logo www.alahmad.com
14-11-1439

أعمال تقي حرّ القيامة

14/11/1439ه

د. ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: الأجواء حارّة هذه الأيام. وبحسب التوقعات كما نقرأ ونسمع يُتوقع مزيد من الحر هذا العام. لكن أين هذا الحرّ من حرّ يوم القيامة؟. وأين ما يُصيب الناس من العرق في حرّ الدنيا، مما سيصيبهم من العرق من حرّ يوم القيامة. نسأل الله أن يرحمنا برحمته.

إن يوم القيامة يوم شديد، مليء بالكُرَب والأهوال، كُرَبٌ ستشيب منها الولدان، ويفر المرء فيها من الأهل والخُّلان. فمن الكُرب التي سيواجِهُها الناسُ يوم القيامة، كَرْب الإغْراقِ بالعرق، فقد جاء في الحديث الصحيح أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وقد روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: تلا رسول الله الآية: (يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَالَمِينَ) [المطففين:6]، فقال رسول الله : "كيف إذا جمعكم الله كما يُجمَع النَّبْلُ من الكِنانة خمسين ألف سنة ثم لا ينظر إليكم" رواه الحاكم. والذي سيزيد هذا الكَرب شدة: هو الوقوف والانتظار تحت لهيب شمسٍ، ستقترب من الرؤوس بمقدار ميل، حتى يغرق الناس بعرقهم والعياذ بالله من ذلك الحال والمقام. فقد روى المِقْداد بن عمرو قال: سمعت رسول الله يقول: "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قَدْر أعمالهم في العَرق، فمنهم من يكونُ إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقويه، ومنهم من يُلجِمُه العرق إلجامًا"، وأشار رسول الله بيده إلى فِيه. رواه الإمام مسلم.

ويزداد كَرْب الناس وضَنْكُهم بالعَرق ما لا يطيقون، إذ يغوصُ عَرقُهم في الأرض سبعين ذراعًا ثم يرتفع فيَصلُ عند بعضهم حتى رؤوسهم، فقد روى أبو هريرة أن رسول الله قال: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهبَ عرقهم إلى الأرض سبعين ذراعًا ويُلجِمُهم حتى يبلغ آذانهم" رواه البخاري.

فماذا أعددنا لذلك الكَرب الشديد من عمل؟! إن الناس في فصل الصيف لا يطيقون حرارة الشمس ويتذمرون منها، فتراهم يهربون من وهجها وحرارتها إلى أماكن الظل، سواء أكانت تلك الأماكن: تحت مظلة أو شجرة أو سيارة، وقد يبقون في البيت أو يسيحون في بلاد باردة.

وإنك تسمع الناس، يوصي بعضهم بعضًا، بعدم المشي في الشمس لكيلا يتعرضَ الواحد منهم لضربة شمس تُخِلُّ بدماغه، بل ويُوصَى دوليًا وعلى مستوى العالم عبر منظمات حقوق الإنسان، بمنع تشغيل العمال ميدانيًا، إذا تجاوزت الحرارة خمسين درجة مئوية، حفاظًا على صحة الإنسان وعقله من حرارة الشمس الشديدة والملتهبة صيفًا. ونسي أولئك الناس أن هذه الشمس التي يهربون منها، أنهم ملاقوها يوم القيامة بأشدّ وأقرب ما يكون؟! ألا ينبغي أن نسأل عما يَقِيَنا من حرّ تلك الشمس التي سنقف تحت وهجها ليس ليوم أو يومين، ولا لسنة أو سنتين، وإنما لخمسين ألف سنة، نعم لخمسين ألف سنة، حتى إنه رُوي أن الناس في ذلك اليوم، يتمنون لو بدئ بالحساب ليستريحوا من هَمِّ ما هُمْ فيه، ولو ذُهِبَ بهم إلى النار، عياذًا بالله من ذلك المقام.

