logo www.alahmad.com

عام هجري جديد


الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


قال الله تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ} [(44) سورة النــور] وقال تعالى: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [(140) سورة آل عمران]. إن الليالي والأيام خزائن للأعمال ومراحل للأعمار، تُبلِي الجديد وتقرب البعيد، أيام تمر وأعوام تتكرر، وأجيال تتعاقب على درب الآخرة، فهذا مقبل وهذا مدبر، وهذا صحيح وهذا سقيم، والكل إلى الله يسير. وهذا السير يباعد عن الدنيا ويقرب إلى الآخرة، يباعد من دار العمل ويقرب من دار الجزاء. قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".


نسير إلى الآجال في كل لحظة *** وأعمارنا تُطوَى وهنَّ مراحل
ترحّل من الدنيا بزاد من التقى *** فعمرك أيام وهنّ قلائل


إنّ هذه الشمسَ التي تطلُع كلَّ يوم من مشرقها، وتغرب في مغربها تحمِل أعظمَ الاعتبار، فطلوعُها ثم غيابُها إيذان بأنّ هذه الدنيا ليست دارَ قرار، وإنما طلوعٌ وزوال. انظروا إلى هذه الشهور، تُهلّ فيها الأهلّة صغيرةً كما يولَد الأطفال، ثم تنمو رويدًا رويدًا كما تنمو الأجسام، حتى إذا تكامل نموُّها أخذت في النقص والاضمحلال، وهكذا عمر الإنسان. تتجدّد الأعوام عامًا بعد عام، فإذا دخَل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظرَ البعيد، ثم تمرّ به الأيام سِراعًا، فينصرم العامُ كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام، وهكذا عُمر الإنسان، يتطلّع إلى آخره تطلُّع البعيد، فإذا به قد هجم عليه الموت، يؤمّل الإنسان بطولِ العمر، ويتسلَّى بالأماني، فإذا بحبلِ الأماني قد انصرم، وبناء الأماني قد انهدَم، كيف يفرح من عُمره يقوده إلى أجلِه، وحياتُه تقوده إلى موته؟ قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كيفَ نفرَح والموتُ من ورائنا، والقبور أمامنا، والقيامةُ موعدنا، وعلى جهنّم طريقنا، وبين يدَي ربِّنا موقفنا".
لقد ودعنا منذ أيام عاماً هجرياً، وها نحن في بدايات عام هجري جديد، وفي مثل هذه الأيام كثيراً ما يرد على ذهن المسلم الذي يعايش قضايا أمته، يرد عليه خواطر عن الهجرة وعن التاريخ، هجرة النصر وتاريخ النصر، وما كان للنصر تاريخاً وهجرة إلا أن يسطّر أحداثه بمدادٍ من نور لتقرأه الأجيال عِطراً لا يموت شذاه، ولا يجفّ نداه، تقرأه عزةً لا تذلّ، وقوةً لا تضعف، وعمراناً لا يخرب، وشمساً لا تغيب، وجمالاً لا يتشوّه على مر الدهور، وهكذا فكلّ شيء لله يبقى خالداً وجميلاً، أين عشاق الخلود والجمال؟! أين عشاق العزة والبناء؟! أين عشاق السيادة والريادة؟! إن هلال الشهر الأول من عامنا الهجري وهو يبدو أمامنا على صفحة الكون العليا ليحملنا على جناحي العظة والعبرة وكأنه يقول لنا: أتيت شهيداً كما مضى العام الراحل شهيداً، وإنه كذلك ليعيدُنا إلى بدايات إشراقات تاريخنا كمسلمين، يعيدُنا إلى ما قبل ألف وأربعمائة عام، حين اشتدّت الوطأة الكافرة على المسلمين الأوائل، نعم إنه ليوقفنا على مشاهدِ مكة ودُورها وطرقاتِها وهي تخنق صوتَ الحق، وتمحو خطواته وتضع العراقيل في طريقه، وتعذّب الركَّعَ السجود، ويوقفنا أيضاً على دَور عظيمِ الدنيا ومنقذ البشرية وزعيم الإنسانية محمدٍ –صلى الله عليه وسلم- وهو يفتح لأصحابه الأوفياء باب جهاد النفس الشاقّ هجرةً إلى الله، فتسيلُ بهم مساربُ مكة فارّين بدينهم من كيد الكائدين وظلم الظالمين، انطلقوا وكلّ منهم يحمل في صدره قوة جيش عرَمرَم بإيمانه العظيم، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [(69) سورة العنكبوت] تركوا إذ خرجوا فلذات أكبادهم، وكل أهليهم ودورهم وأموالهم، تجردوا من كل هذه العلاقات جميعاً وخرجوا، تجردوا من كل عواطفهم تجاه ما يتعلق بهم من متاع وتعلقوا بالله وكفى، وزادُهم الإيمان وكفى، لسان حال كل منهم يقول لمولاه:


