logo www.alahmad.com
4-8-1439

فضائل شعبان وبعض أحكامه

4/8/1439هـ

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إن المؤمن ليتقلب في هذا الزمان، ويمد الله له في الأجل، وكل يوم يبقاه في هذه الدنيا هو غنيمة له ليتزود منه لآخرته، ويحرث فيه ما استطاع، ويبذر فيه من الأعمال ما استطاعته نفسه وتحملته. وها قدْ مَضَى شهرُ رجب الأصم، وأهلَّ علينا شهر مبارك، شهرٌ أحبَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وفضَّله على غيره من الشهور، شهرٌ تُرفَع فيه أعمالُنا إلى الله، هذا الشهر أيها المسلم كان الصالحون من هذه الأمة يستعدون فيه، ويتسابقون فيه على طاعة الله، وكانَ يراجِع فيه العاصون أنفسَهم ليتوبَ الله عليهم، شهرٌ قال عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك شهرٌ يغفُل الناسُ عنه بين رجب ورمضان"، إنَّه شهر شعبان المعظَّم. ولنا مع هذا الشهر المبارك وقفات، ننظر فيها حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال سلف الأمة، الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، مع ذكر بعض فضائله وبعض أحكامه.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال صلى الله عليه وسلم: "ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" رواه النسائي وهو صحيح. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ولا يفطر حتى نقول: ما في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطر العام، ثم يفطر فلا يصوم حتى نقول: ما في نفسه أن يصوم العام، وكان أحب الصوم إليه في شعبان" رواه الإمام أحمد وهو صحيح.

ومن شدة محافظته صلى الله عليه وسلم على الصوم في شعبان أن أزواجه رضي الله عنهنّ كنّ يقلن أنه يصوم شعبان كله، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شهر غير رمضان، فهذه عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان" رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند النسائي والترمذي قالت: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياماً منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله". وفي رواية لأبي داود وسنده صحيح قالت: "كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان". وهذه أم سلمة رضي الله عنها تقول: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان"، رواه الترمذي بسند صحيح. ولشدة معاهدته صلى الله عليه وسلم للصيام في شعبان، قال بعض أهل العلم أن صيام شعبان أفضل من سائر الشهور، وهذا ليس بصحيح، لأنه قد ورد النص بأن شهر الله المحرم هو أفضل الصيام بعد رمضان، فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" رواه مسلم.

وذكر أهل العلم حكماً في تفضيل التطوع بالصيام في شعبان على غيره من الشهور:

منها: أن أفضل التطوع ما كان قريباً من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منـزلته من الصيام بمنـزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها فيلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالنسبة للصلاة، فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُدَ منه، ولذلك فإنك تجد رمضان يُسبق بالصيام من شعبان والاستكثار منه، ثم بعد انقضاء رمضان يسن صيام ست من شوال، فهي كالسنن الرواتب التي قبل وبعد الصلاة المفروضة.

ومن الحكم كذلك في الإكثار من صيام شعبان: ما تضمنه حديث أسامه بن زيد المتقدم ذكره وفيه قلت يا رسول الله: "لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟"، فبين له صلى الله عليه وسلم سبب ذلك وأنه أمران:

الأول: قال: "ذاك شهر يغفل الناس فيه عنه".

الأمر الثاني: قال: "وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم". إن هذا الحديث تضمن معنيين مهمين:

أحدهما: أنه شهر يغفل الناس عنه.

وثانيهما: أن الأعمال ترفع وتعرض على رب العالمين.

