logo www.alahmad.com
10-9-1439

الرابح والخاسر في رمضان

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: لا شك أن بلوغ شهر رمضان نعمة كبرى لا يقدّرها حق قدرها إلا المحبون لربهم المشتاقون إلى رضاه، وإن مَن أحسن استشعار هذه النعمة بادر باغتنامها، فإنها إن فاتت كانت حسرةً ما بعدها حسرة، وأي خسارة أعظم من أن يدخل المرء فيمن عناهم المصطفى بحديثه على منبره في مسألة بينه وبين جبريل الأمين: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له، فدخل النار فأبعده الله قل: آمين، فقلت: آمين"، فمن حُرم المغفرة في شهر المغفرة فماذا يرتجي؟! ومن أضاع موسم الخيرات فمتى يسابق وينافس في أعمال البر؟!.

إن استشعار هذه النعمة وشكر الله عليها، هو مفتاح القبول، فعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بُسْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا عَبْدٍ جَاءَتْهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ اللَّهِ فِي دِينِهِ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ سِيقَتْ إِلَيْهِ، فَإِنْ قَبِلَهَا بِشُكْرٍ، وَإِلا كَانَتْ حُجَّةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ لِيَزْدَادَ بِهَا إِثْمًا وَيَزْدَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطًا" أخرجه البيهقي. وإن من نعم الله تعالى على عباده إدراك نفحات هذا الشهر ورحماته، فإذا تَقبّل العبد هذه النعمة بالشكر واغتنم الشهر في الصالحات، فاز برضا رب الأرض والسموات. ولِمَ لا ورمضان منحة عظيمة تضاعف فيه الحسنات، وتعظم فيه السيئات، وتفتح فيه أبواب الجنات، وتقبل فيه التوبة إلى الله من ذوي الآثام والسيئات.

تأتي أيام رمضان ليفتح الله برحمته أبواب الأجر والخير على عباده، وتكثر فيه سُبل اكتساب الحسنات، مع ما اختص الله به هذا الشهر العظيم من مضاعفة أجور الأعمال الصالحة، فضلًا من الله عز وجل وكرمًا منه على عباده، فينادي منادٍ في أول ليلة من رمضان فيقول: "يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر" رواه الترمذي.

وبرغم ما في هذا الشهر المبارك من أعمال صالحات، ورغبة الصالحين في الإكثار من العبادات والدعاء، والتوسع في المعروف والبذل، وتفريج الكربات، إلا أن بعض الناس أرخص لياليه بمتابعة الفضائيات، والسهر في غير طائل، والنوم غالب النهار، فإذا انقضى شهر الصيام خرج بحصيد الهشيم، فلا لمال فيه جمع، ولا للآخرة ارتفع، فيربح الناس وهو الخاسر.

أيها المسلمون: إن الذي يطالع بلاد المسلمين وكيفية استقبالها لشهر رمضان في هذه الأيام، يجد بونًا شاسعًا بين ما نفعله في زماننا من مظاهر استقبال شهر رمضان، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فالسلف رحمهم الله كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر حتى يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه اجتهدوا في العبادة فيه، ودعوا الله سبحانه ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم. أما أصحاب الفضائيات والإذاعات في زماننا، فإن معظمهم يستعد لرمضان قبل مجيئه بستة بحشد أشهر الممثلين وإنتاج أضخم المسلسلات والأفلام للعرض على المسلمين في أيام وليالي رمضان!.

وقبل دخول شهر رمضان بأيام، إذا ذهبت إلى الأسواق والمتاجر والجمعيات ستجد الناس يجمعون أصنافًا وألوانًا من الطعام والشراب بكميات كبيرة، وكأنهم مقبلون على حرب ومجاعة وليس على شهر التقوى والصيام!.

وإن السعيد حقًّا من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة من يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، وينجو من الغفلة المهلكة فإن الغفلة ضيعت عمر كثير من الناس واستهلكت لياليهم وأيامهم، وحين ينـزل الموت بساحة أحدهم يستذكر ما فرط فيه، ولات ساعة مندم.

أيها المسلمون: من أراد الله به خيرًا حبَّب إليه الإيمان وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان فصار من الراشدين، ومن أراد به شرًّا خلَّى بينه وبين نفسه، فأتبعه الشيطان فحبَّب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين. ولذا يجب الحذر من المعاصي، فكم سلبت من نعم! وكم جلبت من نقم! وكم خرّبت من دِيَار! وكم أخلت دَيَّارًا من أهلها فما بقي منهم من أحد! كم أخذت من العصاة بالثأر! كم محت لهم من آثار!.