أرضَى رضاك ولو أدّى إلى تلفي *** وكل ما في رضا الرحمن محبوبُ


قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [(5) سورة القصص].
إنّ هذه الأيام تذكّرنا الإمام -عليه الصلاة والسلام- وهو يؤكّد كل معاني الهجرة العظيمة، فيهاجرُ إلى حيثُ أذن له الله، وتكونُ الهجرة بذلك نصراً لا يُهزم، وسيفاً لا يُثلَم، وخلوداً لا يَهرَم، ومجداً لا يُخرم، وتاريخاً بالخلود يتكلم، وبالحب والجمال يترنم، فكم تلا الهجرة من فتح لله مبين، علت به أصوات المؤذنين تكبيرًا وتهليلاً في كلّ قُطر رفرفت عليه لا إله إلا الله، سَعُدَتْ به دنيا الناس، واطمأنت قلوبهم، وتآخت أرواحهم، أخوة دينية صادقة جرت دماؤها في كل وجدان، وخفق بها منهم كل جنان، أخوّة ما رأت فرقاً بين القرشي والفارسي والرومي والحبشي، أخوة وحّدت الصف باتحاد الهدف، وسارت بهم في أرقى صورة، أخوة طردت بنصرها الهزيمة، وغسلت بعزها الذل، ومحت بشرفها العار، وشدّت بتكاتفها أزر القوة.


يا أخي في الهند أو في المغرب *** أنا منك أنت مني أنت بي
لا تسل عن عنصري أو نسبي *** إنه الإسلام أمي وأبي


ليس غريباً أن يكون حدث هجرة النبي –صلى الله عليه وسلم- بداية وأساساً للتاريخ الإسلامي باعتمادٍ موثق ممن هاجر لله علانية، كعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولكن الغريب المؤسف المخجِل المبكي حقاً أن يتناسى ويتجاهل كثير من المسلمين تأريخهم ذلك، وكأنهم ليسوا من أتباع إمام المهاجرين محمدٍ –صلى الله عليه وسلم-.
والله إن العين لتدمع ألماً وأملاً وشوقاً وحنيناً ونحن نقلّب ونقرأ صفحات تاريخنا البيضاء وهي تحمل إلينا كالزهر شذى وعطرَ أصحابها من أسلافنا وآبائنا العظماء، وما قدّموه نصرةً لله وإعلاءً لكلمته، راضين بوعد الله لهم {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [(100) سورة النساء]. ولم لا تتقّطع القلوب أسًى ونحن نرى أعمارنا تنطوي؟ نقطع في كل يومٍ مرحلة ولم نقدم في خدمة الدين مثقال ذرة، ولم نُشهد أيامنا بشيءٍ من ذلك، ولم نسجّل تاريخنا بعد، وكأنه لا سباق لنا إلا في مجالات إشباع شهوات البطون والفروج، من أين لنا أيام نشتريها؟! من أين لنا لحظات نقتنيها؟! من يبيعنا شبابه؟! وهل لنا أن نشتري إذا قامت السوق؟!.
مِن شباب المسلمين الأوائل من ابيضّت بأعمالهم صفحات تاريخهم، فمضوا عناوين للوفاء والحق، هذا قائد منهم للجيش وعمره سبعة عشر عاماً، وذاك تغسله الملائكة في صحاف الفضة بماء المزن بين السماوات والأرض، وذاك ترفعه الملائكة على سرير من ذهب، وذاك يهتزّ عرش الرحمن لموته، وذاك يرفض الولاية والإمارة زهداً وخوفاً من الله، وذاك يموت في الأربعينات وله أكثرُ من خمسين مؤلّفاً في خدمة الإسلام، وغيرهم وغيرهم كثير. والكثير من المسلمين اليوم مع الأسف يتبارون في ميادين اللهو واللعب والانهماك في الدنيا وجمع الحطام، متنكرين لأمتهم، متناسين سرّ عظمتهم وخلودهم وسؤددهم، وجهُ أمتنا بهم مشوّه، وقلبها بهم جريح، وجسدها بهم ممزق، وعِقد صفّها بهم منتثر، ما قدّموا لدينهم أو لأمتهم شيئاً، بل ما فكّروا أن يقدّموا، وكأنهم لا يعلمون أن أطفال أعدائهم فضلاً عن الكبار يتفنّنون بالنكاية بالمسلمين في أيّ مكانٍ أمكنت النكاية، لمّا أصبحنا فعلاً أهون عليهم من الجعلان ونحن في ليل غفلة لا يسمع ولا يرى ولا يتكلّم.


