي تزيل النعم الحاصلة، وتقطع النعم الواصلة.

عباد الله: احذروا المعاصي والذنوب، واتقوا خطرها على الأبدان والقلوب، وانظروا وتفكروا في ظهور أثرها على الأوطان والشعوب، فإنها سلاّبة للنعم جلاّبة للنقم، تورث أنواعاً عظيمة من الفساد، وتحل أنواعاً من الشرور والفتن والمصائب في البلاد. إن ضرر المعاصي على الأفراد والمجتمعات لأشد وأنكى من ضرر السموم على الأجسام، إنها لتخلق في نفوس أهلها التباغض والعداء، وتنـزل في قلوبهم وحشة وقلقا، لا يجتمع معها أنس ولا راحة، قال الله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم).

إن المعاصي والذنوب هي أصل كل بلاء، ومصدر كل شقاء، ومنبع كل غضب وانتقام، فما نفرت النعم ولا حلت النقم، ولا تسلط الخصوم والأعداء، ولا حلت الأدواء، ولا هجمت المصائب والنكبات إلا بشؤم الرذائل والمنكرات.

ليس في الدنيا ولا في الآخرة شر ولا داء ولا بلاء إلا وسببه الذنوب والمعاصي، وما عذبت أمة من الأمم إلا بذنوبها، ففي كل آية عبرة، وفي كل مثل من الأمم السابقة بلاغ وذكرى، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقال تعالى مبيناً سبب أخذ المهلكين وعقابهم: (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). كل هذا كان فيمن قبلنا، لكن الذنوب هي التي تهلك الأمم اللاحقة أيضاً،قال الله تعالى: (ألم نُهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين).

ما ظهرت المعاصي في ديار إلا أهلكتها، ولا تمكنت من قلوب إلا أعمتها، ولا فشت في أمة إلا أذلتها، بها تزول النعم وتحل النقم وتتحول العافية ويُستجلب سخط الله.

ما نزل بالأمم والشعوب من ذل وهوان، وآلام وعقوبات وفتن وزلازل، وما سُلط الأشرار، وسيطر الفجار، وغلت الأسعار وشحت الوظائف، وكثرت الجرائم، إلا بسبب الذنوب والمعاصي، والمجاهرة بذلك من الداني والقاصي، وترك الأوامر والنواهي، فاعتبروا يا أولي الأبصار . قال الله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين).

ما الذي سبّبَ في إخراج الأبوين عليهما الصلاة والسلام من الجنة، دار اللذة والنعيم إلى هذه الدنيا دار الآلام والأحزان؟ إنها المعصية. وما الذي سبّبَ في إخراج إبليس من ملكوت السماء، وصيره طريداً لعيناً مصدراً لكل بلاء في الإنسانية؟ إنها المعصية. لماذا عمّ الغرق قوم نوح حتى على الماء رؤوس الجبال؟ إنها المعصية. ولماذا سُلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم كأنهم أعجاز نجل خاوية؟ إنها المعصية. وما السبب في إرسال الصيحة على ثمود حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم؟ إنها المعصية. ولماذا قُلب قرى قوم لوط بهم فجعل عاليها سافلها وأتبعهم بحجارة من سجيل؟ إنها المعصية. وما الذي أغرق فرعون وقومه؟ إنها المعصية. وما الذي خسف بقارون الأرض؟ إنها المعصية. وما الذي هدّ عروشاً في ماضي هذه الأمة وحاضرها طالما حُميت؟ إنها الذنوب والمعاصي.

أيها المسلمون: اعتبروا بالمصائب التي تحصل في معظم الأوطان من الفيضانات والطوفان والأعاصير التي تهلك الحرث والنسل في بعض الجهات، والجدب والجفاف وكثرة المجاعات وانتشار الأوبئة والأمراض في كثير من المجتمعات، وحوادث السيارات والقاطرات المهلكة والبواخر المغرقة والطائرات المحرقة والزلازل المروعة التي تأتي على البنيان من القواعد، فخر عليهم السقف من فوقهم. كل ذلك يا عباد الله بسبب كسب السيئات، قال الله تعالى: (فأصابهم سيئات ما كسبوا، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين). وقال تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم).

أيها المسلمون: إن المصائب سببها ما تكسبه أيدي الناس من الذنوب، قال الله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير). فمن رحمة الله تعالى أنه لا يؤاخذ العبد بكل ذنب يكسبه ولكنه يعفو عن كثير،وكما قال سبحانه: (فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) .

إن معصية الله تعالى والمجاهرة بذلك كفر بالنعم، وإن الكفر بالنعم سبب للعذاب والعقاب، قال الله تعالى: (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد). وقال تعالى: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون). وقال تعالى :(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذين عملوا لعلهم يرجعون). روى الإمام أحمد رحمه الله بسنده عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: لما فُتحت قبرص فُرّق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.

إنها مخالفة أمر الله، إنها مخالفة شريعة الله، إنها الذنوب والمعاصي التي أذلت أعناقاً طالما ارتفعت، وأخرس ألسناً طالما نطقت، وأصم آذاناً طالما استمعت، وفرقت جموعاً طالما اجتمعت.

بسبب الذنوب والآثام يكون الهم والحزن، إنها مصدر العجز والكسل وفشو البطالة، ومن ثم يكون الجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال.