فأما كون شعبان تغفل الناس فيه عنه، فإن ذلك بسبب أنه بين شهرين عظيمين وهما الشهر الحرام رجب، وشهر الصيام رمضان، فاشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان، لأن رجب شهر محرم، وهذا ليس بصحيح، فإن صيام شعبان أفضل من صيام رجب للأحاديث المتقدمة. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "يغفل الناس عنه" إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو حتى الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه أما مطلقاً أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس، فيشتغلون بالمشهور عندهم عنه، ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم، ولما كان الناس يشتغلون بغير شعبان عن شعبان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمره بالطاعة وبالصيام، ويقول لأسامة لما رآه مستفهماً عن سبب الإكثار من الصيام في شعبان: "ذاك شهر يغفل الناس فيه عنه". ولذلك قال أهل العلم: هذا فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل، ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم فضّل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر كما قال: "إن أفضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل" رواه مسلم، ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يؤخر العشاء لنصف الليل، وإنما علل ترك ذلك لخشية المشقة على الناس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهل أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: "إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة" رواه مسلم، وفي رواية: "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بالذكر في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر، ولاستيلاء الغفلة على الناس، ولهذا لو نظرت إلى الفضائل والدرجات التي منحت للذاكرين في وقت غفلة الناس تجد شيئا عجباً. فهذا الرجل الذي يدخل السوق فيذكر الله، له أجر عظيم، لأنه ذكر الله في مكان غفلة الناس، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبني له بيتاً في الجنة". والأجور المترتبة على الاشتغال بالطاعات وقت غفلة الناس كثيرة ومتنوعة، فتعرضوا لنفحات الله يا عباد الله، وتلمّسوا مرضاته.

ثم اعلم يا عبد الله أن أحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فيه فوائد:

أولاً: أن فعلك لهذه الطاعة يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لاسيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل: أنه ليس فيه رياء، وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما في سوقه، ويظن أهل سوقه أنه أكلهما في بيته.

الفائدة الثانية: في إحياء وقت غفلة الناس بالطاعات أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس إن كان على السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الأجر على قدر النصب". وسبب أن الطاعات في وقت غفلة الناس شاقة وشديدة على النفوس، هو أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين لهم فسهلت الطاعات، وتأمل كيف أن كثيراً من الناس يشق عليهم الصيام في غير رمضان، فإذا جاء رمضان سهل عليهم الصيام ولم يجدوا مشقة في صيامه، وذلك لأن الناس من حولهم يؤدون هذه العبادة الجليلة، والناس كأسراب القطا يتبع بعضهم بعضا، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الناس أشبه بأهل زمانهم منهم بآبائهم". وأما إذا كثرت غفلة الناس تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين والطالبين لمهر الجنة، تشق عليهم طاعاتهم، لقلة من يقتدون بهم في هذه الأوقات المغفول عنها، ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم في حال الغرباء في آخر الزمان: "للعامل منهم أجر خمسين منكم - أي من الصحابة - وعندما سُأل عن السبب قال: إنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون". وفي صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العبادة في الهرج كالهجرة إليّ". وعند الإمام أحمد بلفظ: "العبادة في الفتنة كالهجرة إليّ". وسبب ذلك أن الناس في وقت الفتن تستولي عليهم الغفلة ويتبعون أهوائهم ولا يرجعون إلى دين، وينشغلون عن عبادة ربهم بهذه المحدثات والمضلات من الفتن، ويكون حالهم شبيهاً بحال أهل الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنـزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤمناً به متبعاً لأوامره مجتنباً لنواهيه، محافظاً على سنته وهديه وطريقته صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان. والفوائد في هذا الباب والمعنى كثيرة لمن تأملها ووقف معها واستزاد منها.

أيها المسلمون: ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن، ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، ولهذه المعاني المتقدمة وغيرها كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك، ويغتنم وقت غفلة الناس، وكان السلف الصالح يجتهدون في شعبان ويتهيأون فيه لرمضان، قال سلمة بن كُهيل: "كان يقال شهر شعبان شهر القرّاء". وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن. قال أبو بكر البلخي: "شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع". وقال أيضاً: "مَثَلُ شهر رجب كالريح، ومَثَلُ شعبان مَثَلُ الغيم، ومَثَلُ رمضان مَثَلُ المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان، فكيف يريد أن يحصد في رمضان".

فيا عبدالله: ها قد مضى عليك شهر رجب، فما أنت فاعل في شعبان، إن كنت تريد رمضان؟ هذا حال نبيك وحال سلف الأمة في هذا الشهر المبارك، فما هو موقعك من هذه الأعمال والدرجات؟!.