تعددت يا بني قومي مصائبنا *** وأقفلت بابنا المفتوح إقفالا
كنا نعالج جرحاً واحدًا فغدت *** جراحنا اليوم ألواناً وأشكالا


فليكن لنا من مرور الأيام والتاريخ اعتبار، إن المبادئ مهما كانت كريمة لا تنتصر وحدها، بل لا بد لها لكي تنتصر من جهادٍ مرير وكفاح شاقّ وعمل منظّم وتدبير محكَم، وعلى قدر ما تكون التضحيات يكون النصر، وبقدر ما تبذل تأخذ.
إن الخطوة الأولى التي نتعلمها ونحن في طليعة عام هجري جديد أن نحيا أمناء على أيامنا، وأن نقتبس من أيامنا الضياء والنور، وأن نهجر ما نهانا الله عنه، فإن فعلنا ذلك ألبسنا أنفسنا تيجان العزة دنيا وآخرة، والزمان شاهد، والعمر واحد، وبعد الحياة موت، والصدق مع الله يسجل تاريخ صاحبه بمداد الشرف.
إن الفرد منا إذا تعرض لنكبات وخسارات فإن عليه أن يعود للملمة أوراقه وترتيب صفحاته، ويعود لنفسه ليتبين موضع أقدامه، ويبصر مكان خطواته، ليصبح في أشد الحاجة إلى عملية تجديد وبناء جديد، حتى تعود نفسه لبنة صالحة، فيقيم منها صرحاً شامخاً مشيداً مجيداً.
إن أعجب الأشياء مجاهدة النفس ومحاسبتها؛ لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة وقدرة رهيبة، فإن أقواماً أطلقوها فيما تحب، فأوقعتهم فيما يكرهون، وإن آخرين بالغوا في خلافها حتى ظلموها ومنعوها حقها، وأثّر ظلمهم لها في تصرفاتهم وتعبداتهم، ومن الناس من أفرد نفسه في خلوة وعزلة، أثمرت الوحشة من الناس، وآلت إلى ترك فرائض أو فضل من عيادة مريض أو بر والدة، وإنما الحازم المُحكم من تعلم من نفسه الجد وحفظ الأُصول، فالمحقق المنصف هو من يعطيها حقها ويستوفي منها ما عليها، وإن في الحركة بركة، ومحاسبة النفس حياة، والغفلة عنها لون من ألوان القتل صبراً، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [(18) سورة الحشر] وإن العبد المسلم لن يبلغ درجة التقوى حتى يحاسب نفسه على ما قدمت يداه، وعلى ما يعقد عليه العزم من شؤونه في جميع الأمور، فينيب إلى الله مما اجترح من السيئات، ملتمساً عفو ربه ورضاه، طامعاً في واسع رحمته وعظيم فضله، ومحاسبة النفس المؤمنة سمة للمؤمن الصالح ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني))، والذنوب واردة على كل مسلم، ولكن لا بد لها من توبة، ولا توبة دون محاسبة، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) [رواه الترمذي].
يتوب العبد بعد أن يحاسب نفسه، ويحاسب نفسه لينجو من عذاب الآخرة، فإن الشهود كثير، ولا يملك العبد في الاحتيال فتيلاً ولا نقيراً ولا قطميراً، {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [(21) سورة فصلت].
أخي الحبيب: دنياك مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر.


دع عنك ما قد فات في زمن الصبا *** واذكر ذنوبك وابكها يا مذنبُ
لم ينسه الملكان حين نسيته *** بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعبُ
والروح منك وديعة أودعتها *** ستردها بالرغم منك وتسلبُ
وغرور دنياك التي تسعى لها *** دار حقيقتها متاع يذهبُ
الليل فاعلم والنهار كلاهما *** أنفاسنا فيها تعد وتحسبُ


