logo www.alahmad.com
11-8-1439

تَرَكَ الاستقامة وانتكس

11/8/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: كان الفتى يعيشُ في جنةِ الاستقامةِ، يتفيؤُ ظلالَ الإيمان، ويشربُ من رحيقِ القرآن، كان يأوي إلى حملةِ المسكِ من الجُلساءِ الصالحين، ينهلُ من خيرِهم ويطربُ لمجالسهم. كان الفتى يشعرُ بانشراحِ الصدرِ، وراحةَ البالِ، لأنَّ من اتبع هُدى اللهِ فلا يضلُّ ولا يشقى. كان الفتى ممن يعمرُ المساجد، ويرتادُ حِلق القرآن، ويسابقُ إلى الخيرات. كان الفتى تجللهُ الهيبةُ والوقار، فهيئتُهُ تسُرُّ الأنظار. كان الفتى يتَّقِدُ نشاطاً وحماساً، ويمضي وقتهُ في طلب العلم والدعوة إلى الله. وفي فترةٍ من الفتراتِ تغيرَ الحالُ فلم يعدِ الفتى هو الفتى، لقد تركَ الفتى حياةَ المستمع ليعيشَ في المستنقع، وهجرَ النورُ والهدى ليُؤثرَ الظلماتِ والردى. لقد بدأت معالمُ التغيرِ حينما هجرَ الفتى مجالسُ الأخيارِ، وأكثرَ من الاعتذار، مختلقاً الواهي من الأعذار، افتقدهُ إخوانُهُ، وابتعد عنهُ أقرانهُ، ليبدأَ مرحلةً أخرى من التغيرِ ألا وهي التغيرات المظهرية.

زالَ من الوجهِ ضياؤه، وبدأ الاهتمامُ المفرط بالمظهر، وتغيُّرِ الظاهر نذيرٌ بخرابِ الباطن، فقسا القلبُ، وهجرَ كتابَ الله، والصلواتُ بدأت تفوتُ وتُقضى، واستحلَّ ما كان حراماً من نظرٍ للقنوات، واستماعٍ للمُحرمات، وسهرٍ في الاستراحاتِ، لقد استبدلَ الفتى حياةَ العز بالذّل، وتركَ حياةَ النعيمِ والاستقرارِ مع الصالحينَ والأخيار، ليقترنَ بالعارِ مع الطالحينَ والأشرار.

إنَّها الضلالةُ بعد الهدى، والحورُ بعد الكور، إنَّها الانتكاسةُ والسقوطُ على الطريق. إنَّها ظاهرةٌ تبعثُ على القلقِ، وتدعو المسلمُ الجاد أن لا يقفَ موقفَ الحيادِ تجاهها، فخسارةُ فردٍ من أبناءِ الأمةِ بعد أن هداهُ اللهُ وأنقذهُ لا يمكنُ أن يرضى به مسلم. إنَّها ظاهرةٌ مؤلمةٌ لأنَّها تمثلُ تآكلاً من الداخل، وفي وقتٍ ومرحلةٍ الأمةُ فيها أحوجَ ما تكونُ إلى تنامي هذا التيارِ المبارك. إنَّها تمثلُ إهداراً لجهودٍ خيِّرةٍ من الشبابِ والدعاةِ في الدعوةِ والتربية، إنَّ الانتكاسَ عن الهدى جُرمٌ عظيم، لأنَّ المنتكسَ بفعلهِ هذا يشوِّهُ الحقَّ الذي تنكّرَ له، ويشككُ بالدعوةِ التي نكصَ منها، كما أنَّهُ يشمّتُ الأعداءَ، ويغري الأشقياءَ، ويضعفُ القولَ ويخلخلُ الصف.

لقد شنَّع كتابُ اللهِ على المتساقطينَ الزائغين بعد الهداية، فأعلنَ خسارتهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف). وبيّنَ أنَّ ذلك من تزيينِ الشيطان: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ). ودعا عليهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينما قال: "إنِّي على الحوضِ حتى أنظرَ من يَرِدُ عليَّ منكم، وسيؤخذُ أناسٌ دوني، فأقول: يا رب منِّي ومن أمتي، فيقالُ: أما شعرتَ ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدكَ يرجعونَ على أعقابهم، فأقولُ: سحقاً سحقاً، لمن بدَّلَ بعدي". فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهمَّ إنَّا نعوذُ بك أن نرجعَ على أعقابنا أو أن نُفتنَ عن ديننا.

إنَّ المنتكسَ يعارضُ بفعلهِ قولَ الله تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)، ويدعو بسلوكهِ وانتكاسهِ إلى حياة الضلالِ والشقاء. إنَّ المنتكسَ قدحَ في الشريعةِ ونورَها وضيائَها، وششكك في الاستقامةِ وآثارها.