إذا ابتلى العبد بالمعاصي، استوحش قلبه، وضعفت همته، وخارت عزيمته، وضعفت بأهل الخير والصلاح صلته، وقسى قلبه، ووهن بدنه، وضعف حفظه واستيعابه، وذهب حيائه وغيرته، وضعف في قلبه تعظيم ووقار الرب. وربما تنكس القلب، وزاغ عن الحق، وأدى إلى حرمان العلم النافع، وأورث ضيق الصدر.

هل تعلم يا عبد الله بأن المعاصي تعد خيانة للجوارح التي خلقها الله لتُستعمل في طاعته.

رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها

فترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الناس. وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضاً في قلوب الناس".

أيها المسلمون: من قارف المعاصي ولازمها تولد في قلبه الاستئناس بها وقبولها، ولا يزال كذلك حتى يَذهبُ عنه استقباحها، ثم يبدأ بالمجاهرةُ بها وإعلانُها وغالب هؤلاء لا يعافون، كما جاء في الحديث :"كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل العبد بالليل عملاً ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، فيصبح يكشف ستر الله عليه". رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

أيها المسلمون: لقد فشا الربا، وكثر الزنا، وشربت الخمور والمسكرات، وأدمنت المخدرات، وكثر أكل الحرام وتنوعت فيه الحيل، شهادات باطلة، وأيمان فاجرة، وخصومات ظالمة، ارتفعت أصوات المعازف والمزامير، ودخل الغناء أغلب البيوت، وتربى الصغار والكبار على ما تبثه وسائل الإعلام، وتساهل الناس في شأن الفضائيات، وفشت رذائل الأخلاق، ومستقبح العادات في البنين والبنات، وتسكعت النساء في الشوارع والأسواق، وكثرت المغازلات والمعاكسات، وتساهل البعض حتى في شأن الصلوات، إلى غير ذلك من المنكرات والمخالفات، التي لا عد لها ولا حصر. فإلى متى الغفلة عن سنن الله، ونعوذ بالله من الأمن من مكر الله: (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

فاتقوا الله أيها المسلمون وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتّبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وقد وعد سبحانه ووعده الحق أن لا يعذب المستغفرين فقال تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون).

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، واجعلنا من الصابرين والصادقين والقانتين والمستغفرين بالأسحار.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: ولشدة خطورة المعاصي وعظم بلائها، فإن الشريعة أرشدتك يا عبدالله إلى عدد من الوسائل الشرعية التي من خلالها تستطيع أن تمحو عن نفسك أثر الذنب والمعصية. وهذه بعضها:

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله بتسبيحك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: سبحان اللهِ وبحمدِه في يومٍ مائةَ مرة، حُطَّتْ خطاياه ولو كانتْ مثلَ زبدِ البحر". رواه مسلم.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله باستغفارك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: أستغفِرُ اللهَ الذي لا إله إلا هو الحَيَّ القيومَ وأتوبُ إليه؛ غُفِرَ له وإن كان فَرَّ من الزَّحْف". حديث صحيح.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله بهذا الذكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما على الأرضِ أحدٌ يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللهِ، إلَّا كُفِّرَتْ عنه خطاياه ولو كانَتْ مثلَ زبدِ البحر". حديث صحيح.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله بعد تناولك لطعامك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أكلَ طعامًا ثُم قال: الحمدُ للهِ الّذي أطعمَنِي هذا الطعامَ ورزَقَنِيهِ من غيرِ حولٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنْبِه". حديث صحيح.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله بعد لباسك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومَنْ لبِسَ ثوبًا فقال: الحمدُ للهِ الّذي كسَانِي هذا ورزَقَنِيِهِ مِن غيرِ حولٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنْبِهِ". حديث صحيح.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله حين تسمع الأذان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال حينَ يَسْمَعُ المؤذنَ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، رَضِيتُ باللهِ ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلامِ دِينًا؛ غُفِرَ له ذنبُه". رواه مسلم.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله عندما تتوضأ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُج مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِه". رواه مسلم.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله بعد صلاتك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ، وحَمِدَ اللَّهَ ثلاثًا وثلاثينَ، وكبَّرَ اللَّهَ ثلاثًا وثلاثينَ، فتلكَ تسعةٌ وتسعونَ، وقالَ تمامَ المائةِ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قدير، غُفِرت خطاياهُ وإن كانت مثلَ زَبَدِ البحر". رواه مسلم.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله قبل نومك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال حِينَ يأْوِي إلى فِراشِه: لا إِلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شرِيكَ لهُ، له الملْكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لاحَوْلَ ولا قُوةَ إلا باللهِ العلىِّ العظيمِ، سُبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ؛ غُفِرَتْ له ذنوبُه أو خطايَاهُ وإنْ كانت مِثلَ زَبَدِ البحر". حديث صحيح.

أُمحُ المعصية عن نفسك يا عبدالله إذا استيقظت من الليل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته". رواه البخاري.

أيها المسلمون: وهذه الماحيات للمعصية مختصة بالصغائر، وأما الكبائر عافانا الله وإياكم، فيلزمها التوبة بشروطها المعروفة: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة مرة أخرى.

اللهم ..