{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [(53-54) سورة الزمر].
لا بد من وقفة بطولية ومحاسبة شديدة حازمة حاسمة لهذه الأنفس لكي نردعها عن الزيغ والفساد، قبل أن تجرنا إلى الهاوية، فإذا لم نربِّها على الفضيلة جرفتنا إلى الرذيلة، وإذا لم نرفعها وضعتنا، وإذا لم نجرها إلى الحسنات سحبتنا إلى السيئات، إذن فلا بد من معالجة هذه الأنفس قبل أن يستفحل المرض، وقبل أن ينتشر ويكون راناً على القلوب وغلافاً على الصدور، وعلينا أن نطهرها وننظفها، لتكون بيضاء نقية لاستقبال العام الجديد، وكما قيل: المحسن هو من كان يومه خيراً من أمسه، وغده خيراً من يومه، والمسيء من كان أمسه خيراً من يومه، ويومه خيراً من غده. فالمؤمن يبقى على عبادة الله تعالى حتى يأتيه الموت، وكما يحاسب كل منا نفسه على ما قدم في عامه المنصرم، فإن من واجب الأمة الإسلامية كذلك أن تحاسب نفسها على ما قدمت في عامها، أين حالها اليوم؟ وأين حالها منذ عام؟ إن أمتنا حينما تنظر إلى عامها المنصرم ترى التقصير، وترى أن الأيام تمر عليها يوماً بعد يوم وهي لا تصعد إلى العُلى، ولا ترتفع في سلم المجد، بل تهوي وتهوي يوماً بعد آخر، وترى الأمم وهي تتداعى عليها شرقاً وغرباً كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
لقد حلّ علينا من أعمارنا ضيف فلنكرمه بصالح القول والعمل والنيات، إنه يحمِل لنا صفحاته البيضاء فلا نملؤها إلا بما يزين.
إن كثيرين مثلنا انتظروا وأمّلوا حلول هذا العام عليهم فما أدركهم، سبقت عليهم الآجال، وارتهنوا في قبورهم بما قدموه من الأعمال، ألا وإنّ الأليق بنا أن نشكر الله على هذه المهلة، ونستنقذ فيها أنفسنا، إذا كنّا أمهلنا حياة إلى الآن فلا أحد يملك ولو للحظة شهادة أمان، وإن أقوى الأقوياء أضعف من أن يدفع عن نفسه أقلّ من مثقال ذرة من قدر الله، فلنعتبر قبل أن نكون عبرة.
تستقبل الأمّةُ الإسلاميّة عامَها الجديد بجسَدٍ مقطَّع الأعضاء، مشتَّتِ الأشلاء، وبجروح نازفة في مواقعَ عديدة، في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من بلاد الله. إنها مواجعُ وفجائع هَزّت أعصابَ المسلمين، وفتقَت أشجانَهم، والأمّةُ إذا جنحَت إلى الشهوات وأحبّت الآثام واشتغلت بالخبيث عن الطيّب أسَرها الهوى، وفقدت الشعورَ بالمسؤولية، فضلّ سعيُها، وخاب أمرها، وتسلّط عليها عدوّها جزاءً وفاقًا. وفي حديث ثوبان -رضي الله عنه- أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ((يوشك الأممُ أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةُ إلى قَصعتها))، قال قائل: يا رسول الله، ومن قلّةٍ يومئذ؟! قال: ((لا، بل أنتم كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السيل، ولينـزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابةَ منكم، ولتَعرفُنَّ في قلوبكم الوهَن))، قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: ((حبُّ الدنيا وكراهية الموت)) [أخرجه أبو داود]. كيف تنتصر الأمةُ على عدوّها وقد هُزِمت في معركتها مع النّفس، ونخر جسدَها التفرّقُ والاختلاف؟!.
إنه لا درب سوى الإسلام، ولا إمام غير القرآن، ولا نهج إلا نهج سيد الأنام -عليه الصلاة والسلام-، ألم تستيقن الأمة بعد طول سبات أن التخلي عن العقيدة والتساهل بأمر الشريعة، والتفريط في الثوابت والمبادئ، والتقصير في المثل والقيم، مآله شقاء المجتمعات، وانتقاض الحضارات، وهلاك العباد، وخراب البلاد، وطريق البوار، وسبب الانهيار، وحلول التبار، وتحقق الدمار.
وعلى الرغم من الأثقال والأدواء فإنّ فجرًا صادقًا يلوح في الأفق على مستوى الأمّة، فهي تملك مقوِّمات الحضارة وإمكانات السّيادة، بالإيمان والعمل الصالح، بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجعل الله حزنَ الأمّةِ فرحًا، وعسرَها يُسرًا، وذلَّها عِزًّا، وضعفَها قوّة، لتكون كما أراد الله خيرَ أمّة أخرجت للناس، قال الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [(110) سورة آل عمران].
إن لكل أمة تاريخاً يعتزون به، اليهود يعتزون بدينهم، والصينيون لهم تاريخ، والأقباط لهم تاريخ، كل يعتز بتاريخه ويحافظ عليه، إلا أمة الإسلام، تهاونت في تاريخها، وما ذلك إلا مظهر من مظاهر انسلاخها من دينها وتاريخها، وهو نتاج طبيعي للهزيمة النفسية التي سيطرت على المسلمين أفراداً وجماعات.
إن اعتماد التاريخ الهجري والعمل به التزام من هذه الأمة بدينها، وربط لأجيال الأمة بتاريخها المجيد، وإحياء لشعيرة التميز الذي ميزت به هذه الأمة {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [(110) سورة آل عمران]. وإن نسيان هذا التاريخ يعني ذوبان هوية هذه الأمة، وطغيان الهوية الغربية النصرانية عليها، إنه تشبه بالضالين وهم النصارى.
إننا وإن ابتلينا بهذا التاريخ النصراني، وارتبطت به كثير من مصالحنا، فلا أقل من أن نلتزم بذكر تاريخنا الهجري في حياتنا اليومية، وأن نبدأ به مراسلاتنا ومواعيدنا، وأن نعلمه أبناءنا، بل نتذاكر به جميعاً.
التاريخ الهجري هو تاريخ المسلمين المعتمد الذي انعقد الإجماع على العمل به، وهو من شعائر أهل الإسلام، والرغبة عنه إلى غيره من تواريخ الشرق أو الغرب خروج عن الإجماع، وإظهار شعار من شعار الكفار، واستغناء به ومشاركة في طمس الهوية الإسلامية، ولا يمكن أن تستقيم عبادات هذه الأمة التي أمرها بها خالقها إلا بالتاريخ الهجري؛ فعبادات هذه الأمة مرتبطة بهذا التاريخ وغيره لا يصلح لنا.
إن الأمة لا تستطيع أن تصنع مستقبلها، ولا أن تصلح واقعها إلا من خلال دراستها لتاريخها ومعرفتها به، فبقدر ما تكون الأمة واعية بماضيها، محيطة بتاريخها، حريصة على الإفادة منه، بقدر ما تسمو شخصيتها، وتدرك غايتها وتعرف سبيل الوصول إلى بغيتها، فالأمة المعزولة عن تاريخها، أمة قريبة الجذور، سريعة الاجتثاث والأفول لأدنى عارض ولأدهى عائق، ولذا حرص الأعداء بشتى صنوفهم، الكافرون والمشركون، المنافقون والعلمانيون، على عزل الأمة عن تاريخها، وسلكوا لذلك طرائق قدداً.