إننا بحاجةٍ إلى مثلِ هذا الحديثِ، لأنَّ من شبابنا الصالحينَ من يشعرُ إنَّه اجتاز القنطرةَ، ووصل إلى برِ الأمانِ، فأمنَ من الضلالة، ومن الحورِ بعد الكور، وهي أولُ أمارةٍ على ضعفِ الإيمانِ والغرورِ والعجب.

لقد أخبرَ سُبحانهُ أن نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم يحتاجُ إلى توفيقهِ وتثبيته: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً). وإنَّ القلوبَ بيدِ الله سُبحانهُ وتعالى ففي الحديث: "ما من قلبٍ إلاَّ بين أصبعينِ من أصابعِ ربِّ العالمين، إن شاءَ أن يقيمهُ أقامه، وإن شاءَ أن يزيغهُ أزاغه". وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدعو ربَّهُ قائلاً: "يا مثبتَ القلوبِ ثبت قلوبنا على دينك".

إنَّ المنتكسَ إنَّما يجني على نفسه، وما ربُّكَ بظلامٍ للعبيد: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). وزيغ الإنسانِ سببٌ لأن يزيغ اللهُ قلبه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). وانصرافه عن الهُدى سببٌ لصرفِ قلبه: (ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون). والمتكبرون عن آياتِ اللهِ، والمعرضُون عن الحقِّ بعد أنَّ رأوهُ واضحاً، يصرفهم اللهُ عن الانتفاعِ بها: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، والقلبُ إنَّما يطبعُ اللهُ عليه لتراكمِ الذنوبِ على صاحبه: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم).

الانتكاسُ طريقٌ شائك يسلُكُهُ الإنسانُ بنفسهِ وإرادته، لأنَّ اللهَ لا يظلمُ أحداً، وقد هدانا النجدين، وألهمَ نفُوسنا فجُورَها وتقواها. الانتكاسُ طريقٌ مُظلم، يسلُكُهُ الإنسانُ حينما يضعفُ إيمانهُ، فالإيمانُ حصنٌ عن كلِّ شهوةٍ وشبهة، وإذا خالطت بشاشتهُ القلوبَ ولّد أمةً ثابتةً لا تهزُّها الخطوب، ولا تُزلزِلها الشهواتُ والشبهات، ومتى ذاقَ العبدُ حلاوةَ الإيمانِ ثبتت قدمهُ في روضةِ الاستقامة.

قد يتوبُ شابٌ إلى اللهِ، ويسلكُ طريقَ الاستقامةِ والخير، لكنَّ الإيمانَ لم يدخل قلبه، فتعترضُهُ شهوةٌ أو شُبهةٌ، فيهوي أمامها، وينكِصُ على عقبيه، نسألُ اللهَ العافية. وحين نتأملُ في واقعنا نجدُ صوراً عدة، تعكسُ وجودَ هذا الداءَ في أنفسنا، ومنها: قسوةَ القلبِ، والبعدَ عن الله، والجرأةَ على معاصيه، والتكاسلُ عن طاعتهِ وغيرها كثير، ومما قد نبتلى به أن لا نُدرِكَ ذلك في أنفسنا.

والانتكاسُ يا عبادَ اللهِ ثَمرٌ لضعفِ العلمِ الشرعي، الذي يصحِحُ للإنسانِ عبادتهُ وتوجههُ للهِ وحده، فالتوجه للعلمِ الشرعي، والعناية به، يملأُ على المرءِ همَّهُ ووقته، فلا ينصرفُ ذهنهُ وتفكيرهُ إلى الشهواتِ والمعاصي، ولا يجدُ فراغاً في وقتهِ يُمكنُ أن يدفعهُ إلى الإثم.

والانتكاسُ حصادٌ مُرٌّ للاستهانةِ بالذنوبِ والمعاصي، كما قال ابنُ رجب رحمه الله: "وقريبٌ من هذا أن يعملَ الإنسانُ ذنباً يحتقرهُ ويستهينُ به، فيكونُ هو سببُ هلاكه". كما قال تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ). قال صلى الله عليم وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنَّهنَّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنهُ".

وإنَّ محقرات الذنوب متى يؤخذُ بها صاحبها تهلكه.

إنَّ الاستهانةَ بالمعاصي، واحتقارَ الذنوبِ يُولّدُ آثاراً سيئةً، ونتائجَ وخيمة، فهي مدعاةٌ لزيادةِ الإثمِ والسيئةِ عندَ الله، وهي مما يبعدُ عن طريقِ التوبةِ، وكم من مستقيمٍ انتكس، وكانت الخطوةُ الأولى الإطراقُ على الأطباقِ الهابطةِ ولو بحجةِ الأخبار. والاستهانةُ بالذنوب تدعو الشاب إلى عدمِ النفرةِ من أهلها، ويدعوهُ ذلك إلى التهاونِ في صحبتهم، وفي مُجالستهم، وهذا وحدهُ من أعظمِ أسبابِ الانحراف.