وهناك أمور كثيرة إذا اجتمعت على العبد أفسدت عليه شهر رمضان وخرج منه خاسرًا، ومن هذه الأمور:

أولًا: الغفلة عن النية وعدم احتساب الأجر:

كثير من الناس إذا اعتاد سماع النصوص الشرعية المتعلقة برمضان وبغيره من المواسم الشرعية أغلق مسامعه، ولم يعد يتدبر في هذه النصوص، فضلًا عن أن يستنبط من الآيات والأحاديث المعاني التي فيها، فإذا سمع مثلًا الوعاظ والعلماء في رمضان يذكرون حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، اكتفى بسماعه الأول ولم يعد يتدبر في معانيه، ويغفل عن الإيمان والاحتساب في هذا الشهر الفضيل. اعلم يا عبد الله أنك ما تركت الطعام والشراب، وابتعدت عن المعاصي والشهوات إلا لله وحده، طلبًا لرضاه، واستجابة لأمره، فلا يهمنّك أحد من الناس، علم أو لم يعلم، فصومك لله وخوفك لله، ولهذه المعاني الجميلة قال الله في الحديث القدسي: "إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي" رواه مسلم. ، إذًا فالصيام عبادة خفية بينك وبين الله لا يعلم بها إلا الله، فمن صام بهذه المعاني وجد حلاوة الصيام، وشعر بلذة رمضان، فأقدم على الأعمال الصالحة أيما إقدام.

ثانيًا: من الأمور التي يخسر العبد فيها كثيراً من أجر الصيام: إهمال الصلوات الخمس، وتأخيرها عن وقتها، وأداؤها بكسل وخمول:

وهذا من أعظم أسباب خسارة رمضان، فمن لم يحرص على الفرائض ولم يقم بالواجبات، فكيف تُرجى منه النوافل؟! بل كيف يرجى منه استغلال رمضان؟! ربما صلى الرجل في آخر الوقت الصلاة ينقرها نقر الغراب، فكيف لمن كان هذا حاله أن يستغل رمضان في طاعة الله والفوز فيه؟! بل هذا يخشى على صيامه ألا يقبل، والعياذ بالله.

ثالثًا: السهر في غير طاعة:

وهو من أعظم أسباب خسارة رمضان، وكيف يرجى لمن سهر طوال الليل في غير طاعة أن يفوز برمضان؟! فتجد أكثر الناس يجلسون طوال الليل مع الأقارب أو مع الأصحاب وتذهب الساعات بالقيل والقال، ولعب الورق، وتتبع القنوات الفضائية، وربما جلسوا حتى وقت السحر لم يقرؤوا حرفًا من كتاب الله، أليست خسارة أن تضيع هذه الساعات الطوال من رمضان في كل ليلة بمثل هذا؟!.

رابعًا: كثرة الأكل والشرب عند الإفطار والسحور:

فكثرة الأكل والشرب والإفراط في ذلك فضلًا عن أنه يقسّي القلب، يصيب الإنسان بالخمول والتخمة، فيرغب في النوم، فلا يتلذذ بصلاة ولا يتدبر القرآن، ولا يستطيع القيام، وهذا فيه من الخسارة ما الله به عليم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ" رواه الترمذي. فإذا أراد العبد أن يصح جسمه ويقل نومه فليقلل من الأكل، فإن مما يترتب على كثرة الأكل والسهر: كثرة النوم والخمول والكسل. ولو نام العبد في الليل ساعات لجلس بعد صلاة الفجر يذكر الله، ويقرأ القرآن، وأصبح طوال نهاره طيب النفس نشيطًا.

بارك الله ..


الخطبة الثانية :

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: إذا عرف العبد قدر نعمة الله عليه، وقدرها حق قدرها، ربح. والعكس بالعكس ولا يظلم ربك أحدًا. وإن من المعينات على الربح في شهر رمضان أمور كثيرة، منها ما يلي:

أولاً: تعظيم شعائر الله:

لا شك أن شهر رمضان وصيامه وقيامه من شعائر الله تعالى، وإن رضا المسلم عن ربه تبارك وتعالى، ورضاه بما اختاره له وفرضه عليه، وتعظيم ما عظمه الله وإقامة حدوده، هو من تعظيم الله وتعظيم حرمات الله، قال الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّه) (الحج : 30)، وقال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوب) (الحج : 32).

وإن من تعظيم الله تعالى في شعيرة رمضان تعظيم حرمات الشهر، ولزوم ما أمر الله بأدائه، واجتناب نواهيه ومحرماته، فإذا كانت الطاعة فيه عظيمة فالمعصية أيضًا خطيرة، قال الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون) (البقرة : 229).

وإن تعظيم حرمات الله تعالى واحترام أوامره وامتثالها، ومعرفة نواهيه واجتنابها، لهو طريق إلى الفلاح، وسبيل للنجاح، ودليل على الإيمان، وبرهان على الإحسان، وسبب للغفران.