أبكي على أمة قامت حضارتها *** بالدين والعلم والأخلاق القيم
قد أمست اليومَ والأمواجُ تقذُفُها *** والخُلفُ حل بها والحربُ في ضرَمِ
إني لأصرخ من قلبٍ يفيضُ أسى *** وتستبد به حالٌ من السأمِ
في كل يومٍ ذئابُ الغاب تنهشُنا *** وتستبيحُ حمى الإسلام والحُرمِ
فالقدسُ تصرخُ والبلدانُ في ترحٍ *** والعينُ في سنةٍ والأذن في صممِ
لا تأمنن حقوداً بات يخدَعُكُم *** يبدي وِدَادَا ويخفي السم بالدسمِ
رغم الخطوب على الأهوال مسرعةً *** يا دعوة النورِ جدي السيرَ واقتحمي
ولتَشهَرِي السيفَ حان اليومَ موعدُه *** قبل الضياعِ وفقدِ الروحِ والشممِ
هيا انهضي بعرى الإسلام واعتصمي *** من الإله بحبلٍ غيرَ منفصمِ
بئسَ التفرق كم ذقنا مرارته *** يا أمةَ الحق والقرآنِ فالتئميِ
إن ننصر اللهَ ينصرنا وتحرسنا *** عنايةُ الله من ظُلمٍ ومن ظُلَمِ
بشائر الخير أنتم رغمَ محنتنَا *** ومشعلُ الخيرِ في النهار والعتمِ
اللهُ أكبر وليعلُ الهتافُ بها *** فالله أكبرُ رُغم الناسِ كلُهمِ