أيُّها المسلمون: والغرورُ والإعجابُ بالنفسِ سببٌ رئيس للضلالةِ بعد الُهدى، فالمرءُ حينَ يشعرُ بالكمالِ، لا يرى أنَّ لهُ حاجةً في مزيدٍ من طُرقِ الخيرِ والعملِ الصالح، وحينما يعجبُ المرءُ بعملهِ، فإنَّ هذا عنوانُ انسلاخهِ من عبوديةِ مولاهُ سبحانه، والغرورُ سببٌ لأن يزولَ من القلبِ خوفُ سوءِ الخاتمة، والخشيةُ من الضلالةِ بعد الهُدى، والأمانُ من ذلكَ أولَ الخطواتِ نحو الوقوعِ فيه، والإعجابُ بالنفسِ سببٌ لانشغالِ المرءِ بعيوبِ الآخرينَ وذمهم، ومن عيَّرَ أخاهُ بذنبٍ لم يمت حتى يفعلهُ.

أيُّها المسلمون: ويقعُ الانتكاسُ حينما تستحكمُ الشهوات، وتتبدَّى الغرائزُ أمامَ الشبابِ وتُحاصِرُهم، وتحيطُهم بشِراكها، ومشكلةُ الشَهوةِ تبدأُ من خلالِ نظرةٍ آثمة، أو فكرةٍ طائشة، ثُمَّ تتحولُ إلى طوفانٍ هائج، وبركانٍ ثائر، يوشكُ أن يهوي بصاحبهِ.

ويحدثُ الانتكاسُ حينما يعيشُ الشابُ على التربيةِ الجماعيةِ وحدها، دُونَ أن يعتني بنفسهِ أو يبذلَ جُهداً لإصلاحِها، فهو مع ما يحملُ من ثغراتٍ كبيرةٍ في شخصيتهِ، مايلبثُ أن يفقدَ أصحابهُ يوماً، فيسافرُ أو يُسافرون، ويغيبُ عنهم أو يغيبونَ عنه، فيرى نفسهُ أمامَ عالمٍ لم يعتد عليه، وإنَّ هذا يدفعنا إلى توجيهِ الحاملينَ أمانةَ هذا النشءِ بأن يغرسوا فيهم الحرصَ على تربيةِ أنفسهم، وأخذِها بزمامِ الطاعةِ والتقوى، وتنميةِ الشعورِ بالمسؤوليةِ الفرديةِ لديهم.

وللانتكاسِ أسبابٌ أخر، فالأصحابُ من جيرانٍ وأقاربٍ وأقران، وضعفِ الاقتناعِ، وضعفِ الجديَّةِ، والشخصيةِ الضعيفةِ والمتقلبةِ، ورواسبُ الماضي، وضغوط البيئةِ والأسرةِ، والآفاتِ القلبية، وكثرةِ الابتلاءاتِ والمحن، وعدمِ تحملِ تكاليفَ وأعباءَ الاستقامة، كلَّها أسبابٌ تقودُ إلى هاويةِ الانتكاس.

وإنَّ معرفةَ الأسبابِ، وتشخيصَ الداءِ، خطوةٌ أولى ومهمةٌ في العلاجِ بعدَ أن يستعينَ العبدُ بربهِ، ويتوجهُ إليهِ وحدهُ بالدعاءِ والرجاء، والاستعانةِ والبراءةِ من كلِّ حولٍ أو قوة، ومن اهتدى فلنفسهِ ومن ضلَّ فإنَّما يَضلُّ عليها، ومن أرادَ الخيرَ وسعى لهُ وفقهُ اللهُ وسدده، ومن ظنَّ أنَّهُ يُخادعُ اللهَ فإنَّما يُخادِعُ نفسهُ وهُو لا يشعر، ومن استكثرَ على ربهِ استقامةً وصلاحاً، فليعلم أنَّ للهِ عباداً مُكرمِين، يسبِحونَ الليلَ والنهارَ لا يفتُرون، ولا يعصُون اللهَ ما أمَرَهُم ويفعلونَ مايُؤمرون. ربنا لا تُزغ قُلوبنا بعد إذ هديتنا ..