فماذا أعددنا لذلك الكرب الشديد من عمل؟!. إن الناس اليوم يحرصون على وضع عوازلَ حراريةٍ في بيوتهم لِتَقِيهم حرَّ شمسِ الظهيرة، لِيَنْعُموا بجوّ بارد منعِش طوال يومهم، وإن الواحد منّا إذا قرّر بناء منـزل تراه يبحث عن أفضلِ وأجودِ العوازلِ الحراريةِ التي توضع في الجدران، والتي توضع على الأسطح، ولو كلّفه ذلك عشراتِ الآلاف من الريالات، وفوق ذلك كله تراه يضع المكيِّفات المركزية في كل البيت، ليعيش في جو بارد وهادئ، لا يعرف فيه الحرارة، كل ذلك من أجل أن يتقي حَرّ شمسٍ تبعُد عنا مسافة تُقدَّر بحوالي ثلاثة وتسعين مليون ميل، ولا تستغرقُ ذروةُ أشعتِها أكثر من ثمانِ ساعات يوميًا على سطح الأرض خلال فصل الصيف. ولو حسب إجمالي هذه المدة متوسط بعمر الإنسان نجد أنها لا تزيد على ثمانِ سنوات متواصلة. ومع ذلك يدفع الإنسان مبالغَ طائلة، تصل إلى عشرات الآلاف، ليتقي حر هذه الشمس.

وها هو رسولنا يخبرنا وهو الصادق المصدوق أننا سنحشر يوم القيامة ليوم مقداره خمسون ألف سنة تحت أشعة شمسٍ حارقةٍ لا تغْرُب أبدًا، فماذا أعددنا لذلك اليوم من موانع؟ ألا يجدرُ بنا أن نسأل عن موانع تقينا شمسَ الآخرة! وما هي الموانع التي يمكنها مقاومة حرارة تلك الشمس يا ترى، التي ستقترب منا بمقدار ميل؟! والميل الشرعي يُقدّر بحوالي أربعة آلاف ذراعًا. وهل يمكن أن ننقل معنا هذه الموانع التي صنعناها في دنيانا؟! هل سألت أخي المصلي عن الأعمال التي تنجّي صاحبَها من حر شمس يوم القيامة، وتحفظه في ظل الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه؟.

إنها أعمال أخبر بها رسولنا الكريم ، أعمالٌ صالحة أُمِرْنا بالتحلّي بها لنستظلّ بسببها تحت ظل عرش الرحمن في ذلك اليوم العصيب، ومن استظل تحت ظل العرش، سيمر عليه يوم القيامة كقَدْرِ الانتظار ما بين الظهر والعصر. فقد أخرج الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا قال: "يوم القيامة على المؤمنين كقدْر ما بين الظهر والعصر".

أيها المسلمون: هل تريدون معرفة الأعمال التي تقيكم شمس يوم القيامة؟.

العمل الأول: إنظارُ المعسِر حتى يسدد دينه أو تخفف الدين عنه، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: "من أنظر معسرًا، أو وضع له، أظله الله يوم القيامة، تحت ظل عرشه، يومُ لا ظلَّ إلا ظلُّه" رواه الإمام أحمد والترمذي. وفي رواية أن رسول الله قال: "إن أول من يستظلُّ في ظل الله يوم القيامة لرَجُلٌ أنظر معسرًا أو تصدق عنه" رواه الطبراني بإسناد حسن. وروى أبو قتادة أن رسول الله قال: "مَنْ نَفَّسَ عن غريمه أو مَحَا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة" رواه مسلم.

العمل الثاني: الجهاد في سبيل الله بالمال، فقد روى سَهل بن حُنَيف عن أبيه أن رسول الله قال: "من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عُسْرَتِه، أو مكاتَبًا في رَقَبَتِه، أظله الله يوم لا ظل إلا ظله" رواه أحمد والحاكم.