مضى عام كامل وبدأنا عاماً آخر كلمحة برقٍ أو غمضة عين، عام مضى وانقضى من أعمارنا ولن يعود إلى يوم القيامة. رحل عامٌ تاركاً ذكرى وموعظةً في قلوب المؤمنين.
إن هذه الدنيا ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها فيها الظعن، فكم من عامرٍ عمّا قليل يُخرّب، وكم من مقيمٍ مغتبطٍ عمّا قليل سيرحل. لا تبقى على حالة، ولا تخلو من استحالة، تصلح جانباً بفساد جانب، وتُسرّ صاحباً بمساءة صاحب، فالركون إليها خطر، والثقة بها غرر، كثيرة التغيير، سريعة التنكير، شديدة المكر، دائمة الغدر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، والمرء منها على خطر، إما نعمة زائلة، أو بليةٌ نازلة، أو مصيبة موجعة، أو ميتةٌ قاضية، ما هي إلا أيامٌ معدودة، وآجال مكتوبة، وأنفاس محدودة، وأعمال مشهودة، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرّت يوماً ساءت أشهراً وأعواماً، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً، وما حصّلت للعبد فيها سروراً إلا خبّأت له شروراً، ولا ملأت بيتاً فرحاً إلا ملأته ترحاً وحزناً {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [(39) سورة غافر].
لقد حذر الله -تبارك وتعالى- من فتنة الأموال والأولاد في هذه الحياة حتى لا ينشغل العبد بها عن الاستعداد لما أراد الله منه وهو العبادة {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [(28) سورة الأنفال]. ونهى -جل وعلا- عن النظر إلى ما في أيدي الناس لأن ذلك مدعاة إلى الركون إلى الدنيا والانشغال بها عن الدار الآخرة الباقية {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [(131) سورة طـه].
إن الدنيا ظل زائل، وسراب راحل، غناها مصيره إلى فقر، وفرحها يؤول إلى ترح، وهيهات أن يدوم بها قرار، وتلك سنة الله تعالى في خلقه، أيامٌ يداولها بين الناس، ليعلم الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، إنما هي منازل، فراحل ونازل، وهي بزينتها وبريقها ونعيمها إنما هي:


أحلامُ نومٍ أو كظل زائلٍ *** إن اللبيب بمثلها لا يُخدعُ


جعل الله ما عليها فتنة للناس ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، روى ابن ماجة والترمذي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرّ على شاة ميتةٍ فقال لأصحابه: ((أترون هذه الشاة هينة على أهلها؟)) قالوا: من هوانها ألقوها، قال: ((والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء)).
الدنيا قنطرةٌ فاعبروها، ولا تنازعوا أهل الدنيا في دنياهم فينازعوكم في دينكم، فلا دنياهم أصبتم، ولا دينكم أبقيتم. تلكم هي الدنيا التي شُغل بها كثير من الناس، وغرّهم سرابها وبريقها وزينتها، فراحوا يتهافتون على جمعها ويتنافسون في اكتنازها، ورضوا منها بالإقامة والتمتع بشهواتها وملاذها، وتركوا الاستعداد ليوم الرحيل والعمل لدار القرار، ونسوا أنها في حقيقتها ما هي إلا معبراً إلى الدار الآخرة، وميداناً يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق فيه المتسابقون. كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يتخوف الدنيا على أصحابه أن تبسط عليهم كما بسطت على من كان قبلهم، فيتنافسوها كما تنافسها القوم فتهلكهم كما أهلكت من كان قبلهم. قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)) [رواه مسلم]، ومن يرى الناس اليوم وهم يتصارعون على هذه الدنيا ويتكالبون عليها يدرك لماذا يفقد البعض دينه، ويضيّع الكثير أهله وأولاده، وتنتشر الأحقاد وتُزرع الضغائن، وتعمّ البغضاء، وهذا مصداق ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرّق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له)). [رواه الإمام أحمد].
عجباً لغفلتنا في هذه الحياة مع كثرة العبر والمواعظ، يضحك أحدنا ملء فيه، ولعل أكفانه عند القصّار ينسجها، ويلهو ويلعب وربما ملكُ الموت واقف عند رأسه يستأذن ربه في قبض روحه، يخيّل إليه أنه مقيم مغتبط وهو راحل مفتقد يساق سوقاً حثيثاً إلى أجله، الموت متوجه إليه والدنيا تطوى من ورائه، وما مضى من عمره فليس براجع عليه، ولسان الحال كما قال النابغة:


المرء يرغب في الحياة *** وطول عيشٍ قد يضرّه
تفنى بشاشته ويبـ***ـقى بعد حلو العيش مرّه
وتسوءه الأيام حتـ***ـى ما يرى شيئاً يسرّه