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إذا أدركنا يا عباد الله خطورةَ الانتكاسِ، وعلمنا أسبابهُ، والطرقَ الموقعةِ فيه، والمسالكَ الموصلةِ إليه، وإذا عرفنا كيفَ كانَ السلفُ أهلُ الإيمانِ والتقوى، وأربابُ الصلاحِ والخشيةِ، كيفَ كان أولئكَ يَخافُونَ من سُوءِ الخاتمةِ، ويسألونَ اللهَ الثباتَ على هذا الدين. بعد ذلكَ كلهِ أقولُ لنفسي ولك يا أخي، إنَّ هذه الهدايةِ والتوفيقِ لسلوكِ الطريقِ المستقيمِ، والسيرِ في ركابِ الصالحين، والتجافي عن طريقِ الضالين، إنَّ ذلكَ كلَّهُ ليسَ بجهدنا ولا ذكائنا وحرصنا، بل هُو أولاً وأخيراً نعمةً من اللهِ سُبحانه، تستوجبُ الشكرُ والاعترافُ بالفضلِ للهِ وحده، وتستحقُ المحافظةَ عليها، والعنايةَ بها، وهي منةٌ من الله، واللهُ يختصُّ برحمتهِ من يشاء.

أخي رعاك الله : إنَّ نعمةَ الهدايةِ أغلى ما يملكهُ المرءُ، وأتَمُّ وأكملُ نعمةٍ يمنُّ بها اللهُ عليه، والاستقامةُ تاجٌ على رؤوسِ الصالحين لا يراهُ إلاَّ المنحرفون، فهل نُدركُ عظمَ مسؤوليتنا في الحفاظِ على هذهِ النعمة، والسعي للثباتِ على هذا الصراطِ المستقيم. وحين نرى أولئكَ الذين ركبُوا طريقَ الغوايةِ، وضلُّوا سواءَ السبيل، نُدرِكُ خُطورةَ هذا المسلك، ويضعُ المرءُ يدهُ على قلبهِ، سائلاً اللهَ الثباتَ والهداية، ورحمَ اللهُ ابن القيم إذ يقول:

واجعل لقبك مُقلتين كلاهما بالحقِّ في ذا الخلق ناظرتان

فانظر بعينِ الحُكمِ وارحمهم بها إذ لا تُردُّ مشيئةُ الديّان

وانظر بعينِ الأمرِ واحملهم على أحكامهِ فهُما إذاً نظرانِ

واجعل لوجهك مقلتين كلاهما من خشيةِ الرحمن باكيتان

لو شاءَ ربُك كنت أيضاً مثلُهم فالقلبُ بين أصابعِ الرحمنِ

إنَّهُ لا يشعرُ بعظمِ نعمةِ الله عليهِ بالهداية، إلاَّ من اكتوى بنارِ الغوايةِ، ولا يُقدرُ منّةَ اللهِ عليهِ في الإيمانِ إلاَّ من ذاقَ ويلاتُ الفسوقِ والعصيان، من ضياعٍ وحيرةٍ واضطراب: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا). فمن أدركَ قدرَ هذهِ النعمةِ عزَّ عليه فِراقُها، ومن تذوقَ حلاوةَ هذهِ المنّةِ كرهَ مرارةِ البُعدِ عنها كما يكرهُ أن يُلقى في النار، وتذكُّر نعمةَ الهدايةِ مما يُعززُ في القلبِ الثباتَ عليها، وطلبِ أسبابِ بقائها.

أيَّها المستقيم: وأنت تعيشُ في جنةِ الاستقامةِ، وتنهلُ من رحيقِ العبادةِ، فلا تنسَ من نكصوا على أعقابهم، وارتدُّوا على أدبارهم من بعد ما تبينَ لهم الهُدى، لا تنسَ من رأى الحقَّ لكنَّهُ انسلخَ من آياتِ اللهِ، وتجردَ من الغطاءِ الوافي، والدرعِ الحامي، وانحرف عن الهدى ليتبعَ الهوى، لا تنسَ أولئكَ المنتكسينَ من نُصحك ودعوتك، ذكِّرهُم أيُّ نعيمٍ تركوه، وأيُّ خيرٍ فارقوه. وفي الحديثِ القدسي يقول الله تعالى: "يا عبادي لو أنَّ أولَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحد ما نقصَ ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي إنَّكم لن تبلغوا ضُري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي إنَّما هي أعمالُكم أحصيها لكم ثُمَّ أوفيكم إيَّاها، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاَّ نفسه".

لا زال البابُ مفتوحاً، والطريقُ مشرعةً، أو لسنا نقرأ قولَ العزيزِ الغفور: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم).

فكن جريئاً وجاداً وحازماً مع نفسك، وأعلنها عودةً صريحةً إلى الله قبل أن تغرغر، وقبل أن تقول: (رَبِّ ارْجِعُون). إننا لا نطلبُ منك أن تسلكَ طريقاً مجهولَ المعالمِ، لا تدري ما وراءهُ، إننا نطَالبك يا أخي أن تعودَ لفطرتك التي فطركَ اللهُ عليها، وأن تعودَ لتلك الحال التي كنتَ فيها، في قطارِ الصالحين والعابدين.

اللهم ..