مضى رجبٌ وما أحسنت فيهِ وهذا شهر شعبان المبارك

فيا من ضيع الأوقات جهلاً بحرمتها أفق وأحذر بوارك

فسوف تفارق اللذات قهراًويُخلي الموت قهراً منك دارك

تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص واجعل مدارك

على طلب السلامة من جحيم فخير ذوي الجرائم من تدارك

بارك الله ...


الخطبة الثانية:

الحمد لله ...

أما بعد : أيها المسلمون : عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يطّلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" رواه الطبراني وابن حبان وهو حديث صحيح.

ولنا مع هذا الحديث الذي يتعلق بالنصف من شعبان أربع وقفات مهمة:

الوقفة الأولى: أن الله يغفر فيها لكل عباده إلا المشرك، فتفقد نفسك يا عبد الله وفتش باطنها، فلعلك أن تكون مبتلى بشيء من هذه الشركيات المنتشرة في الأمة، ولا تظنن بنفسك خيراً دائماً، بل اتهمها في جنب الله وفي تقصيرها، ولا تقل أني برئ من الشركيات ولا يمكن أن أقع فيها، ويكفى أنني أعيش في بلد التوحيد، فإن هذا غرور وجهل منك، فإذا كان أبو الأنبياء وإمام الحنفاء خليل الرحمن، يخشى على نفسه الشرك، بل يخشى على نفسه وعلى بنيه عبادة الأصنام، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: (واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام) وقد بيّن إبراهيم ما يوجب الخوف من ذلك فقال: (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس). قال إبراهيم التيمي: "من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟". فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يخلصه منه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال: الرياء". ومن عظيم فقه الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه التوحيد، أن جعل باباً بعنوان: باب الخوف من الشرك، ثم ساق الآيات والأحاديث في هذا المعنى، والله عز وجل قد حذر نبيه بل وكل الأنبياء من الشرك، وأوحى إليهم بأن أعمالهم تحبط إن أشركوا وهم الصفوة من الخلق فقال تعالى: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين) ثم يقول له: (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين).

الوقفة الثانية: خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم بغضاً له لهوى في نفسه، لا لغرض شرعي ومندوحة دينية، فهذه تمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا"، وقد وصف الله المؤمنين عموماً بأنهم يقولون: (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور، وسخاوة النفوس، والنصيحة للأمة، وبهذه الخصال بلغ من بلغ، وسيد القوم من يصفح ويعفو، فأَقِل يا عبد الله حتى تُقال.

الوقفة الثالثة: إحياء بعض الناس لليلة النصف من شعبان، وبعضهم يصليها في جماعة، ويحتفلون بأشياء وربما زينوا بيوتهم، وكل هذا من البدع المحدثة التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحبه ولا تابعوهم، وهم الحجة لمن أراد سواء السبيل، وما ثبت في هذه الليلة من فضل هو ما قدمناه من أنك يجب عليك أن تحقق التوحيد الواجب، وتنأى بنفسك عن الشرك، وأن تصفح وتعفو عن من بينك وبينه عداوة وشحناء، أما إحداث البدع في هذه الليلة فإن أهلها هم أولى الناس بالبعد عن رحمة الله.

الوقف الرابعة: أن لا يصوم الإنسان بعد منتصف شعبان حتى يحتاط لشهر رمضان بزعمه، فإن هذا من التنطع والغلو في الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان"، فهذا الحديث وما في معناه للمتنطعين والمتشددين الذين يستقبلون رمضان بالصيام بنية الاحتياط لرمضان، فهذا منهي عنه، ولا يدخل في هذا أن يصوم الإنسان ما كان معتاداً له من صيام الاثنين والخميس مثلاً، أو ثلاثة أيام من كل شهر، أو القضاء، أو النذر. وما له تعلق بهذا أيضاً حرمة صيام يوم الشك، قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم"، ويوم الشك هو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو من شعبان، وهو يوم الثلاثين من شعبان، فيحرم صومه بنية الاحتياط، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه" رواه مسلم. فهذا في الرجل الذي له عادة ويصومه بنية التطوع لا بنية الفرض وأنه من رمضان، أو بنية الاحتياط، فالنية هي الفيصل هنا، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.

اللهم رحمة اهد بها قلوبنا، ونسألك اللهم أن تجمع بها شملنا، وأن تلم بها شعثنا، وأن ترد بها الفتن عنا