كم ودعنا معاشر الأحبة عامنا المنصرم من أب وأم، وكم نعينا من ولد وبنت، وكم دفنا من أخ وأخت، ولكن أين المعتبرون؟ فأكثر الناس إلا من عصم الله في هذه الحياة مهمومٌ مغمومٌ في أمور الدنيا، لكنه لا يتحرك له طرف ولا يهتز منه ساكن إذا فاتته مواسم الخيرات، أو ساعات تحرّي الإجابات، تراه لاهياً ساهياً غافلاً، يجمع ويطرح، يزيد ويُنقص، وكأن يومه الذي يمر به سيعود إليه، أو شهره الذي مضى سيرجع عليه.
إن من أعظم الغفلة أن يعلم الإنسان أنه يسير في هذه الحياة إلى أجله، يَنقص عمره، وتدنو نهايته، وهو مع ذلك لاهٍ غافلٌ لا يحسب ليوم الحساب، ولا يتجهز ليوم المعاد، يؤمّل أن يعمّر عمر نوح، وأمر الله يَطرُقُ كل ليلة، والواعظ يقول له:


يا راقد الليل مسروراً بأوله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا


كم رأينا في هذه الحياة من بنى وسكن غيره، وجمع ثم أكل وارثه، وتعب واستراح من جاء بعده، ألم يأنِ للغافلين اللاهين في هذه الحياة أن يدركوا حقيقتها وأن حياتها عناء، ونعيمها ابتلاء، جديدها يبلى، وملكها يفنى، ونحن مع ذلك في غفلة، كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب. يقول الحسن البصري -رحمه الله-: "أدركت أقواماً لا يفرحون بشيء من الدنيا أتوه، ولا يأسفون على شيء منها فاتهم، ولقد كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي يمشون عليه". انتهى.. قدوتهم في ذلك محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي ارتسمت على لسانه نظرته إلى الدنيا بقوله في الحديث الصحيح: ((مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها)) [رواه الإمام أحمد والترمذي]. وأرشد صحابته بقوله لبعضهم: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) [رواه البخاري]. وهكذا كان السلف -عليهم رحمة الله- كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة، طوى فراشه لا ينام من الليل إلا قليلاً، يصلي ويسبح ويستغفر، يستدرك ما مضى من عمره، ويستعد لما أقبل من أيامه، حتى ليصدق فيهم قول القائل:


إن لله عباداً فطّنا *** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا *** أنها ليست لحيّ وطنا
جعلوها لُجّةً واتخذوا *** صالح الأعمال فيها سَفنا


فتزودوا من الأعمال الصالحة، ولا تغتروا بهذه الدنيا الفانية، واعلموا أنكم راحلون عما قريب، ومفارقون لهذه الدنيا، فـ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيّ)).
كان الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كثيراً ما يتمثل قول الشاعر:


لا شيء مما ترى تبقى بشاشته *** يبقى الإله ويفنى المال والولد
لم تغنِ عن هرمز يوماً خزائنه *** والخلد قد حاولت عادٌ فما خَلَدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له *** والإنس والجن فيما بينها تردُ
أين الملوك التي كانت لعزتها *** من كل أوبٍ إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذبٍ *** لابد من ورده يوماً كما وردوا


إن الدنيا ومع هذه بعض صفاتها، إلا أنها فرصة ثمينة ومزرعة للآخرة نفيسة، فهي موسم للطاعات وزمن للعبادات وميدان للتنافس في الصالحات، فيها يتزود المسلم للآخرة، ويعمل للباقية، وما فاز من فاز يوم القيامة إلا بما أسلف في الأيام الخالية، وقدّم في هذه الدنيا الفانية، فإن الدنيا دار صدق لمن صَدَقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنىً لمن تزوّد منها، وكثير هم الذين يذمون الدنيا ويزعمون أنها السبب في الطغيان والبعد عن الطاعة، وما علموا أنها دار للاستزادة، فبها الطريق إلى الجنة يُبنى، وبها التزّود من الدرجات العلا، ولقد أحسن من قال:


يعيب الناس كلُّهم الزمانَا *** وما لزماننا عيب سوانا
نعيب زماننا والعيب فينا *** فلو نطق الزمان به رمانا


تختلف رغبات الناس ويتغاير شعورهم عند انسلاخ العام، فمنهم من يفرح، ومنهم من يحزن، ومنهم من يكون بين ذلك سبيلا. فالسجين يفرح بانسلاخ عامه، لأن ذلك مما يقرّب موعد خروجه وفرجه، فهو يعد الليالي والأيام على أحر من الجمر، وقبلها تمر عليه الشهور والأعوام دون أن يشعر بها فكأنه يحاكي قول القائل:
أعد الليالي ليلة بعد ليلةٍ *** وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
وآخر يفرح بانقضاء العام ليقبض أجرة مساكن وممتلكات أجَّرها حتى يستثمر ريعها وأرباحها. وآخر يفرح بانقضاء عامه من أجل ترقية وظيفية، إلى غير ذلك من المقاصد التي تفتقر إلى المقصد الأسمى وهو المقصد الأخروي، فالفرح بقطع الأيام والأعوام دون اعتبار وحساب لما كان فيها ويكون بعدها، هو من البيع المغبون.