ثانياً: تلمح الأجر والبصر بالعواقب:

إذا تلمح العبد الأجر فيما يعمل وتبصر بعواقب عمله، دفعه ذلك دفعًا إلى اتباع مراضي الله تبارك وتعالى وعدم التفريط في طاعته. وتدبر معي هذا الحديث الجليل عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قَالَ اللَّهُ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ" متفق عليه.

وهذا الحديث يدعونا في مواضع منه إلى تملح الأجر وبيان عاقبة العمل الصالح، فتخيل قوله تعالى: "إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به"، وكذا تخيل فرحة الصائم، يفرح عند فطره بأمرين، باستكمال صوم اليوم الذي منّ الله عليه بصيامه، وقوّاه عليه، ويتناول ما أحل الله له من طعام وشراب، ويفرح عند لقاء ربه بما يجده عند ربه مدخرًا له من أجر الصيام.

ثالثاً: اتخاذ القدوة الحسنة:

إن اتخاذ المسلم لمن سبقوه من الصالحين قدوة حسنة له، لهو من طرق النجاة وسبل الفوز في الآخرة، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. ولذلك أن يلجأ العبد في رمضان إلى سير السلف يقوي عزيمته ويعلي همته، فيطالع سِيَرهم، وينظر في أحوالهم، كل هذا يدفعه إلى مزاحمة الصالحين، ومتابعة السلف الصالح الذين كانت لهم في رمضان أحوال خاصة مع شهر الصيام، إذ كانوا ينتظرون رمضان بشوق وحنين متخذينه شهر مضمار وسباق إلى الله تعالى، فإذا دخل رمضان كانوا قليلًا من الليل ما يهجون وبالأسحار هم يستغفرون، يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، فيصبحون شعثًا غبرًا صفرًا، ولكنهم فازوا بالنعيم وزيادة.

رابعاً: مما يعينك على أن تربح في رمضان: الحذر من اللصوص:

يكثر اللصوص في رمضان، لصوص الطاعة، ممن يريدون للمؤمن الخسارة، فتكثر متابعة الشاشات، والإعداد الخلاب للأفلام والمسلسلات، وبرامج المسابقات، وهناك السهرات الرمضانية، وخيام الإفطار والسحور، وغير ذلك الكثير من مفسدات الشهر ولصوصه، ولذا يجب الحذر من هؤلاء اللصوص والالتجاء لله تبارك وتعالى أن يأخذ بيد العبد للهداية ويوفقه للطاعة ويحميه من المفسدين.

خامساً: تذكر الأحبة الراحلين:

إذا كان إدراك رمضان من أجلِّ النِّعَم، فإن مما يعلي وينمي قيمة هذه النعمة تذكر الأحبة الراحلين الذين ماتوا قبل رمضان، فكم غيّب الموت من صاحب، ووارى من حميم ساحب، وكم اكتظت الأسِرَّة بالمرضى الذين تتفطر قلوبهم وأكبادهم، ويبكون دمًا لا دموعًا حتى يصوموا يومًا واحدًا من أيام رمضان، أو يقوموا ليلة واحدة من لياليه، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون!.

وإن طول العمر والبقاء على قيد الحياة فرصة للتزود من الطاعات، والتقرب إلى الله عز وجل بالعمل الصالح. فرأس مال المسلم هو عمره، لذا احرص على أوقاتك وساعاتك حتى لا تضيع سُدًى، وتذكر مَنْ صَام معك العام الماضي وصلى العيد! ثم أين هم الآن بعد أن غيبهم الموت؟! وتخيل أنهم خرجوا إلى الدنيا اليوم فماذا يصنعون؟! سيبحثون عن حسنة واحدة، وها هو شهر الخيرات بين يديك فاغتنمه.

سادساً: لعله آخر رمضان:

احرص أخي المسلم على اغتنام هذا الشهر المبارك، وتذكر حال إخوان لك كانوا بالأمس معك فحضروا رمضان وقاموا وصلوا وصاموا، ثم أتتهم آجالهم فقضوا قبل أن يدركوا رمضان الآخر، فهم الآن في قبورهم مرتهنون بأعمالهم، فتذكر حالهم ومصيرهم وجد في عمل الصالحات، فإنها ستنفعك وأنت أحوج ما تكون إليها، وتذكر حال إخوان لك آخرين أدركوا رمضان وهم على الأسرَّةِ البيضاء لا حول لهم ولا قوة، يتجرعون مرارة المرض، ويزيدهم حسرة وألمًا أنهم لا يستطيعون أن يشاركوا المسلمين هذه العبادة.

وأنت لا تدري هل تعيش للعام المقبل أم يكون هذا هو آخر رمضان، فصم صوم مودع عسى أن نكون من المرحومين.

اللهم ..