العمل الثالث: التحابُّ في الله عز وجل وليس لأجل مصلحة دنيوية، فقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله : "يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون لجلالي، اليوم أظِلُّهم في ظلِّي يوم لا ظل إلا ظلي" رواه مسلم. وروى معاذ بن جبل أن رسول الله قال: "المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يومَ لا ظلَّ إلا ظله" رواه أحمد والطبراني.

العمل الرابع: حفظُ سورتي البقرة وآل عمران، فقد روى بُرَيْدَة الأسْلَمي أن رسول الله قال: "تعلموا البقرةَ وآلَ عمران فإنهما الزَّهْراوان يُظلاّن صاحبَهما يوم القيامة كأنهما غَمامَتان أو غَيايَتان أو فِرقان من طيرٍ صوافَّ" رواه الإمام أحمد. وروى النواس بن سمعان أن رسول الله قال: "يأتي القرآنُ وأهلهُ الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمُه سورةُ البقرة وآلُ عمران يأتيان كأنهما غَيابتَان وبينهما شَرْقُ أو كأنهما غَمامَتان سَوداوان، أو كأنهما ظُلَّتان من طَيرٍ صَوَافَّ يجادلان عن صاحبهما" رواه مسلم.

العمل الخامس: الصدقة على الفقراء والمحتاجين، فقد روى عُقْبَة بن عامر أن رسول الله قال: "الرجل في ظل صدقته حتى يُقْضَى بين الناس" رواه أحمد وابن خزيمة. وفي رواية قال : "كلُّ امرئ في ظلّ صدقتِه حتى يُقضى بين الناس". فَحَرِيٌّ بكل مسلم أن يكثر من الصدقات ليستظل بها في يومٍ شديدٌ كربه، يغرق فيه الناسُ في عَرقهم.

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أما بعد: أيها المسلمون: فاتقوا الله عباد الله وسارعوا إلى مرضاة الله وإلى الأعمال التي ستنجيكم من كُرب يوم القيامة، فإن رسولنا لم يذكرْها لنا إلا رحمة بنا لعلنا نتشبث بها، فإن كل أمر، وكل عمل، أمرنا الله ورسوله به في الدنيا، فإنه فضل ومنجاة لنا من كرب يوم القيامة.

ولا يزال هناك مزيد من الأعمال التي تنجي من كرب يوم القيامة وتقي من حرّها تنتظر من يعمل بها، فإن الأمر جِدٌّ وليس بالهزل.

العمل السادس: حكم الرعية بالعدل.

العمل السابع: تنشئة الشاب على طاعة الله.

العمل الثامن: تعلق القلب ببيوت الله.

العمل التاسع: تجنب دواعي الزنا التي تبثها بعض وسائل الإعلام ليلَ نهار.

العمل العاشر: البكاء عند ذكر الله عز وجل.

العمل الحادي عشر: إخلاص العمل لله وخشيته.

ويجمع هذه الأعمال الجليلة حديث واحد رواه أبو هريرة أن رسول الله قال: "سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبهُ معلَّقٌ بالمسجد إذا خرج منه حتى يعودَ إليه، ورجلان تحابَّا في الله فاجْتَمَعا على ذلك وافْترقا عليه، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شِمالُه ما تنفق يمينُه" رواه البخاري ومسلم. إنها لأعمال جليلة يستحق كل عمل منها وقفة بل خطبة كاملة.

فحري بك أخي المسلم يا من تحرص على عدم التعرض للهيب الشمس المحرقة في الدنيا، وتوصي أبناءك بذلك، أن تحرص كل الحرص على أن تقي نفسك وأهلك حرّ هذه الشمس يوم القيامة، قال أبو موسى الأشعري : "الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظللهم وتصحبهم".

هذه بعض الأعمال التي تظلل صاحبها، وتعزله من حرّ شمس يوم القيامة، فالأمر جد خطير ولا وقت للمسلم ليضيعه فيما لا ينفع: (فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ، فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فأُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ، أَلَمْ تَكُنْ ءايَاتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ، قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ، قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ، إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلراحِمِينَ، فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ، إِنِي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ).

[المؤمنون:101-111].

اللهم ..