إنا لنفرح بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً *** فإنما الربح والخسران في العمل


ما الذي أهمّك في عامك الماضي وأقضّ مضجعَك: لقمة تأكلها ولباسًا تلبسه، متعة عابرة، لذة عاجلة، مالاً تقتنيه وتجمعه، أم كان همُّك أن تحيى لله سالكًا سُبُلَ مرضاتِه وجنّاتِه؟.
ما الذي آلمك في أيامك الماضية: منصبٌ لم تستطع تحصيلَه ودنيا لم تبلغ مناك فيها، أم أنّ دعوةَ الله تختلج في نفسك، فإذا علا منارُها وارتفع لواؤها خفق القلبُ فرحًا، وتهادت النفس سرورًا، وإذا أصابتها العواصف والأدواء دمعتِ العين وحزنت النفس وجأر اللسانُ يشكو إلى ربّ العباد أحوالَ العباد؟.
هل كنتَ في عامك الماضي زارعًا للخير، تغرس بكلماتك الفضائل، وتنثر العطرَ بأفعالك، أم كنت تغرس الشرَّ والسوءَ وتؤذي إخوانك؟.
ذلك ماضٍ لا حيلةَ لإرجاعه، وإن كنتَ تملك محوَ ذنوبه وسيّئاته بالتوبة والاستغفار، أمّا عامُك الجديد فإنّك تملكه إن كتب الله لك فيه أجلاً، ابدأ عامَك الجديدَ بهمّة عاليةٍ وعزيمة وقّادة، مقدِّمًا حقوقَ سيّدك وإلهك ومولاك، وحقُّه سبحانه أن يطاعَ فلا يُعصى، وأن يذكَر فلا ينسَى، وأن يُشكرَ فلا يُكفَر.
ها هو العام الجديد قد أقبل، فاستثمر أيّامه ولياليه، قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [(53) سورة الزمر].


ها قد أهلّ على الوجودِ (مُحَرّمُ) *** فالكونُ يزهو والحياةُ تبسّمُ
ترنو إلى ركبِ النبي وقد مضى *** تَبْكيه مكةُ والمَقَامُ وزمزمُ
وحَسِبتُ أني قد بلغْتُ ذرا التقى *** بل ليس مثلي في المحبة مسلمُ
وإذا بأعماقي دويّ صارخٌ *** يا غافلاً حتّى متى تتَوهّمُ
حتى متى والقولُ قد زخرفْتَهُ *** والفعلُ يفضحُ ما تقولُ وتزعُمُ
هل ضيّعَ الإسلامَ إلا قائلٌ *** أفعالُهُ تنفي المقالَ وَتْهدِمُ
فالقدسُ ضاعت من كلامٍ دونما *** فعلٍ يؤيد قولهم ويُتَرْجِمُ
والطفلُ ملّ من الكلامِ وليتهم *** يدَعُونه يرمي اليهودَ ويَرْجُمُ
والعدلُ ملّ من الكلامِ وقد رأى *** مَنْ يَدّعي عدلاً يجورُ ويَظْلِمُ
والطهرُ ملّ من الكلامِ وطالما *** زعمَ الطهارةَ داعرٌ لا يرحمُ
حتى البطولةُ أَعْلنتْ إضرابَها *** لما ادّعاها من يَخافُ ويُحْجِمُ
فَصَرخْتُ كُفّ القولَ قد أَخْجَلْتَنِي *** وكلامُك الحقّ الذي لا يُكْتَمُ


وختاماً فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: ((أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)).
والله المسؤول أن يجعل هذا العام عام خير وبركة، ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين، وعام أمن وأمان وعدل، وأن يجمع فيه كلمة المسلمين على الحق والهدى، ويوحِّد صفوفهم، ويطهر مقدساتهم، وينصرهم على أعدائهم، وأن يجعل حاضرنا خيراً من ماضينا، ومستقبلنا خيراً من حاضرنا، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [(69) سورة العنكبوت].
والحمد لله أولاً وآخراً...